هل تتغير الفتوى بتغيّر الزمان؟ أم أن الأحكام جامدة لا تتغير؟
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يظن بعض الناس أن كل حكم فقهي يجب أن يبقى على صورته التطبيقية الأولى، مهما تغيّر الزمان والمكان والأحوال.
وهذا الفهم لم يقل به الصحابة، ولا الأئمة، ولا كبار علماء الإسلام.
فالذي لا يتغير هو النصوص القطعية والثوابت الشرعية، أما تنزيل الأحكام على الواقع فقد يختلف باختلاف الظروف، ما دام منضبطًا بأصول الشريعة.
ولهذا قرر الإمام ابن القيم قاعدة عظيمة فقال:
"الفقيه من يطبق بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع."
ثم قال:
"لكل زمان حكم."
وليس معنى ذلك أن الدين يتغير، وإنما أن كيفية تطبيق الأحكام على الوقائع قد تختلف عندما تتغير الأسباب والعلل والمصالح.
الصحابة أنفسهم فعلوا ذلك
فالنبي ﷺ أمر بترك ضالة الإبل وعدم أخذها.
لكن في زمن عثمان رضي الله عنه تغيّرت أحوال الناس، وكثر الاعتداء على الأموال، فأمر بحفظ الإبل الضالة وبيعها، ثم يُعطى ثمنها لصاحبها إذا جاء.
فهل خالف عثمان الحديث؟
كلا.
بل فهم علته.
فالحكم بُني على مصلحة حفظ أموال الناس، وعندما تغيّرت الظروف تغيّر التطبيق، لا النص.
وكذلك زاد عثمان الأذان الأول يوم الجمعة عندما اتسعت المدينة وكثر الناس، ليصلهم النداء في الوقت المناسب.
ولم يعترض الصحابة على ذلك، بل أقرّوه.
وكذلك جمع عمر الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، بعد أن زال السبب الذي من أجله ترك النبي ﷺ المواظبة عليها جماعة.
إذن...
الصحابة لم يكونوا أسرى لظاهر الأفعال، وإنما كانوا ينظرون إلى المقاصد والعلل والمصالح.
ماذا عن عصرنا؟
هل واقع المسلمين اليوم يشبه واقع المدينة في القرن الأول؟
هل وسائل الإعلام هي نفسها؟
هل المدارس والجامعات والفضائيات وشبكات التواصل كانت موجودة؟
هل الهجمات الفكرية على الإسلام كانت بهذا الحجم؟
قطعًا لا.
ولهذا فإن الوسائل المشروعة للدعوة والتعليم والتذكير لا يمكن أن تبقى محصورة في صورٍ لم تكن موجودة أصلاً.
فالكتب المطبوعة...
والمؤتمرات...
والقنوات الفضائية...
والمواقع الإلكترونية...
وتطبيقات الهواتف...
كلها وسائل مستحدثة، لكنها تخدم مقاصد شرعية ثابتة.
وكذلك فإن من يرى جواز الاحتفال بالمولد لا يزعم أنه عبادة جديدة، وإنما يراه وسيلة دعوية لتعليم السيرة، وإحياء محبة النبي ﷺ، وتعريف الناس بأخلاقه وشمائله.
ولهذا كان الخلاف بين العلماء في الوسيلة، لا في أصل محبة النبي ﷺ ولا في فضل الصلاة والسلام عليه.
قاعدة ينبغي ألا تُنسى
إن الجمود على الصور مع تغيّر الواقع قد يؤدي أحيانًا إلى تعطيل مقاصد الشريعة نفسها.
ولهذا قال ابن القيم أيضًا:
"من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب، على اختلاف أعرافهم وأزمنتهم وأحوالهم، فقد ضل وأضل."
فالشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد، لا لإيقاعهم في الحرج.
ولهذا بقيت صالحة لكل زمان ومكان؛ لأنها جمعت بين ثبات الأصول ومرونة الوسائل والاجتهادات.
ومن هنا فإن مناقشة الاحتفال بالمولد لا ينبغي أن تكون بمجرد عبارة: "لم يفعله النبي ﷺ"، بل بالنظر إلى قواعد الشريعة، ومقاصدها، وكلام الأئمة، وفقه الصحابة في التعامل مع المستجدات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق