🌿 ابن عثيمين والمولد النبوي؟!
حين يصبح «عدم فعل النبي ﷺ والصحابة» حجةً في موضع… ولا يكون حجةً في موضع آخر!
من أكثر ما يُقال في الاعتراض على المولد النبوي:
«لم يحتفل به النبي ﷺ، ولا الصحابة، ولا السلف؛ فكيف تفعلون شيئًا لم يفعلوه؟!»
حسنًا… دعونا نضع هذا السؤال أمام فتوى للشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين رحمه الله، ونرى كيف تعامل هو نفسه مع اجتماعٍ واحتفالٍ لم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة بهذه الصورة.
📌 سُئل ابن عثيمين رحمه الله عن الاحتفالات بمناسبة حفظ القرآن، فقال:
«أرى أن هذه الاحتفالات لا بأس بها، بل هي مشروعة، لكنها مشروعة لغيرها».
ثم ذكر من فوائدها:
«إدخال السرور على التلاميذ الذين حفظوا»
وأنها:
«مظهر من مظاهر تعظيم القرآن الكريم»
وأن فيها:
«التلاقي بين الإخوة من كل جهة والتعارف»
وأنها تشتمل على:
«إرشادات وتوجيهات وبيان فضل القرآن وحفظه»
ثم ختم بقوله:
«فهي مقصودة لغيرها في الواقع، وفيها خير، فلا نرى بها بأسًا، إن لم نقل إنها مطلوبة؛ لما فيها من هذه الفوائد التي ذكرناها».
وهنا يأتي السؤال:
❓ ما الذي حدث هنا؟
لم يقل الشيخ:
«إن النبي ﷺ أقام حفلة لحفظ القرآن».
ولم يقل:
«إن الصحابة كانوا يقيمون هذه الاحتفالات بهذه الصورة».
بل أجازها لما اشتملت عليه من المقاصد والفوائد المشروعة.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
فإذا كان مجرد عدم فعل النبي ﷺ والصحابة للاحتفال بهذه الصورة لا يكفي وحده لتحريمه في هذه المسألة، فلماذا يصبح عدم فعلهم للمولد وحده دليلًا قاطعًا على التحريم؟!
🌿 والمولد النبوي ماذا يقع فيه؟
إذا كان الاجتماع في مناسبة المولد يشتمل على:
📖 تلاوة القرآن
📚 قراءة السيرة النبوية
🌿 ذكر شمائل النبي ﷺ
🤲 الصلاة والسلام عليه
🎓 المواعظ والتذكير بأخلاقه وسنته
🍽️ إطعام الطعام
❤️ إدخال السرور على المسلمين
🤝 اجتماع الناس على الخير والتعارف
فالسؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط:
«هل فعل النبي ﷺ هذا الاحتفال بهذه الصورة؟»
بل ينبغي أن نسأل أيضًا:
ما حكم هذه الأعمال في نفسها؟ وما حكم الاجتماع عليها إذا كان المقصود منها مشروعًا؟
وهذا هو وجه الاستدلال الذي ينبغي مناقشته.
⚖️ لا نقول إن ابن عثيمين أجاز المولد!
ولكي نكون منصفين علميًا:
نحن لا نقول إن ابن عثيمين رحمه الله أفتى بجواز الاحتفال بالمولد.
هذا لم يقله في هذه الفتوى.
وإنما نقول:
إن كلامه يكشف أن مجرد كون صورة الاجتماع لم تُفعل بعينها في عهد النبي ﷺ والصحابة لا يكفي وحده للحكم عليها بالبدعة والتحريم، إذا كانت من قبيل الوسائل والعادات، واشتملت على مقاصد وفوائد مشروعة.
وهذه هي النقطة التي تستحق النقاش.
🔎 بل إن ابن عثيمين نفسه قرر في موضع آخر:
أن إقامة الحفلات عند المناسبات السارة لا بأس بها، لأن الناس يفعلونها «لا بقصد العبادة»، وإنما لإظهار الفرح والسرور، مع التنبيه إلى عدم الإسراف.
إذن القضية ليست بهذه البساطة:
«لم يفعله النبي ﷺ = بدعة محرمة».
بل لا بد من معرفة:
هل الفعل عبادة مقصودة لذاتها؟ أم عادة ووسيلة؟ وما مقصده؟ وما الذي يشتمل عليه؟
🌙 وهنا نصل إلى المولد
نحن لا نزعم أن المولد عبادة مستقلة لها هيئة شرعية مخصوصة أوجبها الله ورسوله ﷺ.
بل نقول:
إن اجتماع المسلمين على قراءة القرآن، وذكر سيرة النبي ﷺ وشمائله، والصلاة والسلام عليه، وتعليم الناس محبته وسنته، وإطعام الطعام وإدخال السرور، يمكن النظر إليه باعتباره اجتماعًا على أعمال مشروعة، مع اعتبار الضوابط الشرعية في كل ما يقع فيه.
ولهذا فقول:
«لم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة»
ليس نهاية البحث، وإنما هو بداية السؤال عن طبيعة الفعل ومقصده وحكمه.
🌿 والخلاصة
إذا كان عدم فعل النبي ﷺ والصحابة لصورة معينة من الاجتماع لا يمنع ابن عثيمين من الحكم عليها بأنها جائزة، بل «مشروعة لغيرها» لما فيها من فوائد،
فلا يصح أن نجعل مجرد الترك قاعدةً آليةً لتحريم كل اجتماع أو مناسبة لم يفعلها السلف بعينها.
والسؤال الحقيقي في المولد هو:
هل ما يجتمع عليه الناس فيه مشروع أم محرم؟
فإن كان قرآنًا وسيرةً وصلاةً على النبي ﷺ وموعظةً وإطعامًا للطعام واجتماعًا على الخير، فهذه أعمال مشروعة في أصلها.
أما الحكم على اجتماعها في مناسبة المولد، فهو موضع البحث الفقهي الذي ينبغي أن يناقش بالدليل، لا بمجرد عبارة:
«لم يفعله النبي ﷺ».
فالترك وحده لا يغني عن معرفة نوع الفعل ومقصده وحكمه.
--
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق