«اليوم أكملت لكم دينكم».. بين فهم السلف وشبهة التبديع
كثيراً ما يُستشهد بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ للقول بأن أي اجتماع على خير أو احتفال بمناسبة دينية (كالمولد النبوي الشريف أو غيره) هو زيادة في الدين وتبديع!
ولكن، هل يصح استخدام هذه الآية الكريمة في هذا السياق؟ دعونا نفهم الأمر بشيء من التفصيل والوعي:
أولاً: ما المقصود بـ «إكمال الدين»؟ أجمع المفسرون (كالطبري والقرطبي وابن كثير) على أن إكمال الدين يعني إكمال أصوله وقواعده وأحكامه الكبرى، وفرض الفرائض وتحليل الحلال وتحريم الحرام، وليس معناه جفاء القلوب وتوقف الأمة عن إحياء وسائل الخير ومحبة النبي ﷺ.
ثانياً: النزول العلمي والتاريخي للآية من الناحية التفسيرية، هذه الآية نزلت يوم عرفة في حجة الوداع، ويرى جمع من العلماء والعلماء التفسير أن الوحي لم ينقطع بعدها فوراً؛ بل نزلت بعد ذلك آيات أخرى، مثل آيات الربا، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ التي يُرجح أنها آخر ما نزل. فالإكمال هنا هو إكمال الأركان والدعامة الأساسية للدين.
ثالثاً: هل الاحتفال تشريع أم وسيلة؟ الذين يحيون هذه المناسبات لا يخترعون "صلاة جديدة" ولا "حجاً جديداً" ليُقال إنهم زادوا في الدين! بل هم يستغلون مناسبة طيبة لجمع الناس على عبادات مشروعة أصلاً:
قراءة القرآن 📖
قراءة السيرة النبوية والتذكير بأخلاق النبي ﷺ 🌸
إطعام الطعام والصدقة 🍲
الصلاة على النبي والذكر 📿 فهل جمع الناس على هذه الطاعات يُعتبر خروجاً عن الدين؟
رابعاً: فهم الصحابة والسلف لمفهوم "المحدثات" جمع الصحابة القرآن في مصحف واحد، ودُوّنت العلوم الشرعية، وجُمِعت صلاة التراويح خلف إمام واحد طوال الشهر على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال عنها: "نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ". لقد فهم الصحابة أن كل ما يخدم الدين ويحقق مقاصده دون أن يخالف نصاً صريحاً هو خير ومستحب، وليس تشريعاً مناقضاً لـ "إكمال الدين".
خلاصة القول: الدين اكتمل بأساسه وشريعته، وحب النبي ﷺ والتذكير بأيامه وإظهار الفرح بنعمته هو تطبيق لعموم قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.
لنختلف بأدب، ولكن لا نضيق ما وسعه الله على عباده، ولا نجعل من آيات النعمة سيفاً نُبَدّع به المسلمين.
#تأملات #تفسير #فهم_السلف #المولد_النبوي #أخلاق_الحوار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق