يقول المانعون لحلق اللحية بأن إعفاء اللحية من سنن الفطرة لذا فهي واجبة ؟
الجواب :
لتأصيل المسألة أصولياً وفقهياً، لأن هذا المربع هو الذي يُثبت بالدليل العلمي أن المسألة فيها سعة وخلاف معتبر بين أئمة الإسلام، وليس فيها رأي واحد قطعي.
دعنا نناقش هذه النقطة بناءً على قواعد أصول الفقه المعتمدة عند العلماء:
1. ما هي "سنن الفطرة" في الحديث الشريف؟
في الحديث الصحيح الذي تذكره: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء...» (صحيح مسلم).
وهنا نسأل السؤال العلمي الأصولي: هل كل ما ورد في هذا السياق واجب ويأثم تاركه؟
السواك: من سنن الفطرة، فهل من تركه آثم؟ (باتفاق العلماء: لا، هو مستحب).
قص الأظفار ونتف الإبط: من سنن الفطرة، فهل من أخرها أو قصر فيها يأثم إثماً شرعياً؟ (باتفاق العلماء: لا، هو مكروه تنزيهاً).
غسل البراجم (عقد الأصابع): من سنن الفطرة، وهو مستحب باتفاق.
2. قاعدة "دلالة الاقتران" عند الأصوليين
هناك قاعدة أصولية معروفة تقول: "اقتران الأوامر في سياق واحد يفيد اتحادها في الحكم ما لم يقم دليل على التفرقة".
بما أن النبي ﷺ جمع اللحية مع السواك، وقص الأظفار، ونتف الإبط في سياق واحد وسماها جميعاً "سنن الفطرة"، ولم يأتِ نص مستقل يوجب اللحية بعقوبة محددة عدا سياق الهيئات والزينة، فقد ذهب جمع من المحققين من العلماء إلى أن الأمر هنا للإرشاد والاستحباب والندب، وليس للوجوب العيني الذي يُفسّق تاركه.
3. من هم هؤلاء الأئمة؟
القول بأن إعفاء اللحية "سُنّة مستحبة وحلقها مكروه وليس حراماً" ليس قولاً مخترعاً اليوم، بل هو:
المعتمد والمفتى به عند متأخري الشافعية، وهو قول الإمامين الجليلين النووي والرافعي (وهما شيخا المذهب وأهل التحرير فيه)، وتابعهما عليه كبار الفقهاء كالشيخ زكريا الأنصاري، والخطيب الشربيني، وابن حجر الهيتمي في بعض كتبه.
وهو قول جماعة من علماء المذاهب الأخرى كالقاضي عياض من المالكية في بعض توجيهاته.
هل يمكن لفقيه منصف أن يصف الإمام النووي أو الإمام الرافعي أو المذهب الشافعي بـ "الجهل" أو "مخالفة السنة" لمجرد أنهم عملوا بالقواعد الأصولية واستنبطوا أن سنن الفطرة تفيد الاستحباب؟
العلم يا أخي العزيز يتسع للاختلاف في الفروع، وإعفاء اللحية سُنّة نبوية شريفة نُجلّها ونحترم من يتمسك بها، ولكن لا نوجب على الناس ما جعله كبار الأئمة في دائرة السعة والاستحباب. هدا نا الله وإياك للحق والإنصاف.
----
لايوجد اجماع على تحريم حلق اللحية و مقولة الإمام مالك (حالق اللحية فاسق لا تقبل شهادته) لايصح النقل عنه
أولاً: بخصوص إجماع ابن حزم في "مراتب الإجماع":
كتاب "مراتب الإجماع" لابن حزم من الكتب التي تتبعها العلماء بالنقد والتحرير، وأشهر من تعقبه هو الإمام ابن تيمية في كتابه الشهير "نقد مراتب الإجماع". وابن حزم نفسه معروف بتشدده في دعوى الإجماع وتفرده بمطالب شاذة أحياناً بسبب مذهبه الظاهري، وقد خرق هذا الإجماع أئمة كبار من المذاهب المعتبرة كمتأخري الشافعية (كالنووي والرافعي) الذين قرروا كراهة الحلق لا تحريمه، والفقهاء لا يخرقون إجماعاً مستقراً يقيناً.
ثانياً: بخصوص مقولة الإمام مالك (حالق اللحية فاسق لا تقبل شهادته):
هذا النقل عن الإمام مالك بهذا اللفظ غير موجود في أمهات كتب المذهب المالكي المعتمدة (كالمدونة، أو البيان والتحصيل، أو الذخيرة)، بل هو صيغة مبالغ فيها نُقلت في بعض كتب المتأخرين. المنقول والمشهور عن الإمام مالك في "المدونة" هو كراهة حلقها وتأثيم من حلقها "خروجاً عن هيئة الرجال إلى هيئة النساء"، لكن لم يقل بـ "رد الشهادة وعدم التوسيع له في المجالس" كحكم عام مطرد على كل من قصر أو حلق، بل المالكية يرون كراهة حلق الشارب أيضاً وشددوا فيه أكثر من اللحية.
اخواني الكرام هدا نا الله وإياكم. لو كان الإجماع منعقداً يقيناً كإجماع الصلوات الخمس، لما وجدنا في كتب المذهب الشافعي المعتمدة (كالمنهاج للنووي وشرح الروض للأنصاري) أن حلق اللحية مكروه وليس حراماً. العلماء لا يخالفون الإجماع القطعي؛ مما يدل على أن إجماع ابن حزم المذكور هو إجماع ظني منقود، وقد رده المحققون كابن تيمية في "نقد المراتب".
أما السب والشتم فلا يزيد صاحب الحق حجية. دم بخير.
المسألة تظل في دائرة الخلاف الفروعى المعتبر، والقول بالاستحباب وال كراهة مبني على قواعد أصولية معتبرة عند الشافعية وغيرهم وليس جهلاً. تحياتي لك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق