الجمعة، 23 يونيو 2023

هل يجوز شراء اللحم فقط من الذبيحة وتوزيعه بنية الأضحية ؟ وما حكم شراء الحيوان وزنا قبل الذبح؟

 


💥شراء اللحم وتوزيعه بنية الأضحية 🐏
السؤال: شيخنا هل يجوز شراء اللحم فقط من الذبيحة وتوزيعه بنية الأضحية ؟ وما حكم شراء الحيوان وزنا قبل الذبح؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ورضي الله عن التابعين، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فان الأضحية شعيرة من شعائر الله تعالى، وسّنة مؤكدة من سنن المصطفى - صلى الله عليه وسلم-، وينبغي على المسلم أن يعظم شعائر الله تعالى وأن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى :{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } [سورة الحج الآية 32 ]. وقال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [سورة الأحزاب الآية 21].
👈ولا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يجزيء في الأضحية شراء لحم وتوزيعه على الناس، فلا تكون الأضحية إلا بإراقة الدم وامتثال السُّنة بالذبح، لا بتوزيع اللحم فحسب؛ لأنها عبادة مقصودة لذاتها وقربة ، والأصل بالعبادة الإتباع وموافقة الهدي النبوي الشريف ، وكذلك لا بد لها من النية عند إرادتها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) متفق عليه، ولا شك أن اللحم المشترى من القصاب أو الجزار قد ذبح بغير نية الأضحية.
👈فإهراق الدم في يوم النحر من أفضل القربات والعبادات ، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ((مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَرْنِهِ مَا عَلَيْهَا قَرْنُهَا وَأَشْعَارُهَا وَأَظْلَافُهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِالْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا )) رواه الترمذي والبيهقي .
فالأضحية لا تجزيء إلا بإتباع السّنة فيها، ولهذا أمر من خالف فيها السّنة بالإعادة، ففي صحيح البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر بعد الصلاة فقال(( من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم ، فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله؛ والله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: تلك شاة لحم )).
👈وكذلك اتفق الفقهاء على عدم صحة شراء لحم الحيوان بعد الذبح بنيّة الاضحية بالاتفاق مع القصاب، لان الأضحية والعقيقة والدم المنذور، لا بد من تملّكها قبل ذبحها، ولا يصح أن تُذبح وهي ما زالت في مُلك القصاب ، فيجب أن تُشترى حيّةً ثم يتم ذبحها بنيّة الأضحية ونحوها.
👈وأما شراء الحيوان وزنا قبل الذبح ففيه خلاف، والراجح الجواز من غير غش، فقد قال به أكثر أهل العلم ، الأصل هو حلُّ عملية البيع سواء بالوزن أو بغير وزن، لكن قد يغش التاجر بأن يطعمها ملحا مع العلف لتعطيشها ومن ثم تشرب كميات كبيرة من الماء فيزيد وزنها، فهذا يعود لأمانة التاجر وتقواه ، فهو كأي بيع يدخل عليه غش، فعندئذ يكون البيع حراما لما فيه من الغرر والغش .والله تعالى اعلم
✍️د. ضياء الدين عبدالله الصالح
كل التفاعلات:
٣٩

حكم الاستماع للأناشيد الإسلامية؟

 


حكم الاستماع للأناشيد الإسلامية

السؤال:

كثر الكلام حول موضوع الأناشيد الإسلامية، والناس في حيرة حول هذا، وجاءت أسئلة بخصوص هذا الموضوع أكثر من سؤال، فنرجو من سماحتكم بيان ذلك، وتوضيحه؟ 










الجواب:











الأناشيد الإسلامية فيها تفصيل، لا يمكن الجواب عنها مطلقًا، لا بد يكون فيها تفصيل، فكل شعر، أو أنشودة، سواء سمي أناشيد إسلامية، أو غير ذلك، لا بد يكون سليمًا مما يخالف الشرع المطهر، فإذا كانت سليمة مما يخالف الشرع المطهر في مدح الدين، مدح الأخلاق، مدح الكرم، والجود، الحث على الجهاد في سبيل الله، الحث على حماية الأوطان من الأعداء، الحث على الإخلاص لله في العمل، الحث على بر الوالدين على إكرام الجار، على غير هذا من الشؤون الإسلامية، بأساليب واضحة، ليس فيها ما يخالف الشرع المطهر، فليس فيها بأس، مثل ما قال الشافعي -رحمه الله- في الشعر: هو كالنثر حسنه حسن وقبيحه قبيح.

وقال النبي ﷺ: إن من الشعر حكمة والله قال: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ۝ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ۝ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الشعراء:224-227] الآيات، فهؤلاء مستثنون إن كان شعرهم سليمًا داخلاً في العمل الصالح، فهو مستثنى، ومن كان شعره ليس داخلاً في ذلك، بأن يدعو إلى ما يخالف الشرع؛ فإنه لا يكون شعره طيبًا، ولا ينبغي أن يسمح له، بل ينبغي أن يترك حتى يكون شعره موافقًا لشرع الله، سليمًا مما يخالفه. 

فكل أنشودة، أو أناشيد ينبغي أن تعرض على أهل العلم، على لجنة من أهل العلم، ينظرونها، وينقحونها، فإذا نقحوها، وبينوا أنها جائزة؛ تقدم في المدرسة، أو غير المدرسة، ولا تقبل من كل أحد هذه الأناشيد، بل ينظر فيها من لجنة إن كانت من جهة المعارف من جهة المعارف، إن كانت من جهة المعاهد من جهة المعاهد، من أي جهة تكون هذه الأناشيد، لا يسمح بها حتى تعرض على لجنة من أهل العلم والبصيرة المعروفين بالاستقامة والعلم بالشرع؛ حتى ينظروا فيها؛ لأن التساهل فيها قد يفضي إلى شر كثير، فلابد أن تعرض على أهل العلم الذين يعرف فيهم العلم والفضل والغيرة الإسلامية، فينظرون فيها، ويبينون ما فيها من خلل، ثم يوجهون أهل الأناشيد إلى ما هو الأفضل.

السؤال: طبعًا من رأي سماحتكم ألا تطرأ هذه الأناشيد على الانصراف عن سماع القرآن الكريم؛ لأن بعض الإخوة يشتكي بأنها صرفتهم عن سماع القرآن والذكر هذه الأناشيد؟

الجواب: لا بد يكون لها وقت خاص قليل، ما تشغلهم عما هو أهم، لا عن دروسهم، ولا عن القرآن، ولا عن الذكر، يكون لها وقت قليل إذا أريدت، يكون لها وقت، إما قبل الدروس، أو بعد الدروس، أو في أثناء الدرس، إذا كان فيها فائدة تتعلق بالمصلحة الإسلامية على ما يوجه اللجنة -لجنة العلماء- على توجيه اللجنة التي تختص بهذا الشيء، وتنظر فيه، إما أن تفعل أو لا تفعل، أو في وقت كذا، أو في خمس دقائق، أو في عشر دقائق، أو في أقل، أو في أكثر، على.. إذا كانت إسلامية فهي إسلامية، وإن كانت ما هي إسلامية مباحة فهي مباحة على حسب قد تكون .. شيطانية.

السؤال: لكن يا شيخ بالنسبة للتسجيلات الإسلامية -جزاهم الله خيرًا- عندهم الكثير منها، وخالية من الموسيقى، أو في بعض منها شيء مختلط بالموسيقى، والموسيقى حرام؟

الجواب: ما أدري والله، أنا ما عندي خبر عن هذا، لكن القاعدة موافقة الشرع ومخالفته، فالتي فيها موسيقى تمنع. 

الخميس، 22 يونيو 2023

حكم قص الاظافر والاخذ من الشعر للمضحي ؟

 حكم قص الاظافر والاخذ من الشعر للمضحي




السؤال: شيخنا ما حكم قص الاظافر والاخذ من الشعر لمن اراد ان يضحي في يوم النحر؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فقد اختلف الفقهاء في حكم من اراد ان يذبح اضحية هل يمنع من الاخذ من شعره وقص أظفاره اذا دخلت ايام ذي الحجة ؟ وذلك على ثلاثة اقوال :
القول الاول: يكره تنزيها لمن أراد أن يضحِّي وقد دخل هلال ذي الحجة أن يحلق شعره أو يقصَّ أظفاره حتى يذبح اضحيته. وهو قول جمهور اهل العلم من المالكية، والشافعية، وقول للحنابلة، ويروى عن الحسن البصري.
ومعنى كراهة تنزيه : هو ما نهى الشرع عنه نهيا خفيفا ، ليس على وجه الإلزام بتركه . وحكمه : أنه يثاب من تركه طاعةً لله ورسوله ، ولا يعاقب من فعله .
واستدلُّوا بحديث عائشة رضي الله عنها: ((كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ، ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحلَّه الله له حتى ينحر الهدي)) متفق عليه .
ووجه الدلالة: أنَّ فيه دليلاً على إباحة ما قد حظره حديث أم سلمة –رضي الله عنها- وان المنع في حديثها محمول على الكراهة لا التحريم.
واجابوا عليه المخالفون : أنَّ في حديث عائشة اخبار عنه، وحديث أم سلمة عن قوله – عليه الصلاة والسلام- ، والقول يقدم على الفعل؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصاً به.
قال الامام النووي في المجموع: (مذهبنا أن إزالة الشعر والظفر في العشر لمن أراد التضحية مكروه كراهة تنزيه حتى يضحي، وقال مالك وأبو حنيفة لا يكره، وقال سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود يحرم، وعن مالك أنه يكره وحكي عنه الدارمي يحرم في التطوع ولا يحرم في الواجب، واحتج القائلون بالتحريم بحديث أم سلمة واحتج الشافعي والأصحاب عليهم بحديث عائشة ...... ، قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية فدل على أنه لا يحرم ذلك).
القول الثاني: يحرم على من أراد أن يضحِّي، وقد دخل هلال ذي الحجة أن يحلق شعره أو يقصَّ أظفاره حتى يذبح اضحيته .وهو مذهب الامام احمد، وقول عند الشافعية، وبه قال إسحاق بن راهوية، وهو مذهب الظاهرية.
لحديث أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : (( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره)) رواه أحمد ومسلم ، وقوله :((فليمسك)) امر يفيد الوجوب، فيحرم الاخذ من الشعر وقص الاظافر لمن اراد ان يضحي.
وقد اجاب المخالفون : بأنَّ النهي فيه محمول على الكراهة، لا على التحريم، وانه لم يأتي بالنص الوارد في ذلك وجوب اجتناب النساء والطيب، لذا لم يجب ايضا اجتناب مس الشعر والظفر، فهذا الصائم فرض عليه اجتناب النساء، ولا يلزمه اجتناب الطيب ولا مس الشعر والظفر، وكذلك المعتكف، وكذا المعتدة يحرم عليها الجماع والطيب، ولا يلزمها اجتناب قص الشعر والأظفار.
قال الامام ابن قدامة في المغني: (ومن أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئا، ظاهر هذا تحريم قص الشعر وهو قول بعض أصحابنا وحكاه ابن المنذر عن أحمد و إسحاق و سعيد بن المسيب، وقال القاضي وجماعة من أصحابنا: هو مكروه غير محرم، وبه قال مالك والشافعي، لقول عائشة: [كنت أفتل قلائد هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم يقلدها بيده ثم يبعث بها ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي]. متفق عليه. وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظفار كما لو لم يرد أن يضحي).
وقال الامام ابن حزم الظاهري في المحلى : (من أراد أن يضحي ففرض عليه إذا أهل هلال ذي الحجة أن لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي , لا بحلق , ولا بقص ولا بغير ذلك , ومن لم يرد أن يضحي لم يلزمه ذلك ).
وقالوا: إن من أخذ شيئا من شعره أو أظفاره فأضحيته صحيحة ولا كفارة عليه، ولكن عليه أن يتوب إلى الله تعالى مما فعل على القول بالتحريم.
قال الامام الشوكاني في نيل الاوطار : (والحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء للعتق من النار ، وقيل : للتشبه بالمحرم , حكى هذين الوجهين النووي وحكي عن أصحاب الشافعي أن الوجه الثاني غلط ; لأنه لا يعتزل النساء ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم) .
وقالوا: التحريم يخص المضحي فقط ،أما المضحى عنهم كالوالدين والأهل والأولاد فلا يتعلق بهم هذا الحكم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا أراد أحدكم أن يضحي) ولم يقل أن يضحى عنه؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يضحي عن أهل بيته، ولم ينقل عنه أنه أمرهم بالإمساك عن ذلك.
قال الشيخ العلامة ابن باز - رحمه الله – في مجموع فتاويه : (وأما أهل المضحي فليس عليهم شيء ، ولا يُنهون عن أخذ شيء من الشعر والأظافر في أصح قولي العلماء ، وإنما الحكم يختص بالمضحي خاصة الذي اشترى الأُضحية من ماله ).
القول الثالث: أنه لا يكره ، ويباح لمن أراد أن يضحِّي وقد دخل هلال ذي الحجة أن يحلق شعره أو يقصَّ أظفاره ؛ وهو مذهب الامام ابي حنيفة واصحابه، وقول للمالكية، وبه قال الليث بن سعد، وروي عن عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن عبدالله بن عمر، وطاووس بن كيسان، والقاسم بن محمد، وعطاء بن يسار، وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، وسعيد ابن المسيب، وجابر بن زيد.
وقالوا: بما أنه لا يحرم عليه الوطء واللباس والطبيب؛ فلا يحرم عليه حلق الشعر ولا تقليم الظفر، ولمّا كان ذلك لا يمنعه من الجماع وهو أغلظ ما يحرم بالإحرام، كان أحرى أن لا يمنع مما دون ذلك؛ كحلق الشعر أو قص الإظفار.
الخلاصة والمفتى به :
هو ما ذهب اليه جمهور العلماء في القول الاول ؛ انه يُكره كراهة تنزيه لمن أراد أن يضحِّي وقد دخل هلال ذي الحجة أن يحلق شعره أو يقصَّ أظفاره حتى يذبح اضحيته. والامر في حديث ام سلمة – رضي الله عنها- يحمل على الكراهة لا التحريم ، فإن فعل شيئاً من ذلك فليست عليه فدية، لاسيما إذا كان محتاجاً إلى ذلك لطول أظافره طولاً فاحشاً مثلاً.
لكن الأحوط بلا شك لمن أراد التضحية أن يجتنب الأخذ من شعره وأظفاره، عملا بالحديث وخروجا من الخلاف .والله تعالى اعلم
د. ضياء الدين الصالح

حكم حلق الشعر وقلم الأظافر لمن أراد أن يضحِّي*

*حكم حلق الشعر وقلم الأظافر لمن أراد أن يضحِّي* - الشيخ سلمان العودة
بين قص الشّعر وصاع الشَّعير ضاعت الشعائر … ترك الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحِّي
توضيح: موضوع هذه المقالة هو حكم تلك الفتاوى الفردية التي تبطل اجتهاد السلف، بكراهة الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي، وليس مناقشة الخلاف الفقهي والترجيح، بل المقالة جواب لمن يبطل اجتهادات السلف، وهذا ينسحب على كل محاولات إبطال اجتهادات السلف ونقضها بذريعة الترجيح.
1-الصراع الموسمي في الفتاوى:
لا يكاد يمرُّ موسم ديني ولا شعيرة من شعائر الإسلام إلا ونشهد آراء وفتاوى تعكر صفو المشاعر الدينية، حيث تظهر فتاوى فردية تبطل وتضعف اجتهادات معتبرة وتقول إن ذلك غير صحيح، وأصبح الناس يتساءلون حول كراهة أو منع الأخذ من الشعر والأظافر لمن أراد أن يضحي، وهل ما كنا نعمل طوال تلك السنين باطلا، فليس الموضوع هنا في إثارة المسألة أو الخلاف الفقهي فيها، إنما هو جواب على إبطال الاجتهاد المعتبر من السنة التي يعمل بها الناس اليوم، وألفوها ودرجوا عليها، وتحويل نعمة تعدد الاجتهاد إلى نقمة التشكيك في سننن ثابتة عن السلف، وعليها جُملة من المذاهب المعتمدة، وليس مذهبا واحدا فحسب.
2-وما معركة عيد الفطر السعيد منكم ببعيد:
تذكرنا فتاوى إبطال كراهة الأخذ من الظفر والشعر بموسم الصراع في الصاع، ومعركة الدنانير والشعير، التي حدثت في عيد الفطر، ونعيش الآن عزوة ذات الشعر، هذه المعارك والغزوات التي أفسدت علينا نعمة السعادة بشهود شعائر الإسلام، فبينما يسعد المسلمون بأداء شعيرة الصيام، فإنه لا يعكر صفو عيدنا سوى حالة من التعصب، تصيب بعض الإخوة لا يطيب لهم إلا أن يبطلوا بعض اجتهادات السلف تحت دعاية الترجيح، وأن من أخرج صدقة الفطر نقدا عليه أن يعيد إخراجها شعيرا أو أرزا الخ، وأن إخراجها نقدا باطل لا يصح بإطلاق، دون أي مراعاة للاجتهاد المعتبر للسادة الحنفية بإخراجها نقدا، مع أن الكثير من دوائر الفتوى اعتمدت قول الحنفية في جواز إخراجها نقدا، ومع ذلك هناك مَن يُصِرّ على إبطال هذا الاجتهاد المعتبر، وحرمان المسلمين من الاختيار، وهذا كله أسلوب هدمي لشعائر الإسلام بسبب التعصب المذهبي.
3-ليس الإشكال في ترجيح كراهة الأخذ من الشعر أو عدمه:
وها نحن اليوم نوشك على الدخول في العشر من ذي الحجة، وهي من شعائر الإسلام، وتظهر فتاوى تؤدي إلى الاستنزاف الفكري والإلهاء الاستراتيجي، وتقوم على نصرة رأي اجتهادي ما، وإبطال الاجتهاد المعتبر المخالف، والتوجه إلى المجتمع بخطاب إلغائي إقصائي لاجتهادات السلف، وهو القول: بأنه لا يكره الأخذ من الشعر والأظافر لمن أراد أن يضحي، أما القول نفسه فهو منقول عن مذهب الحنفية وهو من المذاهب التمبوعة عند أهل السنة والجماعة، ولكن الإشكال في شيء آخر.
4-الإشكال في إبطال اجتهادات السلف (النظرة الأحادية):
ومع أن الأخذ من الظفر والشعر أو عدمه لا يؤثر في صحة الأضحية إنما هو لكمال العمل، وليس شرطا في صحته، ولكن الإشكال هو طرح المسألة بطريقة الإلغاء والقهر، لثلاثة مذاهب معتبرة تقول بكراهة الأخذ من الشعر والظفر في التسع من ذي الحجة، أو المنع من الأخذ منهما، وإعلان هذه فتوى على أنقاض نقض اجتهادات السلف بحجة اتباع الدليل، فنحن هنا لسنا أمام ترجيح، بل نحن أمام إبطال الاجتهاد المعتبر على النحو الحاصل في إبطال إخراج صدقة الفطر نقدا بالرغم من أنه مذهب الحنفية وهو معتبر، وجرى به عمل بعض السلف أيضا.
5-تناقض غريب:
من الغريب أن يُبطَل عمل الحنفية في إخراج صدقة الفطر نقدا، وأن يعد قولا فاسدا، ويجب على من أخرجها نقدا أن يعيد إخراجها عينا، أما في مسألة قص الشعر والأظافر هنا، فيجب العمل بمذهب الحنفية، ويَبْطُل العمل بالمذاهب الثلاثة الأخرى، ولا تذكر إلا على أنها أقوال ضعيفة على خلاف الدليل، وتوصلها في عقل عامة المسلمين إلى مرحلة البطلان البيِّن، في حالة من الارتباك الواضح، وفي نموذج للاستنزاف والتشويش على المجتمع، حتى بات بعض عامة المسلمين يتوهمون الاضطراب في الفقه الإسلامي، وبطلان فتاوى معتمدة ومعتبرة، وتم إلغاء مبدأ الصواب بأجرين والخطأ بأجر واحد، وأن ما كان يفعله العامة من ترك قص الشعر والظفر هو أمر باطل، مما يفقدهم الثقة بالفتوى والاجتهاد المعتبر.
6- ضرورة الخروج من حرب الاستنزاف واستراتيجة الإلهاء:
وخلاصة الأمر إذا جرى المسلمون على سنة معتبرة كترك الأخذ من الشعر والأظافر في التسع من ذي الحجة، فلا يشوَّش عليهم، فهم على خير وفي نعمة وسُنّة، وينبغي ربطهم بمهمات الأمور: كترك الكبائر، والقيام بالفرائض، والتصدي للإلحاد، ولزوم الجماعة، وهجر العصبية المنتنة، ولا يُشغلون بحرب استنزاف لا يترتب عليها نفع دنيوي ولا أخروي، وعامة المسلمين مصيبون قطعا، وقد أصابوا فيما كلفهم الله به، لأن فرضهم هو اتباع المجتهدين، أما الذين هم عُرضة للخطأ والصواب، فهم المجتهدون في مسائل الاجتهاد المعتبر، وهم يتقلبون في فضل الله بأجرين للمجتهد المصيب وأجر واحد للمخطيء.
7-صراع اجتماع العيد والجمعة:
ناهيك عن قصة إذا اجتمع العيد والجمعة، فستظهر خصومات لا مسوغ لها، وهي أصلا من باب الاجتهاد المتعدد المعتبر، الذي يمكن أن يتحول إلى خصومة دينية في عهد الفرقة، بسبب محاولة المتعصِّب القطع بأحدهما وإبطال الآخر، ويزعم أن ذلك ترجيحا، بل هو نقْض الاجتهاد، وهو يتنافى مع طبيعة الفقه في الاجتهاد المعتبر، وهو أن الناس يتقلّبون فيه بفضل الله تعالى بأجرين للمصيب وأجر واحد للمخطيء، وكلهم على آثار السلف الصالح.
8-ضرورة التمييز بين إبطال الاجتهاد والترجيح:
من المعروف أن الاجتهاد لا يُنْقض بمثله، وأن اجتهادات الفقهاء هي من باب الظن الراجح الذي يجب العمل به، وأنها ليست قاطعة، وعليه يبقى اجتهاد المجتهد راجحا في نظره واجتهاد غيره مرجوح، ولكن لا أحد من المجتهدين زعم أن اجتهاده هو الصواب عند الله تعالى قطعا، واجتهاد غيره خطأ قطعا، بل المصيب عند الله له أجران، والمخطيء له أجر واحد، ولكننا لا نعلم على وجه التحديد من هو المصيب عند الله تعالى، وهذا أعطى فرصة سانحة للراسخين في العلم لِيُدْلوا بدِلائهم في البحث والنظر، لأن الله تعالى اغتفر لهم الخطأ، وأثابهم عليه أجرا.
9-توصيات:
بما أنه قد جرت السُّنة بين كثير من المسلمين بعدم أخذ الشعر والظفر في التسع من ذي الحجة وهو اجتهاد معتبر، فإنني أوصي:
أ-بعدم التشويش على المجتمع إذا كان يسير على سنة وعرفها، وينبغي أن تُركَّز الجهود على مكافحة الآراء الشاذة في الدين، ومقالات الملحدين التي تتجرأ على المسلمين ودينهم، وتعمل على تفكيك الأسرة والمجتمع.
ب-التمييز بين ما هو شأن علمي بحثي وتخاطب به العلماء جهات الاختصاص، وبين ما هو خطاب للمجتمع الذي يجب حفظه من التشويش، وضرورة التنبيه على لزوم الجماعة، وعدم التفريق بين المسلمين.
ج-تُعرض الفتاوى مؤصلة علميا ولا يكتفى بعرض النصوص حسب وجهات نظر أصحابها، بل لا بد من توجيهها أصوليا على النحو المعروف في الخلاف العالي، مع ذكر أقوال السلف ومذاهبهم المعتمدة.

*حكم حلق الشعر وقلم الأظافر لمن أراد أن يضحِّي* - الشيخ سلمان العودة

 *حكم حلق الشعر وقلم الأظافر لمن أراد أن يضحِّي* - الشيخ سلمان العودة

بين قص الشّعر وصاع الشَّعير ضاعت الشعائر … ترك الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحِّي
توضيح: موضوع هذه المقالة هو حكم تلك الفتاوى الفردية التي تبطل اجتهاد السلف، بكراهة الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي، وليس مناقشة الخلاف الفقهي والترجيح، بل المقالة جواب لمن يبطل اجتهادات السلف، وهذا ينسحب على كل محاولات إبطال اجتهادات السلف ونقضها بذريعة الترجيح.
1-الصراع الموسمي في الفتاوى:
لا يكاد يمرُّ موسم ديني ولا شعيرة من شعائر الإسلام إلا ونشهد آراء وفتاوى تعكر صفو المشاعر الدينية، حيث تظهر فتاوى فردية تبطل وتضعف اجتهادات معتبرة وتقول إن ذلك غير صحيح، وأصبح الناس يتساءلون حول كراهة أو منع الأخذ من الشعر والأظافر لمن أراد أن يضحي، وهل ما كنا نعمل طوال تلك السنين باطلا، فليس الموضوع هنا في إثارة المسألة أو الخلاف الفقهي فيها، إنما هو جواب على إبطال الاجتهاد المعتبر من السنة التي يعمل بها الناس اليوم، وألفوها ودرجوا عليها، وتحويل نعمة تعدد الاجتهاد إلى نقمة التشكيك في سننن ثابتة عن السلف، وعليها جُملة من المذاهب المعتمدة، وليس مذهبا واحدا فحسب.
2-وما معركة عيد الفطر السعيد منكم ببعيد:
تذكرنا فتاوى إبطال كراهة الأخذ من الظفر والشعر بموسم الصراع في الصاع، ومعركة الدنانير والشعير، التي حدثت في عيد الفطر، ونعيش الآن عزوة ذات الشعر، هذه المعارك والغزوات التي أفسدت علينا نعمة السعادة بشهود شعائر الإسلام، فبينما يسعد المسلمون بأداء شعيرة الصيام، فإنه لا يعكر صفو عيدنا سوى حالة من التعصب، تصيب بعض الإخوة لا يطيب لهم إلا أن يبطلوا بعض اجتهادات السلف تحت دعاية الترجيح، وأن من أخرج صدقة الفطر نقدا عليه أن يعيد إخراجها شعيرا أو أرزا الخ، وأن إخراجها نقدا باطل لا يصح بإطلاق، دون أي مراعاة للاجتهاد المعتبر للسادة الحنفية بإخراجها نقدا، مع أن الكثير من دوائر الفتوى اعتمدت قول الحنفية في جواز إخراجها نقدا، ومع ذلك هناك مَن يُصِرّ على إبطال هذا الاجتهاد المعتبر، وحرمان المسلمين من الاختيار، وهذا كله أسلوب هدمي لشعائر الإسلام بسبب التعصب المذهبي.
3-ليس الإشكال في ترجيح كراهة الأخذ من الشعر أو عدمه:
وها نحن اليوم نوشك على الدخول في العشر من ذي الحجة، وهي من شعائر الإسلام، وتظهر فتاوى تؤدي إلى الاستنزاف الفكري والإلهاء الاستراتيجي، وتقوم على نصرة رأي اجتهادي ما، وإبطال الاجتهاد المعتبر المخالف، والتوجه إلى المجتمع بخطاب إلغائي إقصائي لاجتهادات السلف، وهو القول: بأنه لا يكره الأخذ من الشعر والأظافر لمن أراد أن يضحي، أما القول نفسه فهو منقول عن مذهب الحنفية وهو من المذاهب التمبوعة عند أهل السنة والجماعة، ولكن الإشكال في شيء آخر.
4-الإشكال في إبطال اجتهادات السلف (النظرة الأحادية):
ومع أن الأخذ من الظفر والشعر أو عدمه لا يؤثر في صحة الأضحية إنما هو لكمال العمل، وليس شرطا في صحته، ولكن الإشكال هو طرح المسألة بطريقة الإلغاء والقهر، لثلاثة مذاهب معتبرة تقول بكراهة الأخذ من الشعر والظفر في التسع من ذي الحجة، أو المنع من الأخذ منهما، وإعلان هذه فتوى على أنقاض نقض اجتهادات السلف بحجة اتباع الدليل، فنحن هنا لسنا أمام ترجيح، بل نحن أمام إبطال الاجتهاد المعتبر على النحو الحاصل في إبطال إخراج صدقة الفطر نقدا بالرغم من أنه مذهب الحنفية وهو معتبر، وجرى به عمل بعض السلف أيضا.
5-تناقض غريب:
من الغريب أن يُبطَل عمل الحنفية في إخراج صدقة الفطر نقدا، وأن يعد قولا فاسدا، ويجب على من أخرجها نقدا أن يعيد إخراجها عينا، أما في مسألة قص الشعر والأظافر هنا، فيجب العمل بمذهب الحنفية، ويَبْطُل العمل بالمذاهب الثلاثة الأخرى، ولا تذكر إلا على أنها أقوال ضعيفة على خلاف الدليل، وتوصلها في عقل عامة المسلمين إلى مرحلة البطلان البيِّن، في حالة من الارتباك الواضح، وفي نموذج للاستنزاف والتشويش على المجتمع، حتى بات بعض عامة المسلمين يتوهمون الاضطراب في الفقه الإسلامي، وبطلان فتاوى معتمدة ومعتبرة، وتم إلغاء مبدأ الصواب بأجرين والخطأ بأجر واحد، وأن ما كان يفعله العامة من ترك قص الشعر والظفر هو أمر باطل، مما يفقدهم الثقة بالفتوى والاجتهاد المعتبر.
6- ضرورة الخروج من حرب الاستنزاف واستراتيجة الإلهاء:
وخلاصة الأمر إذا جرى المسلمون على سنة معتبرة كترك الأخذ من الشعر والأظافر في التسع من ذي الحجة، فلا يشوَّش عليهم، فهم على خير وفي نعمة وسُنّة، وينبغي ربطهم بمهمات الأمور: كترك الكبائر، والقيام بالفرائض، والتصدي للإلحاد، ولزوم الجماعة، وهجر العصبية المنتنة، ولا يُشغلون بحرب استنزاف لا يترتب عليها نفع دنيوي ولا أخروي، وعامة المسلمين مصيبون قطعا، وقد أصابوا فيما كلفهم الله به، لأن فرضهم هو اتباع المجتهدين، أما الذين هم عُرضة للخطأ والصواب، فهم المجتهدون في مسائل الاجتهاد المعتبر، وهم يتقلبون في فضل الله بأجرين للمجتهد المصيب وأجر واحد للمخطيء.
7-صراع اجتماع العيد والجمعة:
ناهيك عن قصة إذا اجتمع العيد والجمعة، فستظهر خصومات لا مسوغ لها، وهي أصلا من باب الاجتهاد المتعدد المعتبر، الذي يمكن أن يتحول إلى خصومة دينية في عهد الفرقة، بسبب محاولة المتعصِّب القطع بأحدهما وإبطال الآخر، ويزعم أن ذلك ترجيحا، بل هو نقْض الاجتهاد، وهو يتنافى مع طبيعة الفقه في الاجتهاد المعتبر، وهو أن الناس يتقلّبون فيه بفضل الله تعالى بأجرين للمصيب وأجر واحد للمخطيء، وكلهم على آثار السلف الصالح.
8-ضرورة التمييز بين إبطال الاجتهاد والترجيح:
من المعروف أن الاجتهاد لا يُنْقض بمثله، وأن اجتهادات الفقهاء هي من باب الظن الراجح الذي يجب العمل به، وأنها ليست قاطعة، وعليه يبقى اجتهاد المجتهد راجحا في نظره واجتهاد غيره مرجوح، ولكن لا أحد من المجتهدين زعم أن اجتهاده هو الصواب عند الله تعالى قطعا، واجتهاد غيره خطأ قطعا، بل المصيب عند الله له أجران، والمخطيء له أجر واحد، ولكننا لا نعلم على وجه التحديد من هو المصيب عند الله تعالى، وهذا أعطى فرصة سانحة للراسخين في العلم لِيُدْلوا بدِلائهم في البحث والنظر، لأن الله تعالى اغتفر لهم الخطأ، وأثابهم عليه أجرا.
9-توصيات:
بما أنه قد جرت السُّنة بين كثير من المسلمين بعدم أخذ الشعر والظفر في التسع من ذي الحجة وهو اجتهاد معتبر، فإنني أوصي:
أ-بعدم التشويش على المجتمع إذا كان يسير على سنة وعرفها، وينبغي أن تُركَّز الجهود على مكافحة الآراء الشاذة في الدين، ومقالات الملحدين التي تتجرأ على المسلمين ودينهم، وتعمل على تفكيك الأسرة والمجتمع.
ب-التمييز بين ما هو شأن علمي بحثي وتخاطب به العلماء جهات الاختصاص، وبين ما هو خطاب للمجتمع الذي يجب حفظه من التشويش، وضرورة التنبيه على لزوم الجماعة، وعدم التفريق بين المسلمين.
ج-تُعرض الفتاوى مؤصلة علميا ولا يكتفى بعرض النصوص حسب وجهات نظر أصحابها، بل لا بد من توجيهها أصوليا على النحو المعروف في الخلاف العالي، مع ذكر أقوال السلف ومذاهبهم المعتمدة.

الأربعاء، 21 يونيو 2023

حكم التعزية ...وصنع الطعام ومجالس العزاء في القاعات ... !

 التعزية ... صنع الطعام ومجالس العزاء في القاعات ... !






لقد اعتاد الناس منذ زمن على الإجتماع في بيت الميت يأتون للتعزية ويقرأون سورة الفاتحة ثم يصنع اهل الميت الطعام غداء وعشاء لمن عندهم من يأتيهم من الجيران والأصدقاء والأقرباء .
ثم تطور الأمر فخف على الناس ماألزموا به أنفسهم والتزموه فعملوا العزاء في القاعات لمصالح واقعية وظروف معيشية وحياتية دفعتهم لهذا الأمر منها التخلص من تكاليف الإطعام ويكتفى هنا بتقديم القهوة والماء والشاي .
والبعض إذا كان اليوم الثاني أو الثالث من الوفاة يصنع الطعام للمعزين وبهذا تنتهي مراسيم التعزية الرسمية .
هذا ماعليه الناس اليوم ...
وهذا توضيح مختصر لما يخص التعزية الشرعية ... !
أولاً : كلمة التعزية والعزاء هو بمعنى التصبير أي تصبير أهل الميت ... فتعزيتهم بمعنى تصبيرهم وتسليتهم .
ثانيا : التعزية عبادة ووسائل أدائها تخضع للعرف والعادة إذ لم يأت نص في تخصيص التعزية بمكان او زمان لا أمرا ولانهيا .
فالتعزية تجزيء عن المسلم في أي مكان أو زمان في المقبرة أو المسجد أو البيت او الدائرة أو باتصال هاتفي ليلا او نهارا
واختيار طريقة التعزية له علاقة بقرب المعزي من الميت بيتا أو قرابة .
ثالثا : على الناس إذا ذهبوا لتعزية أهل الميت في بيته ألا يثقلوا عليهم بجلوسهم عندهم
ولاينتظروا صنع الطعام إلا إن كان من مقربيه أو جاء من مكان بعيد فهؤلاء لهم حق الضيافة ...
فالموت لايحرم الضيافة وصنع الطعام ليوم واحد او ايام
قال ابن قدامة رحمه الله :" َأَمَّا صُنْعُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا لِلنَّاسِ فَمَكْرُوهٌ " ثم قال:" وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ جَازَ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا جَاءَهُمْ مَنْ يَحْضُرُ مَيِّتَهُمْ مِنْ الْقُرَى وَالْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ، وَيَبِيتُ عِنْدَهُمْ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ إلَّا أَنْ يُضَيِّفُوهُ" المغني
رابعا : الأصل والسنة في هذا أنه على الناس من أقرباء أو جيران أن يصنعوا طعاما لأهل الميت لأنهم مشغولون بأمر عظيم .فقد روى ابن ماجه : " لما أصيب جعفر رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فَقَالَ:" إِنَّ آلَ جَعْفَرٍ قَدْ شُغِلُوا بِشَأْنِ مَيِّتِهِمْ فَاصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا "
وليس في هذا الحديث دلالة على تحريم صنع الطعام منهم باختيارهم والعلة في استحباب صنع الطعام لهم هو لانشغالهم بمصيبتهم .
واليوم يحصل مثل هذا من البعض يقوم احد الناس من اهل الكرم والضيافة فيدعو من حضر دفن الميت واهل الميت الى بيته لإطعامهم.
وكذلك نجد أن البعض يقوم باعداد الطعام فيأتي به لأهل الميت وضيوفهم ومن حضر عندهم .
وهذا من باب الكرم ورفع الحرج عن اهل الميت .
فقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في دفن ميت" فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا..."
خامسا : إن كان للميت صغار ( أيتام ) فلينتبه الناس الى حرمة صرف أموال الأيتام في الإطعام .
سادسا : أجاز بعض العلماء المعاصرين التعزية في القاعات بسبب الظروف والواقع الذي يعيشه الناس ولأجل تحصيل مصلحة التعزية حيث يكون لهم وقت مخصص للجلوس فيها .. فقد يصعب على الشخص ان يزور اهل المصاب كلٌ في بيته
فتخصيص مكان وزمن محدد لاستقبال المعزين فيه تيسير على اهل الميت وعلى الناس المعزين خاصة في هكذا ظروف وهكذا زمان .
سابعا : جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها
"أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها
ثم قالت: كلن منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن . "
وهذا الحديث فيه دليل على مشروعية الاجتماع فعائشة رضي الله عنها قالت ( فاجتمع لذلك النساء ) وهذا عام في القريبة والغريبة والبعيدة ان تجتمع النساء للتعزية
ثم يصنع أهل البيت طعاما لأنفسهم وخاصتهم ممن بقي عندهم وهذا دليل جواز صنع الطعام لأنفسهم وللمقربين منهم .
التلبينه : هي حساء يُعمل من ملعقتين من مطحون الشعير بنخالته ، ثم يضاف لهما كوب من الماء ، وتطهى على نار هادئة لمدة 5 دقائق .
وبعض الناس يضيف عليها ملعقة عسل .
وسمِّيت " تلبينة " تشبيهاً لها باللبن في بياضها ورقتها .
و" لَمَّا مَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ اجْتَمَعَنْ نِسْوَةُ بَنِي الْمُغِيرَةِ يَبْكِينَ عَلَيْهِ ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: أَرْسِلْ إلَيْهِنَّ فَانْهَهُنَّ ، لاَ يَبْلُغُك عَنْهُنَّ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ .
فَقَالَ عُمَرُ : " وَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يُهْرِقْنَ مِنْ دُمُوعِهِنَّ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ ، أَوْ لَقْلَقَةٌ ". رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 290) ،
النقع : التراب على الرأس .. اللقلقة : الصراخ
تاسعا : أما ماورد عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه قَالَ : ( كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ ، وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ : مِنْ النِّيَاحَةِ ) رواه الإمام أحمد ..
فهذا الحديث مع انه صححه بعض العلماء إلا أنه قد ضعفه الإمام أحمد نفسه وكذا الدارقطني
قال أبو داود : " ذَكَرْتُ لِأَحْمَدَ حَدِيثَ هُشَيْمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ جَرِيرٍ: " كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ لَهُمْ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ".
قال : زعموا أنه سمعه من شريك ، قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا أُرَى لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلاً".
والحديث ايضا في ظاهره مخالف لما روته عائشة رضي الله عنها في جواز صنع الطعام لمن بقي من اهل الميت وخاصتهم .
اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين رحمة واسعة يارب العالمين وثبتنا وأحسن خاتمتنا يارحمن يا رحيم
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

مفاهيم ينبغي أن تصحح ؟!

 

 

 

 

 

 

 

لم يفعله النبيّ r

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه

هناك مَن يعتبر كل عمل لم يفعله النبيّ r فهو بدعة ضلالة صاحبه في النار !

ويعترضون بقولهم : إما أنّ النبيّ r ما كان يعلم أن ذلك العمل كان خيراً ! أو كان يعلم ذلك العمل ولكنه كان يعلم أنه ليس فيه خير ولهذا السبب لم يعمله ، ولا ثالث لهما !

وهذا لا شك خطأ في الفهم والتصور عظيم !

ترك النبيّ r للعمل وهو يحبه :

         كان النبيّ r كثيراً ما يترك عملاً من الأعمال وهو يحبه ، ويود أن يعمله ولكن كانت هناك أسباب خاصة تمنعه من ذلك ، وهو r ليس كغيره حرا يفعل ما يشاء ، بل هو موضع القدوة ، ومحسوب عليه كل حركة ،  وسكنة ، صلى الله عليه وسلم .

         عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : إن كان رسول الله r ليدَع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم . متفق عليه . ( البخاري ومسلم ) .

وخشيته r ليست من فرض الله تعالى ذلك على الناس ، وإلا لو أراد الله تعالى ذلك لفرضه سواءً فعله r أو لم يفعله ، ولكن خشيته من أن الناس يفرضون ذلك عليهم بأنفسهم ، وذلك بحجة أن النبيّ القدوة r قد فعله ، وداوم عليه ، إذاً يجب عليهم أن يفعلوه أيضاً .

         وقد أشار النبيّ r إلى ذلك بقوله : فيُفرض عليهم بالمبني للمجهول ، أو مبني لما لم يسمى فاعله ، فلم يقل r إن الله تبارك وتعالى يفرضه عليهم .

فمن ذلك : عن عائشة رضي الله عنها أيضاً قالت

         ( وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ وَمَا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ ، عَنِ الصَّلاَةِ ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِدًا - تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهِمَا ، وَلاَ يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ) صحيح البخاري .

ومن ذلك :

         عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :      ( إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ ) صحيح البخاري .

ومنه : عن أبي هريرة t أن النبيّ r قال :

         ( لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ) متفق عليه .

ومنه : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :

         ( أعتم رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب فقال الصلاة قال عطاء قال ابن عباس فخرج نبي الله صلى الله عليه و سلم كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء واضعا يده على رأسه فقال ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا ) متفق عليه .

ومن ذلك أيضاً : عن أبي هريرة t قال : قال رسول   الله r :

         (  لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية ولكن لا أجد حمولة ولا أجد ما أحملهم عليه ويشق علي أن يتخلفوا عني ولوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت ثم أحييت ثم قتلت ثم أحييت ) متفق عليه .

ومنه : عن عائشة رضي الله عنها أن النبيّ r قال لها :  ( يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم ) البخاري .

ومنه : عن عائشة رضي الله عنها أيضاً أن رسول الله r خرج من عندها وهو قرير العين ثم رجع وهو كئيب فقال : دخلت الكعبة فأخاف أن أكون شَقَقْتُ على أمتي  . رواه أبو داود والترمذي وصححه هو وابن خزيمة والحاكم . أنظر فتح الباري لابن رجب      ( 3 / 466 )

وذكره الإمام بدر العيني رحمه الله فقال : [ قالت عائشة :

           دخل عَليّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ حَزِين، فَقلت: يَا رَسُول الله! خرجت من عِنْدِي وَأَنت قرير الْعين طيب النَّفس، فَمَا بالك؟ فَقَالَ: إِنِّي دخلت الْكَعْبَة، وودت أَنِّي لم أكن فعلته إِنِّي أَخَاف أَن أكون قد أَتعبت أمتِي من بعدِي) قلت: الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ، وَالْحَاكِم وَصَححهُ، وَابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الدُّخُول فِي حجَّته ] . عمدة القاري شرح صحيح البخاري ( 9 / 245 ) .

ماذا نفهم من هذه الأحاديث ؟ :

         في هذه الأحاديث الكثيرة المباركة ، وغيرها حِكَم ، وعِبَر كثيرة ، ولكن الذي يهمنا هنا في موضوعنا هو :

         1 – كان النبيّ r يحب أن يعمل كثيراً من الأعمال الصالحة ، ولكنه r كان يتركها ، لا كرهاً لها ، ولا لأنها ليس فيها خير ، ولا لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يعلمها ، ولكن رحمة وشفقة على أمته أن يثقل عليهم ، ولولا ذلك لعملها ، ومن ذلك – كما ورد في الأحاديث التي عرضناها - :

         أ – كان r أحياناً لا يصلي بعض النوافل في المسجد ، مخافة أن يُثَقِّل على أمته .

         ب – كان r يحب أن يُطَوِّل في الصلاة ، ولكنه يترك ذلك ويتجوّز فيها كراهية أن يشق على الأمّ . . . إلخ

         2 – وفي هذه الأحاديث المباركة ردّ واضح على الذين يقولون للأعمال الصالحة : لو كان فيها خير لفعلها رسول الله r !

         ومن فضل الله تعالى أن وصلتنا هذه الأحاديث المباركة ، وتحدث رسول الله r فيها بوضوح وصراحة ، أنه يحب أعمالاً صالحة ، ولكنه يتركها رحمة وشفقة على أمته ، وإلا لو كان r حراً في تصرفاته  وأعماله لعملها !

         وكم من أعمال ربما كان r يحبها ، وتركها ، ولم يتحدث عنها ، رحمة ، وشفقة !

 

 

 

 

 

 

 

 

كل بدعة ضلالة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كل بدعة ضلالة :

ما معنى حديث رسول الله r : كل بدعة ضلالة ؟

[ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان رسول الله r إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته . . . ويقول : (( أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور مُحدَثاتها ، وكل مُحدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) رواه مسلم ، وفي رواية غيره زيادة (( وكل ضلالة في النار )) .

وعن العرباض بن سارية t عن النبيّ r أنه قال :      (( . . . فإنه من يعشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) أحمد . وأبو داود . والترمذي ، وقال : هذا حديث صحيح . وابن ماجه ، والسنن الكبرى للبيهقي ، وسنن الدارمي ، والمعجم الكبير للطبراني ، وغيرهم

[ هذان الحديثان الشريفان هما أقوى ما يتمسك به من يحكم على كل المحدثات الدينية بأنها بدعة ضلالة ، وأن أهلها مبتدعون ضالون من أهل النار ، إذ النص واضح حسب الظاهر (( كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار )).

لكن هل لهذا النص وجه من الفهم غير هذا الظاهر الذي يبدو لمن يستدل به على التعميم ؟؟ والجواب : نعم ، والذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك هذا .

 

دلالة (( كل )) :

كلمة (( كل )) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ،   { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } ، { ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } ، { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } ، { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا } .

وقد تأتي والمراد بها تعميم هو دون التعميم الشامل لكل ما يصدق عليه اللفظ ، ومن ذلك قوله تعالى : { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيء} ، { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } ، { وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء } ، { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ } .

ففي الآيات الأولى لا تستطيع أن تتصور شيئاً لا يدخل في عموم ما دخل عليه لفظ (( كل ))

 فالله تعالى بكل شيء عليم ، ويستحيل أن تتصور شيئاً لا يدخل في علمه تعالى .

 وكل نفس لا بد أن يذيقها الله تعالى الموت ثم يحييها بعدما أماتها ، ويستحيل أن تتصور أن هناك نفساً من الأنفس لا يذيقها الله تعالى الموت ، وهكذا .

أما الآيات التالية لها فالعموم ليس بالشامل لكل ما دخل عليه لفظ (( كل )) من كل وجه ، وتأمل معاني الآيات وما قاله المفسرون فيها :

 [ فأما قوله تعالى { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيء} فقد قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيرها : فإن قال لنا قائل : كيف قيل { فتحنا عليهم أبواب كل شيء} وقد علمت أن باب الرحمة وباب التوبة لم يفتح لهم وأبواب أُخَرُ غيره كثيرة ؟!! . قيل [ أي قلنا له في الجواب ] : إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننت ، وإنما معنى ذلك : فتحنا عليهم استدراجاً منا لهم أبواب كل ما كنا سددنا عليهم بابه عند أخذنا إياهم بالبأساء والضراء ، ... ففتْحُ الله عليهم أبواب كل شيء هو تبديله لهم مكان السيئة التي كانوا فيها في حال امتحانه إياهم من ضيق العيش إلى الرخاء والسعة، ومن الضر في الأجسام إلى الصحة والعافية ، وهو فتحُ أبواب كل شيء كان أغلق بابه عليهم مما جرى ذكره .

وأما قوله تعالى { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } فقد قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله : وتبييناً لكل ما لقومه وأتباعه إليه الحاجةُ من أمر دينهم  

وأما قوله تعالى { وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء } فقد قال ابن كثير رحمه الله : وأوتينا من كل شيء أي مما يحتاج إليه المُلْك .

وأمـا قوله تعالى { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } فقد قال الإمـام الطبري رحمه الله : وإنما عنى تدمر كل شيء بأمر ربها مما أرسلت بهلاكه ، لأنها لم تدمر هوداً عليه السلام ومن كان آمن به . وقال ابن كثير رحمه الله : أي تخرب كل شيء من بلادهم مما من شأنه الخراب .

فقد بان وظهر أن المراد بقوله تعالى { أَبْوَابَ كُلِّ شَيء} هو بعض الأبواب ، وأن المراد بقوله تعالى  { وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } هو تفصيل ما يحتاجه قوم موسى من معرفة أمور دينهم ، وأن المراد بقوله تعالى { وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء } هو ما أعطاه الله تعالى لسليمان عليه السلام من الأمور التي يحتاج إليها في تدبير أمور الملك ، وأن المراد بقوله تعالى { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ   رَبِّهَا } هو تدمير ما تدمره الريح ، أي هذا المذكور فحسب .

 [ وعلى هذا فلا يمكن أن نفهم قوله صلى الله عليه وسلم    (( وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) على العموم الشامل ، بل نقول : المعنى أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً ، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة .

فإن قيل : إذا كان لفظ (( كل )) قد يأتي ويراد به التعميم الشامل ، وقد يأتي ويراد به التعميم الشامل من وجه دون وجه ؛ فلم لا نحمل هذا اللفظ الوارد في الحديث الشريف على المعنى الأول حيث إنه هو الظاهر ؟ ! .

لماذا لا يحمل على العموم ؟ :

[ فالجواب : أنه إذا حملناه على العموم الشامل بإطلاق فإن هذا يؤدي إلى مخالفة ما كان عليه الهدي النبوي وإلى الحكم على عدد من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبدعة والضلال ، وهذا محال ، وما أدى إلى المحال فهو باطل .  

 

 

 

 

 

السنة من حيث كونها تشريعاً ، وغير تشريع !

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه

          تقسيم السنة إلى : سنة تشريعية وسنة غير تشريعية !

         [  السنة . . . ما صدر عن رسول الله r ، غير القرآن من قول ، أو فعل ، أو تقرير ، وهذا الذي صدر عنه : منه  ما لا يكون مصدراً للتشريع ، ومنه ما يكون مصدراً للتشريع العام أو الخاصّ .

أ – ما لا يكون مصدراً للتشريع :

وهو ما صدر عن رسول الله r ، باعتباره بشراً وإنساناً كالأكل والشرب ، والقيام والقعود ، والنوم والمشي ، واللبس ، والتزاور ، والمساومة في البيع والشراء .

ومن هذا القبيل ما صدر عنه r وكان سبيله سبيل التجارب ، والعادة الشخصية ، أو الاجتماعية ، كالذي ورد في شؤون الزراعة والطبّ ، أو كان سبيلُه التدبيرَ الإنسانيَّ في شؤون الحياة ، كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية ، وتنظيم الصفوف في الموقعة الواحدة ، واختيار أماكن النزول ، وما إلى ذلك .

فكلُّ ما نقل من هذا ، ليس شرعاً يتعلَّق به طلب الفعل أو الترك ، وإنما هو من الشؤون البشرية ، التي ليس مسلكُ الرسول فيها تشريعاً ، ولا مصدرَ تشريع .

ومع هذا ، فقد كان من الصحابة من يقتفي أثر الرسول r ويحرص على متابعته في ذلك ، كعبد الله بن عمر رضي الله عنهما : فإنه كان يتتبع مثلَ هذه الأفعال والتصرفات ، ويقتدي بالرسول فيها ، وهذا مسلكٌ عَليٌّ ، ومنهجٌ سامٍ ، لا يقدر عليه إلا ذو حظٍّ عظيم .

ب – ما يكون مصدراً للتشريع العامِّ أو الخاصِّ :

فالتشريع العام : ما يصدر عن الرسول r ، على وجه التبليغ بصفة أنه رسول ، كأن يبيِّنُ مجملاً في الكتاب ، أو يخصِّص عامّاً ، أو يقيد مطلقاً ، أو يبين شأناً في العبادات ، أو الحلال والحرام ، أو العقائد والأخلاق ، وما إلى ذلك .

فهذا تشريعٌ عامٌّ أبداً ، يجتنب المكلف ما كان منهيّاً عنه ويفعل ما كان مأموراً به ، لا يتوقف في ذلك على شيء سوى العلم به ، والوصول إليه .

والتشريع الخاص نوعان : خاصٌّ بالذات ، وخاصٌّ بالوصف .

فالخاص بالذات : أفعاله r ، أو تصرفاته ، التي دلَّ الدليل على أنها من خصوصياته ، كتزوجه بأكثر من أربع  ، وكون زوجاتِه أمَّهاتٍ للمؤمنين  ، لا يحلُّ لأحدٍ أن يتزوجهن بعده ، وكشهادة خزيمة له وحده  ، وكوصال الصيام في رمضان  ، وهذا القسم خاصٌّ بذات الرسول r ، لا يشاركه فيه أحدٌ من الأمة ، ولا يقتدى به فيه .

والخاصُّ بالوصف : ما يصدر عنه r بوصف الإمامة والرياسة العامة ، مثل : صرف أموال بيت المال في جهاتها ، وجمعها من محالِّها ، وتولية القضاة والولاة ، وعقد المعاهدات ، فهذا ليس تشريعاً عامّاً ، بل هو خاصٌّ بمن اتَّصف بالوصف الذي انبت عليه هذه التصرُّفات ؛ فلا يجوز الإقدام عليها لكلِّ أحدٍ من تلقاء نفسه ، بحجة أن النبيّ r فعله أو طلبه .

ومن هذا النوع ما يصدر عنه r بوصف القضاء ، فإنه كما كان رسولاً ورئيساً عامّاً ، كان قاضياً ، يفصل في الدعاوى والخصومات .

وما صدر عنه بهذا الوصف ليس تشريعاً عامّاً ؛ حتى يجوز لأي إنسان أن يقدم عليه بناءً على قضائه ، بل على المكلف أن يتقيد في ذلك بقضاء القاضي ، فمن كان له على آخر حقٌّ ، وجحده ، وله عليه بينة ، فليس له أن يأخذه بنفسه ، بناءً على أن رسول الله r حكم بالبينة ، بل إنه يتقيد بحكم الحاكم

وعدم الاتِّفاق في بعض الوقائع والقضايا على الجهة التي صدر عنها تصرف رسول الله r ، أو خفاء هذه الجهة ، قد أوقع الفقهاء في خلافٍ في طبيعة الحكم .

من ذلك قول النبيّ r : (( من أحيا أرضاً ميتة فهي له )). صحيح البخاري

فاختلف العلماء في الجهة التي صدر عنها هذا الحديث ، فذهب أبو حنيفة إلى أنه صدر عنه باعتبار إمامته ، فلا يكون حكماً عامّاً ، ولا يجوز لأحد إحياء الأرض الموات التي ليس لأحد حقٌّ فيها إلا بإذن الإمام .

وذهب الجمهور إلى أن ذلك صدر منه بطريق التبليغ والفتوى ، فهو حكمٌ عامٌّ ، وعلى هذا : لكلِّ أحد أن يحيي الأرض الموات ، وتكون له ، أذن الإمام ، أو لم يأذن .

ومن ذلك ما روي أنَّ رسول الله r ، قال لهند بنت عتبة رضي الله عنها – لما قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفيني – : (( خذي من ماله بالمعروف ، ما يكفيك ويكفي  بنيك )) صحيح مسلم .

فأفاد هذا الحديث أنَّ رسول الله r أباح لهند أن تأخذَ من مال زوجها بدون علمه ، وهذا قدر متفق عليه بين الفقهاء ، إلا أنهم اختلفوا في تكييف الواقعة ، واعتبارها من باب الفتوى أو القضاء .

فبعض الفقهاء – ومنهم الإمام الشافعي – اعتبرها من قبيل الإفتاء ؛ فيجوز لكلِّ امرأة أشبه حالُها حالَ هند أن تأخذ من مال زوجها بدون علمه وإذنه ما يكفيها ويكفي بنيها بالمعروف ، ليس هذا فحسب بل قالوا أيضاً : يجوز لكلِّ من ظفر بحقِّه أن يأخذه بغير علم خصمه ، وبعضهم ذهب إلى أن هذا الإذن كان قضاءً منه r ؛ فلا يجوز لامرأة أخرى أن تأخذ من مال زوجها مثلما أجيز لهند إلا بحكم الحاكم ، ولا يجوز أيضاً لأحد أن يأخذ حقَّه من غريمه إلا بقضاء قاضٍ ]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تشجيع النبيّ r للأعمال الصالحة

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه

على هدي  الآيات المباركة ، والأحاديث النبوية الشريفة تعلّم الصحابة وتفقهوا ، فذهبوا يعملون من الصالحات ، ما لا نص خاص صريح فيه ، والنبيّ r يحثُّهم ، ويُشجِّعهم بصورة غير مباشرة !

         فتربَّوا ، تربية عالية ، سامية ، وأُشرِبوا روح الإسلام ، ولبّه ، فاجتهدوا في الصالحات ! منها – على سبيل المثال – :

         1 - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنَ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟» قَالَ رَجُلٌ مَنِ الْقَوْمِ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ:    « فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ  ذَلِكَ» صحيح مسلم

هذا حثٌّ ، وتشجيع للصالحات ؟ !

         [ الظاهر من سياق الرواية أن ذلك الصحابي لم يكن قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في جعل هذا الذكر في استفتاح الصلاة ، ولو كان ذلك عن أمره وتعليمه لما عجب لذلك ، وإنما كان ذلك عن اجتهاد من ذلك الصحابي ، ومحل الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك الاجتهاد ، ولو كان من المحظور على المرء المسلم أن يأتي بشيء في العبادة دون دليل خاص لأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقال له كيف تفعل في الصلاة شيئاً قبل أن آذن لك فيه  ؟ ! ]

         ونلاحظ أنه اجتهاد في العبادة ؛ الصلاة !

         2 - و( عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟» فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا» فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» ) صحيح مسلم.

         هل هناك أفضل من هذا الحثّ ، والتشجيع ؟ !

                        و( عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ : كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ : فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ، قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : مَنِ الْمُتَكَلِّمُ ؟ قَالَ : أَنَا ، قَالَ : رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا ، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا   أَوَّلُ  ) صحيح البخاري .

جواز إحداث ذكر في الصلاة !

         قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ، رحمه الله :

         [  وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِحْدَاثِ ذِكْرٍ فِي الصَّلَاةِ غَيْرِ مَأْثُورٍ إِذا كَانَ غير مُخَالف للمأثور ]

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ، رحمه الله :

[ وقد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله عز وجل، كما هو قول الشافعي وأحمد - في رواية - ]

3 - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمُ اقْسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ، ثُمَّ قَالَ - قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ r . متفق عليه .

4 - وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِ فَيَخْتِمُ بِ - {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ سَلُوهُ لأَىِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ . متفق عليه .

وهذا الحديث ظاهر في أن أمير السـرية كان يختم القراءة في الصلاة بـ { قل هو اللهُ أحد } اجتهاداً منه ، لأنه صفة الرحمن جل وعلا ، فكان جزاؤه أن يحبه الله تعالى لحبه إياها .

عن أنس بن مالك: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما استفتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الاخلاص:1] حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها إما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكان يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبروه الخبر. فقال (( يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ )) قال: إني أحبها قال: (( حبك إياها أدخلك الجنة )) .

5 - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَك [1] .

 

 

وكان عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، يزيد فيها !

         عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَزِيدُ فِيهَا: " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ. صحيح مسلم

 

كان النبيّ r لا يزيد على هذه الكلمات !

         قال الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، :

         [  وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه قَالَ بن عُمَرَ كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضا عِنْده عَن نَافِع عَن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ فَعرف أَن بن عمر اقتدي فِي ذَلِك بِأَبِيهِ

وَأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ وَزَادَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ .

 

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَن أخرجه من حَدِيث بن عمر وبن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة يَعْنِي الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ وبن ماجة وَصَححهُ بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحق لبيْك وَبِزِيَادَة بن عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ

وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن يزِيد عَن بن مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا تقدم عَن عمر وبن عُمَرَ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إِلَخْ .

 

قَالَ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ

قَالَ وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِه صرح أَشهب وَحكى بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ قَالَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ .

فهل إستأذن الصحابة رسول الله r في هذه الأعمال قبل أن يعملوها ؟ !

وهذه الزيادات على تلبية النبيّ r ؛ التي جاء بها الناس من عند أنفسهم ، هي زيادات في العبادة ؛ وهي الحج ! والتي قَبْلها كانت في الصلاة ! وهما ركنان من أركان الإسلام ، أعني : الصلاة    والحج ! !

 

موضع الشاهد

وموضع الشاهد من هذه الأحاديث هو : أن الصحابة ، رضوان الله عليهم ، كانوا يعملون أعمالاً صالحة ، من غير أن يكون فيها نص خاص من القرآن ، ومن السنة ، بل على العكس ، كانت هناك سنة ، وعهد منه r ! فزادوا على ذلك باجتهاداتهم ، قبل إقرار النبيّ r ذلك ! !

 

تنبيه على عدم الخروج عن الموضوع !  

         هذا هو لب موضوعنا ! فلا يخرج عنه أحد فيقول : لقد أقرّهم النبي r ، فأصبحت هذه الزيادات سنة ، بإقرار النبيّ r ! !

         فنحن نتحدث عن تربية ، وفهم ، وفقه الصحابة ، رضي الله عنهم ، في عمل الصالحات ، قبل إقرار النبيّ r ! !

بل نتيجة تربية القرآن ، والنبيّ r ، للصحابة ، رضي الله عنهم ، أصبحت أعمالهم الصالحة الإجتهادية - التي لا تخالف نصا ً، وهدياً عاماً ، أو قاعدة شرعية ، وتخدم إحدى المصالح الضرورية – أصبحت جزءاً من سنة النبيّ r !

فالسنة في إصطلاح الأصوليين هو : ما صدر عن النبيّ r ، غير القرآن ، من قول ، أو فعل ، أو تقرير ، فهي بهذا الإعتبار دليل من أدلة الأحكام ، ومصدر من مصادر التشريع  .

 السنة التقريرية !

         [ وهي سكوت النبيّ r عن إنكار قول ، أو فعل صدر في حضرته ، أو في غيبته ، وعلم به .

         فهذا السكوت يدل على جواز الفعل ، وإباحته ، لأن الرسول r لا يسكت عن باطل ، أو منكر .

         ومن أمثلة هذا النوع من السنة : سكوته ، وعدم إنكاره لعب الغلمان بالحراب في المسجد ، وسكوته عن  غناء جاريتين ، كانتا تغنيان بغناء حماسي في يوم عيد .  

هل الغلمان ، والجاريتان أخذوا الإذن من النبيّ r قبل أن يعملوا تلك الأعمال ؟ !

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] متفق عليه ؛ صحيح البخاري ، كتاب الحج ، باب التلبية ، ( 2 / 561 ) ، حديث : 1474 . وصحيح مسلم ، كتاب الحج ، باب التلبية وصفتها ووقتها  ، ( 2 / 841 ) ، حديث : 19 .