هل حقاً حرّم الإسلام الموسيقى؟
مقدمة: من عتمة الزنزانة إلى فضاء الجمال حينما كنت وراء القضبان، وقعت عيني على سطرٍ في رواية للكاتبة أحلام مستغانمي تقول فيه: "خلق الله العالم كي يؤلف بيتهوفن سيمفونيته التاسعة". ورغم تحفظي الشرعي على صياغة العبارة، إلا أنها أشعلت في نفسي رغبة عارمة في سماع هذا الأثر الموسيقي الذي قيل في روعته ذلك الكلام. وبحكم قيد السجن، بقيت تلك الرغبة حبيسة الصدر حتى منّ الله عليّ بالإفراج؛ فحينها فقط أطفأت ذلك الشغف بسماع السيمفونية، لتتأكد لي حقيقة باهرة: الموسيقى آية من آيات الجمال المسكوب في هذا الكون الفسيح، والفن المحكوم بالأدب والذوق هو أداة الإنسان لاستشعار هذا الإبداع الإلهي. ومن هنا، يبرز العجب من مسلك غلاة الخطاب الديني الذين يحاولون قمع الفطرة التواقة للحسن، ويلوون أعناق نصوص شريعة جاءت لتهذيب الغريزة لا لاستئصالها.
المفهوم المقاصدي للموسيقى و"اللهو" في القرآن إن التأسيس الفقهي والنظري لمسألة السماع يتضح جلياً في كلمة المفكر الدكتور محمد عمارة حين أكد: "أن سماع الآلات ذات النغمات أو الأصوات الجميلة لا يمكن أن يحرم باعتباره صوت آلة، أو صوت إنسان، أو صوت حيوان، وإنما يحرم إذا استعين به على محرم، أو اتخذ وسيلة إلى محرم". ومن المؤسف أن نرى بعض الدعاة يخوضون معارك ضارية حامية الوطيس، ويصل الأمر ببعضهم إلى تحطيم الآلات الموسيقية علناً، وكأنها السبب الرئيس في تراجع الأمة وارتكاسها بين الأمم.
ويستند خطاب المنع في الغالب إلى قوله تعالى في سورة لقمان: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم). بيد أن الفحص الأصولي لمفهوم "اللهو" يدرجه ضمن المناشط الإنسانية المباحة بالأساس؛ فالإسلام لم يعادِ اللهو لذاته، بل نظمه كبقية شؤون الحياة. ونجد هذا التوازن واضحاً في سورة الجمعة حيث يقول الحق سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع... وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين). فالقرآن هنا قرن اللهو بالتجارة؛ فكما أن البيع والتجارة مباحان مالم يشغلا عن فريضة الصلاة، فكذلك اللهو ليس حراماً لعينه، وإنما يطرأ عليه المنع إذا صار ذريعة للصد عن الواجبات وتضييع الفرائض.
القياس العقلي وموقف حجة الإسلام الغزالي لقد صاغ حجة الإسلام أبو حامد الغزالي قياساً عقلياً بديعاً في كتابه "إحياء علوم الدين" حين قال: "إن الأصل في الأصوات حناجر الحيوانات، وإنما وضعت المزامير على أصوات الحناجر، وهو تشبيه للصنعة بالخلقة التي استأثر الله تعالى باختراعها... فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة، فلم يذهب أحد إلى تحريم صوت العندليب، ولا فرق بين حنجرة وحنجرة، ولا بين جماد وحيوان". ويمضي الغزالي في تشخيصه النفسي الصارم واصفاً منكري الجمال بقوله: "ومن لم يهزه العود وأوتاره، والروض وأزهاره، فهو فاسد المزاج، ليس له علاج". وبناءً على هذا المنطق السوي، فإنه من التناقض المعرفي أن نبيح النغم والهدير القادم من حنجرة بلبل أو اهتزاز أوراق الشجر بفعل الرياح، ثم نحكم بالتحريم المطلق على ذات النغم لمجرد أنه خرج من حنجرة إنسان أو آلة موسيقية صنعها البشر في عصر من العصور.
السنّة النبوية وإقرار السماع على الصعيد التطبيقي، تُثبت الآثار والسنن الصحيحة أن الغناء والسماع كانا حاضرين ومقرّين في العهد النبوي الشريف؛ ففي صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث, فاضطجع على الفراش وحول وجهه، فدخل أبو بكر، فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله؟ فأقبل عليه رسول الله وقال: دعهما". وهذا إقرار صريح بحل السماع، وتحويل وجهه الشريف لم يكن إنكاراً بل رعاية لخصوصية الجاريتين وتنزهاً. وفي رواية أخرى في الصحيح، عندما زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، قال النبي ﷺ: "يا عائشة، أما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، بل إنه ﷺ أرشدها إلى كلمات الغناء تطييباً لخاطرهم. وروى النسائي عن السائب بن يزيد أن امرأة جاءت إلى رسول الله فقال لعائشة: "يا عائشة، أتعرفين هذه؟ قلت: لا يا نبي الله، قال: قينة بني فلان، تحبين تغنيك؟ فغنتها".
وفي ذات السياق، يروي النسائي عن عامر بن سعد قال: "دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله ومن أهل بدر يفعل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت اذهب، فقد رُخّص لنا في اللهو عند العرس". أما الأحاديث التسعة عشر التي تُساق في باب النهي والتحريم، فعلاوة على كونها تعارض المنهج التطبيقي المقر في الأحاديث الصحيحة، لم يسلم منها حديث واحد مرفوع من الطعن والقدح في رواته وأسانيده عند جهابذة المحدثين. وإنما توجه المنع في بعض الفتاوى التاريخية لعلل خارجية احتفت بالعمل، كاقتران السماع بمجالس الخمر والمجون، أو قصد الزنادقة الصد عن القرآن بما يسمى "التغبير".
خاتمة: الشريعة والفطرة السوية إن المحصلة النهائية التي ينظر من خلالها الإسلام -دين الفطرة- إلى مسألة الغناء والمعازف، تؤكد أن هذا الدين لم يكن يوماً أسود العباءة أو مقطب الجبين، بل أحل للمسلم التلذذ بالطيبات واستجمام النفس وفق ضوابط الأخلاق والمسؤولية. وينبغي على الإنسان الذي كرمه الله بالعقل وفطره على حب الجمال، أن يُخضع ما يسمعه للمحاكمة العقلية والذوقية السليمة، ليميز بين مقاصد الشرع التيسيرية الفسيحة، وبين الزيوف والآثار الواهية والقصص التي يكررها بعض الخطاب الوعظي التنفيري للتضييق على عباد الله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق