🟥 حين يُحاكَم التاريخ قبل أن تكتمل صفحاته!
المداخلة والثورات: بين تقديس الاستقرار وسوء قراءة التاريخ
من أبرز الإشكالات في خطاب بعض المداخلة وشيوخهم أنهم يجعلون مجرد وقوع الفوضى والدماء والتهجير والخراب في أثناء الثورات سببًا كافيًا للحكم عليها بالفشل والشر، وإدانتها من أصلها، وكأن التاريخ يُكتب من لحظته الأولى، وكأن النتائج النهائية لا قيمة لها.
وهذا نوع من الحكم المتعجل على الأحداث قبل اكتمال صورتها.
فقد تقع في مسار التحولات الكبرى أحداث مؤلمة، وتكاليف باهظة، واضطرابات شديدة، لكن ذلك وحده لا يكفي للحكم على الحدث كله؛ لأن الحكم التاريخي الرصين لا يكون بالنظر إلى لحظة واحدة، وإنما بالنظر إلى الأسباب والنتائج والسياق والمآلات.
ولننظر إلى التاريخ الإسلامي نفسه.
لو أراد إنسان أن يحكم على دعوة النبي ﷺ في مراحلها الأولى، قبل أن تكتمل نتائجها، لقال:
لقد أدت هذه الدعوة إلى تعذيب المسلمين في مكة، واستشهاد عدد من خيرة الصحابة، واضطرار النبي ﷺ وأصحابه إلى الهجرة، وترك الأهل والأموال والديار، ووقوع الصدامات والحروب بعد ذلك!
لكن هذا الحكم سيكون قاصرًا؛ لأنه نظر إلى مرحلة من الطريق، وأهمل ما انتهى إليه الطريق.
فالعبرة ليست بأن الطريق خلا من الألم، وإنما بالسؤال:
إلى ماذا انتهى؟ وما الذي حققه؟ وما الذي ترتب عليه؟
ومن هنا، فإن إسقاط هذه القاعدة على الثورات والتحولات السياسية المعاصرة يحتاج إلى شيء من التريث.
لا يصح أن نقول:
وقعت الفوضى والدماء والتهجير، إذن كانت الثورة شرًّا محضًا.
كما لا يصح في المقابل أن نقول:
وقعت الثورة، إذن كل ما نتج عنها من عنف ودمار أصبح مبررًا.
كلا الحكمين متعجل.
فالعدل يقتضي أن نفرّق بين رفض الظلم والاستبداد وبين تبرير الفوضى والاعتداء على الأبرياء، وأن نفرّق كذلك بين تقييم حدث تاريخي كامل وبين إصدار حكم نهائي عليه وهو لا يزال في طور التشكل.
وهنا يظهر الخلل في جعل شعار «حفظ الأمن» وحده ميزانًا للحكم على كل حركة احتجاج أو ثورة.
فالأمن قيمة عظيمة، نعم، لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو:
أمنٌ لمن؟ وعلى أي أساس؟ وإلى متى؟ وهل يتحول الحفاظ على الأمن إلى ذريعة لتبرير الظلم والاستبداد وإغلاق باب الإصلاح؟
إن الاستقرار الذي يقوم على العدل شيء، والاستقرار الذي يقوم على الخوف والقهر شيء آخر.
والأخطر من ذلك أن يتحول الخوف من الفوضى إلى منهج فكري يجعل بقاء السلطة غاية في ذاته، مهما كان الظلم الواقع تحتها.
إن التاريخ لا يُقرأ بهذه الطريقة.
لا يجوز أن نحكم على الأحداث الكبرى بمجرد مشاهدها الأولى، ولا أن نختزل تاريخ الشعوب في صور الدماء والخراب وحدها، كما لا يجوز أن نغفل تلك المآسي بحجة أن المستقبل قد يحمل نتائج أفضل.
الواجب هو التريث، والإنصاف، والنظر في الأسباب والمآلات معًا.
فقد يكون في الحدث جانب من الخير وجانب من الشر، وقد تختلط المطالب المشروعة بالأخطاء والانحرافات، وقد تتدخل قوى متعددة فتغيّر مسار الأحداث ونتائجها.
ولهذا فإن الحكم المنصف لا يكون بالشعارات، ولا بالتخويف من «الخراب» وحده، ولا بتقديس «الاستقرار» وحده.
بل يكون بالعدل.
فالاستقرار بلا عدل ليس هو الغاية،
والتغيير بلا ضوابط ليس هو الحل،
وإنما الغاية أن يقوم الحق والعدل، ويُصان الإنسان، وتُحفظ الدماء، وتُرفع المظالم.
أما أن نحاكم التاريخ وهو لم يطوِ صفحته الأخيرة، فذلك ليس قراءة للتاريخ، بل استعجالٌ في إصدار الحكم قبل اكتمال الشهادة.
لا تحكم على صفحةٍ لم يُكتب آخر سطرٍ فيها بعد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق