الثلاثاء، 21 يوليو 2026

الاحتفال بالمولد النبوي: حكمه وحكمته.. دراسة تأصيلية منصفة

 

📚 الاحتفال بالمولد النبوي: حكمه وحكمته.. دراسة تأصيلية منصفة

كثيراً ما يتجدد النقاش مع إطلالة ذكرى المولد النبوي الشريف بين طرفين:

  • طرف أول: يرى أن عدم احتفال السلف به يجعله "بدعة محرمة".

  • طرف ثاني: يغلو في تخصيص المناسبة بطاعات مبتدعة أو يرمي المخالف بالجفاء.

والحقيقة أن كلا الفريقين جانبه الصواب؛ فليس عدم احتفال المتقدمين يعني أنه "بدعة مذمومة بإطلاق"، ولا يعني الاحتفال به أنه "عبادة توقيفية مفروضة"، بل هو من جملة المباحات والأعراف التي تقصد للتذكير بالسيرة النبوية وشكر نعمة إرساله ﷺ، بشرط خلوّه من المخالفات وألا يعتقد المسلم سنيته التعبدية.

⚖️ أولاً: الحكم الشرعي (رأي المستشار فيصل مولوي)

يؤكد نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث أن الاحتفال جائز شرعاً؛ فلما جهل كثير من المسلمين صفات النبي ﷺ وحياته البسيطة وأصبحت محبتهم له سطحية، رأى بعض سلاطين المسلمين بالاستعانة بالعلماء إقامة الذكر وإطعام الطعام وتأليف سيرته لتكون ذكرى جامعة.

  • هذا الاحتفال ليس نوعاً من "العبادات التشريعية المبتدعة"، بل هو من العادات والأعراف التي يبيحها الشرع إذا خلت من المحرمات، وفيه من الأجر والثواب بحسب حسن النية والتذكير بالهدي النبوي، مع وجوب الحذر الشديد مما قد يتخلل بعض كتب الموالد من شطحات وانحرافات مرفوضة.

🎯 ثانياً: الحكمة من الاحتفال (رأي العلامة الدكتور يوسف القرضاوي)

يوضح الإمام القرضاوي سبب عدم احتفال الصحابة رضي الله عنهم (لكونهم عاشوا مع النبي ﷺ حياً في ضمائرهم، وكانوا يحفظون المغازي لأبنائهم كالسورة من القرآن، فلم يكونوا بحاجة لتذكر ما هو حاضر أمامهم).

  • فلما جاء عصر نسي الناس هذه الأحداث وغابت عن عقولهم، احتجنا إلى إحياء هذه المعاني؛ فعندما نحتفل بالمولد فإننا نحتفل بمولد الرسالة، ونربط الناس بسيرة النبي ﷺ وأسواته العظيمة (في التضحية، والتخطيط، والتوكل، والرحمة)، لنحقق الثمرة الإيجابية الكبرى في ربط المسلمين بدينهم.

🌟 ثالثاً: رؤية منصفة وتفصيل معاصر (رأي الشيخ سعيد حوى)

يقرر الداعية المعاصر الشيخ سعيد حوى أن أصل الاجتماع على ذكر السيرة والشمائل في شهر المولد للتذكير وإهاجة عواطف المحبة ﴿لا حرج فيه بل هو مستحب ومأجور فاعله﴾؛ تماماً كما تقسم المناهج الثقافية والمدارس مواسمها لتعظيم الاستفادة، بشرط صحة المعنى وخلوه من المخالفات.

📜 رابعاً: شهادات أئمة المذاهب وجمهور العلماء

  1. رأي الإمام ابن الحاج المالكي (في المدخل):

    رغم شدته على البدع المنكرة (كاستعمال آلات الطرب المذمومة)، إلا أنه يقرر أن تشريف الأزمنة والأمكنة يكون بما خصها الله به من معانٍ وعبادات؛ فدخول شهر المولد ينبغي أن يُقابل بتعظيم الاحترام بالاقتداء به ﷺ والاجتهاد في أفعال البر والخير كما كان يفعل في الأوقات الفاضلة.

  2. رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (في اقتضاء الصراط المستقيم):

    رغم شدته المعهودة، إلا أن كلامه كان منصفاً؛ حيث أقر أن بعض الناس قد يحدثون تعظيم المولد محبة وتعظيماً للنبي ﷺ، والله يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع، وقد يكون للمحتفل أجر عظيم لحسن قصده، وحسن من المؤمن ما قد يُستقبح من غيره.

  3. رأي الحافظ جلال الدين السيوطي (الحاوي للفتاوى):

    يخلص السيوطي بعد استقراء نصوص الأئمة (كالشافعي والعراقي وابن حجر) إلى أن اجتماع الناس لقراءة القرآن، وتذكر الشمائل، وإطعام الطعام، هو من البدع الحسنة المثاب عليها لما فيها من تعظيم قدر النبي ﷺ وإظهار الفرح بمولده، مستأناً بتخريج الحافظ ابن حجر لجواز الشكر في يوم معين من كل سنة (قياساً على صيام عاشوراء شكراً لنجاة موسى عليه السلام).

انشر المقال ليعم الفهم الوسطي الرصين، وتسود المحبة المنضبطة بسنة المصطفى ﷺ!

#المولد_النبوي_الشريف #فقه_السيرة #أدب_الاختلاف #منهج_الوسطية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق