الاثنين، 29 يونيو 2026

قراءة تأصيلية في فقه المعازف ومغالطات التحريم

 

 قراءة تأصيلية في فقه المعازف ومغالطات التحريم

بقلم: [@بصائر_ورسائل_فقهية ]

مقدمة البحث بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ ففي هذه المقالة سأعرج على مسألة سماع المعازف باعتبارها مثالاً حياً لتأثر الفقه بالواقع، وكيف تحولت من مسألة فقهية فرعية يسوغ فيها الخلاف بين الفقهاء كغيرها، إلى مسألة يتنازع حولها الأتباع وتصبح برزخاً للتصنيف والاقصاء والاستقطاب المنهجي. ويجدر التنبيه في هذا المقام إلى أن مقصد التناول هنا إنما يخصّ معاقد النظر في المسألة وليس الاستيعاب في تفاصيلها، وذلك بتأكيد مواطن الخلل المنهجي بدلاً من مجرد عرض الأقوال وذكر الراجح منها. وربما استعملت في بيان ما أراه خللاً في النظر الاجتهادي مصطلح "المغالطات"، وهو مصطلح متداول في المجال الأصولي تأثراً بعلم المنطق، وتكمن مشكلته في أنه ينطلي على الكثير من غير المتخصصين، ويستعمله الكثير من الجماهيريين لاستقطاب فئة أو التنفير من فكرة ما.

مغالطة دعوى الإجماع وتفنيدها إن إدراج هذه المسألة في مجال المحرمات القطعية قد يثير الصراع بشكلٍ غير محمود، كيف وقد نقل بعض العلماء في تحريم المعازف الإجماع على ذلك، وأوصل بعضهم قطعية التحريم بحصر أكثر من خمسين عالماً حكوا الإجماع على حرمة الغناء؟ بيد أن حكاية الإجماع هنا مستحيلة منهجياً؛ لأن الإجماع له شروطه المشددة التي لا يمكن أن تقع إلا في المسائل الكبار التي عليها جمع من النصوص الصريحة، لأن مخالفته حينئذ سوف تعتبر خروجاً عن الشرع بما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهو ما لا يتوافر في مسألة المعازف. وقد تكون هذه الحكاية من باب الإجماع السكوتي ذي الدلالة الظنية، المختَلَف على حجيته أصلاً.

وفي المقابل، نجد أن هناك من حكى بإجماع أهل المدينة، وهو ابن الطاهر، على جواز ضرب العود، كما أن للإمام الشوكاني نفسه كتاباً يفند فيه حجية الإجماع على تحريم المعازف والغناء وهو كتاب "إبطال الإجماع على تحريم مطلق السماع". والعجيب في التاريخ الفقهي لهذه المسألة أن أبا الفتوح أحمد الغزالي الواعظ، أخا حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، ألّف كتاباً حاداً سمّاه "بوارق الإلماع في تكفير من يحرم السماع". وهذا يدل على أن هذا الدليل الأهم (الإجماع) يقع ضحيةً لمغالطةٍ منهجية الهدفُ منها إثبات ضعف أدلة الخصم وتأكيد منعٍ من الغريب أن تُساق له كل تلك الادعاءات.

تحرير محل النزاع الفقهي لكي يستقيم النظر الأصولي، لا بد من تحرير محل النزاع بين العلماء؛ فقد اتفقوا أولاً على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو تحريض علي معصية، إذ الغناء ليس إلا كلاماً، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، وكل قول يشتمل علي حرام فهو حرام. كما اتفقوا ثانياً على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات والإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة، كالعرس وقدوم الغائب، وأيام الأعياد، ونحوها بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها. واختلفوا في عدا ذلك اختلافاً بيناً: فمنهم من أجاز كل غناء بآلة وبغير آلة بل اعتبره مستحباً، ومنهم من منعه بآلة وأجازه بغير آلة، ومنهم من منعه منعاً باتاً وعدّه حراماً، بل ربما ارتقى به إلى درجة الكبيرة.

مذاهب المجموعات الفقهية والأعلام عند النظر في المذاهب الأربعة المنضبطة، نجد تبايناً في التعاطي مع الآلات المصاحبة للغناء؛ فبينما ذهب علماء الحنيفة إلى تحريم الآلات الموسيقية بأنواعها الوترية والإيقاعية والهوائية مستثنين الدف وطبل الغزاة، نجد في مذهب المالكية آراءً مختلفة، فمنهم من حرم الوتر والمنفوخ وأباح الدف، ومنهم من أحل جميع المعازف كالقاضي ابن العربي. أما الحنابلة فذهبوا إلى تحريم الوترية والهوائية، وفي الإيقاعية كالقضيب وجهان الراجح فيهما التحريم، مع إباحة الدف بلا جلاجل وكراهته للرجال. وفي المذهب الشافعي، ذهب الفقهاء في الجملة إلى تحريم الآلات الهوائية والوترية وإباحة الدف بلا جلاجل وطبل الغزاة، إلا أن جمهور الشافعية خالفوا ابن القيسراني الذي ذهب إلى إباحة جميع الآلات الموسيقية، كما خالفوا أبا حامد الغزالي الذي حرم الأوتار والمزامير وطبل الكوبة وأباح ما دون ذلك بناءً على علة اقترانها بمجالس الخمر. وفي المقابل، تميز مذهب الإمام ابن حزم الظاهري بإباحة الآلات الموسيقية جميعها بلا استثناء.

وقد حفِل التاريخ الفقهي بأعلام كبار انتصروا لإباحة السماع؛ منهم الإمام المجتهد الشوكاني الذي أكد في رسالته المخصصة للمسألة أن السماع بآلة وغيرها من مواطن الخلاف بين أئمة العلم ومن المسائل التي لا ينبغي التشديد في النكير على فاعلها، واصفاً دعوى قطعيتها بالجهالة وقصر الباع. وكذلك الفقيه والمؤرخ الشافعي كمال الدين الأدفوي الذي ألف كتابه الشهير "الإمتاع في أحكام السماع"، والعلامة ابن دقيق العيد (مجدد المئة السابعة) الذي نقل عنه الأدفوي في كتاب "إقناص السوانح" قوله بأنه لم يرد حديث صحيح على منعه ولا حديث صحيح على جوازه وأن المسألة اجتهادية. وينضم إليهم القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الذي فند في "أحكام القرآن" كل أسانيد التحريم واعتبرها باطلة سندا ومعتقداً وتأويلاً، مبيناً أن المباح قد يستدرج به الشيطان للمعصية لكنه إذا تجرد يكون مباحاً، وأباح الزمر في العرس. وكذلك الإمام الحافظ ابن طاهر المقدسي القيسراني في "كتاب السماع"، وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي الذي انتصر في "إحياء علوم الدين" لإباحة الآلات الموسيقية ونفى أن يكون الطرب سبباً للتحريم بذاته، مقيساً الأصوات الموزونة البديعة على صوت العندليب، مبيناً أن التحريم إنما طرأ لكون بعض الآلات اتخذت شعاراً لأهل الخمر والفجور، فإذا انتفت هذه العلة عادت الآلات إلى أصل الإباحة.

مناقشة أدلة المحرمين وتفنيدها إن التدقيق في أدلة التحريم يكشف عن خلل ظاهر في الاستدلال وضعف منهجي في عدم الجمع بين النصوص وأطراف الأحاديث، فالاستدلال يحصل باجتزاء اللفظ واستنباط التحريم المباشر وفقاً لظاهر المعنى، مع وجود خلط في بيان مصطلحات الملاهي التي وردت فيها الأحاديث. ومن ذلك استدلالهم بقوله تعالى: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله"، حيث فسروا اللهو بالغناء، وردّ ابن حزم على ذلك بأن نص الآية يبطل احتجاجهم؛ فالذم متوجه لمن يشتري اللهو بقصد "الإضلال عن سبيل الله واتخاذها هزواً" وهذا كفر بلا خلاف، أما من اشتراه ليتلهى به ويروح عن نفسه فلا تشمله الآية. وكذا استدلالهم بآية "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه"، والظاهر من سياقها أن اللغو هو سفه القول من السب والشتم، ولو سلمنا بدخول الغناء فيه فالآية تستحب الإعراض تمدحاً ولا توجبه، واللغو كالباطل يعني ما لا فائدة فيه، وسماع ما لا فائدة فيه ليس محرماً ما لم يضيع حقاً أو يشغل عن واجب، والنية الصالحة تحيل اللهو قربة والمزح طاعة.

أما من حيث السنة، فقد استدلوا بالحديث المعلق في صحيح البخاري: "ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف"، وقد رده ابن حزم لانقطاع سنده حيث يدور على هشام بن عمار وقد ضعفه الكثيرون، ومع التعليق والاضطراب فإن دلالته غير صريحة؛ إذ كلمة "يستحلون" قد تكون مجازاً عن الاسترسال في الاستعمال، ولو سلمنا بالتحريم فالمقصود هو تحريم المجموع (الاجتماع في مجالس المجون والترف والخمور والنساء) لا كل فرد منها على حدة. وبالمثل، فإن حديث زمارة الراعي مع ابن عمر، وصفه أبو داود بأنه منكر، ولو صح لكان حجة للمجيزين لا المحرمين؛ فلو كان سماع المزمار حراماً لما أباح النبي ﷺ لابن عمر سماعه، ولو كان عند ابن عمر حراماً لما أباح لنافع سماعه ولأمره بتغيير المنكر، فإقرار النبي ﷺ دليل على الجواز، وإنما تجنب عليه السلام سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا تنزهاً. أما مقولة "إن الغناء ينبت النفاق في القلب" فلم يثبت حديثاً بل هو قول لبعض الصحابة خالفهم فيه غيرهم، وقد وجهه الغزالي بأنه يخص المغني الذي يتودد للناس ليروج صوته، وهذا لا يوجب تحريماً فكثير من المباحات كالثياب الجميلة والتفاخر بالزروع قد تنبت النفاق في القلب ولا تحرم. أما دعوى أن صوت المرأة عورة للنهي عن غنائها، فليس عليه دليل من الدين، فقد كانت النساء يسألن الرسول ﷺ في ملأ من أصحابه، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ سمع غناء الجاريتين ولم ينكر عليهما وقال لأبي بكر "دعهما".

أدلة المجيزين من النصوص ومقاصد الشريعة إذا انتفت أدلة التحريم وسقطت، بقي حكم الغناء على أصل الإباحة بلا شك وفق القواعد العامة، فكيف ومعنا نصوص صريحة؟ منها حديث الجاريتين وتعليل النبي ﷺ: "ليعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأني بعثت بحنيفية سمحة"، وحديثه لعائشة في زفاف الأنصار: "فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، وحديث عامر بن سعد في رخصة اللهو عند العرس، والأثر الصحيح عن ابن عمر في سماعه للغناء وسعيه في بيع المغنية مع عبد الله بن جعفر، وقرن الله تبارك وتعالى للهو بالتجارة في سورة الجمعة دون ذمهما إلا من حيث شغل الصحابة عن الخطبة.

ومن حيث المقاصد وروح الإسلام، فالغناء من طيبات الدنيا التي تستلذها الأسماع، فهل الطيبات حرام في الإسلام؟ لقد كان الله قد حرم على بني إسرائيل بعض الطيبات عقوبة لهم، فلما بعث محمداً ﷺ جعل عنوان رسالته أنه "يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث"، ولم يبح الله لأحد أن يحرم الطيبات مهما كانت صلاح نيته وجعل تحريمها كإحلال المنكرات. وحب الغناء والطرب للصوت الحسن غريزة إنسانية وفطرة بشرية يتأثر بها الرضيع والبهائم كالإبل مع الحداء، والأنبياء بعثوا بتكميل الفطرة لا بتبديلها؛ ومصداق ذلك إبدال أهل المدينة بيومي اللعب الجاهلي يومي الفطر والأضحى، ورؤية النبي ﷺ للحبشة يلعبون في المسجد، فالإنسان لا صبر له على الجد المطلق والصرامة الدائمة، والقلوب تمل كما تمل الأبدان ولابد لها من طرائف الحكمة ترويحاً واستجماماً ليقوى المرء على الحق، وكما قال الغزالي فإن اللهو دواء القلب من داء الإعياء فينبغي أن يكون مباحاً، بل يصير بالنية الصالحة قربة يستعان بها على طاعة الله والنشاط على البر.

خاتمة البحث تلك هي الأدلة المبيحة للغناء من نصوص الإسلام وقواعده، فيها الكفاية كل الكفاية، وقد قال بموجبها الكثيرون من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ وحسبنا أن أهل المدينة على ورعهم، والظاهرية على حرفيتهم وتمسكهم بظواهر النصوص، والصوفية على تشددهم وأخذهم بالعزائم، روي عنهم إباحة الغناء. ونقل الأثبات من المؤرخين أن عبد الله بن جعفر كان يصوغ الألحان لجواريه ويسمعها منهن على أوتاره في زمن علي بن أبي طالب، وحكي مثل ذلك عن القاضي شريح، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، والشعبي، وأن عبد الله بن الزبير كان له جوار عوادات، وأن ابن عمر دخل عليه ورأى العود فلم ينكره بل قال "هذا ميزان الشام"، وكل هذا يرفع المسألة من الفضاء القطعي التكفيري ويعيدها إلى دائرتها الاجتهادية السائغة التي لا إنكار فيها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق