الجمعة، 28 أغسطس 2026

مشركو العرب بين الإقرار بالربوبية والشرك قراءة نقدية في الآيات التي استُدل بها على تقسيم التوحيد .

 

مشركو العرب بين الإقرار بالربوبية والشرك

قراءة نقدية في الآيات التي استُدل بها على تقسيم التوحيد

تمهيد

من أكثر المسائل التي دار حولها الجدل في كتب العقيدة المتأخرة مسألة تقسيم التوحيد إلى: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

ولا خلاف في أن علماء المسلمين قد استعملوا عبارات وتقسيمات مختلفة لشرح مسائل الاعتقاد، وأن مجرد اختلاف الاصطلاح لا يجعل صاحبه مبتدعًا أو مخطئًا بالضرورة. وإنما محل البحث هنا أخص من ذلك:

هل يصح أن نصف مشركي العرب بأنهم كانوا "موحدين في الربوبية"، ثم نجعل شركهم محصورًا في الألوهية؟

هذه الدعوى تحتاج إلى قراءة مجموع النصوص القرآنية، لا إلى الوقوف عند آية واحدة.

وقد قرر أصحاب هذا التقسيم أن المشركين كانوا يقرون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر، لكنهم لم يفردوه بالعبادة؛ ولذلك كان شركهم في الألوهية. وهذا المعنى ظاهر في بعض كتب شرح التوحيد المعاصرة التي تفرق بين «توحيد الربوبية» باعتباره أفعال الله، و«توحيد الألوهية» باعتباره أفعال العباد من العبادة والدعاء والذبح ونحوها.

لكن هل تسمح لنا الآيات بإطلاق وصف التوحيد عليهم؟

هنا يبدأ التحقيق.


أولًا: القرآن يثبت أنهم أقروا بأن الله هو الخالق

قال تعالى:

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
[العنكبوت: 61]

وقال:

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
[العنكبوت: 63]

وقال:

﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۝ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾
[المؤمنون: 86-87]

فهذه الآيات لا يصح تجاهلها.

لقد كان لدى طائفة من المشركين إقرار بأن الله هو الخالق، وأن له قدرًا من التدبير والسلطان.

لكن السؤال ليس:

هل كانوا يقرون ببعض خصائص الربوبية؟

بل السؤال:

هل يكفي هذا الإقرار لكي نصفهم بأنهم "موحدون في الربوبية"؟

وهنا ينبغي التفريق بين الإقرار بجزء من الحقيقة وبين تحقيق التوحيد الذي جاءت به الرسل.


ثانيًا: القرآن نفسه وصفهم بالشرك مع إقرارهم بالله

قال تعالى:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾
[يوسف: 106]

وهذه من أهم الآيات في الباب.

فالقرآن جمع في الآية بين الإيمان بالله وبين الشرك.

وهذا يدل على أن مجرد الإقرار بوجود الله، أو الاعتراف ببعض أفعاله، لا يساوي بالضرورة التوحيد الكامل الذي جاء به الرسل.

ومن هنا ينبغي أن تكون العبارة أكثر دقة:

كان عند المشركين إقرار ببعض ما يتعلق بربوبية الله، لكن القرآن لم يسمِّ هذا الإقرار توحيدًا ناجيًا، بل وصف أصحابه بالشرك.

وهذا أدق من إطلاق القول:

«المشركون كانوا موحدين في الربوبية».


ثالثًا: إقرارهم بأن الله الخالق لم يمنعهم من إثبات شركاء

قال تعالى عنهم:

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾
[الأنعام: 100]

وقال:

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾
[النحل: 57]

وقال:

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
[الزمر: 3]

فالمشكلة لم تكن مجرد سؤال:

«من خلق الكون؟»

وإجابة المشرك:

«الله».

بل كانت المشكلة في التصور الذي أقاموه حول العلاقة بين الله وبين تلك المعبودات.

فهم لم يقولوا ببساطة:

الله خالق ونحن نعبده.

بل جعلوا وسائط وشركاء، ونسبوا إليهم من الخصائص ما رفضه القرآن.


رابعًا: قوله تعالى «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله» لا يثبت التوحيد

هذه الآية من أشهر ما يستدل به في المسألة:

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
[الزمر: 3]

لكن لاحظ ختام الآية:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾

فالمشركون كانوا يقرون بالله، ومع ذلك جعلوا بينهم وبينه شركاء ووسائط على وجه العبادة.

إذن لا يمكن أن تكون مجرد دعوى:

«نحن نقر بأن الله هو الخالق»

دليلًا على تحقيق التوحيد الذي نفاه القرآن عنهم.


خامسًا: القرآن يثبت أنهم جعلوا شركاء في جانب الربوبية

من أقوى الآيات في هذا الباب قوله تعالى:

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾

وقوله سبحانه:

﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾
[الأنعام: 94]

وكذلك قوله تعالى:

﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ۝ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[الشعراء: 97-98]

فإذا كان القرآن نفسه يتحدث عن التسوية برب العالمين وعن اتخاذ الشركاء، فإن إطلاق عبارة «موحدون في الربوبية» يحتاج إلى قدر كبير من التقييد والتفصيل.


سادسًا: قصة إبراهيم مع النمروذ تكشف أن مفهوم الربوبية كان محل نزاع

قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾
[البقرة: 258]

وقال النمروذ:

﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾

فرد عليه إبراهيم عليه السلام:

﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾

فالآية تبين أن قضية الربوبية ليست مجرد مسألة نظرية منفصلة عن قضية الألوهية، وإنما تتعلق بإثبات القدرة والتدبير والسلطان الحقيقي لله تعالى.


سابعًا: دعوة الأنبياء لم تكن درسًا اصطلاحيًا في ثلاثة أقسام

حين نقرأ القرآن نجد أن الأنبياء خاطبوا أقوامهم بعبارة جامعة:

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾

قالها نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام.

وقال تعالى عن عيسى عليه السلام:

﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾
[آل عمران: 51]

لاحظ الترابط:

الله ربي → فاعبدوه.

فالقرآن نفسه يصل بين الربوبية والعبادة ولا يقدم لنا الإيمان على صورة ثلاثة توحيدات منفصلة يتعامل معها الإنسان بصورة مستقلة.

وهذا لا يمنع من تحليل النصوص واستخراج معانٍ متعددة، ولكنه يمنعنا من تحميل هذا التحليل أكثر مما يحتمل.


ثامنًا: «الحمد لله رب العالمين» نموذج قرآني جامع

نقرأ في كل صلاة:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

فالذي يستحق الحمد والعبادة هو رب العالمين.

وفي سورة الناس:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ۝ مَلِكِ النَّاسِ ۝ إِلَٰهِ النَّاسِ﴾

ثلاثة أوصاف متجاورة لله تعالى:

الرب — الملك — الإله.

ولا يعني ذلك ثلاثة توحيدات مستقلة، بل هي أوصاف متعددة للإله الواحد سبحانه.

وهذا يقودنا إلى قاعدة لغوية وعقدية مهمة:

تعدد الاعتبارات لا يعني تعدد الموحَّد.

فيمكن للباحث أن يقول: هذا جانب من التوحيد، وهذا جانب آخر، من باب البيان والتعليم؛ لكن لا يصح أن يتحول هذا التقسيم الاصطلاحي إلى تصور يوهم أن الإنسان قد يكون «موحدًا» من وجه و«مشركًا» من وجه آخر ثم يبنى على ذلك أحكام خطيرة دون تحرير دقيق للمقصود.


تاسعًا: ماذا عن قولهم إن المشركين كانوا موحدين في الربوبية؟

هنا ينبغي أن نكون منصفين.

القائلون بهذا التقسيم لا يقصدون عادةً أن المشركين كانوا موحدين توحيدًا ناجيًا، ولا أنهم كانوا مسلمين.

بل يقولون إنهم أقروا بوجود الله وخلقه وتدبيره، مع أنهم لم يفردوه بالعبادة. وهذا التفريق موجود بوضوح في كتبهم.

إذن فالخلاف الحقيقي ليس في وجود إقرار عند المشركين ببعض معاني الربوبية؛ فهذا ثابت بالقرآن.

وإنما الخلاف في:

هل يصح تسمية هذا الإقرار «توحيد الربوبية»؟

ثم:

هل يصح جعل هذا المصطلح أصلًا يُبنى عليه تقسيم الناس إلى موحد في الربوبية ومشرك في الألوهية؟

ثم:

هل يصح بناء أحكام التكفير على هذا التصنيف بمجرده؟

وهذه أسئلة مختلفة ينبغي ألا تختلط.


عاشرًا: هل تقسيم التوحيد نفسه هو محل النزاع؟

هنا نصل إلى أهم نقطة منهجية في البحث.

ليس من الإنصاف العلمي أن نقول:

«كل تقسيم للتوحيد بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يقسمه إلى ثلاثة أقسام».

فكثير من علوم الإسلام دُوِّنت بعد عصر النبوة في صورة مصطلحات وتقسيمات لم ترد بألفاظها في النصوص.

فمثلًا، جمع العلماء مسائل الاعتقاد والفقه والحديث والتفسير في أبواب ومصطلحات لتسهيل التعليم.

ولهذا فإن مجرد كون عبارة «توحيد الربوبية» أو «توحيد الألوهية» لم ترد بهذه الصيغة في حديث لا يكفي وحده لإثبات البدعة.

بل حتى من يقول بهذا التقسيم يصرح بأنه نتيجة استقراء للنصوص، وأنه تقسيم تعبيري لا يعني تعدد التوحيد حقيقة.

إذن النقد العلمي الأقوى هو:

لا ننكر إمكان التقسيم باعتباره اصطلاحًا تعليميًا، وإنما نناقش صحة إطلاق «التوحيد» على إقرار المشركين ببعض خصائص الربوبية، ونناقش النتائج العقدية التي بُنيت على هذا التصنيف.

وهذه صياغة أقوى بكثير من إطلاق وصف «البدعة» ابتداءً.


الحادي عشر: هل الربوبية والألوهية متلازمتان؟

نعم، وهذه نقطة جوهرية.

إذا ثبت أن الله هو الخالق المدبر المستحق للربوبية، فإن ذلك يقود إلى كونه المستحق للعبادة.

ولهذا يقول القرآن:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾
[البقرة: 21]

فذكر الربوبية:

﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾

ثم رتب عليها:

﴿اعْبُدُوا﴾.

وهذا يوضح أن القرآن يستخدم الإقرار بربوبية الله حجةً على وجوب عبادته.

ولهذا حتى بعض المصادر التي تنتقد الفصل الحاد بين المفهومين تقرر وجود تلازم بينهما، مع اختلافها في طريقة صياغة التقسيم.


الثاني عشر: أين تكمن المشكلة إذن؟

المشكلة ليست في أن يقول الباحث:

الربوبية: تتعلق بخلق الله وتدبيره.
الألوهية: تتعلق بإفراده بالعبادة.
الأسماء والصفات: تتعلق بما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات.

فهذه طريقة في ترتيب المعلومات يمكن فهم فائدتها التعليمية.

إنما الإشكال حين يتحول الأمر إلى القول:

«المشرك موحد في الربوبية».

ثم يستعمل هذا الوصف لتقرير صورة معينة من تاريخ الشرك، أو لجعل كل من وقع في فعل مختلف عليه في باب التوسل أو الاستغاثة مثل مشركي مكة، دون النظر إلى اعتقاده وقصده وحقيقة فعله ودلالة النصوص المتعلقة به.

وهنا يتحول المصطلح من وسيلة تعليمية إلى معيار للحكم على الأشخاص والطوائف.

وهذا هو الموضع الذي يحتاج إلى بحث مستقل ودقيق.


الثالث عشر: شهادة يوسف الدجوي

وقد ظهر هذا الاعتراض بصورة صريحة عند العلامة الأزهري المالكي يوسف الدجوي، الذي كتب رسالة بعنوان نقد تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية، وانتقد فيها جعل هذا التقسيم أساسًا للحكم على المخالفين. وتوجد نصوص رسالته منشورة في مصادر متعددة.

والدجوي لم يكن ينكر أن الله رب العالمين، ولا أن العبادة حق لله، وإنما ناقش طريقة الفصل الاصطلاحي بين الربوبية والألوهية والنتائج التي رتبت عليها.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن البحث العلمي ينبغي أن يعرض الخلاف كما هو، لا كما نرغب في تصويره.


الخلاصة

يمكن تلخيص المسألة في سبع نتائج:

1. القرآن يثبت أن المشركين كانوا يقرون بأن الله هو الخالق، وهذا لا يصح إنكاره.

2. لكن القرآن لم يصف هذا الإقرار بأنه توحيد ناجٍ، بل وصفهم بالشرك والكفر.

3. إطلاق عبارة «كان المشركون موحدين في الربوبية» يحتاج إلى تقييد؛ لأن المشركين لم يوحدوا الله توحيدًا مطلقًا في جميع ما يتعلق بالربوبية.

4. الربوبية والألوهية بينهما تلازم قوي في الخطاب القرآني؛ فالقرآن يستدل بربوبية الله على وجوب عبادته.

5. تقسيم مسائل التوحيد إلى عناوين اصطلاحية يمكن أن يكون وسيلة تعليمية، ولذلك لا يكفي مجرد القول: «لم يرد هذا اللفظ عن النبي ﷺ» للحكم على التقسيم بأنه بدعة ضلالة.

6. محل النقد الأقوى هو تحويل التقسيم الاصطلاحي إلى معيار حصري لتعريف التوحيد، ثم بناء أحكام التكفير والتبديع عليه دون تحرير للمعتقد والقصد وحقيقة الفعل.

7. لذلك فالأدق أن نقول:

كان مشركو العرب يقرون ببعض معاني ربوبية الله، لكن هذا الإقرار لم يجعلهم موحدين توحيدًا شرعيًا؛ لأنهم أشركوا بالله في الاعتقاد والعبادة، والقرآن وصفهم بالمشركين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق