الاثنين، 29 يونيو 2026

حديث المعازف: بين انقطاع السند واضطراب الدلالة

 

اختيار ممتاز وعميق؛ فهذا العنوان (حديث المعازف: بين انقطاع السند واضطراب الدلالة) يختزل الإشكالين الكبيرين في الحديث (السند والمتن) بأسلوب علمي دقيق وجاذب للقراء المهتمين بالتحقيق الفقهي والحديثي.

إليك المقال كاملاً ومنسقاً تحت العنوان المختار، ليكون جاهزاً للنسخ والنشر فوراً:

حديث المعازف: بين انقطاع السند واضطراب الدلالة

مقدمة: البحث في صحة السند ودلالة النص تُعد مسألة تحريم الغناء والمعازف من المسائل التي كثر فيها النزاع، ويظل الحديث المروي في صحيح البخاري: (ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف) هو العمدة لدى القائلين بالمنع المطلق. ومع ذلك، فقد اختلف جهابذة العلماء في ثبوت هذا الحديث وصحته، كما اختلفوا في تأويل دلالته: هل المقصود حرمة كل أمر من هذه الأمور على حدة؟ أم أن الوعيد منصب على الجمع بين هذه الأشياء في سياق المجون؟ (والحِرُ هنا يعني الزنا، أعاذنا الله وإياكم منه). ونستعرض هنا تفصيل الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في نقد هذا الحديث سنداً ومتناً.

أولاً: العلة الحديثية.. انقطاع السند واضطراب المتن إن هذا الحديث، وإن ذُكر في صحيح البخاري، إلا أنه أُخرج من "المعلقات" وليس من "المسندات المتصلة"؛ حيث قال البخاري فيه: "وقال أبو عامر أو أبو مالك الأشعري..." دون أن يذكر صيغة السماع المباشر لشيوخه. ولأجل هذا الانقطاع الظاهر في السند، ردّه الإمام ابن حزم الظاهري ولم يحكم بصحته، مبيناً مع عدد من الحفاظ أن سند الحديث ومتنه لم يسلما من الاضطراب والشك من الراوي.

ثانياً: مدار الطرق.. هشام بن عمار في ميزان الجرح والتعديل رغم أن الحافظ ابن حجر العسقلاني اجتهد في وصل الحديث من تسع طرق خارج صحيح البخاري، إلا أن التدقيق الفحصي يُظهر أن هذه الطرق جميعاً تدور على راوٍ واحد تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد، وهو هشام بن عمار (خطيب دمشق ومحدثها). ومع توثيق ابن معين والعجلي له، إلا أن أقوال أئمة النقد فيه تجعل حديثه في مواطن النزاع محل توقف:

  • الإمام أبو داود: قال عنه: "حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها".

  • الإمام أحمد بن حنبل: وصفه بأنه "طياش خفيف".

  • الإمام أبو حاتم وابن سيار: قالا: "صدوق وقد تغيّر؛ فكان كل ما دُفع إليه قرأه، وكل ما لُقّن تلقّن".

  • الإمام النسائي: قال: "لا بأس به" (وهذه المرتبة لا تفيد التوثيق المطلق عند أهل الفن).

  • الحافظ الذهبي: رغم دفاعه عنه، قال: "صدوق مكثر، له ما يُنكر".

إضافة إلى ذلك، أنكر عليه الأئمة أنه كان لا يُحدث إلا بأجر مالي؛ ومثل هذا الراوي الذي طرأ عليه التغير واختلاط الحفظ لا يُحتج بحديثه بإنفراد في المسائل الكبرى التي عمت بها البلوى بين الأمة.

ثالثاً: الاحتمال في الدلالة وسقوط الاستدلال لو تغاضينا عن علة السند وسلمنا بظاهر الثبوت، فإن دلالة النص تظل حمالة أوجه، ووفقاً للقواعد الأصولية: "إذا تطرق الاحتمال بطل به الاستدلال":

  1. غموض اللفظ: كلمة "المعازف" لم يتفق أهل اللغة على معناها بالتحديد؛ فقيل هي "الملاهي" وهو لفظ مجمل، وقيل آلات العزف.

  2. معنى الاستحلال: ذكر الإمام ابن العربي المالكي أن عبارة (يستحلون) لها معنيان؛ أحدهما حقيقي وهو: "اعتقاد الشيء حلالاً"، والثاني مجازي وهو: "الاسترسال والإفراط في استعمال تلك الأمور". ولو كان المقصود الاستحلال الحقيقي لكان ذلك كفراً مخرجاً من الملة، لأن استحلال الحرام القطعي (كالزنا والخمر) كفر بالإجماع.

رابعاً: علّة الاقتران والمجموع إن الراجح عند محققي العلماء أن الوعيد في الحديث متوجه إلى "تحريم المجموع المذكور" لا كل فرد على حدة؛ فالنص ينعى أخلاق طائفة انغمست في الترف والليالي الحمراء، فجمعت بين الخمر والنساء، واللهو والغناء، والحرير والخز.

ويؤيد هذا الفهم الروايات الأخرى للحديث؛ فقد أخرجه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والبخاري في تاريخه من طريق غير هشام بن عمار بلفظ: (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض...). فجاء الوعيد والعقوبة منصبين بالدرجة الأولى على شرب الخمر، وما كانت المعازف والمغنيات في السياق إلا مكملة وتابعة لمجالس المجون الخمرية، وليست محرمة لذاتها إطلاقاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق