قال الله تعالى :{{ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }} [يوسف الآية: 108].
الاثنين، 18 يونيو 2018
حكم صيام ستٍ من شوال
حكم صيام ستٍ من شوال
السؤال: شيخنا ما حكم صيام ستة أيام من شوال بعد العيد ؟ فإنني سمعت في بعض القنوات مَن يقول انها مكروهة!. وجزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فقد اختلف الفقهاء في حكم صيام ستة ايام من شوال بعد انقضاء شهر رمضان على ثلاثة أقوال:
القول الأول: مشروعة ويستحب صيامها، وهو قول ابن عباس -رضي الله عنهما-، والشعبي، وطاووس، وميمون بن مهران، عبدالله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة وبعض فقهاء الحنفية من المتأخرين وبعض علماء المالكية.
وقد استدلوا بالحديث الذي رواه أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((منْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْر)) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
قال الامام النووي في شرحه على مسلم : (فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة) .
وقد فسّر النبي – صلى الله عليه وسلم- معنى صيام الدهر بقوله : (( جَعَلَ اللهُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، الشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الشَّهْرِ ، تَمَامُ السَّنَةِ )) رواه النسائي وابن ماجة وصححه الالباني ، ورواه ابن خزيمة بلفظ : ((صيام شهر رمضان بعشرة أمثالها وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة )) ، ولقوله تعالى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الانعام :160] .
قال الامام المباركفوري الحنفي في تحفة الاحوذي [3/403] : (قول من قال بكراهة صوم هذه الستة باطل مخالف لأحاديث الباب، ولذلك قال عامة المشايخ الحنفية بأنه لا بأس به ) .
قال الامام النووي في المجموع [6/379 ] : (قال أصحابنا: يستحب صوم ستة أيام من شوال لهذا الحديث، قالوا: ويستحب ان يصومها متتايعة في أول شوال فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال جاز وكان فاعلا لأصل هذه السنة، لعموم الحديث وإطلاقه وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال أحمد وداود).
قال الامام ابن قدامة المقدسي في المغني [3/176] : (ومن صام شهر رمضان، وأتبعه بست من شوال، وإن فرقها، فكأنما صام الدهر) وجملة ذلك أن صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم. روي ذلك عن كعب الأحبار، والشعبي، وميمون بن مهران وبه قال الشافعي وكرهه مالك).
وقالوا: إنّ من فوائد صيام ستّة ايام من شوال هو تعويض النّقص الذي حصل في صيام الفريضة في رمضان، إذ لا يخلو الصائم من حصول تقصير أو ذنب يؤثر في صيامه، وقد ثبت ان يوم القيامة يُؤخذ من النوافل لجبران نقص الفرائض، كما قال -صلى الله عليه وسلم- : ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ يَقُولُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكُمْ)) رواه أبو داود وأحمد وصححه الالباني.
القول الثاني: كراهة صيام ستة أيام من شوال ، لئلا يظن وجوبها، وهو قول الإمام مالك، وقولٌ عند الحنفية.
عن يحيى بن يحيى في الموطأ قال: (سمعتُ مالكاً يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إنه لم يرَ أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك).
والظاهر انه كره متابعتها بعد العيد حتى لا يُظن أنها من رمضان فيأتي زمان يعتقد الناس أنها كالفرض والواجب فكان من باب سد الذرائع ومن أصول الامام مالك التي بنى عليه مذهبه القول بسد الذرائع ، فكان يقول بالمنع من الصيام على هذا الوجه سداً للذريعة ، وقيل إنه كان يكره تتابعها ، وهي أن يصومها ستاً سرداً وراء بعضها حتى لا يعتقد انها فرض.
وفي التاج والإكليل لمختصر خليل لابي عبدالله المواق المالكي [3/330] : ( قال مطرف: إنما كره مالك صيام ستة أيام من شوال لذي الجهل لا من رغب في صيامها لما جاء فيها من الفضل، قال المازري عن بعض الشيوخ: لعل الحديث لم يبلغ مالكا، ومال اللخمي لاستحباب صومها).
واحتجوا كذلك بقولهم : أنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام هذه الأيام، ولم يثبت كذلك عن أهل المدينة شيءٌ من ذلك الصيام.
وأُجيبَ عنه: ليس من شرط السّنة ثبوتها بالقول والفعل، بل من السّنةِ ما ثبت بفعله - صلى الله عليه وسلم -ولم يرد ترغيبٌ فيه بالقول كالاعتكاف فإنه ليسَ في فضله حديثٌ صحيح، ولكنه مسنونٌ قطعا لمواظبته - صلى الله عليه وسلم- على فعله.
ومن السنة ما يثبتُ بالقول دون الفعل، وقد يتركه النبي -صلى الله عليه وسلم - لعارض أو لبيان جواز الترك كصلاة الضحى، ففي الصحيح أن عائشة -رضي الله عنها - أخبرت أنها لم تره صلى الله عليه وسلم يُسبحها، مع أن الأحاديث المرغبةَ فيها في غاية الصحة. فلعل تركه لصيامها من هذا الباب.
ومع ذلك فقد كان الامام مالك يصومها، قال مطرف بن عبدالله وهو من كبار علماء المالكية : ( كان مالك يصومها في خاصة نفسه، قال: وإنما كره صومها لئلا يلحق أهل الجاهلية ذلك برمضان فأما من يرغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه) [تهذيب سنن ابي داود لابن القيم 1/479] .
وقال الامام ابن عبد البر المالكي في الاستذكار [3/372 ] : ( وَأما صِيَامُ السِّتةِ الأيامِ مِنْ شَوالٍ عَلى طَلَبِ الفضْلِ وَعَلى التأْوِيلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ –حديث- ثَوْبان رضي الله عنه فَإِنَّ مَالِكاً لا يكْرَهُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لأنَّ الصوْمَ جُنةٌ وَفَضْلُهُ مَعْلُومٌ ).
وقال الامام الشوكاني في نيل الأوطار [4/306 ]: ( وقال أبو حنيفة ومالك: يكره صومها، واستدلا على ذلك بأنه ربما ظُنّ وجوبها ......... وأيضاً يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها ولا قائل به، واستدل مالك على الكراهة بما قال في الموطأ من أنه ما رأى أحداً من أهل العلم يصومها، ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلاً ترد به السنة).
القول الثالث: كراهة صيام ستِّ شوال متتابعة وجواز صيامها متفرقة، وقد قال بذلك بعض فقهاء المالكية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وغيره من فقهاء الحنفية.
وقد استدلَّ أصحاب هذا الرأي بأن صيام شوال يُكره متتابعاً خشية أن يعتقد بعض الجُهَّال أنّ هذه الأيام هي من شهر رمضان فيكون ذلك من باب التشبُّه بالنصارى.
قال الامام ابن عابدين في رد المحتار على الدر المختار [2/435] : (والمختار أنه لا بأس به، لأن الكراهة إنما كانت لأنه لا يؤمن من أن يعد ذلك من رمضان ، فيكون تشبها بالنصارى، والآن زال ذلك المعنى)
وقال الامام الكاساني في بدائع الصنائع[ 2/78 ] : (محل الكراهة أن يصوم يوم الفطر، ويصوم بعده خمسة أيام، فأما إذا أفطر يوم العيد ثم صام بعده ستة أيام فليس بمكروه بل هو مستحب وسنة) .
قال الامام اللكنوي الحنفي في عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية [3/309] : ( وتفريقُ صومِ السِتَّةِ في شوالٍ أبعدُ عن الكراهة والتَّشبُّهِ بالنَّصارى).
وقال الامام فخر الدين الزيلعي الحنفي في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ [1/332] : (صوم ست من شوّال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته وعامة المشايخ لم يروا به بأساً واختلفوا فقيل : الأفضل وصلها بيوم الفطر وقيل : بل تفريقها في الشهر , وجه الجواز أنه قد وقع الفصل بيوم الفطر، فلم يلزم التشبه بأهل الكتاب ووجه الكراهة أنه قد يفضى إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة، ولذا سمعنا من يقول يوم الفطر نحن إلى الآن لم يأت عيدنا أو نحوه فأما عند الأمن من ذلك فلا بأس لورود الحديث).
المفتى به:
هو ما ذهب اليه الجمهور اصحاب القول الاول من مشروعية واستحباب صيام ستة ايام من شوال بعد انقضاء العيد ، لصحة ما احتجوا به من الحديث الصحيح، ويجوز صيامها متتابعة ومتفرقة في أول شوال أو وسطه أو آخره.
قال الامام ابن قدامة في المغني:[3/103] : ( فلا فرق بين كونها متتابعة أو متفرقة في أول الشهر أو في آخره لأن الحديث ورد بها مطلقاً من غير تقييد ) .
كما ويجوز أن يصام من شوال الاثنين والخميس وأيام البيض بنية الست من شوال، ويسمى عند الفقهاء بالتشريك، أي انه إذا كان ذلك الجمع في الوسائل، أو مما يتداخل صح التشريك بينهما ، لان المقصود هو حصول الصيام في الشهر، فيجوز الجمع في النية بين أنواع التطوع في الصيام وفي الصلاة . وقد بينا ذلك مفصلا في فتوى التشريك بين العبادات. والله تعالى اعلم
د. ضياء الدين الصالح
السؤال: شيخنا ما حكم صيام ستة أيام من شوال بعد العيد ؟ فإنني سمعت في بعض القنوات مَن يقول انها مكروهة!. وجزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فقد اختلف الفقهاء في حكم صيام ستة ايام من شوال بعد انقضاء شهر رمضان على ثلاثة أقوال:
القول الأول: مشروعة ويستحب صيامها، وهو قول ابن عباس -رضي الله عنهما-، والشعبي، وطاووس، وميمون بن مهران، عبدالله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة وبعض فقهاء الحنفية من المتأخرين وبعض علماء المالكية.
وقد استدلوا بالحديث الذي رواه أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((منْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْر)) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
قال الامام النووي في شرحه على مسلم : (فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة) .
وقد فسّر النبي – صلى الله عليه وسلم- معنى صيام الدهر بقوله : (( جَعَلَ اللهُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، الشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الشَّهْرِ ، تَمَامُ السَّنَةِ )) رواه النسائي وابن ماجة وصححه الالباني ، ورواه ابن خزيمة بلفظ : ((صيام شهر رمضان بعشرة أمثالها وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة )) ، ولقوله تعالى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الانعام :160] .
قال الامام المباركفوري الحنفي في تحفة الاحوذي [3/403] : (قول من قال بكراهة صوم هذه الستة باطل مخالف لأحاديث الباب، ولذلك قال عامة المشايخ الحنفية بأنه لا بأس به ) .
قال الامام النووي في المجموع [6/379 ] : (قال أصحابنا: يستحب صوم ستة أيام من شوال لهذا الحديث، قالوا: ويستحب ان يصومها متتايعة في أول شوال فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال جاز وكان فاعلا لأصل هذه السنة، لعموم الحديث وإطلاقه وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال أحمد وداود).
قال الامام ابن قدامة المقدسي في المغني [3/176] : (ومن صام شهر رمضان، وأتبعه بست من شوال، وإن فرقها، فكأنما صام الدهر) وجملة ذلك أن صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم. روي ذلك عن كعب الأحبار، والشعبي، وميمون بن مهران وبه قال الشافعي وكرهه مالك).
وقالوا: إنّ من فوائد صيام ستّة ايام من شوال هو تعويض النّقص الذي حصل في صيام الفريضة في رمضان، إذ لا يخلو الصائم من حصول تقصير أو ذنب يؤثر في صيامه، وقد ثبت ان يوم القيامة يُؤخذ من النوافل لجبران نقص الفرائض، كما قال -صلى الله عليه وسلم- : ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ يَقُولُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكُمْ)) رواه أبو داود وأحمد وصححه الالباني.
القول الثاني: كراهة صيام ستة أيام من شوال ، لئلا يظن وجوبها، وهو قول الإمام مالك، وقولٌ عند الحنفية.
عن يحيى بن يحيى في الموطأ قال: (سمعتُ مالكاً يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إنه لم يرَ أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك).
والظاهر انه كره متابعتها بعد العيد حتى لا يُظن أنها من رمضان فيأتي زمان يعتقد الناس أنها كالفرض والواجب فكان من باب سد الذرائع ومن أصول الامام مالك التي بنى عليه مذهبه القول بسد الذرائع ، فكان يقول بالمنع من الصيام على هذا الوجه سداً للذريعة ، وقيل إنه كان يكره تتابعها ، وهي أن يصومها ستاً سرداً وراء بعضها حتى لا يعتقد انها فرض.
وفي التاج والإكليل لمختصر خليل لابي عبدالله المواق المالكي [3/330] : ( قال مطرف: إنما كره مالك صيام ستة أيام من شوال لذي الجهل لا من رغب في صيامها لما جاء فيها من الفضل، قال المازري عن بعض الشيوخ: لعل الحديث لم يبلغ مالكا، ومال اللخمي لاستحباب صومها).
واحتجوا كذلك بقولهم : أنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام هذه الأيام، ولم يثبت كذلك عن أهل المدينة شيءٌ من ذلك الصيام.
وأُجيبَ عنه: ليس من شرط السّنة ثبوتها بالقول والفعل، بل من السّنةِ ما ثبت بفعله - صلى الله عليه وسلم -ولم يرد ترغيبٌ فيه بالقول كالاعتكاف فإنه ليسَ في فضله حديثٌ صحيح، ولكنه مسنونٌ قطعا لمواظبته - صلى الله عليه وسلم- على فعله.
ومن السنة ما يثبتُ بالقول دون الفعل، وقد يتركه النبي -صلى الله عليه وسلم - لعارض أو لبيان جواز الترك كصلاة الضحى، ففي الصحيح أن عائشة -رضي الله عنها - أخبرت أنها لم تره صلى الله عليه وسلم يُسبحها، مع أن الأحاديث المرغبةَ فيها في غاية الصحة. فلعل تركه لصيامها من هذا الباب.
ومع ذلك فقد كان الامام مالك يصومها، قال مطرف بن عبدالله وهو من كبار علماء المالكية : ( كان مالك يصومها في خاصة نفسه، قال: وإنما كره صومها لئلا يلحق أهل الجاهلية ذلك برمضان فأما من يرغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه) [تهذيب سنن ابي داود لابن القيم 1/479] .
وقال الامام ابن عبد البر المالكي في الاستذكار [3/372 ] : ( وَأما صِيَامُ السِّتةِ الأيامِ مِنْ شَوالٍ عَلى طَلَبِ الفضْلِ وَعَلى التأْوِيلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ –حديث- ثَوْبان رضي الله عنه فَإِنَّ مَالِكاً لا يكْرَهُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لأنَّ الصوْمَ جُنةٌ وَفَضْلُهُ مَعْلُومٌ ).
وقال الامام الشوكاني في نيل الأوطار [4/306 ]: ( وقال أبو حنيفة ومالك: يكره صومها، واستدلا على ذلك بأنه ربما ظُنّ وجوبها ......... وأيضاً يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها ولا قائل به، واستدل مالك على الكراهة بما قال في الموطأ من أنه ما رأى أحداً من أهل العلم يصومها، ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلاً ترد به السنة).
القول الثالث: كراهة صيام ستِّ شوال متتابعة وجواز صيامها متفرقة، وقد قال بذلك بعض فقهاء المالكية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وغيره من فقهاء الحنفية.
وقد استدلَّ أصحاب هذا الرأي بأن صيام شوال يُكره متتابعاً خشية أن يعتقد بعض الجُهَّال أنّ هذه الأيام هي من شهر رمضان فيكون ذلك من باب التشبُّه بالنصارى.
قال الامام ابن عابدين في رد المحتار على الدر المختار [2/435] : (والمختار أنه لا بأس به، لأن الكراهة إنما كانت لأنه لا يؤمن من أن يعد ذلك من رمضان ، فيكون تشبها بالنصارى، والآن زال ذلك المعنى)
وقال الامام الكاساني في بدائع الصنائع[ 2/78 ] : (محل الكراهة أن يصوم يوم الفطر، ويصوم بعده خمسة أيام، فأما إذا أفطر يوم العيد ثم صام بعده ستة أيام فليس بمكروه بل هو مستحب وسنة) .
قال الامام اللكنوي الحنفي في عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية [3/309] : ( وتفريقُ صومِ السِتَّةِ في شوالٍ أبعدُ عن الكراهة والتَّشبُّهِ بالنَّصارى).
وقال الامام فخر الدين الزيلعي الحنفي في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ [1/332] : (صوم ست من شوّال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته وعامة المشايخ لم يروا به بأساً واختلفوا فقيل : الأفضل وصلها بيوم الفطر وقيل : بل تفريقها في الشهر , وجه الجواز أنه قد وقع الفصل بيوم الفطر، فلم يلزم التشبه بأهل الكتاب ووجه الكراهة أنه قد يفضى إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة، ولذا سمعنا من يقول يوم الفطر نحن إلى الآن لم يأت عيدنا أو نحوه فأما عند الأمن من ذلك فلا بأس لورود الحديث).
المفتى به:
هو ما ذهب اليه الجمهور اصحاب القول الاول من مشروعية واستحباب صيام ستة ايام من شوال بعد انقضاء العيد ، لصحة ما احتجوا به من الحديث الصحيح، ويجوز صيامها متتابعة ومتفرقة في أول شوال أو وسطه أو آخره.
قال الامام ابن قدامة في المغني:[3/103] : ( فلا فرق بين كونها متتابعة أو متفرقة في أول الشهر أو في آخره لأن الحديث ورد بها مطلقاً من غير تقييد ) .
كما ويجوز أن يصام من شوال الاثنين والخميس وأيام البيض بنية الست من شوال، ويسمى عند الفقهاء بالتشريك، أي انه إذا كان ذلك الجمع في الوسائل، أو مما يتداخل صح التشريك بينهما ، لان المقصود هو حصول الصيام في الشهر، فيجوز الجمع في النية بين أنواع التطوع في الصيام وفي الصلاة . وقد بينا ذلك مفصلا في فتوى التشريك بين العبادات. والله تعالى اعلم
د. ضياء الدين الصالح
السبت، 9 يونيو 2018
اجتماع العيد والجمعة - حكم صلاة الجمعة إذا اجتمعت مع صلاة العيد في يوم واحد؟
اجتماع العيد والجمعة
السؤال : شيخنا قد يوافق العيد بإذن الله هذا العام يوم الجمعة، فما حكم صلاة الجمعة إذا اجتمعت مع صلاة العيد في يوم واحد؟ جزاكم الله خيرا
الجواب: الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فقد اختلف العلماء في وجوب صلاة الجمعة على من صلى العيد إذا اجتمع العيد معها في يوم واحد، على ثلاثة أقوال:
الأول: تجب عليه الجمعة ولا تسقط عنه وهو قول جمهور العلماء ، من الحنفية و المالكية وبعض الشافعية، والظاهرية؛ واحتجوا بعموم الآية والأخبار الدالة على وجوب الجمعة ،قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}،وقوله عليه الصلاة والسلام : ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين)) متفق عليه.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض)) [رواه أبو داود بسند صحيح] .وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه)) [أخرجه أبو داود وغيره، وقال الألباني: حسن صحيح].
ولأنهما صلاتان واجبتان فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد، فكما لا تسقط صلاة الظهر عمن صلى العيد في سائر أيام الأسبوع إذا وافق أحدها يوم العيد، فكذلك لا تسقط صلاة الجمعة لمن صلى العيد إذا وافق يوم الجمعة.
قال الإمام بدر الدين العيني الحنفي في البناية شرح الهداية : (ولا يترك بواحد منهما أي من العيد والجمعة، أما الجمعة فلأنها فريضة، وأما العيد فلأن تركها بدعة وضلال).
القول الثاني: تجب على أهل الأمصار ويرخص لأهل القرى الذين بلغهم النداء وشهدوا صلاة العيد ويشق عليهم أن لا يشهدوا الجمعة، وهو مذهب الإمام الشافعي .
قال الإمام النووي في شرح المهذب: (مذهب الإمام الشافعي أنه إذا اجتمع يوم العيد ويوم الجمعة فلا كلام في أنه لا تسقط إحدى الصلاتين بالأخرى عن البلد الذي أقيمت فيه الصلاة، ولكن يرخص لأهل القرى الذين بلغهم النداء وشهدوا صلاة العيد ألا يشهدوا صلاة الجمعة أخذاً بما صح عن عثمان رضي الله عنه، ورواه البخاري في صحيحه من أنه قال في خطبة: "أيها الناس إنه قد اجتمع عيدان في يومكم فمن أراد من أهل العالية - وهى قرية بالمدينة من جهة الشرق- أن يصلي معنا الجمعة فليصل، ومن أراد أن فلينصرف").
القول الثالث: من صلى العيد سقطت عنه الجمعة إلا الإمام فلا تسقط عنه إلا إذا لم يجتمع معه من يصلى به الجمعة، وهو مذهب الإمام أحمد ،وفى رواية عنه إذا صليت الجمعة في وقت العيد أجزأت صلاة الجمعة عن صلاة العيد، بناء على جواز تقديم صلاة الجمعة عنده قبل الزوال .
قال الإمام ابن قدامة المقدسي في المغني: (أن مذهب الإمام أحمد أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة ، ويصلي الظهر إلا الإمام لا تسقط عنه فيجتمع معه من يصلى به الجمعة، وقيل في وجوبها على الإمام روايتان، وروى عنه أيضاً أنه إذا صليت الجمعة في وقت العيد أجزأت صلاة الجمعة عن صلاة العيد، وذلك مبني على رأيه في جواز تقديم الجمعة قبل الزوال).
واحتجوا بحديثين مرفوعين فيهما مقال ، وجملة من الآثار الصحيحة، فعن إياس بن أبي رملة الشامي، قال: شهدت معاوية سأل زيد بن أرقم: أشهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم قال: كيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: ((من شاء أن يصلي فليصل))، قال ابن حجر: وفي سنده إياس بن أبي رملة الشامي وهو مجهول ، وعن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون)) رواهما أبو داود وابن ماجه وغيرهم.
وأجاب الجمهور :إن هذه الآثار محمولة على أهل البوادي ممن لا تجب عليهم الجمعة، قال الإمام ابن عبد البر في التمهيد : وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه لأن الله عز وجل يقول:{ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}، ولم يخص الله ورسوله يوم عيد من غيره من وجه تجب حجته فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث.
المفتى به :
هو ما ذهب إليه جمهور العلماء في وجوب صلاة الجمعة على من صلى العيد ولكن يرخص لأهل القرى والأماكن البعيدة عن المسجد الجامع الذين يشق عليهم الرجوع إلى البلد لصلاة الجمعة، وأما أحاديث سقوط الجمعة فلا تخلو من مقال، فمثلا حديث ابي هريرة -رضي الله عنه- عمدة أصحاب القول الثالث؛ قال فيه الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير: (وفي إسناده بقية بن الوليد ،رواه عن شعبة عن مغيرة الضبي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح به ،وتابعه زياد بن عبد الله البكائي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح، وصحح الدار قطني إرساله لرواية حماد عن عبد العزيز عن أبي صالح، وكذا صحح بن حنبل إرساله).
ولذلك كان مذهب كثير من العلماء أن الجمعة لا تسقط عن أهل البلد وتسقط عمن هو خارج البلد ، وعللوا ذلك بأنهم إن بقوا بعد العيد إلى وقت الجمعة شق عليهم ، وإن ذهبوا إلى محلهم شق عليهم الرجوع.
وفي صحيح مسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى ، وهل أتاك حديث الغاشية، وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين) ، فدلالته واضحة على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيد والجمعة ويصلي معه الصحابة الكرام ممن شهدوا معه العيد، والله تعالى أعلم.
د ضياء الدين الصالح
===
السؤال : شيخنا قد يوافق العيد بإذن الله هذا العام يوم الجمعة، فما حكم صلاة الجمعة إذا اجتمعت مع صلاة العيد في يوم واحد؟ جزاكم الله خيرا
الجواب: الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فقد اختلف العلماء في وجوب صلاة الجمعة على من صلى العيد إذا اجتمع العيد معها في يوم واحد، على ثلاثة أقوال:
الأول: تجب عليه الجمعة ولا تسقط عنه وهو قول جمهور العلماء ، من الحنفية و المالكية وبعض الشافعية، والظاهرية؛ واحتجوا بعموم الآية والأخبار الدالة على وجوب الجمعة ،قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}،وقوله عليه الصلاة والسلام : ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين)) متفق عليه.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض)) [رواه أبو داود بسند صحيح] .وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه)) [أخرجه أبو داود وغيره، وقال الألباني: حسن صحيح].
ولأنهما صلاتان واجبتان فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد، فكما لا تسقط صلاة الظهر عمن صلى العيد في سائر أيام الأسبوع إذا وافق أحدها يوم العيد، فكذلك لا تسقط صلاة الجمعة لمن صلى العيد إذا وافق يوم الجمعة.
قال الإمام بدر الدين العيني الحنفي في البناية شرح الهداية : (ولا يترك بواحد منهما أي من العيد والجمعة، أما الجمعة فلأنها فريضة، وأما العيد فلأن تركها بدعة وضلال).
القول الثاني: تجب على أهل الأمصار ويرخص لأهل القرى الذين بلغهم النداء وشهدوا صلاة العيد ويشق عليهم أن لا يشهدوا الجمعة، وهو مذهب الإمام الشافعي .
قال الإمام النووي في شرح المهذب: (مذهب الإمام الشافعي أنه إذا اجتمع يوم العيد ويوم الجمعة فلا كلام في أنه لا تسقط إحدى الصلاتين بالأخرى عن البلد الذي أقيمت فيه الصلاة، ولكن يرخص لأهل القرى الذين بلغهم النداء وشهدوا صلاة العيد ألا يشهدوا صلاة الجمعة أخذاً بما صح عن عثمان رضي الله عنه، ورواه البخاري في صحيحه من أنه قال في خطبة: "أيها الناس إنه قد اجتمع عيدان في يومكم فمن أراد من أهل العالية - وهى قرية بالمدينة من جهة الشرق- أن يصلي معنا الجمعة فليصل، ومن أراد أن فلينصرف").
القول الثالث: من صلى العيد سقطت عنه الجمعة إلا الإمام فلا تسقط عنه إلا إذا لم يجتمع معه من يصلى به الجمعة، وهو مذهب الإمام أحمد ،وفى رواية عنه إذا صليت الجمعة في وقت العيد أجزأت صلاة الجمعة عن صلاة العيد، بناء على جواز تقديم صلاة الجمعة عنده قبل الزوال .
قال الإمام ابن قدامة المقدسي في المغني: (أن مذهب الإمام أحمد أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة ، ويصلي الظهر إلا الإمام لا تسقط عنه فيجتمع معه من يصلى به الجمعة، وقيل في وجوبها على الإمام روايتان، وروى عنه أيضاً أنه إذا صليت الجمعة في وقت العيد أجزأت صلاة الجمعة عن صلاة العيد، وذلك مبني على رأيه في جواز تقديم الجمعة قبل الزوال).
واحتجوا بحديثين مرفوعين فيهما مقال ، وجملة من الآثار الصحيحة، فعن إياس بن أبي رملة الشامي، قال: شهدت معاوية سأل زيد بن أرقم: أشهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم قال: كيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: ((من شاء أن يصلي فليصل))، قال ابن حجر: وفي سنده إياس بن أبي رملة الشامي وهو مجهول ، وعن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون)) رواهما أبو داود وابن ماجه وغيرهم.
وأجاب الجمهور :إن هذه الآثار محمولة على أهل البوادي ممن لا تجب عليهم الجمعة، قال الإمام ابن عبد البر في التمهيد : وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه لأن الله عز وجل يقول:{ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}، ولم يخص الله ورسوله يوم عيد من غيره من وجه تجب حجته فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث.
المفتى به :
هو ما ذهب إليه جمهور العلماء في وجوب صلاة الجمعة على من صلى العيد ولكن يرخص لأهل القرى والأماكن البعيدة عن المسجد الجامع الذين يشق عليهم الرجوع إلى البلد لصلاة الجمعة، وأما أحاديث سقوط الجمعة فلا تخلو من مقال، فمثلا حديث ابي هريرة -رضي الله عنه- عمدة أصحاب القول الثالث؛ قال فيه الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير: (وفي إسناده بقية بن الوليد ،رواه عن شعبة عن مغيرة الضبي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح به ،وتابعه زياد بن عبد الله البكائي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح، وصحح الدار قطني إرساله لرواية حماد عن عبد العزيز عن أبي صالح، وكذا صحح بن حنبل إرساله).
ولذلك كان مذهب كثير من العلماء أن الجمعة لا تسقط عن أهل البلد وتسقط عمن هو خارج البلد ، وعللوا ذلك بأنهم إن بقوا بعد العيد إلى وقت الجمعة شق عليهم ، وإن ذهبوا إلى محلهم شق عليهم الرجوع.
وفي صحيح مسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى ، وهل أتاك حديث الغاشية، وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين) ، فدلالته واضحة على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيد والجمعة ويصلي معه الصحابة الكرام ممن شهدوا معه العيد، والله تعالى أعلم.
د ضياء الدين الصالح
===
اذا اجتمع العيد والجمعة فالمسالة خلافية هل تسقط الجمعة عمن صلى العيد ام لا :
وافضل فهم فهمه في الروايات التي وردت في اجتماع العيد والجمعة فهم سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه وهو ان الجمعة تسقط عمن صلى العيد من اهل المناطق البعيدة يعني اهل القرى والارياف التي ليس لديهم جوامع تقام فيها الجمعة اما من كان لهم جامع يجمعون فيه الجمعة فلا تسقط عنهم
ففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى وموطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال أبو عبيد: شهدت العيدين مع عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، وكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة ثم خطب، فقال: (يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له).
ففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى وموطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال أبو عبيد: شهدت العيدين مع عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، وكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة ثم خطب، فقال: (يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له).
فقصد بكلامه اهل العوالي فقط وهم اهالي مناطق خارج المدينة المنورة
والدليل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ان اذن للبعيدين بترك الجمعة صلاها مع اهل المدينة فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتمع عيدان في يومكم هذا فمن شاء أجزأه من الجمعة ، وإنا مجمعون إن شاء الله). رواه ابن ماجه، وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
فقوله انا مجمعون يقصد به نفسه الشريفة واصحابه من اهل المدينة
الثلاثاء، 5 يونيو 2018
موعد الإمساك عن الطعام ( السحور ) هل هو بالدقيقة والثانية ام ان الامر فيه سعه ؟!
موعد الإمساك عن الطعام
الشيخ يوسف القرضاوي
الشيخ يوسف القرضاوي
السؤال: توزع أحيانا إمساكيات في شهر رمضان ويحدد فيها موعد للإمساك يختلف عن موعد أذان الفجر فما حكم ذلك؟ وهل من أكل بعد هذا الموعد الذي تم تحديده وقبل الأذان يكون صومه باطلا؟
جواب فضيلة الشيخ:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فالسحور سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم- وفيه تقوية للصائم على الصوم، وبالحرص على السحور ندرك الدقائق الغالية حيث قرب الزمان والمكان من الله تعالى، ويبدأ السحور من منتصف الليل، وينتهي بتيقن طلوع الفجر، ومن ثم فتحديد وقت للإمساك قبل الفجر بدقائق هذا لا أساس له من الصحة.
مما سنَّه النبي صلى الله عليه وسلم للصائم أن يتسحر، وأن يؤخر السحور. والسحور: ما يؤكل في السحر، أي بعد منتصف الليل إلى الفجر، وأراد بذلك أن يكون قوة للصائم على احتمال الصيام، وجوعه وظمئه، وخصوصًا عندما يطول النهار؛ ولذا قال: "تسحروا فإن في السحور بركة" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان-665) ، وفيه تمييز كذلك لصيام المسلمين عن غيرهم، وفي الصحيح: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر" (مسلم -1096، وأبو داود (2343)، والنسائي (2168)، والترمذي (907) عن عمرو بن العاص) .
والأصل في السحور أن يكون طعامًا يؤكل، ولو شيئًا من التمر، وإلا فأدنى ما يكفي شربة من ماء. روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "السحور كله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحرين" (قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد، وإسناده قوي. وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3683)، عند ابن حبان (883، 884) عن حديث ابن عمر: "تسحروا ولو بجرعة ماء".
ومن بركة السحور: أنه - بجوار ما يهيئه للمسلم من وجبة مادية - يهييء له وجبة روحية، بما يكسبه المسلم من ذكر واستغفار ودعاء، في هذا الوقت المبارك، وقت السحر الذي تنزل فيه الرحمات، عسى أن يكون من المستغفرين بالأسحار. ومن السنة تأخير السحور، تقليلاً لمدة الجوع والحرمان، قال زيد بن ثابت: تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، فسأله أنس: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين آية (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -666) .
وقوله تعالى: (فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) تفيد جواز الأكل إلى أن يتبين الفجر. ومن شك هل طلع الفجر أم لا، جاز له أن يأكل ويشرب حتى يستيقن، وهكذا قال حبر الأمة ابن عباس: كل ما شككت حتى تستيقن. ونقله أبو داود عن الإمام أحمد: أنه يأكل حتى يستيقن طلوعه.
بل روى أحمد والنسائي وابن ماجه عن حذيفة قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النهار، إلا أن الشمس لم تطلع (ذكره ابن كثير في تفسيره -222/1) . وحمله النسائي على أن المراد قرب النهار. عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا سمع أحدكم النداء، والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه" (رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي 426/1) ، وعن عائشة: أن بلالاً كان يؤذن بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم: فإنه لا يؤذن، حتى يطلع الفجر" (البخاري في الصوم) .
قال ابن كثير: (وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف: أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلى، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين، منهم محمد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود، وعطاء والحسن، والحكم بن عيينة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش، وجابر بن راشد) (تفسير ابن كثير -222/1 ط. عيسى الحلبي) .
ومن هنا نعلم أن الأمر في وقت الفجر، ليس بالدقيقة والثانية، كما عليه الناس اليوم، ففي الأمر سعة ومرونة وسماحة، كما كان عليه الكثير من السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وما تَعَوَّدَه كثير من المسلمين من الإمساك مدة قبل الفجر من قبيل الاحتياط مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكتابة ذلك في الصحف والتقاويم والإمساكيات مما ينبغي أن يُنكر.
قال الحافظ ابن حجر: (من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام، زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس. وقد جرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت - زعموا - فأخَّروا الفطور وعجَّلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم الخير، وكثر الشر، والله المستعان)! (فتح الباري -102/5 ط. الحلبي) .
والله أعلم
حكم صلاة القادر على القيام جالسا لعجزه عن السجود أو الركوع
حكم صلاة القادر على القيام جالسا لعجزه عن السجود أو الركوع
فضيلة شيخنا، نرجو منكم بيان حكم الصلاة قاعدا مع القدرة على القيام، فإن بعض المرضى يكون عاجزا عن السجود، لكن قادر على القيام، ومع ذلك يصلي قاعدا، فما حكم صلاته؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
القيام في الصلاة ركن من أركانها، لا تصح الصلاة إلا به عند القدرة عليه، فلا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة جالساً، إلا لعذر من مرض أو خوف أو ضعف عن القيام، قـال تعالى: وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ البقرة-238، قال في البحر الرائق شرح الكنز: "والمراد به القيام في الصلاة بإجماع المفسرين، وهو فرض في الصلاة للقادر عليه في الفرض وما هو ملحق به، واتفقوا على ركنيته".
وأخرج البخاري في صحيحه من حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ. فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: (صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ)، وفي حديث المسيئ في صلاته قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا قمت إلى الصلاة .. الحديث) مما يدلُّ على أن القيام أمرٌ متقرِّرٌ في الصلاة، وقد اتفق أهل العلم على ركنية القيام في الصلاة، وأنه من آكد أركانها، ومعلوم أن ترك الركن مع القدرة على الإتيان به يبطل الصلاة، قال ابن قدامة : "فأما من وجب عليه القيام فقعد فإن صلاته لا تصح لأنه ترك ركناً يقدر على الإتيان به".
لكن يسقط القيام بالاتفاق عند العجز عنه كما دل عليه حديث عمران السابق، وقواعد رفع الحرج في الشرع، ولما في الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ أَوْ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا قُعُودًا .. الحديث.
كذا إن كان الشخص قادرا على القيام لكن القيام يضعفه، أو يزيد من مرضه، فقد حكي الاتفاق على جواز صلاته قاعدا.
بناء على ذلك فإن كان الشخص مريضا، ويعجز عن الركوع أو السجود ونحوه مع قدرته التامة على القيام، فإن الذي يسقط عنه فقط هو ما يعجز عن الإتيان به، فلا يعني أنه عاجز -مثلا- عن السجود أن يبدأ صلاته قاعدا وهو قادر على القيام، بل يقوم، ثم يسقط عنه السجود في موضعه، ويأتي به على الوجه الذي يقدر عليه، عملا بقواعد الشرع في هذا الباب، من التخفيف ورفع الحرج ونحوه، فإن قعد مع القدرة على القيام بطلت صلاته، ووجب عليه إعادتها.
تنبيه:
يحسن التنبيه على أن للشخص أن يترك القيام مع القدرة عليه في النفل خاصة، ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ .. الحديث) فهذا الحديث فيه الدلالة على جواز الصلاة قاعدا مع تنصيف الأجر، لكنه محمول على صلاة النفل في قول عامَّة أهل العلم، وليس فيه خلاف فيما أعلم، قال ابن قدامة: "لا نعلم خلافاً في إباحة التطوع جالساً وأنه في القيام أفضل"؛ وذلك أن الشريعة تيِّسر في النوافل ما لا تيسره في الفرائض، أرأيتَ الصائمَ نفلاً؟ له أن يصوم أثناء النهار، وذلك تسهيلا عليه، ولا يجوز ذلك في الفريضة، لكن لما كان الشرع يتشوَّف لكثرة النوافل يسَّر فيها ما لم ييسره في غيرها.
وبهذا يظهر بطلان قول من قال: "من نسي وهو صائم نفلا فأكل أو شرب فصومه باطل"!!
قلت: بل قوله هو الباطل، فإن الله عذره في الفريضة، فعذر الناسي في النفل من باب أولى، وأقول - كما قال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم -: "فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه"، والله الموفق.
كتبه: د.محمد بن موسى الدالي
الجمعة، 1 يونيو 2018
مشروعية القنوت في الوتر
مشروعية القنوت في الوتر
هل يشرع دعاء قنوت الوتر في جميع السنة ام في رمضان كله أو في نصف رمضان الأخير فقط ؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعـد:
فان القنوت في الشرع يعني الدعاء حال القيام في الصلاة؛ وذلك لأن الدعاء عامةً أجلُّ الطاعات وأفضل العبادات – فهو أحرى إذا كان في الصلاة، وقد اختلف الفقهاء في مشروعية القنوت في الوتر على اربعة اقوال وكما يأتي:
القول الاول: : يُسن في وتر كل ليلة من ليالي السنة، وهذا قول ابن مسعود، وإبراهيم النخعي ، واسحق بن راهويه ، وهو قول الحنفية ، ووجه عند الشافعية ، وهو قول مروي عن الإمام أحمد وهو المنصوص عليه عند الحنابلة .
قال الامام القدوري الحنفي في التجريد ( 2/810) : (قال أصحابنا: القنوت في الوتر سُنّة في جميع السنة).
وقال الامام ابن قدامة المقدسي في المغني (2/111) : (القنوت مسنون في الوتر في الركعة الواحدة في جميع السنة، هذا المنصوص عند أصحابنا، وهذا قول ابن مسعود، وإبراهيم، وإسحاق، وأصحاب الرأي – الحنفية-؛ وروي ذلك عن الحسن).
وقال الامام النووي في روضة الطالبين (1/330) : (ولنا وجه: أنه يقنت في جميع رمضان، ووجه: أنه يقنت في جميع السنة، قاله أربعة من أئمة أصحابنا: أبو عبد الله الزبيري، وأبو الوليد النيسابوري، وأبو الفضل بن عبدان، وأبو منصور بن مهران).
واستدلوا بما يأتي:
1: حديث الحسن بن علي – رضي الله عنهما- قال: علمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم -كلمات أقولهن في قنوت الوتر: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ َلا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) رواه أحمد، واصحاب السنن ، والحاكم وصححه على شرط الشيخين.
2: حديث أبي بن كعب –رضي الله عنه- : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الوتر) رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء: 2/167.
3- وعن علي بن ابي طالب - رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كان يقول في آخر وتره: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) رواه الامام احمد في المسند ، وابو داود ، وابن ماجه.
وقوله: (كان يقول في آخر وتره) فيه دلالة على ان النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يقنت في كل السنة.
4- ما روي عن محمد بن نصر المروزي في مختصر قيام الليل ورمضان والوتر ( ص 314 )،عن الأسود قال : (صحبتُ عمرَ – يعني : ابن الخطاب - ستة أشهر ، فكان يقنت في الوتر .وكان عبد الله – يعني : ابن مسعود - يقنت في الوتر السنة كلها . وعن علي – يعني : ابن أبي طالب - : أنه كان يقنت في رمضان كله ، وفي غير رمضان في الوتر) .
القول الثاني: يُسن القنوت في النصفِ الأخير من رمضان فقط، روي عن علي وأبي بن كعب -رضي الله عنهما-، وعن الزهري ، ورواية عن الامام مالك وقال به بعض المالكية ، وهو القول المشهور في مذهب الشافعية ، وقول عند الامام احمد .
واستدلوا بما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ –رضي الله عنه- : ( أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْنُتُ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ) سنن الترمذي.
وبما روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ –رضي الله عنهما- ؛ (أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْنُتُ إِلاَّ فِي النِّصْفِ . يَعْنِي مِنْ رَمَضَانَ). رواه ابن أبي شيبة المصنف .
قال الامام النووي في روضة الطالبين (1/330): (يستحب القنوت في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان، فإن أوتر بركعة، قنت فيها، وإن أوتر بأكثر، قنت في الأخيرة).
قال الامام عبدالوهاب البغدادي المالكي في المعونة على مذهب عالم المدينة (1/246) : (دعاء القنوت غير مسنون في الوتر إلا في النصف الآخر من رمضان، ففيه روايتان).
وقال الامام ابن قدامة في المغني (2/111): ( وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا يقنت إلاَّ في النصف الأخير من رمضان؛ وروي ذلك عن علي، وأُبي، وبه قال ابن سيرين، وسعيد بن أبي الحسن البصري، والزهري، ويحيى بن وثاب، ومالك، والشافعي، واختاره أبو بكر بن الأثرم).
القول الثالث: يُسن في رمضان دون سائر الشهور، وهذا وجه للمالكية وللشافعية.
القول الرابع: : يُكره القنوت في الوتر، وهذا هو القول المشهور عند المالكية، واستدلوا بعدم ثبوت سنة في ذلك، وأن السنة ثبتت في صلاة الفجر عند النوازل فقط.
ويمكن ان يجاب عنهم بما استدل به اصحاب القول الاول؛ من احاديث صحيحة تؤكد ان النبي –صلى الله عله وسلم- كان يقنت في الوتر وغيره.
ورفع اليدين في دعاء القنوت مستحب سواء كان قنوت نازلة أم كان قنوت وتر، لأنه ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رفع يديه في دعائه في الاحاديث الصحيحة، وأما في القنوت بالوتر فلأنه ثابت عن عمر وغيره من الصحابة -رضي الله عنهم-، ولم يكونوا ليفعلوه من تلقاء أنفسهم مع ما استقر عندهم من ان الاصل في العبادة المنع الا بدليل لأمره عليه الصلاة والسلام لهم كما في صحيح البخاري : ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)).
ولا يشرع مسح الوجه بعد الدعاء في القنوت، قال الامام البيهقي في السنن الكبرى (2/212) : (فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظ عن أحد من السلف في دعاء القنوت وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث ضعيف وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة. وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس، فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف -رضي الله عنهم- من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة وبالله التوفيق) .
ولا مانع من الزيادة على الأذكار الواردة في القنوت، ولا يشترط لدعاء القنوت لفظ معين والأفضل أن يقول ما جاءت به السنة من الأدعية المأثورة مثل الدعاء المشهور المذكور انفا الذي يرويه الحسن بن علي - رضي الله عنهما -.
وكرّه العلماء التكلف في السجع في الدعاء والذي قد يحمل الداعي إلى الإتيان بأدعية مخترعة، ثم هو خلاف السنة الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في تخير جوامع الدعاء.
المفتى به:
هو القول بأن القنوت في الوتر سنة وليس بواجب ؛ لثبوت ذلك عن السلف الصالح من الصحابة - رضي الله عنهم- ، والتابعين ، وانه يُسن في وتر كل ليلة من ليالي السنة ، ولا باس بالعمل ببقية الاقوال الاخرى لان الامر فيه سعة وخلاف سائغ واجتهاد ولا انكار في مسائل الاجتهاد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى (2/245): (وأما القنوات في الوتر فجائز وليس بلازم فمن أصحابه - أي النبي صلى الله عليه وسلم- من لم يقنت، ومنهم من قنت في النصف الأخير من رمضان، ومنهم من قنت السنة كلها، والعلماء منهم من يستحب الأول كمالك، ومنهم من يستحب الثاني كالشافعي وأحمد في رواية، ومنهم من يستحب الثالث كأبي حنيفة والإمام أحمد في رواية، والجميع جائز فمن فعل شيئاً من ذلك فلا لوم عليه).
ورفع اليدين في دعاء القنوت مستحب سواء كان قنوت نازلة أم كان قنوت وتر، ولا يشرع مسح الوجه بعد الدعاء في القنوت ، ولا مانع من الزيادة على الأذكار الواردة في القنوت، ولكن يكرّه التكلف في السجع في الدعاء. والله تعالى اعلم
د. ضياء الدين الصالح
هل يشرع دعاء قنوت الوتر في جميع السنة ام في رمضان كله أو في نصف رمضان الأخير فقط ؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعـد:
فان القنوت في الشرع يعني الدعاء حال القيام في الصلاة؛ وذلك لأن الدعاء عامةً أجلُّ الطاعات وأفضل العبادات – فهو أحرى إذا كان في الصلاة، وقد اختلف الفقهاء في مشروعية القنوت في الوتر على اربعة اقوال وكما يأتي:
القول الاول: : يُسن في وتر كل ليلة من ليالي السنة، وهذا قول ابن مسعود، وإبراهيم النخعي ، واسحق بن راهويه ، وهو قول الحنفية ، ووجه عند الشافعية ، وهو قول مروي عن الإمام أحمد وهو المنصوص عليه عند الحنابلة .
قال الامام القدوري الحنفي في التجريد ( 2/810) : (قال أصحابنا: القنوت في الوتر سُنّة في جميع السنة).
وقال الامام ابن قدامة المقدسي في المغني (2/111) : (القنوت مسنون في الوتر في الركعة الواحدة في جميع السنة، هذا المنصوص عند أصحابنا، وهذا قول ابن مسعود، وإبراهيم، وإسحاق، وأصحاب الرأي – الحنفية-؛ وروي ذلك عن الحسن).
وقال الامام النووي في روضة الطالبين (1/330) : (ولنا وجه: أنه يقنت في جميع رمضان، ووجه: أنه يقنت في جميع السنة، قاله أربعة من أئمة أصحابنا: أبو عبد الله الزبيري، وأبو الوليد النيسابوري، وأبو الفضل بن عبدان، وأبو منصور بن مهران).
واستدلوا بما يأتي:
1: حديث الحسن بن علي – رضي الله عنهما- قال: علمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم -كلمات أقولهن في قنوت الوتر: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ َلا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) رواه أحمد، واصحاب السنن ، والحاكم وصححه على شرط الشيخين.
2: حديث أبي بن كعب –رضي الله عنه- : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الوتر) رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء: 2/167.
3- وعن علي بن ابي طالب - رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كان يقول في آخر وتره: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) رواه الامام احمد في المسند ، وابو داود ، وابن ماجه.
وقوله: (كان يقول في آخر وتره) فيه دلالة على ان النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يقنت في كل السنة.
4- ما روي عن محمد بن نصر المروزي في مختصر قيام الليل ورمضان والوتر ( ص 314 )،عن الأسود قال : (صحبتُ عمرَ – يعني : ابن الخطاب - ستة أشهر ، فكان يقنت في الوتر .وكان عبد الله – يعني : ابن مسعود - يقنت في الوتر السنة كلها . وعن علي – يعني : ابن أبي طالب - : أنه كان يقنت في رمضان كله ، وفي غير رمضان في الوتر) .
القول الثاني: يُسن القنوت في النصفِ الأخير من رمضان فقط، روي عن علي وأبي بن كعب -رضي الله عنهما-، وعن الزهري ، ورواية عن الامام مالك وقال به بعض المالكية ، وهو القول المشهور في مذهب الشافعية ، وقول عند الامام احمد .
واستدلوا بما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ –رضي الله عنه- : ( أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْنُتُ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ) سنن الترمذي.
وبما روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ –رضي الله عنهما- ؛ (أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْنُتُ إِلاَّ فِي النِّصْفِ . يَعْنِي مِنْ رَمَضَانَ). رواه ابن أبي شيبة المصنف .
قال الامام النووي في روضة الطالبين (1/330): (يستحب القنوت في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان، فإن أوتر بركعة، قنت فيها، وإن أوتر بأكثر، قنت في الأخيرة).
قال الامام عبدالوهاب البغدادي المالكي في المعونة على مذهب عالم المدينة (1/246) : (دعاء القنوت غير مسنون في الوتر إلا في النصف الآخر من رمضان، ففيه روايتان).
وقال الامام ابن قدامة في المغني (2/111): ( وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا يقنت إلاَّ في النصف الأخير من رمضان؛ وروي ذلك عن علي، وأُبي، وبه قال ابن سيرين، وسعيد بن أبي الحسن البصري، والزهري، ويحيى بن وثاب، ومالك، والشافعي، واختاره أبو بكر بن الأثرم).
القول الثالث: يُسن في رمضان دون سائر الشهور، وهذا وجه للمالكية وللشافعية.
القول الرابع: : يُكره القنوت في الوتر، وهذا هو القول المشهور عند المالكية، واستدلوا بعدم ثبوت سنة في ذلك، وأن السنة ثبتت في صلاة الفجر عند النوازل فقط.
ويمكن ان يجاب عنهم بما استدل به اصحاب القول الاول؛ من احاديث صحيحة تؤكد ان النبي –صلى الله عله وسلم- كان يقنت في الوتر وغيره.
ورفع اليدين في دعاء القنوت مستحب سواء كان قنوت نازلة أم كان قنوت وتر، لأنه ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رفع يديه في دعائه في الاحاديث الصحيحة، وأما في القنوت بالوتر فلأنه ثابت عن عمر وغيره من الصحابة -رضي الله عنهم-، ولم يكونوا ليفعلوه من تلقاء أنفسهم مع ما استقر عندهم من ان الاصل في العبادة المنع الا بدليل لأمره عليه الصلاة والسلام لهم كما في صحيح البخاري : ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)).
ولا يشرع مسح الوجه بعد الدعاء في القنوت، قال الامام البيهقي في السنن الكبرى (2/212) : (فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظ عن أحد من السلف في دعاء القنوت وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث ضعيف وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة. وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس، فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف -رضي الله عنهم- من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة وبالله التوفيق) .
ولا مانع من الزيادة على الأذكار الواردة في القنوت، ولا يشترط لدعاء القنوت لفظ معين والأفضل أن يقول ما جاءت به السنة من الأدعية المأثورة مثل الدعاء المشهور المذكور انفا الذي يرويه الحسن بن علي - رضي الله عنهما -.
وكرّه العلماء التكلف في السجع في الدعاء والذي قد يحمل الداعي إلى الإتيان بأدعية مخترعة، ثم هو خلاف السنة الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في تخير جوامع الدعاء.
المفتى به:
هو القول بأن القنوت في الوتر سنة وليس بواجب ؛ لثبوت ذلك عن السلف الصالح من الصحابة - رضي الله عنهم- ، والتابعين ، وانه يُسن في وتر كل ليلة من ليالي السنة ، ولا باس بالعمل ببقية الاقوال الاخرى لان الامر فيه سعة وخلاف سائغ واجتهاد ولا انكار في مسائل الاجتهاد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى (2/245): (وأما القنوات في الوتر فجائز وليس بلازم فمن أصحابه - أي النبي صلى الله عليه وسلم- من لم يقنت، ومنهم من قنت في النصف الأخير من رمضان، ومنهم من قنت السنة كلها، والعلماء منهم من يستحب الأول كمالك، ومنهم من يستحب الثاني كالشافعي وأحمد في رواية، ومنهم من يستحب الثالث كأبي حنيفة والإمام أحمد في رواية، والجميع جائز فمن فعل شيئاً من ذلك فلا لوم عليه).
ورفع اليدين في دعاء القنوت مستحب سواء كان قنوت نازلة أم كان قنوت وتر، ولا يشرع مسح الوجه بعد الدعاء في القنوت ، ولا مانع من الزيادة على الأذكار الواردة في القنوت، ولكن يكرّه التكلف في السجع في الدعاء. والله تعالى اعلم
د. ضياء الدين الصالح
الخميس، 31 مايو 2018
مسائل في الحيض والنفاس والصوم .
الحيض والنفاس
معلوم لدى الجميع حرمة الصوم والصلاة والجماع في زمن الحيض والنفاس
لكن الأمر قد يحتاج شيئا من التوضيح لبعض الأمور :
لا حد لأقل الحيض والنفاس ولا حد لأكثره من الأيام هذا هو القول الراجح
ومن العلماء من يقول بالأربعين يوما كحد أعلى والبعض يقول ستين يوما والستين نادر الحدوث
والصحيح أن العبرة هي برؤية صفات الدم
ومايسبق الحيض ( زمن الدورة الشهرية ) من كدرة وصفرة فهذه لها حكم الحيض
ومايسبق النفاس ( الولادة ) إن كان دما مع آلام الطلق فهو نفاس
أما خروج الماء من المرأة قبل الولادة فهذا ليس بنفاس
والطهر يعرف بـ
"(( أن ترى المرأة القصة البيضاء ( الماء الأبيض ) أو الجفوف ( اليبوسة )"
ومايخرج بعد الطهر
إن كان دما يشبه دم ماقبل الطهر فيأخذ حكم الحيض أو النفاس وخاصة إذا كان في مدة حيضها المعروفة لديها أو خلال الأربعين أو الستين يوم من النفاس
وإن كان كدرة ( أوساخ ) فلاحكم لها تصلي وتصوم ولزوجها جماعها
وأما استمرار الدم بصورة غير معتادة فهذا يسمى دم استحاضة
ويفرق بين دم الحيض ودم الإستحاضة بـ :
دم الحيض لونه أسود ودم الاستحاضة أحمر .
دم الحيض ثخين غليظ والاستحاضة دمها رقيق .
دم الحيض منتن كريه الرائحة ودم الاستحاضة غير منتن لأنه دم عادي .
دم الحيض لا يتجمد إذا ظهر والاستحاضة دمها يتجمد .
ودم الاستحاضة لايمنع صوما ولا صلاة ولاجماعا
وجزاكم الله خيرا وبارك فيك ... اللهم تقبل منا
السبت، 26 مايو 2018
جواز أداء الدَّين من الزكاة ولو عن الأب أو الأم أو الزوجة أو الابن
جواز أداء الدَّين من الزكاة ولو عن الأب أو الأم أو الزوجة أو الابن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام عل أشرف الخلق وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فإن من أصناف الزكاة الثمانية التي نصَّ الله تعالى عليها في كتابه العزيز : ( والغارمين ) وهم المدينون، سواء كان الدَّيْن لمصلحة الإسلام أم لمصلحتهم، فيجوز دفع الزكاة لمن كان مدِينا مطلقا، مادام الدَّين كان في حاجته المهمة، بشرط عجزه عن سداد الدين هو بنفسه، فينطبق عليه أنه من هذا الصنف –الغارمون-.
وهذا الحكم ليس خاصا بالشخص الأجنبي عن المزكِّي، بل حتى لو كان أباه أو أمه، أو زوجٌ لزوجته أو زوجةٌ لزوجها، وكذلك الأبُ يدفع الزكاة عن الابن المدِين؛ لأن سداد الديون ليس داخلا في النفقات الواجبة، سواء على الزوج أو على الأب، فمن كانت زوجته مدينةً، أو ابنُه أو أبوه مدينًا، جاز إعطاؤه من الزكاة ليسد دينه، بل ويستحب هذا، لأن الصدقة للقريب صدقة وصلة، فعن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصدقة على الفقير صدقة، وعلى القريب صدقة وصلة ).
والقاعدة في هذا الباب أن الزكاة لا تجوز للقريب الذي تجب النفقةُ عليه، كالابن والزوجة والأخ، وذلك أن الزكاة واجبة، والنفقة واجبة، فإن دفعت الزكاة لمن تجب عليك نفقته، كالابن أو الزوجة، فقد أسقط الدافعُ أحدَ الواجبين بالآخر، وعليه فلا يجوز دفع الزكاة له لأنه يسقط بذلك النفقة عليه.
أما الدُّيون، فهي لا تدخل في النفقات الواجبة، ومن ثَمَّ يجوز دفع الزكاة فيها، باعتبارها صنفا من الأصناف الثمانية، ولو كان المدفوع عنه ممن تجب نفقته أصلا، كالزوجة، والابن والأب الفقير، ونحوه، والله الموفق.
كتبه: د.محمد بن موسى الدالي
في 18/8/1433هـ
الجمعة، 25 مايو 2018
حكم القراءة في المصحف في الصلاة
حكم القراءة في المصحف في الصلاة
السؤال: شيخنا مسجدنا ليس فيه امام راتب، وفي الصلوات يؤمنا رجل متقن لكنه يقرأ في المصحف، فحدث بسببه خلاف بين المصَّلين ، فما حكم القراءة في المصحف في الصلاة ؟ افتونا ماجورين.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فقد اختلف الفقهاء في حكم القراءة في المصحف في الصلاة على أربعة اقوال :
القول الاول: لا يكره أن يقرأ من المصحف في صلاة النافلة وكذا المكتوبة، ولا فرق في ذلك بين حافظ وغيره، وامام ومنفرد، وهذا هو مذهب الشافعية والقول المعتمد في مذهب الحنابلة، وهو مذهب الزيدية والامامية.
واحتجوا: بما روى البخاري تعليقا وابن أبي شيبة في المصنف، والبيهقي في السنن الكبرى عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنها كان يؤمها عبدها ذكوان ويقرأ من المصحف.
وكما أن قراءة القرآن عبادة فإن النظر في المصحف عبادة أيضًا، وانضمام العبادة إلى العبادة لا يوجب المنع، بل يوجب زيادة الأجر؛ إذ فيه زيادة في العمل من النظر في المصحف. والقاعدة الشرعية، أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، والمقصود هو حصول القراءة، فإذا حصل هذا المقصود عن طريق النظر في مكتوب كالمصحف كان جائزًا.
قال الإمام النووي في المجموع: (لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته، سواء كان يحفظه أم لا، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة، ولو قلب أوراقه أحيانًا في صلاته لم تبطل).
وقال العلامة منصور البهوتي الحنبلي في كشاف القناع: (وله -أي المصلي- القراءةُ في المصحف ولو حافظًا... والفرض والنفل سواء، قاله ابن حامد).
ونقل الامام ابن قدامة المقدسي في المغني عن الإمام الزهريُّ أنه سُئل عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف فقال: (كان خيارنا يقرؤون في المصاحف، وروي ذلك عن عطاء ويحيى الأنصاري وعن الحسن ومحمد في التطوع).
وقد سُئل الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- في مجموع فتاويه : هل يجوز للإمام في أثناء الصلوات الخمس أن يقرأ من المصحف، وخاصة صلاة الفجر لأن تطويل القراءة فيها مطلوب وذلك مخافة الغلط أو النسيان ؟
فأجاب : (يجوز ذلك إذا دعت إليه الحاجة، كما تجوز القراءة من المصحف في التراويح لمن لا يحفظ القرآن، ..... وتطويل القراءة في صلاة الفجر سّنة، فإذا كان الإمام لا يحفظ المفصل ولا غيره من بقية القرآن الكريم جاز له أن يقرأ من المصحف ، ويشرع له أن يشتغل بحفظ القرآن، وأن يجتهد في ذلك، أو يحفظ المفصل على الأقل حتى لا يحتاج إلى القراءة من المصحف ، وأول المفصل سورة ق إلى آخر القرآن ، ومن اجتهد في الحفظ يسر الله أمره ، لقوله سبحانه : {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } وقوله عز وجل : {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . والله ولي التوفيق).
القول الثاني: كراهة القراءة في المصحف في صلاة الفرض مطلقا، ولا يكره ذلك في النافلة لأنه يغتفر فيها ما لا يغتفر في الفرض، وهو مذهب المالكية وقول للإمام أحمد بن حنبل واختاره بعض الحنابلة، لأنه في العادة لا يحتاج إلى ذلك في الفرض، ولأنه يشتغل بذلك عن الخشوع في الصلاة، والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة.
جاء في المدونة : (قال ابن القاسم : قلت لمالك في الرجل يصلي النافلة يشك في الحرف وهو يقرأ وبين يديه مصحف منشور أينظر في المصحف ليعرف ذلك الحرف ؟ فقال : لا ينظر في ذلك الحرف ولكن يتم صلاته ثم ينظر في ذلك الحرف، وقال بجواز قيام الإمام بالناس في رمضان وفى النافلة في المصحف ، وكره ذلك في الفريضة... وكذلك قال الليث) .
قال الامام ابن قدامة المقدسي في المغني: (قال أحمد: لا بأس أن يصلي بالناس القيام وهو ينظر في المصحف قيل له: في الفريضة؟ قال: لا، لم أسمع فيه شيئا، وقال القاضي: يكره في الفرض، ولا بأس به في التطوع إذا لم يحفظ، فإن كان حافظا كره أيضا، قال وقد سئل أحمد عن الإمامة في المصحف في رمضان؟ فقال: إذا اضطر إلى ذلك. نقله علي بن سعيد، وصالح، وابن منصور. وحكي عن ابن حامد أن النفل والفرض في الجواز سواء).
القول الثالث: أن القراءة من المصحف في الصلاة مكروهة مطلقًا سواء في ذلك الفرض والنفل، ولكنها لا تُفْسِد الصلاة؛ لأنها عبادة انضافت إلى عبادة، ووجه الكراهة أنها تَشَبُّهٌ بصنيع أهل الكتاب، وكذلك النظر في المصحف يعد تعليما وعملا كثيرا، وهو قول الصاحبين من الحنفية أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني، وبعض المالكية، وممن كرّه ذلك ايضا ابن المسيب والحسن البصري، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وسفيان، والشعبي ، وسليمان بن حنظلة البكري، والربيع بن سليمان.
القول الرابع: لا يجوز ذلك مطلقا وانها تفسد الصلاة إذا لم يكن حافظا، ولا فرق بين الإمام والمنفرد ، وهو مذهب الحنفية وابن حزم الظاهري.
وذلك لسببين :إحداهما : أن حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه أعمال كثيرة ليست من أعمال الصلاة ولا حاجة إلى تحملها في الصلاة ، فتفسد الصلاة - وعليه فلو كان المصحف موضوعا بين يديه ويقرأ منه من غير حمل وتقليب الأوراق لا تفسد - .
والثاني : أن هذا يلقن من المصحف فيكون تعلماً منه ألا ترى أن من يأخذ من المصحف يسمى متعلما فصار كما لو تعلم من معلم وذا يفسد الصلاة، وهنا تفسد الصلاة حتى لو كان لا يحمل المصحف ، أو إذا كان موضوعا بين يديه ولا يقلب الأوراق. فالحاصل أن تجنب ذلك في الصلاة مطلوب طلباً مؤكداً، وهو في صلاة الفرض أشد تأكيداً، إذ لا يطلب فيها تطويل أصلاً، فتكفي فيها أم الكتاب، وما تيسر معها.
جاء في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: ( "وقراءة ما لا يحفظه من مصحف" وإن لم يحمله للتلقي من غيره، وأما إذا كان حافظا له ولم يحمله فلا تفسد لانتفاء العمل والتلقي).
قال الامام ابن قدامة في المغني: (وقال أبو حنيفة تبطل الصلاة به إذا لم يكن حافظا؛ لأنه عمل طويل، وقد روى أبو بكر بن أبي داود، في كتاب المصاحف بإسناده عن ابن عباس قال: "نهانا أمير المؤمنين أن نؤم الناس في المصاحف"، وأن يؤمنا إلا محتلم. وروي عن ابن المسيب والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، وسليمان بن حنظلة، والربيع، كراهة ذلك وعن سعيد، والحسن قالا: تردد ما معك من القرآن ولا تقرأ في المصحف).
المفتى به:
هو ما ذهب اليه أصحاب القول الثاني من كراهة القراءة في المصحف في صلاة الفرض مطلقا دون النافلة، وذلك لعدم الحاجة إليه غالبا، لان القراءة تتحصل بالفاتحة وما تيسر من الحفظ ولو من قصار السّور، ويكرر تلك السّور ولا حرج عليه في ذلك، وينبغي عليه أن يجتهد في حفظ قدر أكبر من السّور خاصة المفصل ليتمكن من أداء الفريضة من غير نظر إلى المصحف، ولأن السّنة المحفوظة عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه القراءة عن ظهر قلب ولم ينقل عن أحد منهم القراءة من المصحف، ولأن معيار التفضيل في الإمامة الحفظ والاتقان للقرآن لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: ((وليؤمكم أكثركم قرآنا)) رواه البخاري. وعليه يجب أن لا يُسّهل ويرّخص في الفريضة؛ لأن ذلك يفضي إلى تفريط الناس بالحفظ وعدم الاهتمام بشروط الإمامة المعتبرة.
وعدم كراهة ذلك في النافلة لأنه يغتفر فيها ما لا يغتفر في الفرض ، ولأن المقصود في النفل الإطالة وكثرة القيام ، والقراءة من المصحف يحقق ذلك لمن لم يكن حافظا ، ولما في ذلك من التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم لأنه قد يصعب وجود حفاظ للمصحف في بعض الاماكن والمصلون يتشوقون لسماع القرآن وختمه في مواسم الخير .
والتفريق بين الفريضة والنافلة في الجواز هو القول الموافق للأدلة والمقاصد الشرعية ، ولكن ينبغي للحافظ ان يقرأ من حفظه لتحصيل السّنة والفضيلة، ولا يعتمد على القراءة من المصحف، لأنه مع الأسف هناك من الحفاظ مَن نسي حفظه لاعتماده الكلي على المصحف في النافلة.
وعلى العموم فالمسألة خلافية والأمر فيها واسع؛ وقد تقرر في القواعد الفقهية انه لا إنكار في مسائل الخلاف السائغ، ولا يجوز أن تكون هذه سبب للفتنة ونزاع بين المسلمين. والله تعالى أعلم.
د. ضياء الدين الصالح
السؤال: شيخنا مسجدنا ليس فيه امام راتب، وفي الصلوات يؤمنا رجل متقن لكنه يقرأ في المصحف، فحدث بسببه خلاف بين المصَّلين ، فما حكم القراءة في المصحف في الصلاة ؟ افتونا ماجورين.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فقد اختلف الفقهاء في حكم القراءة في المصحف في الصلاة على أربعة اقوال :
القول الاول: لا يكره أن يقرأ من المصحف في صلاة النافلة وكذا المكتوبة، ولا فرق في ذلك بين حافظ وغيره، وامام ومنفرد، وهذا هو مذهب الشافعية والقول المعتمد في مذهب الحنابلة، وهو مذهب الزيدية والامامية.
واحتجوا: بما روى البخاري تعليقا وابن أبي شيبة في المصنف، والبيهقي في السنن الكبرى عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنها كان يؤمها عبدها ذكوان ويقرأ من المصحف.
وكما أن قراءة القرآن عبادة فإن النظر في المصحف عبادة أيضًا، وانضمام العبادة إلى العبادة لا يوجب المنع، بل يوجب زيادة الأجر؛ إذ فيه زيادة في العمل من النظر في المصحف. والقاعدة الشرعية، أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، والمقصود هو حصول القراءة، فإذا حصل هذا المقصود عن طريق النظر في مكتوب كالمصحف كان جائزًا.
قال الإمام النووي في المجموع: (لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته، سواء كان يحفظه أم لا، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة، ولو قلب أوراقه أحيانًا في صلاته لم تبطل).
وقال العلامة منصور البهوتي الحنبلي في كشاف القناع: (وله -أي المصلي- القراءةُ في المصحف ولو حافظًا... والفرض والنفل سواء، قاله ابن حامد).
ونقل الامام ابن قدامة المقدسي في المغني عن الإمام الزهريُّ أنه سُئل عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف فقال: (كان خيارنا يقرؤون في المصاحف، وروي ذلك عن عطاء ويحيى الأنصاري وعن الحسن ومحمد في التطوع).
وقد سُئل الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- في مجموع فتاويه : هل يجوز للإمام في أثناء الصلوات الخمس أن يقرأ من المصحف، وخاصة صلاة الفجر لأن تطويل القراءة فيها مطلوب وذلك مخافة الغلط أو النسيان ؟
فأجاب : (يجوز ذلك إذا دعت إليه الحاجة، كما تجوز القراءة من المصحف في التراويح لمن لا يحفظ القرآن، ..... وتطويل القراءة في صلاة الفجر سّنة، فإذا كان الإمام لا يحفظ المفصل ولا غيره من بقية القرآن الكريم جاز له أن يقرأ من المصحف ، ويشرع له أن يشتغل بحفظ القرآن، وأن يجتهد في ذلك، أو يحفظ المفصل على الأقل حتى لا يحتاج إلى القراءة من المصحف ، وأول المفصل سورة ق إلى آخر القرآن ، ومن اجتهد في الحفظ يسر الله أمره ، لقوله سبحانه : {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } وقوله عز وجل : {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . والله ولي التوفيق).
القول الثاني: كراهة القراءة في المصحف في صلاة الفرض مطلقا، ولا يكره ذلك في النافلة لأنه يغتفر فيها ما لا يغتفر في الفرض، وهو مذهب المالكية وقول للإمام أحمد بن حنبل واختاره بعض الحنابلة، لأنه في العادة لا يحتاج إلى ذلك في الفرض، ولأنه يشتغل بذلك عن الخشوع في الصلاة، والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة.
جاء في المدونة : (قال ابن القاسم : قلت لمالك في الرجل يصلي النافلة يشك في الحرف وهو يقرأ وبين يديه مصحف منشور أينظر في المصحف ليعرف ذلك الحرف ؟ فقال : لا ينظر في ذلك الحرف ولكن يتم صلاته ثم ينظر في ذلك الحرف، وقال بجواز قيام الإمام بالناس في رمضان وفى النافلة في المصحف ، وكره ذلك في الفريضة... وكذلك قال الليث) .
قال الامام ابن قدامة المقدسي في المغني: (قال أحمد: لا بأس أن يصلي بالناس القيام وهو ينظر في المصحف قيل له: في الفريضة؟ قال: لا، لم أسمع فيه شيئا، وقال القاضي: يكره في الفرض، ولا بأس به في التطوع إذا لم يحفظ، فإن كان حافظا كره أيضا، قال وقد سئل أحمد عن الإمامة في المصحف في رمضان؟ فقال: إذا اضطر إلى ذلك. نقله علي بن سعيد، وصالح، وابن منصور. وحكي عن ابن حامد أن النفل والفرض في الجواز سواء).
القول الثالث: أن القراءة من المصحف في الصلاة مكروهة مطلقًا سواء في ذلك الفرض والنفل، ولكنها لا تُفْسِد الصلاة؛ لأنها عبادة انضافت إلى عبادة، ووجه الكراهة أنها تَشَبُّهٌ بصنيع أهل الكتاب، وكذلك النظر في المصحف يعد تعليما وعملا كثيرا، وهو قول الصاحبين من الحنفية أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني، وبعض المالكية، وممن كرّه ذلك ايضا ابن المسيب والحسن البصري، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وسفيان، والشعبي ، وسليمان بن حنظلة البكري، والربيع بن سليمان.
القول الرابع: لا يجوز ذلك مطلقا وانها تفسد الصلاة إذا لم يكن حافظا، ولا فرق بين الإمام والمنفرد ، وهو مذهب الحنفية وابن حزم الظاهري.
وذلك لسببين :إحداهما : أن حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه أعمال كثيرة ليست من أعمال الصلاة ولا حاجة إلى تحملها في الصلاة ، فتفسد الصلاة - وعليه فلو كان المصحف موضوعا بين يديه ويقرأ منه من غير حمل وتقليب الأوراق لا تفسد - .
والثاني : أن هذا يلقن من المصحف فيكون تعلماً منه ألا ترى أن من يأخذ من المصحف يسمى متعلما فصار كما لو تعلم من معلم وذا يفسد الصلاة، وهنا تفسد الصلاة حتى لو كان لا يحمل المصحف ، أو إذا كان موضوعا بين يديه ولا يقلب الأوراق. فالحاصل أن تجنب ذلك في الصلاة مطلوب طلباً مؤكداً، وهو في صلاة الفرض أشد تأكيداً، إذ لا يطلب فيها تطويل أصلاً، فتكفي فيها أم الكتاب، وما تيسر معها.
جاء في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: ( "وقراءة ما لا يحفظه من مصحف" وإن لم يحمله للتلقي من غيره، وأما إذا كان حافظا له ولم يحمله فلا تفسد لانتفاء العمل والتلقي).
قال الامام ابن قدامة في المغني: (وقال أبو حنيفة تبطل الصلاة به إذا لم يكن حافظا؛ لأنه عمل طويل، وقد روى أبو بكر بن أبي داود، في كتاب المصاحف بإسناده عن ابن عباس قال: "نهانا أمير المؤمنين أن نؤم الناس في المصاحف"، وأن يؤمنا إلا محتلم. وروي عن ابن المسيب والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، وسليمان بن حنظلة، والربيع، كراهة ذلك وعن سعيد، والحسن قالا: تردد ما معك من القرآن ولا تقرأ في المصحف).
المفتى به:
هو ما ذهب اليه أصحاب القول الثاني من كراهة القراءة في المصحف في صلاة الفرض مطلقا دون النافلة، وذلك لعدم الحاجة إليه غالبا، لان القراءة تتحصل بالفاتحة وما تيسر من الحفظ ولو من قصار السّور، ويكرر تلك السّور ولا حرج عليه في ذلك، وينبغي عليه أن يجتهد في حفظ قدر أكبر من السّور خاصة المفصل ليتمكن من أداء الفريضة من غير نظر إلى المصحف، ولأن السّنة المحفوظة عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه القراءة عن ظهر قلب ولم ينقل عن أحد منهم القراءة من المصحف، ولأن معيار التفضيل في الإمامة الحفظ والاتقان للقرآن لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: ((وليؤمكم أكثركم قرآنا)) رواه البخاري. وعليه يجب أن لا يُسّهل ويرّخص في الفريضة؛ لأن ذلك يفضي إلى تفريط الناس بالحفظ وعدم الاهتمام بشروط الإمامة المعتبرة.
وعدم كراهة ذلك في النافلة لأنه يغتفر فيها ما لا يغتفر في الفرض ، ولأن المقصود في النفل الإطالة وكثرة القيام ، والقراءة من المصحف يحقق ذلك لمن لم يكن حافظا ، ولما في ذلك من التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم لأنه قد يصعب وجود حفاظ للمصحف في بعض الاماكن والمصلون يتشوقون لسماع القرآن وختمه في مواسم الخير .
والتفريق بين الفريضة والنافلة في الجواز هو القول الموافق للأدلة والمقاصد الشرعية ، ولكن ينبغي للحافظ ان يقرأ من حفظه لتحصيل السّنة والفضيلة، ولا يعتمد على القراءة من المصحف، لأنه مع الأسف هناك من الحفاظ مَن نسي حفظه لاعتماده الكلي على المصحف في النافلة.
وعلى العموم فالمسألة خلافية والأمر فيها واسع؛ وقد تقرر في القواعد الفقهية انه لا إنكار في مسائل الخلاف السائغ، ولا يجوز أن تكون هذه سبب للفتنة ونزاع بين المسلمين. والله تعالى أعلم.
د. ضياء الدين الصالح
الأربعاء، 23 مايو 2018
حكم قول ( رمضان كريم ) ؟!
مسألة شرعية دقيقة
حكم قول (رمضان كريم)
لقد ورد هذا الوصف في القرآن الكريم لما هو دون رمضان مثل
(أنبتنا فيها من كل زوج كريم)
(إني ألقي إلي كتاب كريم)
(ورزق كريم)
فوصف رمضان به أولى..
وهذه الآيات ترد شبهة من قال إن هذا اسم من أسماء الله..لا يجوز إطلاقه على غير الله..
وكذاك من قال: إنه وصف لمن يعطي..ورمضان لا يعطي..فهذه الأشياء التي وردت في القرآن (النبات والرزق والكتاب) كلها لا تعطي..
فكلمة كريم كلمة مدح لكل ما هو حسن في ذاته أو في عطائه..أو كان محلا لذلك..ورمضان لا شك أنه خير في ذاته..وهو محل لكل خير ..وهو ظرف للكرم الإلهي ..وللعطاء والصدقة..وهي ليست كلمة توقيفية لذلك نطلقها على كثير من الناس دون نص ودون نكير من أحد..فنقول : شيخي الكريم، وأخي الكريم ..الخ
والله أعلم
وكل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله..صلى الله عليه وسلم.
حكم قول (رمضان كريم)
لقد ورد هذا الوصف في القرآن الكريم لما هو دون رمضان مثل
(أنبتنا فيها من كل زوج كريم)
(إني ألقي إلي كتاب كريم)
(ورزق كريم)
فوصف رمضان به أولى..
وهذه الآيات ترد شبهة من قال إن هذا اسم من أسماء الله..لا يجوز إطلاقه على غير الله..
وكذاك من قال: إنه وصف لمن يعطي..ورمضان لا يعطي..فهذه الأشياء التي وردت في القرآن (النبات والرزق والكتاب) كلها لا تعطي..
فكلمة كريم كلمة مدح لكل ما هو حسن في ذاته أو في عطائه..أو كان محلا لذلك..ورمضان لا شك أنه خير في ذاته..وهو محل لكل خير ..وهو ظرف للكرم الإلهي ..وللعطاء والصدقة..وهي ليست كلمة توقيفية لذلك نطلقها على كثير من الناس دون نص ودون نكير من أحد..فنقول : شيخي الكريم، وأخي الكريم ..الخ
والله أعلم
وكل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله..صلى الله عليه وسلم.
السؤال: هل يُقبَل صيام وصلاة المرأة غير المحجبة؟
صائمة غير محجبة !!
.........................
.........................
السؤال: هل يُقبَل صيام وصلاة المرأة غير المحجبة؟
جواب فضيلة الشيخ القرضاوي :
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
طبعًا يُقبَل، في الإسلام كلُّ شيء بحسابه، لقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7، 8]، ولكن أريد أن أقول: بالنسبة لبناتنا وأخواتنا،
ليس سهلاً أن يعيش الإنسان عمره وهو يرتكب شيئًا حرَّمه الله، يعني إذا كان كشف الرأس والذراعين وغيره حرامًا، فالمسلمة التي ترتكب هذا وتعيش هكذا، يعني أنها تعيش طوال عمرها ترتكب حرامًا مستمرًّا، وهذه مصيبةٌ كبيرةٌ؛ لأنَّ الحرام يرتكبه الإنسان مرَّة ثم يتركه، إنما إذا كان يرتكب حرامًا دائمًا أبدًا، ويعيش عمره مرتكبًا الحرام، فهذا لا يجوز، فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، والإصرار على الكبيرة يجعلها أكبر. لذلك أنصح المسلمة غير المحجبة أن تتحجَّب، بدل أن تعيش طُوالَ عمرها على ارتكاب الحرام.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هي ترتكب حرامًا آخر؛ لأنها تُعَرِّضُ غيرها للحرام، يعني أنا الآن أُدَرِّسُ أو أحاضر، وأمامي فتياتٌ مُحجَّباتٌ وغير مُحجَّبات، ونظري إلى غير المحجبة - إلى شعرها مثلاً- حرام، وهي تُسْهِم إذن في ارتكابها الحرام، إذ ليس معقولاً أن أحجب نظري عنكنَّ، أو أن أتكلم معكنَّ من حُجرة أخرى، وقد تجد في بعض البلاد الأستاذ يحاضر في حجرة والطالبات في حجرة أخرى، وهذه عملية غريبة، فأين التفاعل بين التلميذات والمحاضر؟! يجب أن يكون التفاعل موجودًا.
ليس سهلاً أن يعيش الإنسان عمره وهو يرتكب شيئًا حرَّمه الله، يعني إذا كان كشف الرأس والذراعين وغيره حرامًا، فالمسلمة التي ترتكب هذا وتعيش هكذا، يعني أنها تعيش طوال عمرها ترتكب حرامًا مستمرًّا، وهذه مصيبةٌ كبيرةٌ؛ لأنَّ الحرام يرتكبه الإنسان مرَّة ثم يتركه، إنما إذا كان يرتكب حرامًا دائمًا أبدًا، ويعيش عمره مرتكبًا الحرام، فهذا لا يجوز، فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، والإصرار على الكبيرة يجعلها أكبر. لذلك أنصح المسلمة غير المحجبة أن تتحجَّب، بدل أن تعيش طُوالَ عمرها على ارتكاب الحرام.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هي ترتكب حرامًا آخر؛ لأنها تُعَرِّضُ غيرها للحرام، يعني أنا الآن أُدَرِّسُ أو أحاضر، وأمامي فتياتٌ مُحجَّباتٌ وغير مُحجَّبات، ونظري إلى غير المحجبة - إلى شعرها مثلاً- حرام، وهي تُسْهِم إذن في ارتكابها الحرام، إذ ليس معقولاً أن أحجب نظري عنكنَّ، أو أن أتكلم معكنَّ من حُجرة أخرى، وقد تجد في بعض البلاد الأستاذ يحاضر في حجرة والطالبات في حجرة أخرى، وهذه عملية غريبة، فأين التفاعل بين التلميذات والمحاضر؟! يجب أن يكون التفاعل موجودًا.
فالمسلمة التي تخلع الحجاب ترتكب حرامًا في حقِّ كلِّ مَن ينظر إليها، لأنَّها تُوَرِّطُه في ارتكاب الحرام حين ينظر إلى ما كشَفَتْه من بدنها.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)













