لو كانت اللحية دليلاً حتمياً ومطلقاً على الصلاح والرجولة الحقيقية، لكان صناديد قريش وكفارها (كأبي جهل، وأبي لهب، وأمية بن خلف) في قمة الصلاح والرجولة؛ فقد كانت لحاهم كثة وطويلة جرياً على عادات العرب الجبلية حينها! فاللحية في أصلها خِلقة يشترك فيها الصالح والطالحمثال هؤلاء الموجودين في الصورة ، والمؤمن والكافر.
«تستدلون بصورة الأسد والسباع لإثبات الرجولة، بينما كان لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأي آخر تماماً!
فقد رأى رجلاً قد ترك لحيته حتى كثرت، فأخذ بحديها ثم قال: ائتوني بجلمين (المقص)، ثم أمر رجلاً فجزَّ ما تحت يده، ثم قال له: (اذهب فأصلح شعرك أو أفسده؛ يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سَبُعٌ من السباع!) [نلقه الطبري، وابن بطال (9/146)، والعيني (22/47) في شرح البخاري].
أمير المؤمنين ذمَّ الهيئة التي تشبه السباع والأسود، ودعا إلى إصلاح الشعر والتجمل، فهل أنتم أفهم للسنة وأحرص على الفطرة من الفاروق عمر؟!»
يظن البعض أن السنة والرجولة تقتضي ترك اللحية كيفما اتفقت دون تهذيب، بل ويتباهى البعض بتشابهها مع لبدة الأسد! ولكن الفقه العميق لصحابة رسول الله ﷺ كان يرى في هذا الإفراط خروجاً عن الذوق الإنساني والتجمل الشرعي.
يروي الأئمة (الطبري، وابن بطال، والعيني في شرح صحيح البخاري) أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رأى رجلاً قد ترك لحيته حتى كثرت، فأخذ بحديها ثم قال: ائتوني بجلمين (يعني المقص)، ثم أمر رجلاً فجز ما تحت يده، ثم قال: «اذهب فأصلح شعرك أو أفسده؛ يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من السباع!».
اللحية تخضع لـ "باب التجمل والنظافة وإصلاح الشعر"، وليست حكماً تعبدياً جامداً يُترك ليتشوه به مظهر الإنسان.
الصحابة الكرام -وعلى رأسهم الفاروق- كانوا يتدخلون بالأخذ والقص والتهذيب، ولم يروْا في ذلك مخالفة لأمر النبي ﷺ، بل إدراكاً لعلة التشريع وهي التجمّل والتميّز الفطري السوي.
«من يتهمنا بأننا نأتي بأقوال غريبة، نقول له: نحن نقرأ الفقه بعيون الصحابة رضي الله عنهم.
هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يجبر رجلاً على قص لحيته بالمقص (الجلمين) ويقول له تعنيفاً: (يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من السباع).
فلو كانت اللحية تعبدية مطلقة يحرم المساس بها أو تقصيرها، لَـمَا تجرأ الفاروق على قصها وإجبار الرجل على ذلك. الأثر يثبت أصالة القول بأن هيئة اللحية تابعة للنظافة، والعادات، والأعراف، وليست من محكمات العبادات التوقيفية.»
تفكيك "فقه الغابة".. هل شعر الأسد دليل شرعي؟
بقلم: [اسم صفحتك]
من أحدث وأغرب أساليب "المزايدة العاطفية" التي نراها تتردد على منصات التواصل الاجتماعي عند نقاش حكم حلق اللحية، هي تلك الصورة الشهيرة التي تجمع بين أسدٍ ذي لبدة كثيفة وبجانبه لبوة، ومرفقة بعبارة تهويلية عامية تقول: (إذا حلق الأسد لحيتها أصبح لبوة!)، في محاولة للإيحاء بأن اللحية هي المقياس الأوحد للرجولة والفحولة، وأن حلقها خروج عن الفطرة وتشبه بالنساء!
ولأن العلم يقتضي منا تفكيك الأوهام قبل الأحكام، وجب أن نناقش هذا الاستدلال السطحي بـ "منطق العقل والفقه" عبر النقاط التالية:
خِلقة الحيوانات جبلية بحتة، محكومة بقوانين الطبيعة التي فطرها الله عليها لتمييز الذكور عن الإناث لأغراض التزاوج والصيد، وليست محكومة بـ "التكليف الشرعي".
إذا جعلنا غزارة الشعر مقياساً مطلقاً للرجولة، فالأكباش لها قرون والنعاج بلا قرون، وطاووس الذكر مليء بالريش الملون البديع والأنثى مجردة منه؛ فهل نقيس رجولة الإنسان وقيمته على قرون الكبش وريش الطاووس وشعر الأسد؟! تشبيه الإنسان بالحيوان في معرض استنباط الأحكام الشرعية هو إسقاط منطقي لا يستقيم.
إن اختزال "الرجولة" و"الاستقامة" في مجرد شعيرات تظهر على الوجه هو تسطيح شديد لطبيعة البشر. التاريخ والواقع يثبتان أن المروءة والشهامة تكمن في المواقف، والأخلاق، ونقاء السريرة، وعفة اللسان.
ففي الواقع، كم من إنسان ملتحٍ حاد عن الفطرة الإنسانية والشرعية السوية، وارتكب موبقات يندى لها الجبين، ولم تحمه لحيته من السقوط الأخلاقي! وفي المقابل، كم من رجل حليق (لعذر أو لعادة أو لتقليد) يملك من الشهامة، والمروءة، ونصرة الحق، والالتزام بحدود الله ما يزن جبالاً.
لو كانت اللحية دليلاً حتمياً ومطلقاً على الصلاح والرجولة الحقيقية، لكان صناديد قريش وكفارها (كأبي جهل، وأبي لهب، وأمية بن خلف) في قمة الصلاح والرجولة؛ فقد كانت لحاهم كثة وطويلة جرياً على عادات العرب الجبلية حينها! فاللحية في أصلها خِلقة يشترك فيها الصالح والطالح، والمؤمن والكافر.
يزعم أصحاب صورة الأسد أن الحليق "يتشبه بالنساء". والرد الفقهي المحقق أن المرأة خُلقت أصلاً بلا لحية (خلقة جبلية)، والنهي الشرعي عن التشبه بالنساء يتعلق بـ "القصد والتكلف" فيما يختص به جنس النساء (كالتأنث في الكلام، أو لبس الحلي والثياب الخاصة بهن). أما الرجل الذي يحلق لسبب أو لآخر، فهو لا يفعل ذلك بقصد أن يصبح امرأة أو يتأنث، وشتان بين الأمرين عند الفقهاء المحققين.
لقد كرم الله الإنسان بالعقل والتكليف، وجعل معيار التفاضل عنده أعمق بكثير من المقارنات البيولوجية مع عالم الحيوان؛ فقال سبحانه: {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، ولم يقل أكثركم شعراً.
اعفوا لحاكم محبةً وتأسياً بالهدي النبوي الشريف، ولكن لا تسيئوا للسنة النبوية بمحاولة إثباتها عبر "القياس على الأسود"، واعلموا أن مذهب الشافعية (كالإمام النووي) يرى حلقها مكروهاً وليس حراماً، وال مكروه لا يسقط مروءة الرجل ولا يخرجه من صفوف الرجال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق