هل تقسيم التوحيد مجرد طريقة تعليمية؟
أم تحوّل إلى معيار للحكم على الناس بالشرك والكفر؟
تمهيد
بعد أن تبين أن القرآن يثبت إقرار المشركين بجملة من معاني الخلق والملك والتدبير، مع وصفهم في الوقت نفسه بالشرك والكفر، يبقى سؤال أكثر دقة:
ما قيمة تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية وأسماء وصفات؟
هل هو مجرد تصنيف اصطلاحي وضعه العلماء لجمع مسائل متفرقة تحت عناوين تسهّل دراستها؟
أم أصبح عند بعض الاتجاهات العقدية ميزانًا جديدًا لتحديد من هو الموحد ومن هو المشرك؟
وهذا التفريق ضروري؛ لأن الحكم على الاصطلاح شيء، والحكم على الآثار المترتبة عليه شيء آخر.
أولًا: التقسيمات العلمية ليست مذمومة لمجرد أنها لم ترد بنصها
هذه قاعدة ينبغي تقريرها قبل النقد.
فالعلماء عبر تاريخ الإسلام صنفوا العلوم، وقسموا أبوابها، واستخرجوا منها موضوعات ومباحث لم يرد ترتيبها بهذه الصورة في القرآن أو السنة.
فلم يقل النبي ﷺ مثلًا:
"علم الشريعة ينقسم إلى فقه وتفسير وحديث وأصول فقه..."
ومع ذلك لم يقل العلماء إن هذا التقسيم بدعة ضلالة لمجرد أن النبي ﷺ لم يستعمله.
وكذلك قُسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، وقُسمت الأحكام إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه وحرام، وغير ذلك من الاصطلاحات التي نشأت لخدمة العلم.
إذن:
عدم ورود التقسيم بلفظه في النص لا يكفي وحده للحكم عليه بالبدعة المذمومة.
وهذه نقطة مهمة جدًا في بحثنا؛ لأنها تجعل نقدنا أقوى وأكثر إنصافًا.
ثانيًا: إذن ما المشكلة في تقسيم التوحيد؟
المشكلة ليست بالضرورة في مجرد التصنيف.
بل في أمرين:
1. تحويل الاصطلاح إلى عقيدة لازمة بذاتها
أي أن يصبح من لوازم اعتقاد المسلم أن يقول:
التوحيد ثلاثة أقسام، ومن لم يقر بهذا التقسيم فهو مخالف للعقيدة الصحيحة.
وهذا يحتاج إلى دليل.
2. تحويل التقسيم إلى معيار للتكفير
وهذه أخطر من الأولى.
كأن يقال:
فلان يقر بأن الله الخالق، لكنه لا يوافقنا في بعض مسائل الألوهية، إذن هو مشرك.
هنا لم يعد التقسيم مجرد أداة تعليمية، بل أصبح أداة للحكم على الأشخاص.
وهذا هو الموضع الذي ينبغي أن يخضع لأدلة القرآن والسنة وقواعد أهل العلم في التكفير.
ثالثًا: لا بد من التفريق بين "المعنى" و"الاصطلاح"
قد يقول القائل:
نحن لا نزعم أن النبي ﷺ قال حرفيًا: التوحيد ثلاثة أقسام، وإنما استقرأنا النصوص.
وهذا من حيث أصل إمكان الاستقراء ليس إشكالًا في ذاته.
لكن ينبغي بعد ذلك أن نسأل:
ما الذي أثبته الاستقراء؟
هل أثبت أن هناك ثلاثة "توحيدات" منفصلة؟
أم أثبت أن النصوص تحدثت عن:
- خلق الله وملكه وتدبيره،
- وعبادة الله وإخلاص الدين له،
- وأسمائه وصفاته؟
الفرق كبير.
فوجود هذه المعاني في النصوص لا يعني بالضرورة أنها ثلاثة توحيدات مستقلة.
وقد يكون من الأدق أن نقول:
هي جهات متعددة لبيان توحيد الله، وليست بالضرورة ثلاثة توحيدات منفصلة في الحقيقة.
وهذه الصياغة أقرب إلى إزالة الإشكال الذي نشأ من استعمال المصطلح.
رابعًا: القرآن نفسه يجمع بين الربوبية والألوهية
من أقوى الأدلة قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
[البقرة: 21]
لاحظ البناء القرآني:
﴿اعْبُدُوا﴾ ← توجيه العبادة.
ثم:
﴿رَبَّكُمُ﴾ ← ذكر الربوبية.
ثم:
﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ← ذكر الخلق.
فالقرآن يجعل الربوبية دليلًا على استحقاق العبادة.
وهذا يدل على أن الفصل التعليمي بين المفهومين لا ينبغي أن يتحول إلى فصل حقيقي بينهما.
ولهذا يمكن أن نقول:
الربوبية والألوهية متمايزتان من حيث الاعتبار والبيان، ولكنهما متلازمتان في التوحيد الشرعي.
فالذي يؤمن بالله ربًا حقًا لا يصح أن يجعل معه إلهًا آخر.
خامسًا: هل كان مشركو العرب "موحدين" لأنهم أقروا بالخلق؟
هنا تتضح خطورة إطلاق المصطلح.
الله تعالى يقول:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
فهذا إقرار منهم.
لكن الله تعالى يقول أيضًا:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
فهذا وصف لهم بالشرك.
إذن القرآن لم يحتج إلى اختراع حالة ثالثة اسمها:
"الموحد المشرك."
بل بيّن أن الإنسان قد يقر ببعض الحقائق المتعلقة بالله، ومع ذلك لا يكون مؤمنًا الإيمان الشرعي الذي جاءت به الرسل.
وهنا ينبغي أن تكون العبارة دقيقة:
المشركون عرفوا الله وأقروا ببعض ربوبيته، لكنهم لم يحققوا توحيد الله الذي طلبه منهم الشرع.
وهذا يختلف عن قولنا:
"كانوا موحدين في الربوبية."
فالأولى عبارة قرآنية المعنى، والثانية اصطلاح يحتاج إلى تفسير وقيد.
سادسًا: متى يصبح التقسيم معيارًا جديدًا؟
يصبح التقسيم إشكاليًا عندما ينتقل من:
التعليم → إلى التصنيف العقدي الحاكم.
ومن:
شرح النصوص → إلى الحكم على الأشخاص.
ومن:
بيان أنواع الأدلة → إلى اختراع حد للإسلام لم يأت به النص.
وهنا يجب طرح السؤال:
هل جعل الشارع معيار الإسلام هو أن يقول المسلم: "أنا أقر بتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات"؟
الجواب: لا.
فالنبي ﷺ لما جاءه من يريد الدخول في الإسلام لم يجعل هذه المصطلحات شرطًا لفظيًا للدخول في الدين.
بل جاءت النصوص بأصول واضحة، منها الشهادتان والإقرار بالإسلام، مع ما يترتب على ذلك من الإيمان والالتزام بأحكام الدين.
وهذا لا يعني أن مسائل التوحيد غير مهمة؛ بل يعني أن الاصطلاح نفسه ليس ركنًا شرعيًا مستقلًا.
سابعًا: وهنا تظهر أهمية حديث "أمرت أن أقاتل الناس..."
ورد في الصحيح أن النبي ﷺ قال:
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله...»
فالنبي ﷺ جعل الشهادتين علامة ظاهرة على الدخول في الإسلام.
ولم يقل:
حتى يقروا بتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام.
ولم يجعل حفظ المصطلحات العقدية شرطًا في أصل الإسلام.
وهذا يدل على أن التقسيم الاصطلاحي لا يجوز أن يتحول إلى ركن رابع يضاف إلى أركان الإسلام أو معيار مستقل لإخراج الناس منه.
ثامنًا: لكن هل هذا يعني أن كل ما يسمى "توحيد الألوهية" باطل؟
لا.
وهنا يجب أن نكون دقيقين جدًا.
إذا كان المقصود بتوحيد الألوهية:
إفراد الله بالعبادة
فهذا أصل عظيم من أصول الإسلام، بل هو مضمون شهادة:
لا إله إلا الله.
وإذا كان المقصود بتوحيد الربوبية:
إفراد الله بالخلق والملك والتدبير
فهذه معانٍ ثابتة في القرآن.
وإذا كان المقصود بتوحيد الأسماء والصفات:
إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، وتنزيهه عن النقائص
فهذه أيضًا من مسائل العقيدة.
إذن الخلاف الحقيقي ليس في المعاني القرآنية نفسها.
بل في:
هل يلزم أن نسمي مجموع هذه المعاني "ثلاثة أنواع مستقلة من التوحيد"، ثم نجعل هذا التقسيم معيارًا للحكم على الناس؟
وهنا محل النقاش الحقيقي.
تاسعًا: التقسيم التعليمي شيء، والتكفير شيء آخر
وهذه ربما تكون أهم قاعدة في البحث كله:
ليس كل خطأ في التصنيف العقدي كفرًا، وليس كل خلاف في الاصطلاح خلافًا في أصل الإيمان.
قد يختلف عالمان في طريقة تقسيم مسائل العقيدة، دون أن يكون أحدهما قد أنكر الله أو جحد توحيده.
ولهذا فإن استعمال التقسيم في كتب التعليم لا يعني بذاته تكفير من لا يستعمله.
لكن إذا قيل:
"من لم يعتقد بهذا التقسيم فهو مشرك."
فهنا نطالب بالدليل.
أين قال الله ذلك؟
أين قال رسول الله ﷺ ذلك؟
أين جعل هذا التقسيم حدًا بين الإسلام والكفر؟
وهذه أسئلة مشروعة، ولا يصح أن يُجاب عنها بمجرد تكرار التقسيم نفسه.
عاشرًا: أخطر ما يترتب على الخلط بين التقسيم والحكم
عندما يصبح التصنيف وسيلة لتوزيع الناس إلى:
موحدين ومشركين،
ثم يصبح الاختلاف في بعض صور التوسل أو الاستغاثة أو الزيارة أو غيرها سببًا لإدخال المسلم في دائرة الشرك الأكبر، فإننا لم نعد أمام مجرد تقسيم تعليمي.
بل أمام منهج في الحكم على الأعيان والأفعال.
وهذا باب آخر له قواعده وشروطه وموانعه، ولا يجوز اختزاله في عبارة:
"هذا شرك في الألوهية."
لأن الحكم على فعل بأنه شرك، والحكم على فاعله بأنه مشرك كافر، ليسا شيئًا واحدًا.
وهذه قاعدة مهمة جدًا في علوم العقيدة والفقه.
الحادي عشر: هل كل من خالف في التقسيم يصبح "ضد التوحيد"؟
هذا أيضًا غير صحيح.
فقد يكون شخص ما مؤمنًا بأن:
- الله واحد لا شريك له.
- الله خالق كل شيء.
- الله وحده المستحق للعبادة.
- الله متصف بصفات الكمال ومنزه عن النقائص.
ثم لا يوافق على تسمية هذه المعاني:
"ثلاثة أنواع من التوحيد."
فهل أصبح بذلك منكرًا للتوحيد؟
لا يلزم من ذلك.
لأن الخلاف هنا قد يكون في طريقة التصنيف والتعبير، لا في أصل الاعتقاد.
ومن هنا تظهر أهمية القاعدة:
لا ينبغي أن تتحول المصطلحات العلمية إلى أصنام فكرية تُعبد من دون المعاني التي وضعت لخدمتها.
الثاني عشر: ما الذي ينبغي أن يكون معيار التوحيد؟
المعيار هو النصوص الشرعية المحكمة، لا مجرد الاتفاق على اصطلاح معين.
فالله تعالى يقول:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[محمد: 19]
ويقول:
﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾
[البقرة: 163]
ويقول:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾
[الإخلاص: 1-2]
ويقول:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾
[طه: 14].
هذه النصوص تقرر وحدانية الله واستحقاقه للعبادة دون أن تجعل المصطلح الثلاثي شرطًا مستقلًا.
الثالث عشر: النتيجة التي ينبغي أن يقوم عليها البحث
بعد جمع الأدلة يمكن الوصول إلى نتيجة أكثر توازنًا من مجرد القول:
"التقسيم بدعة."
أو:
"التقسيم هو التوحيد نفسه."
بل نقول:
إن تقسيم مسائل التوحيد إلى الربوبية والألوهية والأسماء والصفات يمكن أن يُفهم باعتباره تقسيمًا اصطلاحيًا استقرائيًا لجمع أبواب دلّت عليها نصوص الوحي، ولا يلزم من عدم ورود هذا التقسيم بلفظه في القرآن والسنة الحكم عليه بمجرد ذلك بأنه بدعة ضلالة.
ثم نقول:
لكن لا يصح أن يتحول هذا التقسيم الاصطلاحي إلى معيار مستقل للحكم على إسلام المسلم أو كفره، ولا أن يُجعل مجرد عدم استعماله أو مخالفة بعض صوره موجبًا للتكفير.
ثم نضيف:
كما أن وصف مشركي العرب بأنهم "موحدون في الربوبية" ينبغي أن يكون مقيدًا؛ لأن القرآن أثبت أنهم كانوا يقرون ببعض معاني الربوبية، لكنه وصفهم في الوقت نفسه بالشرك، فلا يصح أن يُفهم من العبارة أنهم كانوا موحدين توحيدًا شرعيًا ناجيًا.
الخلاصة
يمكن اختصار البحث كله في هذه القاعدة:
التقسيم قد يكون وسيلة للتعليم، لكنه لا يصبح دليلًا على الإيمان والكفر إلا بدليل شرعي مستقل.
فالقرآن جاء بتوحيد الله، والإيمان به، وإخلاص العبادة له، وتنزيهه وإثبات كماله.
أما طريقة ترتيب هذه المعاني في أبواب ثلاثة أو أكثر فهي مسألة اصطلاحية لا ينبغي أن تتحول إلى معركة على أصل الإسلام.
والأخطر من ذلك أن يتحول الاصطلاح إلى سيفٍ يُسلَّط على المسلمين، فيقال عن طائفة:
"أنتم موحدون في الربوبية، مشركون في الألوهية."
ثم تُبنى على ذلك أحكام التكفير.
فهنا لا يكفي أن نقول: "هذا تقسيم العلماء"، بل يجب أن نسأل:
أين الدليل الشرعي الذي يجعل هذا التقسيم حدًّا فاصلًا بين الإسلام والشرك؟
وهذه، في تقديري، هي النقطة الأقوى علميًا في مشروعك كله؛ لأنها تنقل البحث من مهاجمة المصطلح إلى مناقشة وظيفته وآثاره العقدية والفقهية، وهي مسألة يمكن توثيقها ومناقشتها بهدوء بعيدًا عن التجريح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق