الأحد، 23 أغسطس 2026

«فلان ليس عالمًا، وإنما هو قصّاص!» تهمة باطلة وغير شرعية يستخدمها السلفية المدخلية لتسقيط الدعاة !

 


🌿 القصص في الدعوة والخطب… أسلوبٌ قرآني مشروع

فهل يصح أن نقول: «فلان قصّاص وليس عالمًا»؟

من العبارات التي تتردد أحيانًا عند الحديث عن بعض الدعاة:

«فلان ليس عالمًا، وإنما هو قصّاص!»

وكأن وصف الداعية بأنه «قصّاص» يكفي وحده لإسقاطه، والطعن في علمه، والتحذير من الاستماع إليه.

لكن قبل إصدار مثل هذا الحكم، ينبغي أن نسأل سؤالًا بسيطًا:

هل القصص في الدعوة والخطب أسلوب مذموم شرعًا؟ أم أنه أسلوب أصيل استخدمه القرآن الكريم والنبي ﷺ في التعليم والتذكير والتربية؟

وهنا تأتي أهمية التفريق بين مشروعية أسلوب القصص وبين الأخطاء التي قد يقع فيها بعض القصاص.


📖 أولًا: القصص أسلوب قرآني في الهداية والتربية

القرآن الكريم مليء بقصص الأنبياء والأمم السابقة والمؤمنين والمكذبين، ولم يكن سرد هذه القصص لمجرد الحكاية، وإنما لتحقيق مقاصد عظيمة من العبرة والتفكر والهداية والتربية.

قال الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[يوسف: 111]

وقال سبحانه:

﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[الأعراف: 176]

فتأمل:

﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾

فقد جعل الله القصص وسيلة للتفكر والاعتبار.

ومن هنا، فإن استعمال القصة في الدعوة ليس أسلوبًا غريبًا عن المنهج الإسلامي، بل هو أسلوب قرآني أصيل.


🌿 ثانيًا: والنبي ﷺ استخدم القصص في التعليم والدعوة

لم يكن تعليم النبي ﷺ لأصحابه قائمًا على الأحكام المجردة وحدها، بل كان يستخدم وسائل متعددة؛ منها القصة، والمثال، والحوار، وضرب المثل.

وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة يقص فيها النبي ﷺ أخبار الأنبياء والأمم السابقة، ويذكر مواقف تحمل العبرة والترغيب والترهيب.

وهذا يدل على أن القصة يمكن أن تكون وسيلة فعالة في إيصال المعنى الشرعي إلى القلب والعقل.

فالناس ليسوا سواء في طريقة تلقيهم للعلم؛ فقد يفهم أحدهم الحكم من الدليل، بينما يحتاج آخر إلى مثال، وقد تغير قصة صادقة حياة إنسان لأنها جعلته يرى المعنى أمامه بصورة عملية.


⚖️ ثالثًا: لكن أليس بعض العلماء قد ذمّوا القصاص؟

بلى.

ولكن هنا يقع الخلط.

فالعلماء لم يذموا القصة من حيث هي قصة، وإنما ذموا بعض القصاص بسبب ما كان يقع في مجالسهم من الكذب، والأحاديث الموضوعة، والأخبار الواهية، والتوسع في الحكايات على حساب العلم النافع.

قال ابن الجوزي رحمه الله:

«ذُمَّ القصاص؛ لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد».

فالمشكلة إذن ليست في:

القصص.

وإنما في:

الكذب، وعدم التثبت، وإضاعة العلم، وجعل الحكايات مصدرًا للتشريع.

وهذا فرق جوهري.


🌱 رابعًا: الإمام أحمد يبين الفرق بين القاص المذموم والقاص النافع

ومن أقوى ما يستأنس به في هذه المسألة ما نقله المروذي عن الإمام أحمد رحمه الله.

قال:

«سمعت أبا عبد الله يقول: يعجبني القصاص؛ لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر».

وقيل له: أترى الذهاب إليهم؟

فقال:

«أي لعمري إذا كان صدوقًا؛ لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر».

ونُقل عنه أيضًا:

«ما أحوج الناس إلى قاص صدوق».

وقال:

«يعجبني القصاص في هذا الزمان؛ لأنه يذكر الشفاعة والصراط».

وهذه النقول مهمة؛ لأنها تبين أن الإمام أحمد لم يجعل كلمة «قاص» مرادفة للجهل أو الانحراف.

بل فرّق بين:

القاص الصدوق النافع للعامة

وبين:

القاص الذي يكذب وينقل الموضوعات والمناكير.

📚 وهذه الآثار أوردها ابن مفلح في «الآداب الشرعية والمنح المرعية» (2/82).


🎯 خامسًا: فهل يصح أن نقول: «فلان قصّاص وليس عالمًا»؟

هنا ينبغي أن نقف قليلًا.

إذا كان المقصود من العبارة أن هذا الشخص لا يمتلك التأصيل العلمي الكافي في باب معين، فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى بيان ودليل.

أما أن يكون الدليل الوحيد على نفي العلم عنه هو:

«لأنه قصّاص ويكثر من القصص»

فهذا ليس دليلًا صحيحًا.

لأن استعمال القصص لا ينافي العلم، كما أن عدم استعمال القصص لا يثبت العلم.

فقد يكون الإنسان عالمًا ويستعمل القصص.

وقد يكون داعيةً وواعظًا ومربيًا.

وقد يجمع بين العلم والتأصيل والوعظ والتربية.

والحكم على علم الإنسان يكون من خلال علمه وأدلته وتأصيله وصحة كلامه، لا من خلال الأسلوب الذي يختاره في عرض الموعظة.


🧭 سادسًا: لا تجعلوا الأسلوب سببًا لإسقاط الداعية

من المهم أيضًا أن ندرك أن الناس متفاوتون في استعدادهم لتلقي العلم.

فالشاب الذي بدأ طريق الالتزام قد لا يكون مستعدًا في البداية لدراسة المطولات أو مسائل الأصول والخلاف، لكنه قد يتأثر بموعظة صادقة أو قصة صحيحة تفتح قلبه، وتجعله يحب الصلاة، أو يترك معصية، أو يبدأ في طلب العلم.

وقد تكون الموعظة بابًا إلى العلم.

ولهذا ليس من الحكمة أن يأتي شخص إلى شاب فرح بتأثره بمحاضرة نافعة، فيقول له:

«لا تسمع لهذا، إنه قصّاص، أنا أستمع إلى العلماء فقط!»

بل الأولى أن يقال له:

انتفع بالموعظة فيما ينفعك، ثم اطلب العلم من أهله، واجمع بين التربية والتأصيل.

فالدعوة تحتاج إلى العالم، وتحتاج إلى الواعظ، وتحتاج إلى المربي، وتحتاج إلى من يحسن مخاطبة الناس بلغة يفهمونها.

ولا يلزم أن يؤدي الجميع الدور نفسه.


🔎 سابعًا: القصة وسيلة وليست مصدرًا للتشريع

وهنا لا بد من التأكيد على أمر مهم حتى لا يُفهم الكلام خطأ:

نحن لا نقول إن كل قصة صحيحة، ولا إن كل قصاص عالم، ولا إن القصة تغني عن الدليل.

بل الداعية مطالب بأن يتثبت فيما ينقل، وأن يتجنب الأحاديث الموضوعة والأخبار الكاذبة، وأن يميز بين الصحيح والضعيف، وألا يجعل القصة وحدها دليلًا على حكم شرعي.

فالقاعدة:

الدليل يثبت الحكم، والقصة تقرّب المعنى وتؤثر في النفس.

وبذلك تكون القصة خادمة للعلم وليست بديلًا عنه.


🌿 الخلاصة

القصص في الدعوة والخطب أسلوب مشروع، وأصيل، وله أصل واضح في القرآن والسنة.

والقرآن نفسه استخدم القصص لتحقيق الهداية والعبرة والتفكر، والنبي ﷺ استخدم القصص في التعليم والتذكير.

ولذلك فإن كلمة:

«قصّاص»

لا ينبغي أن تتحول إلى تهمة جاهزة لإسقاط الدعاة.

إن كان عندنا اعتراض على داعية، فلنقل:

هذه المسألة أخطأ فيها، وهذا الدليل على خطئه.

أو:

هذا الحديث ضعيف، وهذه القصة لا تثبت، وهذا الاستدلال غير صحيح.

أما أن نقول:

«فلان قصّاص، إذن ليس عالمًا»

فهذا يحتاج إلى دليل.

🌱 لأن الإنصاف يقتضي أن نقول:

ليس كل قصّاص عالمًا، نعم.
لكن ليس كل قصّاص جاهلًا أيضًا.

والفارق بين القاص النافع والقاص المذموم ليس في مجرد استعمال القصص، وإنما في الصدق، والتثبت، والعلم، وحسن توظيف القصة في الدعوة.

فالقصص أسلوب من أساليب الدعوة… والعلم يُعرف بالدليل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق