الاثنين، 29 يونيو 2026

هل الموسيقى محرمة لذاتها أم لطريقة استعمالها؟


هل الموسيقى محرمة لذاتها أم لطريقة استعمالها؟

مقدمة: آفة التنطع وتحرير محل النزاع يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون)، قالها ثلاثاً. وبناءً على هذا التأصيل النبوي في ذم الغلو، يتبين بالنظر الفقهي المستقيم أن التحريم في مسألة الغناء والموسيقى لم يتوجه إلى ذات الآلة أو الصوت، وإنما إلى طريقة الاستعمال والغاية منها. فالمعازف والغناء وسائل؛ والوسائل تأخذ أحكام مقاصدها. ومن هنا نرى في الواقع مَن يضل عن سبيل الله بالموسيقى، وهذا أمر مشاهد لا إنكار فيه، ونرى في المقابل مَن يروّح عن النفوس ترويحاً مباحاً أو يخدم قضايا الفضيلة والخلق الحسن، فالأول وظّف المباح في حرام قذر، والثاني أبقاه على أصل طهارته ونفعه.

التدقيق الأصولي في الآيات المستدل بها يتذرع القائلون بالتحريم المطلق بقوله تعالى في سورة لقمان: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين). والتدقيق العلمي في الآية يوضح أن الحالة الموصوفة بالذم هي المحرمة وليست ذات الآلة؛ فالذم متوجه لمن اشترى اللهو لغرض خبيث وهو "الإضلال والتهكم بدين الله". ويؤكد هذا النظر النحوي وجود الكسرة تحت حرف اللام في قوله (ليضل)، وهي لام التعليل والسببية (وليست لام العاقبة كما ذهب الواحدي في تفسيره)، بغض النظر عن اختلاف القراءات السبعية. فمن اشترى السماع للترفيه المباح الخالي من المنكرات، لم تشمله الآية قطعاً.

أما الاستدلال الثاني بقوله تعالى لإبليس في سورة الإسراء: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك)، وتفسير "الصوت" هنا بالمعازف هو تفسير ضيق وضغيف؛ إذ التفسير الصحيح والشامل للصوت هنا هو "كل داعٍ إلى معصية الله". فالمعازف والكلام إن دعت إلى رذيلة أو غزل ساقط وعشق منحط، كانت من صوت الشيطان؛ وإن خلت من ذلك ودعت إلى الفضيلة والترويح أو كانت معازف مجردة تثير في النفس الشجن المباح، نُسبت إلى أصل خلق الله الطيب (كقولنا: أرض الله وناقة الله).

تفكيك حديث الاستحلال في صحيح البخاري روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف...) الحديث. والحديث صحيح ثابث، وقد أخطأ الإمام ابن حزم في تضعيفه ورُدّ عليه ذلك. لكن الشاهد هنا هو وجه الدلالة؛ فالحديث لا يصح الاستدلال به على التحريم الذاتي المطلق للمعازف، وغاية ما فيه دلالة على "تحريم اقتران المعازف بالمنكرات القطعية" (كالزنا والخمر). فهؤلاء الأقوام ذُمّوا لأنهم استباحوا المعازف بلا ضوابط ولا شروط في مجالس المجون بعد أن استحلوا الخمر والزنا.

علاوة على ذلك، فإن التحريم في الحديث متوجه إلى "المجموع" لا إلى الآحاد بانفراد؛ ولولا الأدلة المتواترة الأخرى الخارجة عن هذا الحديث، لما علمنا تفاصيل تحريم الخمر أو الزنا أو تفصيل حكم الحرير للرجال. وإذا كان هذا شأن الحرير، فكيف بالمعازف؟

أما القول بقاعدة "لا يجتمع محرم ومباح في الوعيد"، فلا يصح تطبيقها هنا لثلاثة أسباب:

  1. وجود الحرير في السياق، وهو ليس محرماً مطلقاً.

  2. استخدام لغظ "أقوام"، مما يجعله حديث إخبار ووصف لحال طائفة، لا حديث أحكام مجردة.

  3. إننا لو أخذنا بالتحريم المطلق من هذا الحديث، لحرّمنا صناعة الحرير ولبسه للنساء، أو لبسه للرجال في حالات الحكة والحرب والاستشفاء، وهذا باطل بالسنّة المتواترة التي تثبت أن الأصل العام للحرير هو الإباحة، والتحريم فيه طارئ مستثنى (وهو لبس الرجال لغير علة).

الرد على الأحاديث الضعيفة والقياسات المتكلفة يستدل البعض بحديث: (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نغمة، ورنة عند مصيبة)، وهو حديث ضعيف أخرجه البزار، ولا يصح الاحتجاج به سنداً. أما متناً، فالمزمار في لغة الشرع يُطلق على الحنجرة البشرية لقوله ﷺ لأبي موسى الأشعري: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود). والمقصود باللعن في الحديث -على فرض صحته- هو السماع المتلبس بالمعاصي؛ إذ لو كان كل مزمار أو نغمة ملعوناً، لكان قارئ القرآن بصوت حسن ملعوناً، وهذا باطل.

أما ما نُقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية -مع جلالة قدره- من قياس لذة الموسيقى بلذة السكر بالخمر، فهو مردود؛ لأن اللذة ليست أصلاً في ذات الخمر، بل هي مشتقة من الثمار الطيبة التي صُنعت منها كالعنب والتمر. والأشربة الحلال قد تمنح لذة أعظم، وصوت القرآن أو بلابل الفطرة يسبب طرباً وانسجاماً روحياً لا علاقة له بالإسكار قلّة أو كثرة. والخلط بينهما يشبه عدم التمييز بين البيع والربا لمجرد الشبه الظاهري، بينما حكمهما مختلف تماماً كاختلاف الماء الصافي عن الماء الملوث.

دعوى إجماع المذاهب الأربعة إن الادعاء بأن المذاهب الأربعة اتفقت على تحريم آلات الطرب إطلاقاً هو ادعاء غير دقيق تاريخياً؛ فالمذاهب لم تحرمها بالمنع الذاتي المطلق بل تقييداً بالعلل والممارسات. وثانياً: اتفاق المذاهب الأربعة -على جلالتها- لا يمثل إجماع الأمة المعصوم؛ فكل أحد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ. والراجح الذي عليه المحققون من علماء الإسلام أن المعازف ليست مباحة بالاطلاق ولا محرمة بالاطلاق، بل الحكم الأصلي الذاتي فيها هو الإباحة والحلّ، والتحريم عارض طارئ ينشأ من تلبسها بالمنكر.

خاتمة: فقه التعاون والنيات بناءً على قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، فإن الموسيقى إن رافقتها الفواحش ونُشرت بها الرذيلة، كان ذلك من باب التعاون على الإثم والمجاهرة بالمعصية. أما إن وظفت في نشر الفضيلة والترويح المباح عن النفس، فهي تدخل في باب المباحات التي تصبح طاعات بالنية الصالحة (دون اتخاذها شعيراً تعبدياً مبتدعاً كما تفعل غلاة الصوفية).

ويشهد لهذا القياس الأصولي مسألة الجماع؛ فإنه إن كان مع الزوجة كان للمرء فيه أجر وثواب، وإن كان مع أجنبية كان عليه وزر وعقاب؛ فالعمل واحد، واختلاف العناوين والروابط والنيات هو الذي نقل الحكم من النقيض إلى النقيض. وكذلك المعازف؛ إن استُعملت in طاعة وترويح مباح كان لصاحبها أجر بحسن نيته، وإن استُعملت في منكر أو بدعة كان عليه وزرها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق