الأحد، 30 أغسطس 2026

🟪 إذا جاز لنا أن نحتفل بذكريات أوطاننا… أفلا يجوز أن نفرح بمولد نبيّنا ﷺ؟

 

🟪 إذا جاز لنا أن نحتفل بذكريات أوطاننا… أفلا يجوز أن نفرح بمولد نبيّنا ﷺ؟

في زماننا هذا، يحتفل المسلمون في بلدان مختلفة بمناسبات وطنية متعددة:

عيد الاستقلال، وعيد التأسيس، واليوم الوطني، وعيد الاتحاد، وعيد العرش…

وهي مناسبات يستحضر فيها الناس تاريخ بلادهم، ويتذكرون أيامًا من المجد والانتصار، ويعبّرون عن الفرح والانتماء.

ولا يقول عاقل إن مجرد تخصيص يوم لتذكّر مناسبة تاريخية يجعله بدعةً أو ضلالًا؛ لأن العادات والمناسبات لا تتحول إلى عبادات لمجرد اجتماع الناس عليها أو تخصيصهم يومًا لتذكرها.

بل إن الأصل أن الفرح المباح مباح، ما لم يصاحبه ما حرّم الله.

فلا اختلاط محرم، ولا تبرج، ولا فجور، ولا إسراف، ولا تبذير، ولا غيبة، ولا نميمة، ولا ظلم، ولا منكرات.

وهذه قاعدة مهمة:

ليس الحكم على المناسبة باسمها، وإنما بما تشتمل عليه من أعمال ومقاصد.

فإذا كانت المناسبة في أصلها تذكيرًا بخير أو تعبيرًا عن فرح مباح، ثم التزم الناس فيها بضوابط الشرع، فلا يصح أن تتحول المسألة إلى معركة من التحريم والتبديع لمجرد وجود المناسبة.


🟪 فماذا عن المولد النبوي الشريف؟

إذا كان الناس يفرحون بيوم استقلال وطنهم، أو بيوم تأسيس دولتهم، أو بذكرى انتصار تاريخي، ويتذاكرون فيه ما أنعم الله به عليهم…

فكيف إذا كانت الذكرى متعلقة بميلاد سيدنا محمد ﷺ؟

النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين.

والنبي الذي به عرفنا ربنا، وبلغنا القرآن، وعلّمنا الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر معالم الدين.

إن الفرح بميلاده ﷺ، وتذكير الناس بسيرته وشمائله وأخلاقه، والصلاة عليه، وقراءة سيرته، وإطعام الطعام، وإكرام الفقراء والمحتاجين؛ كل ذلك من حيث الأصل أعمال مشروعة في نفسها.

ويبقى الحكم متعلقًا بما يفعله الناس في هذه المناسبة:

فإن اشتملت على طاعة وخير، فخير.
وإن اشتملت على محرم، فالمحرم هو الذي يُنكر، لا أصل الفرح والتذكير.


🟪 «مَن سنَّ في الإسلام سنةً حسنة»

ومن الأدلة التي يستأنس بها في هذا الباب قول النبي ﷺ:

«مَن سنَّ في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها بعده…»

فالسنة الحسنة ليست اختراع عبادة جديدة تناقض الشريعة، وإنما يدخل فيها إحياء وجوه من الخير المشروعة، وجمع الناس عليها، وفتح أبواب الطاعة والإحسان.

ولهذا ينبغي أن يكون النقاش حول المولد نقاشًا علميًا:

ماذا يفعل الناس في المولد؟

لا أن يكون السؤال:

هل سمّي هذا اليوم مولدًا؟

فالاسم وحده لا يجعل الحلال حرامًا، ولا يجعل العمل المشروع بدعة.


🟪 وهل عدم فعل النبي ﷺ للمولد وحده دليل على التحريم؟

هذه هي النقطة التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا.

فليس كل أمر لم يفعله النبي ﷺ يكون محرمًا بمجرد أنه لم يفعله.

فالصحابة رضي الله عنهم فعلوا بعد وفاة النبي ﷺ أمورًا لم يفعلها ﷺ على صورتها التي عرفوها بعد ذلك، وكان نظرهم إلى مقاصد الشريعة وقواعدها العامة.

وجُمع القرآن في مصحف واحد، واتُّخذت وسائل وتنظيمات لم تكن موجودة على الصورة نفسها في زمن النبي ﷺ، واستحدث المسلمون عبر العصور وسائل متعددة لخدمة العلم والدعوة والعبادة.

فالعبرة ليست بمجرد السؤال:

«هل فعله النبي ﷺ؟»

بل لا بد من سؤال أوسع:

هل هذا الفعل مشروع في نفسه؟ وهل يخالف نصًا أو أصلًا شرعيًا؟ وهل يُعتقد أنه عبادة مستقلة لم يشرعها الله؟

وهنا يتضح الفرق بين البدعة في العبادة المحضة وبين العادة أو الوسيلة التي يُقصد بها تحقيق معنى مشروع.


🟪 وماذا عن كون يوم المولد هو يوم الوفاة؟

يستدل بعض الناس بأن النبي ﷺ وُلد في اليوم الذي توفي فيه، فيرون أن ذلك مانع من الفرح.

لكن هذا الاستدلال لا يلزم.

فالحدث الواحد قد يجتمع فيه أكثر من معنى؛ والوفاة لا تمحو فضل الميلاد، كما أن الحزن على الوفاة لا يمنع استحضار نعمة الميلاد.

وقد قال الله تعالى عن يحيى عليه السلام:

﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾

فذكر الله يوم الميلاد ويوم الوفاة ويوم البعث، ولم يجعل مجرد اجتماع الميلاد والوفاة في الذكر سببًا لإلغاء معنى الفرح بنعمة الميلاد.

ثم إن المقصود من إحياء المولد عند من يحتفل به ليس الاحتفال بالوفاة، وإنما استحضار نعمة بعثة النبي ﷺ وميلاده وسيرته ورسالته.


🟪 هل توقف القرآن بموت الصحابة؟

ومن العجيب أن يُقال:

أين الحسنات التي جاء بها المسلمون بعد الصحابة؟

وكأن قوله تعالى:

﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

كان خاصًا بجيل الصحابة!

فالقرآن خطاب للأمة، وليس كتابًا انتهت أحكامه بوفاة الصحابة رضي الله عنهم.

نحن مخاطبون بالقرآن كما خوطبوا، ومطالبون بفعل الخير والإحسان والبر والصلاة على النبي ﷺ وتعظيم شعائر الله.

فالمسلم في كل عصر يستطيع أن يأتي بأعمال الخير التي تدخل تحت أصول الشريعة، ما دامت لا تخالف نصًا ولا أصلًا قطعيًا.


🟪 وما أجمل أن يكون المولد موسمًا للخير!

فإذا اجتمع المسلمون في هذه المناسبة على:

📖 قراءة السيرة النبوية.

🕌 الصلاة على رسول الله ﷺ.

🤲 الدعاء والذكر.

🍲 إطعام الطعام.

❤️ إحياء محبة النبي ﷺ في القلوب.

👨‍👩‍👧‍👦 تعليم الأطفال شمائله وأخلاقه.

🤝 الصدقة والإحسان إلى الفقراء.

فأين المشكلة في ذلك؟

بل ينبغي أن يكون السؤال:

هل هذه الأعمال مشروعة في أصلها أم لا؟

فإن كانت مشروعة، فجمعها في مناسبة للتذكير بسيرة النبي ﷺ لا يجعلها محرمة لمجرد الاجتماع أو التوقيت، ما لم يُعتقد أن الشرع أوجب تلك الهيئة أو جعل ذلك اليوم عيدًا شرعيًا واجبًا على الأمة.

وهنا يظهر الفرق بين المولد باعتباره مناسبة للتذكير والفرح والمحبة، وبين اعتقاد وجوب الاحتفال به كعيد شرعي مفروض.


🟪 الإسلام لا يحارب الفرح

الإسلام لم يأت ليقتل مشاعر الناس، ولا ليحوّل حياتهم إلى قائمة لا تنتهي من المحرمات والتبديعات.

بل جاء ليهذب الفرح، ويمنع أن يتحول إلى معصية.

قال تعالى:

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

فإذا كان النبي ﷺ من أعظم رحمات الله إلى العالمين، فإن تذكير الناس بسيرته ورسالته وتعليمهم محبته وتعظيمه من المعاني العظيمة التي ينبغي أن تُحيا في الأمة.


🟪 فلنختلف… ولكن بعلم

قد يختار مسلم ألا يحتفل بالمولد، فهذا شأنه.

وقد يراه مسلم آخر مناسبة مشروعة للفرح والتذكير بسيرة النبي ﷺ، وهذا أيضًا ينبغي أن يناقش بالدليل والعلم والأدب.

أما أن يتحول الخلاف الفقهي إلى اتهام بالضلال والبدعة والشرك، فهذه مرحلة أخرى تحتاج إلى كثير من التروي.

فليس كل ما اختلف فيه العلماء صار من مسائل العقيدة، وليس كل من أخذ بقول فقهي مخالف قولَ غيره صار مبتدعًا أو ضالًا.


🟪 وأخيرًا…

نحن لا نحتاج إلى أن نجعل حب النبي ﷺ خصومة بين المسلمين.

ولا أن نجعل ذكر سيرته سببًا للتباغض.

ولا أن نجعل الفرح بمولده تهمة.

بل يمكن أن نجعل هذه المناسبة فرصة لنسأل أنفسنا:

كم نعرف من سيرته ﷺ؟
كم نقتدي بأخلاقه؟
كم نصلي عليه؟
وكم نعلّم أبناءنا محبته؟

فإن كان المولد سيجمع الناس على السيرة والصلاة على النبي ﷺ والصدقة والإطعام والخير، مع اجتناب المحرمات، فهذه معانٍ عظيمة ينبغي أن تُناقش بعقل وفقه وإنصاف، لا بلغة الاتهام والتخوين.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

🌿 فليكن اختلافنا في المولد اختلافَ فقهٍ، لا اختلافَ قلوب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق