بقلم: بصائر ورسائل فقهية
سؤال اجتماعي ونفسي يتردد كثيراً في أروقة النقاشات الفقهية: هل كلما كان الرجل ذا لحية استحي واستعفف، وعصمته لحيته من فعل المنكرات؟ وهل اللحية هي المعيار الحصري الذي يمنح الرجل الوقار والرجولة، بحيث إذا سقطت سقط وقاره؟
اللحية بلا شك زينة للرجل، وهدي نبوي شريف فيه سمت حسن ووقار نجلّه، ونحترمه، ونحث عليه كمسلك للأخيار والأنبياء. ولكن تحويل هذا السمت البصري إلى "صك أمان" من المعاصي، أو جعله مقياساً وحيداً لتقييم رجولة ومروءة عباد الله، يحتاج إلى وقفة إنصاف وتأمل بميزان الشريعة والواقع:
التقوى، والعفة، والوقار مكانها القلب؛ كما قال المعصوم ﷺ: «التقوى هاهنا» وأشار إلى صدره ثلاثاً. والواقع والتاريخ يثبتان أن صلاح الباطن لا يتلازم طرداً مع طول اللحية؛ فكم من ملتحٍ ارتكب العظائم والموبقات والناس يعيرونه في وجهه (مما يدل على أن اللحية لم تعصمه)، وفي المقابل، كم من رجل حليق اللحية (لعذر أو لغير عذر) يملك من العفة، والأمانة، والصدق، وغض البصر، والشهامة ما يزن جبالاً.
إن القول بأن حليق اللحية قد سُلِب عنه الوقار، أو أنه "مُتوقع منه المنكر" لمجرد أنه حليق، هو حكم فيه تسرع كبير وإجحاف بحق ملايين المسلمين. فالوقار في الإسلام يُكتسب بـ (العلم، والأدب، وحسن الخلق، والعمل الصالح) لا بهيئة الوجه فحسب. ولو كان مقياس الوقار بطول اللحية، لكان أبو جهل، وأبو لهب، وأكابر مجرمي قريش، وأحبار أهل الكتاب في أعلى درجات الوقار لأن لحاهم كانت وافرة وطويلة! فاللحية مظهر مشترك، والجوهر هو الفارق.
نعم، اللحية سمت الصالحين، ولكن الشريعة أسمى من أن تحصر "الرجولة" في الطول والقصر. الرجولة الحقيقية تظهر في مواقف الحق، وحفظ الأمانات، وبر الوالدين، وصون الأعراض، وضبط اللسان عن أعراض المسلمين. ولذلك، لما ناقش جهابذة الأمة (كالمحققين من الشافعية كالإمام النووي والرافعي) حكم اللحية، قالوا إنها من خصال الفطرة ومستحبات الهيئات والتجمّل، ولم يربطوا بها صحة إيمان المرء، أو عدالته، أو وقاره الفطري والاجتماعي.
نحن نجلّ اللحية ونراها وقاراً وامتثالاً لمن أخلص نيتّه، لكننا لا نملك الحق في سلب الوقار والمروءة والرجولة عن إخواننا المسلمين لمجرد أنهم أخذوا بالقول الفقهي المعتمد الذي يرى فيها كراهة التنزيه أو باب العادات المتغيرة.
إن الشريعة جاءت لتهذيب البواطن والقلوب أولاً، وظاهرٌ مسترسل بلا باطنٍ تقي، لا يغني عن صاحبه أمام الله شيئاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق