الجمعة، 3 يوليو 2026

كلمة هادئة في حديث الجارية

 

كلمة هادئة في حديث الجارية


انتشرت في العصر الأخير مفاهيم خاطئة حول تفسير وفهم النصوص التي تتحدث عن الذات الإلهية، خصوصاً لدخول الخيال والوهم ساحة التفكير والفهم؛ فتم قياس الغائب على الشاهد، والمجرد المعقول على الحاضر المحسوس بذاته بصرف النظر عن وجود مشترك بينهما يكون علة للقياس، فساقهم الخيال إلى محاولة تصور الذات الإلهية، وكانت بداية هذا التصور أن يثبتوا الله تعالى حيزاً يشغله، أي مكاناً، وبالتالي يكون في جهة.

وقد دأب هؤلاء على محاولة تصيّد نصوص الكتاب والسنة التي يمكن لي عنقها حتى يمكنهم الاعتماد عليها، وقد جهدوا في ذلك أشد الجهد؛ لأن الكثرة الكاثرة من النصوص محكمات ناطقة بالتنزيه والتعظيم، والقلة القليلة من النصوص متشابهة أو في حكم المتشابه.

ومن هذه النصوص الكلمات الشاذة في حديث الجارية في (صحيح) الإمام مسلم في سؤال النبي ﷺ: «أين الله؟» وإجابة الجارية: (في السماء)، وهو نص شاذ فرد - كما قلنا - خالف ما هو أصح منه وأثبت وأكثر، فلننتقل إلى دراسة هذا الحديث.

نص الحديث الذي فيه قصة الجارية بلفظ « أين الله » كاملاً (صفحة ٦ - ٨)

أخرج مسلم في صحيحه قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وأبو بكر بن أبي شيبة - وتقاربا في لفظ الحديث - قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال:

بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم؛ فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم!! فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم !! فلما رأيتهم يُصَمِّتُونني لكني سكتُ، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه؛ فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني؛ قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله ﷺ.

قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان. قال: «فلا تأتهم». قال: ومنا رجال يتطيرون. قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم» قال ابن الصباح فلا يصدنكم. وقال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك».

قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية؛ فااطعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون؛ لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟! قال: «ائتني بها»، فأتيته بها، فقال لها: «أين الله ؟ قالت : في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فأنها مؤمنة» اهـ.

قال الحافظ البيهقي - رحمه الله تعالى - في كتابه «الأسماء والصفات» عقب روايته للحديث: «وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الأوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية. وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث». اهـ. فهو يصرح بأن قصة الجارية التي هي قطعة من الحديث: (أ) ليست في «صحيح مسلم» عنده. (ب) اختلف الرواة في ألفاظها.

النقطة الأولى والثانية واختلاف الروايات (صفحة ٩ - ١١)

النقطة الأولى: يتضح من كلام الحافظ البيهقي أن نسخ «صحيح» مسلم لم تتفق كلها على هذه القصة، فلعل الإمام مسلماً قد راجع كتابه في مرحلة تالية وحذفها كما كان الإمام مالك يفعل في «الموطأ»، وكما فعل البخاري عندما أخرجه في كتابه «خلق أفعال العباد» واقتصر على ما يتعلق بتشميت العاطس بدون أي إشارة إلى اختصاره للحديث، أي أنه لم يعتمد صحة ما ورد في قصة الجارية؛ نظراً لاختلاف الألفاظ الواردة فيها والدالة على عدم الضبط.

النقطة الثانية: اختلاف ألفاظ الحديث بين رواية الصحابي معاوية بن الحكم ورواية غيره. قلت: بل اختلفت رواية الصحابي معاوية بن الحكم نفسه !! كما سنوضحه.

أولاً: روايتا معاوية بن الحكم: ١ - الرواية الأولى أخرجها الإمام مسلم في «صحيحه» وفيها: فقال لها: «أين الله ؟ قالت : في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة». ٢ - الرواية الثانية أوردها الذهبي في كتابه «العلو» وذكر سندها الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» من طريق سعيد بن زيد، عن توبة العنبري، عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية - يشير إلى معاوية بن الحكم - ... وذكر الحديث، وفيه: (فمد النبي يده إليها، وأشار إليها مستفهماً: من في السماء؟ قالت: الله).

فكما ترى لم يقل رسول الله ﷺ: «أين الله»، بل ولم يقل أيضاً: «من في السماء»؟ وإنما هو أشار فقط، والكلام في الروايتين هو من تعبير الراوي وفهمه وليس من كلام رسول الله ﷺ. وإسناد هذه الرواية حسن - إن شاء الله - فسعيد بن زيد الأزدي الجهضي ثقة من رجال مسلم، وثقه ابن معين، وابن سعد، والعجلي، وسليمان بن حرب، وقال عنه البخاري والدارمي: صدوق حافظ، وإن كان يحيى بن سعيد وآخرون قد ضعفوه؛ لذا: فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن.

الاضطراب في متن الحديث (صفحة ١١ - ١٣)

والرواية الأولى (رواية الإمام مسلم) فيها هلال بن علي بن أسامة (هلال بن أبي ميمونة)، قال عنه أبو حاتم : شيخ يكتب حديثه. وقال النسائي : ليس به بأس. أي أن إسناد الحديث حسن كما أشار إلى ذلك الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي، وكذا الحافظ ابن عبد البر.

وبهذا يتبين وجود اضطراب في متن الحديث لا مفر من الاعتراف به، وكذا ثبوت أن لفظة (أين الله) وكذا (في السماء) هما من تعبير الراوي. والراوي سيدنا معاوية بن الحكم السلمي لم يكن من علماء الصحابة ولا فقهائهم، ولم يُكثر من صحبة رسول الله ﷺ حتى يتعلم دقائق العلم، بل - كما ورد في حديثه - كان (حديث عهد بجاهلية)، وكان لا يدري أن تشميت العاطس والكلام مع الآخرين مبطل للصلاة، فمن الظلم البين أن نحمله مسؤولية الألفاظ المروية بناءً على فهمه وسيتبين ذلك بصورة أوضح بالمقارنة مع الرواية الأخرى للحديث من غير طريقه.

وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى من طريق عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي ﷺ بجارية سوداء، فقال: يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة. فقال لها: «أين الله»؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال لها: «فمن أنا ؟ فأشارت إلى النبي ﷺ وإلى السماء، تعني : أنت رسول الله فقال رسول الله ﷺ «أعتقها فإنها مؤمنة». فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها: « فمد النبي يده إليها، وأشار إليها مستفهماً : من في السماء ؟ ...» فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين، ويكون اللفظ ضائعاً، فكيف يستدل به؟!

ثانياً: روايات غير معاوية بن الحكم لنفس القصة بلفظ: «أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ » (صفحة ١٣ - ١٦)

الرواية الأولى: لعطاء بن يسار - أيضاً - في «مصنف» الحافظ عبد الرزاق: عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء أن رجلاً كانت له جارية في غنم ترعاها، وكانت شاة صفين، يعني غريزة في غنمه تلك، فأراد أن يعطيها نبي الله ، فجاء السبع فانتزع ضرعها، فغضب الرجل فصك وجه جاريته، فجاء نبي الله فذكر ذلك له، وذكر أنها كانت عليه رقبة مؤمنة وافية، قد هم أن يجعلها إياها حين صكها، فقال لها النبي : «ائتني بها»، فسألها النبي : «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» قالت: نعم : «وأن محمدا عبد الله ورسوله؟» قالت: نعم. «وأن الموت والبعث حق؟» قالت : نعم. «وأن الجنة والنار حق؟» قالت: نعم. فلما فرغ قال: «أعتق أو أمسك».

وهذا سند صحيح عالٍ إلى عطاء راوي الحديث عن معاوية بن الحكم كما ترى، فهذا هو اللفظ الثالث لحديث الجارية من طريق عطاء بلفظ: «أتشهدين»، وقد تقدم اللفظ الأول وهو «أين الله»، والثاني الذي فيه أنه أشار إليها مستفهما بيده دون أن ينطق: «من في السماء؟»، وهذا كله يقرر ويقضي بأن النبي لم يقل: «أين الله». وتنبه هنا جيدًا إلى أن هناك اضطرابا آخر مع باقي الروايات الواردة في حديث الجارية من غير طريق عطاء أكبر وأعظم من هذا الاضطراب الذي بيناه الآن، وهو اضطراب متن عطاء مع متون أخرى.

الرواية الثانية: لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة في «الموطأ»: روى مالك في الموطأ بسند عال جدا عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله بجارية له سوداء . فقال : يا رسول الله إن على رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله : «أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟» قالت : نعم. قال: «أتشهدين أن محمدًا رسول الله؟» قالت: نعم. قال: «أتوقنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: نعم. فقال رسول الله : «أعتقها». أخرجها البيهقي. ورواه الإمام عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن رجل من الأنصار به ومن طريقه رواه الإمام أحمد ، كما رواه غيرهم أيضاً.

أما عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين من رجال الستة أيضاً، إمام ثقة. قال الحافظ في «التقريب» عنه: «ثقة فقيه ثبت ، ولا يعرف بتدليس؛ وعنعنته محاولة على السماع وقد قال: «عن رجل من الأنصار».

الترجيح بالشواهد والأمارات والحديث المضطرب (صفحة ١٦ - ١٧)

قال ابن كثير في تفسيره: «إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره»، وقال ابن عبد البر في «التمهيد»: «وإن كان ظاهره الانقطاع في رواية مالك فإنه محمول على الاتصال؛ للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة»؛ وقال الحافظ الهيثمي في «المجمع»: «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح».

فقد تبين بذلك أن حديث قصة الجارية في «صحيح مسلم» وسؤال رسول الله ﷺ لها مضطرب المتن على أقل تقدير، أما إذا أخذنا بجانب الترجيح بالشواهد والأمارات فستكون رواية «أتشهدين ...» هي الراجحة؛ لأنها هي المطابقة لعقائد الإسلام اليقينية، وكذا هي أصح إسناداً. وفي جميع الحالات يمتنع أخذ رواية «أين الله؟» على ظاهرها؛ لذا أولها بعض العلماء، كالنووي، والقاضي ابن العربي، والباجي، وغيرهم.

يقول الإمام النووي في تعريف الحديث المضطرب: «المضطرب: هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة، فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها، أو كثرة صحبته المروي عنه، أو غير ذلك : فالحكم للراجحة؛ ولا يكون مضطربا. والاضطراب يوجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بعدم الضبط، ويقع في الإسناد تارة، وفي المتن أخرى، وفيهما من راو أو جماعة». وقال الحافظ ابن دقيق العيد في «الاقتراح»: «المضطرب : وهو ما روي من وجوه مختلفة. وهو أحد أسباب التعليل عندهم، وموجبات الضعف للحديث».

من شواهد ترجيح لفظ «أتشهدين ... » (صفحة ١٨ - ٢٠)

١- ما رواه الدارمي في «السنن» قال: أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن الشريد قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إن على أمي رقبة، وإن عندي جارية سوداء نوبية، أفتجزئ عنها ؟ قال: «ادع بها»، فقال: «أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟» قالت : نعم. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». ٢ - ما رواه البزار والطبراني عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال : أتى رجل النبي ﷺ فقال : إن على أمي رقبة وعندي أمة سوداء، فقال: «ائتني بها» فقال لها رسول الله ﷺ: «أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قالت: نعم. قال: «فأعتقها». قال الحافظ الهيثمي في «المجمع» عن هذا السند: فيه محمد بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ وقد وثق. اهـ. وستأتي شواهد متواترة لهذا اللفظ أتشهدين في فصل خاص إن شاء الله تعالى.

الرواية التي جاءت بلفظ « من ربك ؟ » صحيحة الإسناد أيضاً: روى النسائي في «السنن الصغرى» وابن حبان في «صحيحه» وغيرهما عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء، قال: «ادع بها» فجاءت فقال: «من ربك؟» قال: الله، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وهو بمعنى رواية (أتشهدين).

مناقشة متن الحديث (صفحة ٢٠)

هل السؤال بـ (أين) التي يُسأل بها عن المكان الحسي، يدل على ألوهية المسؤول عنه؟ وبمعنى آخر : الجارية المسؤولة من العرب الذين سبق منهم إشراك غير الله في الألوهية، فهل يدل هذا السؤال على أنها لا تعبد معه إلهاً آخر في الأرض أو في أي مكان آخر ؟ ألم يكن بعض العرب يعبدون أصناماً آلهة في الأرض مع إقرارهم بإله السماء؟ أليس هناك من عبد الشمس والقمر والكواكب - ذكر القرآن ذلك - وهم في السماء أيضاً؟

فالسؤال المذكور : («أين» الله ؟ ) لا يدل على الألوهية، والإجابة الواردة في الحديث : (في السماء) لا تدل على التوحيد !! فعلى أي شيء ذكرت هذه الرواية - الشاذة المردودة - على أن رسول الله ﷺ شهد لها بالإيمان؟ والنماذج السابقة والآتية توضح وتؤكد أن المطلوب هو (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وليس شهادة أن الله - تعالى عما يقولون - مكاناً هو في السماء !! فالسؤال إذا كان قد حدث هو عن العلو المعنوي وليس الحسي، كما ذكر النووي.

العقائد وأحاديث الآحاد (صفحة ٢١ - ٢٣)

إن العقائد عند المسلمين لا تبنى إلا على القطعيات واليقينيات ولا يمكن بناؤها على الظنيات أبدًا. والظن - كما هو معلوم - هو كل ما غلب عليه الصواب لكن احتمل أن يدخله الخطأ، ولما كانت أحاديث الآحاد من هذا الصنف امتنع الاستدلال بها في العقائد، وإليك نماذج :

١ - قال الحافظ الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه»: «باب القول فيما يرد به خبر الواحد. ... وإذا روى الثقة المأمون خبرًا متصل الإسناد ردّ بأمور: أحدها: أن يخالف موجبات العقول، فيعلم بطلانه ...» اهـ. ٢ - وقال الإمام الحافظ النووي في «شرح صحيح مسلم»: «وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في «صحيح» البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد؛ وقد قدمنا هذا القول وإبطاله في الفصول...» ثم قال بعد أسطر: «وأما من قال : يوجب العلم - خبر الواحد - فهو مكابر للحس، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟! والله أعلم اهـ».

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» عند شرح حديث البخاري عن أنس قال: « بعث النبي ﷺ أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين فلما قدموا .... الحديث: «قوله: (بعث النبي أقواماً من بني سليم إلى بني عامر) قال الدمياطي: هو وهم؛ فإن بني سليم مبعوث إليهم، والمبعوث هم القراء وهم من الأنصار . قلت: التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر، وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين، والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري ... اهـ». والحديث من ثلاثيات البخاري العالية؛ وحفص هذا هو ابن عمر بن الحارث بن سخبرة، قال عنه أحمد كما في «تهذيب الكمال»: «ثبت ثبت متقن لا يؤخذ عليه حرف واحد».

تصريح بعض الأئمة من الحفاظ والمحدثين باضطراب حديث الجارية (صفحة ٢٣ - ٢٦)

١ - الإمام الحافظ البيهقي: تقدم أن الحافظ البيهقي - رحمه الله تعالى - قال في «الأسماء والصفات»: «وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الأوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية؛ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث». فالبيهقي يرى بكل صراحة ووضوح أن قصة الجارية ليست في «صحیح مسلم». ومن جهة أخرى هناك أمر آخر مهم أيضاً، وهو أن الحافظ البيهقي صرح باضطراب الحديث، أي باختلاف الرواة في لفظه !! فعلى تسليم أنه في «صحيح مسلم» فهو مضطرب بلا شك؛ لما أثبتاه في الفصول التي تقدمت عند عرض طرقه. ومن جهة ثالثة : أيضاً لم يذكر الإمام مسلم قصة عتق هذه الجارية في كتاب العتق، ولا في كتاب الأيمان والنذور، وهذا مما يؤكد كلام الحافظ البيهقي وغيره.

٢ - الإمام الحافظ البزار : لقد صرح الإمام البزار باضطراب الحديث أيضاً في «مسنده»، فقال بعد أن روى الحديث من طريق من طرقه: «وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة».

٣- الحافظ ابن حجر العسقلاني: صرح الحافظ ابن حجر باضطرابه أيضاً؛ إذ قال في «التلخيص الحبير» ما نصه: «وفي اللفظ مخالفة كثيرة اهـ». وقد صرح الحافظ ابن حجر بأنه لا يجوز اعتقاد «الأين» في حق المولى سبحانه وتعالى - فلم يعمل بهذا الحديث رغم صحة سنده بنظره؛ وذلك لاضطرابه !! لأن الاضطراب موجب للضعف مع كون الإسناد صحيحاً؛ لذلك قال الحافظ في «فتح الباري»: «فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر؛ فلا يتوجه على حكمه لم ولا كيف؛ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث... اهـ».

وبهذا ثبت ثبوتا لا شك فيه عندنا حسب قواعد المصطلح وتصريحات أهل الحديث في القديم والحديث - اضطراب متن حدیث الجارية بحيث لا يمكن التعويل على لفظ من ألفاظه؛ وأصح أسانيده - كما رأيت- بلفظ «أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ ...»؛ فإن كان هناك مجال للترجيح بين هذه الروايات فالرواية الراجحة - بلا شك ولا ريب - هي رواية «أتشهدين ...»؛ لأنها الأصح، ولأن المعهود من حال النبي ﷺ الثابت عنه بالتواتر أنه كان يأمر الناس ويقاتلهم ويختبر إيمانهم بالشهادتين، فتكون رواية «أين الله؟» شاذة أو منكرة.

نماذج تحديد النبي وتوصيفه للمسلم (صفحة ٢٦ - ٣٠)

١ - روى البخاري في " صحيحه " من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي ﷺ قال لابن صياد : « أتشهد أني رسول الله ؟ ». ٢ - روى البخاري عن أنس بن مالك، وعمر، وابن عمر، وأبي هريرة وكذا مسلم في «الصحيح» عن أبي هريرة، وجابر، وعمر، وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم أجمعين - قول رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ...» قال الإمام الحافظ السيوطي في «الجامع الصغير» بعد أن ذكر هذا الحديث: «وهو متواتر». وزاد المناوي في «شرحه» فقال: «(وهو متواتر)؛ لأنه رواه خمسة عشر صحابيا». وفي «نظم المتناثر من الحديث المتواتر» للعلامة المحدث الكتاني ما نصه: «وفي شرح الإحياء - للمحدث الزبيدي - رواه ستة عشر من الصحابة كما قاله العراقي .....».

٣ - وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث ابن عباس أن معاذا قال: بعثني رسول الله ﷺ قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ...». ٤ - وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ أعطى أبا هريرة نعليه وقال: «اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة ....». ٥ - وفي صحيح مسلم عن عتبان بن مالك: أن جماعة من الصحابة ودوا أن يدعو النبي ﷺ على مالك بن دخشم فيهلك، فقال رسول الله ﷺ: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟» قالوا: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه . قال: «لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه». قال أنس: فأعجبني هذا الحديث فقلت لابني: اكتبه، فكتبه.

فهذه الأحاديث وغيرها كثير بلغت مبلغ التواتر جميعها يرجح رواية «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» مع كون هذه الرواية هي الأصح إسنادا والأقوى مدركًا.

محاذير القول بالجهة ونصوص نفي الفوقية الحسية (صفحة ٣٠ - ٣٨)

القول في حق الله بالجهة أو بأنه (في السماء) مفضي إلى القول بالحد وإثبات المكان لله تعالى، وهو ملازم للتجسيم، تعالى الله عما يقولون. نصوص في نفي الفوقية الحسية والجهة عن الله سبحانه يدل ظاهرها على (الكون السفلي): ١ - قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾. ٢- قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. ٣ - قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾. ٤ - قوله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾. ٥ - قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾. ٦ - قوله تعالى : ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾. ٧ - قوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴾. ٨ - قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ﴾. ٩ - قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾. ١٠ - قوله تعالى: ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ﴾. ١١ - وقال تعالى: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ ﴾. ١٢ - وقال تعالى: ﴿ نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. ١٣ - وقال تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾.

١٤ - في «صحيح البخاري» من حديث أنس أنه رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه» أو: «إن ربه بينه وبين القبلة ...». وقد نقل شيخ الإسلام ابن حجر قول الإمام الخطابي في تأويل الحديث: «معناه: أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير : فإن مقصوده بينه وبين قبلته اهـ». وفي أحد روايات الحديث : «... فإن الله قبل وجهه»، ويمكن أن يكون تأويل « فإن الله قِبَلَ وجهه»: فإن رحمة الله، أو ثواب الله قبل وجهه. ويؤيد هذا التأويل ما رواه الترمذي عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى؛ فإن الرحمة تواجهه» قال الترمذي: حديث حسن.

١٥ - وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أنه رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: «إذا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقٍ قَبِلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ الله تعالى قِبَل وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى». ١٦ - وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : أنه رأي نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس، فقال: «مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبَّهُ فَيَتَنَخَّعُ أمامَه !! أيجب أحدُكُم أَن يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ في وَجْهِه ؟!». ١٧ - وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم». وفي رواية: « والَّذِي تَدْعُونَه أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُم مِن عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ».

١٨ - وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال : «... أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني ....» [هامش صفحة ٣٥ ينقل قول الإمام النووي: هذا الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره... ومعناه: من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة...]. ١٩ - وحديث عيادة المريض : « أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟». ٢٠ - وفي الترمذي في حديث العَنَان، وفيه ذكر الأرضين السبع والسماوات السبع والعرش، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والَّذِي نَفْسُ محمد بَيدِهِ لَوْ أنكم دليتم رجلاً بحبل إلى الأرض السفلى لهبط عَلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى». [هامش صفحة ٣٦ ينقل قول الإمام البيهقي: إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى...]. ٢١ - الحديث القدسي الشريف: «أنا جليس من ذكرني». ٢٢ - الحديث الشريف: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء». قلت: وهذه القلوب في الأرض بغير شك. ٢٣ - الحديث الشريف: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». ٢٤ - الحديث الشريف: «احفظ الله تجده تجاهك ...».

وغيرها في نصوص الكتاب والسنة كثير، وكلها قاضية بكون الله في الأرض حتى إن الآية الكريمة: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ذكرت أن الله سبحانه استوى على العرش، ثم نصت على أنه معنا أينما كنا في نفس الآية.

كيف نتعامل مع النصوص ؟ (صفحة ٣٨ - ٤٤)

( أ ) المسلك الأول : الأخذ بظواهر النصوص: ويلزمنا حينئذ إما الترجيح بين أدلة الكون السفلي وأدلة الكون العلوي، أو الجمع بينها.

  • أولاً: الترجيح بين الأدلة وبالنظر إلى أن النصوص الدالة على الكون السفلي أكثر من النصوص الأخرى؛ فيكون الله سبحانه موجودا في الأرض بذاته - تعالى عن ذلك - وهذا لا نقول به؛ لمنافاته للتنزيه.

  • ثانياً: الجمع بين النصوص الدالة على الكون العلوي والسفلي: فيكون الله سبحانه موجودًا بذاته في كل مكان في أرضنا والأرض السابعة وفي السماء وفوق العرش... - كظواهر الآيات : ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ﴾، ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾، ﴿ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾، وهذا أيضاً لا نقول به؛ لمنافاته للتنزيه.

(ب) المسلك الثاني : التنزيه (وهو مذهب أهل الحق): وهو أن الله سبحانه منزه عن المكان والحدود والتحيز وما إلى ذلك، فهو سبحانه كان موجودًا وليس ثمة عرش ولا سماء ولا أرض. قال ﷺ: « كان الله ولم يكن شيء غيره »، ولم تحدث له - سبحانه - صفة بعد خلقها، وهو الآن على ما عليه كان. وإذا كانت النصوص الدالة على الكون السفلي مصروفة عن ظاهرها بقرينة تنزيه الله وتعظيمه، وتفسر المعية أو الأقربية المذكورة في النصوص بمعية العلم أو النصرة والتأييد، وكذلك الأقربية وغيرها حسب القرائن الواردة في نفس النصوص؛ فكذلك النصوص الواردة في الكون العلوي: (في السماء) أو (على العرش) مصروفة، والتقدير بالقرائن الواردة في نفس النصوص.

يقول الإمام شهاب الدين بن جهبل في رده على استدلال بعضهم على الفوقية الحسية بقوله تعالى: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ : «الفوقية ترد لمعنيين: أحدهما : نسبة جسم إلى جسم، بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل، بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل. وهذا لا يقول به من لا يجسم. وبتقدير أن يكون هو المراد، وأنه تعالى ليس بجسم؛ فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة لـ يَخَافُونَ ؟ ويكون تقدير الكلام: يخافون من فوقهم ربهم. أي أن الخوف من جهة العلو، وأن العذاب يأتي من تلك الجهة. وثانيهما: بمعنى المرتبة، كما يقال (الخليفة فوق السلطان)، و (السلطان فوق الأمير)، وكما يقال: جلس فلان فوق فلان، و: العلم فوق العمل، و الصياغة فوق الدباغة. وقد وقع ذلك في قوله تعالى حيث قال : ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ ولم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾ وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم. ووقع ذلك أيضاً في قوله تعالى مخاطبا المؤمنين: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ﴾».

ويمكن القول تعقيباً على حديث الجارية: «وأما عدم صحة الاحتجاج به في إثبات المكان له تعالى فللبراهين القائمة في تنزه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات. قال الله تعالى: ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل للَّهِ ﴾، وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك الله تعالى. وقال تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ﴾، وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك الله تعالى. فهاتان الآيتان تدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك الله تعالى، وذلك يدل على تنزيهه سبحانه عن المكان والزمان كما في «أساس التقديس» للفخر الرازي».

وقد استنبط إمام الحرمين عبد الملك الجويني تنزه الله سبحانه عن الجهة من نهيه عن تفضيله على يونس بن متى عليه السلام، ولفظ البخاري: «لا يقولن أحدكم: إني خير من يونس بن متى». يقول الإمام الجويني: إن هذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ وهو عند سدرة المنتهى لم يكن بأقرب إلى الله من يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت في قعر البحر، فدل ذلك على أنه تعالى منزه عن الجهات وإلا لما صح النهي عن التفضيل اهـ ، وتابعه على ذلك الفهم واستحسنه الكثير من أئمة أهل الحق، منهم: القاضي ابن العربي، والقاضي عياض، والقرطبي، والسبكي، والكوثري. اهـ.

فصل: عدم أخذ جماعات من العلماء في القديم والحديث بظاهر لفظ «أين الله؟» (صفحة ٤٥ - ٤٨)

لقد أول كثير من العلماء المحققين لفظ «أين الله؟» ولم يقولوا بظاهره البتة دون أن يتكلموا على السند، وإنما ردوا هذا اللفظ الذي جاء في هذا المتن، وإليك نصوص السادة العلماء في ذلك:

١ - قال الإمام الحافظ تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى- في كتابه «السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل» (يعني ابن قيم الجوزية): «أقول: أما القول : فقوله للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء. وقد تكلّم الناس عليه قديما وحديثا، والكلام عليه معروف، ولا يقبله ذهن هذا الرجل». ٢ - وقال الإمام الحافظ النووي - رحمه الله تعالى - في شرح صحيح مسلم: «وهذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان تقدم ذكرهما مرات في كتاب الإيمان أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات. والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدير الفعال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصراً في جهة الكعبة؛ بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين؛ أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم، فلما قالت في السماء؛ علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ».

٣ - وقال القاضي عياض - رحمه الله تعالى - كما نقله عنه الإمام النووي في شرح مسلم: «لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء، كقول الله تعالى : ﴿ أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾ ونحوه ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم». فهذا تصريح من القاضي عياض وهو من أئمة أهل العلم وحفاظ الحديث – بأن هناك إجماعا على تأويل النصوص الواردة التي يوهم ظاهرها أن الله في السماء حقيقة، وتعالى الله عن أن يحل في خلقه، أو يحل فيه شيء من خلقه علوا كبيرًا ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ !! ٤ - وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - في كتابه «دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه» مؤولاً لفظ «أين الله؟»: «قلت: قد ثبت عند العلماء أن الله تعالى لا تحويه السماء والأرض ولا تضمّه الأقطار، وإنما عَرَفَ بإشارتها تعظيم الخالق عندها». ٥ - وقال الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي في «شرح سنن الترمذي» ما نصه: «فقال لها: «أين الله؟» والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة؛ فإنّ المكان يستحيل عليه». ٦ - الحافظ ابن حجر العسقلاني إمام الحاظ رحمه الله تعالى: تقدم أن الحافظ ابن حجر صرّح بأن الله سبحانه وتعالى لا يتوجه عليه في وجوده «أين»، وهذا صريح منه بعدم الأخذ بظاهر اللفظ في رواية «أين الله؟». قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «فلا يتوجه على حكمه -سبحانه - لم ولا كيف؛ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث اهـ».وبنحو هذا قال الإمام الحافظ الباجي في «المنتقى»، وغيره أيضاً، فتدبر.

وهذا كله يثبت بلا شك ولا ريب أن حديث الجارية بلفظ «أين الله ؟» لم يتفق علماء الأمة على قبوله لا من ناحية السند - كما تقدم شرحه وبيانه - ولا من ناحية المتن كما بيناه ههنا.

[خاتمة الغلاف الخلفي]

هذه السلسلة نبدأ فيها باستعراض مفاهيم جمهور الأمة المعصومة حول بعض النقاط أو الموضوعات، وكيف بنى الجمهور هذه المفاهيم واستمدها من نصوص الكتاب والسنة متدبراً لهما بالعقل الراجح الصحيح جيلاً بعد جيل... لعل هذه السلسلة تكون بشير خير لمن يريد مراجعة مفاهيمه على ضوء الكتاب والسنة مستعيناً بإخوانه فإن يد الله مع الجماعة.

[بيانات الكتاب والغلاف]

  • العنوان: كلمة هادئة في حديث الجارية

  • السلسلة: سلسلة مفاهيم يجب أن تصحح (العدد ١٧)

  • تأليف: الدكتور عمر عبد الله كامل

  • الناشر: دار الرازي

  • الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢٩هـ - ٢٠٠٨ م

للتواصل مع الناشر (دار الرازي):

  • عمان - الأردن

  • هاتف: 4646106-6-00962 | فاكس: 4646116-6-00962

  • الموقع الإلكتروني: www.al-razi.net

أتمنى أن تفيدك هذه النصوص المستخرجة بدقة في إعداد بحثك العلمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق