🎙️ حوار هادئ على منبر فيسبوك: في مسألة الاحتفال بمولد خير الأنام ﷺ
المَانِع: يا أخا الإسلام، قف! كيف تحتفلون بمولد النبي ﷺ وهو أمر لم يفعله رسول الله ﷺ ولا صحابته الكرام، وكل بدعة ضلالة؟ ألم يقل النبي ﷺ: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"؟
المُجِيز: أهلاً بك يا اخي، ونحن نقر ونعترف أن النبي ﷺ لم يحتفل به بالمعنى الاصطلاحي، ولا الصحابة فعلوا ذلك لذاتهم.. ولكن تعال ننظر للأمر بميزان الأصول العلمية لا بالتشدد المسبق: هل كل ما لم يفعله النبي ﷺ يُعتبر محرماً؟ لو كان الأمر كذلك لحرمنا جمع القرآن في مصحف واحد، وجمع التراويح، وتدوين علوم النحو والحديث والفقه، وكلها لم تكن في عهد النبي ﷺ! والقاعدة الفقهية المحررة تقول: «الترك لا يقتضي النهي» ما لم يقم دليل قطعي على التحريم.
المَانِع: لكن الدين قد كمل بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فإحداث عبادة جديدة في الدين يعني اتهام النبي ﷺ بأنه كتم شيئاً من الدين، كما قال الإمام مالك رحمه الله!
المُجِيز: صدق الإمام مالك فيما أصل له؛ فديننا كامل في أصوله وشرائعه. ولكن عليك أن تفرق بين "العبادة التوقيفية المحضة" (كعدد ركعات الصلاة وهيئتها) وبين "الوسائل والعادات والمصالح المرسلة" التي تخدم الدين. الاحتفال بالمولد ليس تشريعاً لدين جديد، بل هو "عادة اجتماعية دينية" وموسم للتذكير بالسيرة، وإطعام الطعام، وإظهار الفرح بالنعمة العظمى. ألم يقل الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، وأعظم أيام الله مولد نبيه ﷺ؟ بل إن النبي ﷺ نفسه ذكر يوم مولده وشكره بالصيام حين سُئل عن صيام يوم الإثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه" [رواه مسلم].
المَانِع: وكيف توافقون على ما ورد في حديث "كل بدعة ضلالة"؟ ألا شملت "كل" كل إحداث؟
المُجِيز: لفظ "كل" في لغة العرب والقرآن لا يفيد العموم المطلق دائماً؛ فالله تعالى يقول عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، ولم تدمّر السماوات ولا الجبال بمن عليها! ولهذا ذهب كبار أئمة الأمة ومحققوها -كالإمام الشافعي، والعز بن عبد السلام، والإمام النووي، والحافظ ابن حجر العسقلاني- إلى تقسيم البدعة بحسب موافقتها لمقاصد الشرع إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، فما وافق أصول الشريعة ودخل تحت عموماتها من أعمال البر والخير قُبل ولم يُمقْت.
المَانِع: لكن ألا تعلمون أن السلف الصالح -كابن تيمية، والشاطبي، والفاكهاني، والألباني وغيرهم- أنكروا هذه البدعة وعدّوها تشبهاً بالنصارى وبدعة مستحدثة؟
المُجِيز: إننا نحترم أقوال العلماء الأجلاء ونقدر غيرتهم على السنة، ولكن العلم انصاف. فها هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نفسه يقول في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم 1/297) نصاً: "فتعظيم المولد، واتخاذه موسماً، قد يفعله بعض النّاس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم"! وها هو الحافظ ابن حجر العسقلاني يستخرج للمولد أصلاً من السنة في شكر نعمة الله في يوم معين. أما التشبه، فنحن لا نحتفل بطقوس الكنائس، بل نحتفل بمدح المصطفى ﷺ، وتلاوة القرآن، وإطعام الطعام، تماماً كما نصوم عاشوراء شكراً لنجاة موسى عليه السلام لأننا أحق بموسى منهم.
المَانِع: إذن أنتم ترون جوازه مطلقاً؟
المُجِيز: نرى جوازه واستحبابه بشرط أن يخلو من المنكرات كاختلاط محرم أو رقص صاخب؛ فالمحرمات تُنكر لذاتها ولا تنسحب حرمتها على أصل الفرح بنبي الرحمة ﷺ. المسألة اجتهادية يسعنا فيها الخلاف بروح المحبة والأخوة، ولا يجوز لأحدنا أن يبدّع أخاه ما دام يتبع فهماً معتبراً لأئمة الإسلام.
✨ شارك هذا الحوار لتعم الفائدة، وتتجلى روح الوسطية والإنصاف في قضايا الأمة!
#المولد_النبوي_الشريف #أصول_الفقه #وسطية_الإسلام #محبة_النبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق