"التوحيدُ واحدٌ لا يتجزأ".. وقفة مع بدعة تقسيم التوحيد (ثلاثية الأركان).
قبل أن نبدأ: أريد من القارئ الكريم أن يتجرد من الهوى، وأن يبتعد تماماً عن السب أو الشتم في التعليقات. إن الدفاع عن العقيدة لا يكون بلسانٍ فاحش، ومن كان يبتغي نصرة دين الله فليلتزم بأدب نبيه ﷺ. نحن هنا نناقش "منهجاً" بالدليل، ولا نصفي حسابات مع أشخاص.
جوهر المسألة: شاع في القرون المتأخرة تقسيم التوحيد إلى (ربوبية، ألوهية، وأسماء وصفات)، وزعم أصحابه أن هذا هو السبيل الوحيد لفهم حقيقة الإسلام. ولكن عند التحقيق، نجد أن هذا التقسيم أحدث فجوة كبرى في فهم النص القرآني.
أشهر أدلة القائلين بالتقسيم ومناقشتها:
1. الاحتجاج بواقع المشركين:
دليلهم: يستدلون بقوله تعالى: 《وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ》 ليقولوا إن المشركين كانوا "موحدين توحيد ربوبية" ولكنهم أشركوا في الألوهية.
الرد النقلي والعقلي: هذا استدلال منقوص؛ فالقرآن نفسه يقول: 《وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ》. المشركون لم يعرفوا "الله" حق معرفته، بل جعلوا معه شركاء في التدبير والنفع والضر، وهذا قدح في (الربوبية) أصلاً. فمن اعتقد أن الصنم يقربه إلى الله زلفى، فقد جعل للصنم حظاً من "تدبير الربوبية"، لذا فالربوبية والألوهية متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر.
2. الزعم بأن "توحيد الربوبية" لا يدخل في الإسلام:
دليلهم: يقولون إن الإقرار بأن الله هو الخالق (الربوبية) لا يكفي لدخول الإسلام، بل لا بد من إفراد العبادة (الألوهية).
الرد النقلي والعقلي: في القرآن الكريم، استدل الله على وجوب عبادته (الألوهية) بكونه هو الخالق الرزاق (الربوبية). قال تعالى: 《يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ》. فكيف نفصل بين دليلٍ ومدلوله؟ التقسيم يوهم بأن هناك "توحيداً" يمكن أن يمتلكه الكافر، وهو ممتنع عقلاً؛ لأن التوحيد "حقيقة بسيطة" لا تقبل التبعيض.
لماذا نرفض هذا التقسيم؟
بوابة التكفير: هذا التقسيم جعل "العبادة" محصورة في أفعال ظاهرية (كالتوسل)، فمن فعلها صار مشركاً في الألوهية وإن أقر بالربوبية، وهذا لم يقل به السلف.
تصادم مع اللغة: "الإله" في اللغة هو المستحق للعبادة لكونه رباً قادراً. فالتفرقة بينهما هي تفرقة اصطلاحية مخترعة لم يعرفها العرب الذين نزل فيهم القرآن.
مخالفة السلف: الأئمة الأربعة، والأشعري، والماتريدي، كلهم قرروا أن التوحيد هو "اعتقاد وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله". هذا التقسيم الثلاثي (الذات، الصفات، الأفعال) هو الذي يضبط العقيدة دون أن يفتح باب تكفير الموحدين.
التوحيد حقيقة واحدة، فمن آمن بأن الله هو الرب الخالق، لزمه عقلاً وشرعاً أن يكون هو المعبود وحده. أما تقسيم التوحيد لتصنيف المسلمين بين (موحد ربوبية) و(مشرك ألوهية) فهو مسلك لم يجنِ منه المسلمون إلا الفرقة."والخلاف هنا ليس في التقسيم الذهني للتوضيح، وإنما في تحويله إلى معيار إيمان وكفر، أو الادعاء بأنه هو التوحيد الذي جاءت به الرسل دون سواه."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق