يتسلح مانعو الاحتفال بالمولد النبوي الشريف دائماً بشبهة: (أن الخلفاء الأوائل لم يحتفلوا به، فلو كان خيراً لسبقونا إليه).
ولكن.. حين نزن هذه القاعدة بميزان التطبيق التاريخي والأصولي، يتهاوى هذا الاستدلال تماماً؛ وإليك الرد الدامغ:
🏛️ أولاً: قاعدة "الترك ليس بدعة" (منهج الخلفاء الراشدين)
إذا كان مجرد "عدم الفعل في زمن الصحابة" يجعل الأمر بدعة محرمة، فما قولكم في الآتي:
حكم أبو بكر الصديق رضي الله عنه سنتين ولم يجمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، ثم جاء عمر بن الخطاب ففعلها وقال: (نِعمَتِ البدعة هذه) [رواه البخاري]. فهل تُنكرون فعل عمر لأن أبا بكر لم يفعله؟!
حكم عمر بن الخطاب عشر سنوات ولم يأمر بزيادة الأذان الثاني يوم الجمعة، وجاء عثمان بن عفان ففعل ذلك ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة إلى يومنا هذا.
حكم عثمان بن عفان 13 سنة ولم يُنقط المصحف في زمانه، وإنما تم تنقيطه وإعجامه في زمن علي بن أبي طالب ورجال التابعين، ولم يُنكرها مسلم.
فهل يجرؤ عاقل أن يقول إن هذه الأمور "بدع ضلالة" لمجرد أن النبي ﷺ أو الخلفاء الأوائل لم يباشروها بصورتها التنظيمية؟!
📜 ثانياً: من أين بدأ الاحتفال بالمولد تاريخياً؟
يُروج البعض أن الاحتفال بدعة ابتدعها الفاطميون! وهذا دليل قاطع على الجهل التاريخي، فالصواب التاريخي الثابت أن:
أول من أحدثه هو الملك العادل المظفر أبو سعيد كوكبري (ملك إربل)، أحد الملوك الأمجاد والأجواد، وكان شهماً عادلاً شجاعاً.
وقد أثنى عليه الحافظ ابن كثير (الذي يعتز به المخالفون) في تاريخه قائلاً: (كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلًا، وكان شهماً عادلاً شجاعاً رحمه الله).
فالمسلمون يحتفلون بذكرى مولد نبيهم منذ نحو ثمانمائة سنة إلى اليوم بتلقي الأمة له بالقبول.
وقول المعترضين بتبديع الأمة طوال هذه القرون يلزم منه انقطاع الإسلام وضلال الأمة، وهذا تكذيب لقول النبي ﷺ: (ولا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق...).
🔗 ثالثاً: المزية لا تقتضي التفضيل
فعل شيء لم يفعله النبي ﷺ لا يعني أبداً أن فاعله يرى نفسه "أحب للنبي أو أشد تعظيماً للدين منه ﷺ":
فأبو بكر الصديق جمع القرآن الكريم في مصحف واحد ولم يفعله النبي ﷺ، ولم يقل أحد إن أبا بكر أراد أن يُظهر أنه يحب القرآن أكثر من رسول الله!
والعلماء ألفوا كتباً في النحو والتجويد وعلم الرجال لم تكن موجودة في عصر الصحابة، ولم يقُل عاقل إنهم ابتدعوا ديناً جديداً.
🔍 رابعاً: ازدواجية المعايير.. الاحتفال بذكرى المشايخ أم المولد النبوي؟
إننا نسأل الذين يُحرمون الاحتفال بالمولد بحجة "أنه لم يفعله النبي ولا الصحابة":
سئل الشيخ ابن باز عن الاحتفال بذكرى وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقال: (إن الاجتماع لدراسة مذهب السلف الصالح ومنه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتعريف الناس بها وحثهم على الاستمساك بها.. أمر واجب ومن أعظم القرب إلى الله) [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ج1/ص 382].
تنبيه عقلي ومنطقي: لاحظوا وصفهم لأسبوع ابن عبد الوهاب بأنه (أمر واجب ومن أعظم القرب) أي قربة وعبادة تستمر أسبوعاً كاملاً بدروس ومحاضرات وعرس كبير!
فأوليس الاحتفال بمولد سيد الخلق ورسول الإنسانية محمد ﷺ -يومًا واحدًا للتعريف بسيرته- أولى وأحق بهذا الوصف؟! فكيف يجعلون الاحتفال بشيخهم قربة طاعة، بينما الاحتفال بخير الخلق ﷺ بدعة ضلالة مؤدية إلى النار؟! ما لكم كيف تحكمون!
📚 خامساً: جُلة من كبار أئمة الإسلام الذين أجازوا الاحتفال وألفوا فيه
وليعلم كل منصف أن الاحتفال بالمولد الشريف لم يكن بدعاً من القول، بل نصّ عليه وأجاز وألف فيه أساطين علم الحديث والفقه عبر التاريخ الإسلامي الممتد، ومنهم:
الإمام الحافظ ابن الجوزي (ت 597هـ) - وله: (مولد العروس).
الإمام أبو الخطاب ابن دحية (ت 633هـ) - وله: (التنوير في مولد البشير النذير).
الإمام أبو شامة المقدسي (ت 665هـ) - شيخ الإمام النووي.
الإمام ابن خلكان (ت 681هـ).
الإمام الحافظ العراقي (ت 725هـ) - وله: (المورد الهني في المولد السني).
الإمام الحافظ الذهبي (ت 748هـ).
الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت 774هـ) - وله: (مولد ابن كثير).
الإمام ابن عباد النفزي المالكي (ت 792هـ).
الإمام ابن الجزري المقرئ (ت 833هـ) - وله: (عرف التعريف بالمولد الشريف).
الإمام برهان الدين الحلبي (ت 841هـ).
الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842هـ) - وله: (المورد الصاوي في مولد الهادي).
الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ).
الإمام الحافظ السخاوي (ت 902هـ) - وله: (الفخر العلوي في المولد النبوي).
الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911هـ).
الإمام الحافظ الشهاب القسطلاني (ت 923هـ).
الإمام الحافظ ابن الديبع الشيباني (ت 944هـ) - وله: (مولد ابن الديبع).
الإمام شيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي (ت 973هـ) - وله: (إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم).
الإمام الخطيب الشربيني (ت 977هـ).
الإمام ملا علي قاري (ت 1014هـ) - وله: (المورد الروي في المولد النبوي).
الإمام أحمد المقري التلمساني (ت 1041هـ).
الإمام البرزنجي (ت 1177هـ) - وله: (عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر).
الإمام ابن عابدين الحنفي (ت 1252هـ).
💡 سادساً: حسم الفوضى ودعم الرشد (خلاصة الميزان)
تثار المعارك الوهمية بين المنكرين والمثبتين للاحتفال بمولد الرسول ﷺ وتستنزف الطاقات وتبدد العقول في غير محلها، وحسماً للفوضى ودعماً للرشد نؤكد على الآتي:
العبادات توقيفية: أي هي مبينة في النصوص فلا يجوز فيها أي زيادة ولا نقص، ومن هنا فلا يصح أن نعدّ إقامة الاحتفال "عبادة تعبدية خاصة" نص عليها الشرع.
الاحتفال لم يرد في القرآن ولا السنة بنص مخصص كعبادة: فلا يجوز تخصيص ذكرى مولد الرسول ﷺ بعبادة مبتدعة كصلاة أو صيام أو صدقة مخصوصة باعتبارها سنة ذاتية فهذا من الابتداع.
وفق فقه الميزان: فإن التعبير الطوعي عن الابتهاج والفرح والسرور بميلاد الرسول ﷺ قد أخذ شكلاً اجتماعياً وعُرفاً مجتمعياً محموداً، فهذا مما لا حرمة فيه بل صاحبه مأجور مثاب إذا التزم بالقيم الشرعية وحقق المقاصد الآتية:
تبصير الناس بشمائل النبي ﷺ وأخلاقه وسلوكه.
جعل شهر ربيع زاداً سنوياً لغرس محبة رسول الله في القلوب، وابتكار الوسائل الدعوية والفنية للتعريف بسيرته وجمع الناس على الإرشاد والإنشاد وتعميق ذكره (وهو سلوك ينبغي أن يكون حاضراً في كل شهور العام لا في شهر الميلاد فقط).
إن ميلاد وبعثة الرسول ﷺ كانت رحمة للعالمين، فما أجمل أن نجمع الناس على ما يذكرهم بتلك الرحمة، ونهيج في قلوبهم الحب وفي سلوكهم العمل وفق سنته العطرة.
أجمعوا أسركم على محبته، واجتهدوا في الالتزام بسنته صلى الله عليه وآله وسلم.
انشر المقال بين الناس ليعرفوا الحقيقة، وليتبين الميزان العلمي الرصين الذي يجمع القلوب على محبة المصطفى ﷺ!
#المولد_النبوي_الشريف #أصول_الفقه #الرد_على_الشبهات #منهج_الوسطية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق