📖 الاختلاف في تفسير القرآن
بين تنوّع المعاني وتعارض الآراء
د. وسيم فتح الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن علم التفسير من أشرف العلوم وأجلِّها؛ إذ غايته الوصول إلى فهم كلام الله تعالى، وتدبر معانيه، والوقوف على ما يرشد إليه من هداية وتشريع وقيم.
وقد دعا الله تعالى عباده إلى تدبر كتابه فقال:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[محمد: 24]
ومن هنا كان الاشتغال بفهم القرآن وتفسيره من أجلِّ الأعمال العلمية، وكانت مسألة اختلاف المفسرين من المسائل المهمة التي تحتاج إلى تحرير دقيق؛ حتى لا يتحول تعدد الأقوال في التفسير إلى شبهة في القرآن نفسه، أو إلى اعتقاد بأن اختلاف المفسرين يعني اضطراب النص القرآني أو تناقضه.
والحقيقة التي ينبغي تقريرها منذ البداية هي:
إن اختلاف المفسرين لا يعني اختلاف القرآن، كما أن تعدد الأقوال في تفسير الآية لا يعني بالضرورة وجود تعارض بينها.
فمن الاختلاف ما هو اختلاف تنوع، ومنه ما هو اختلاف تضاد، ولكل واحد منهما أسبابه وأحكامه.
أولاً: ما المقصود بالاختلاف في التفسير؟
الاختلاف في اللغة ضد الاتفاق.
أما التفسير فهو البيان والكشف والإيضاح، ومن هنا عرّف بأنه العلم الذي يبحث في القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى، في حدود الطاقة البشرية.
وعليه، يمكن القول إن الاختلاف في التفسير هو:
عدم اتفاق المفسرين في تحديد دلالة آية أو لفظ قرآني على المعنى المراد منه، بحيث يتوصل كل مفسر إلى وجه من وجوه الفهم أو الدلالة.
وهنا ينبغي التنبه إلى أمر بالغ الأهمية:
ليس كل اختلاف بين المفسرين اختلافاً حقيقياً متناقضاً.
فقد يقول أحدهم في تفسير الآية معنى، ويقول آخر معنى آخر، ويكون المعنيان صحيحين، وكل منهما يلفت النظر إلى جانب من جوانب المعنى.
وهذا هو ما يسمى بـ اختلاف التنوع.
ثانياً: التفسير بين الرواية والدراية
يمكن النظر إلى التفسير من جهتين رئيسيتين:
1️⃣ التفسير بالمأثور
وهو تفسير القرآن بما جاء في:
القرآن الكريم نفسه.
السنة النبوية الصحيحة.
أقوال الصحابة.
وما ورد عن التابعين، مع مراعاة اختلاف العلماء في حجية أقوالهم ومدى اعتبارها.
وهذا اللون من التفسير يعتمد بدرجة كبيرة على النقل والرواية، ولذلك تكون صحة المروي وثبوته من أهم عناصر الحكم عليه.
2️⃣ التفسير بالرأي والاجتهاد
وهو ما يقوم على النظر والاستنباط والدراية، اعتماداً على أدوات التفسير وضوابطه، ومن أهمها:
الرجوع إلى القرآن قبل غيره.
الاستعانة بالسنة الصحيحة.
النظر في أقوال الصحابة والتابعين.
مراعاة لغة العرب وأساليبها وقت نزول القرآن.
مراعاة سياق الآية والسورة.
اعتبار أصول الشريعة ومقاصدها.
عدم الخوض فيما استأثر الله تعالى بعلمه.
عدم القطع بأن الاجتهاد البشري هو عين مراد الله تعالى.
عدم جعل الرأي السابق حاكماً على النص.
ولهذا فليس كل تفسير بالرأي مذموماً، كما أن مجرد الانتساب إلى التفسير بالمأثور لا يكفي وحده للحكم بصحة كل ما نُقل.
فالاعتبار في النهاية بصحة المنهج وسلامة الأدوات وصواب الاستدلال.
ثالثاً: هل وقع الاختلاف فعلاً في تفسير القرآن؟
نعم، وقع الاختلاف في كتب التفسير قديماً وحديثاً، وهذا أمر لا يصح إنكاره.
لكن السؤال الأهم ليس:
هل اختلف المفسرون؟
بل:
ما طبيعة هذا الاختلاف؟ وهل هو اختلاف حقيقي متناقض، أم اختلاف تنوع وتعدد في التعبير؟
ومن أمثلة اختلاف التنوع ما ورد في تفسير قوله تعالى:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
[الفاتحة: 6]
فقد ورد عن بعض السلف تفسير الصراط المستقيم بأنه الإسلام، وعن آخرين أنه القرآن، وعن آخرين أنه طريق الطاعة والعبودية ونحو ذلك.
والنظر المتأني يظهر أن هذه الأقوال لا يلزم أن تكون متناقضة؛ لأن الإسلام والقرآن والطاعة والاستقامة معانٍ مترابطة، وكل قول قد يصف جانباً من هذا الطريق.
فالمفسر الأول يذكر حقيقته، والثاني يذكر دليله أو مصدره، والثالث يذكر طريق سلوكه.
وهكذا يمكن أن يكون تعدد الأقوال توسيعاً للمعنى، لا نقضاً له.
رابعاً: لماذا تتعدد أقوال المفسرين؟
يمكن إجمال أسباب الاختلاف في التفسير في أسباب متعددة، أهمها:
1️⃣ اختلاف العبارة مع اتفاق المعنى
قد يعبّر مفسران عن المعنى نفسه بعبارتين مختلفتين.
فالاسم الواحد قد تكون له أوصاف متعددة، وذكر أحد هذه الأوصاف لا يعني نفي الأوصاف الأخرى.
ومن هنا كان كثير من اختلاف السلف في التفسير راجعاً إلى اختلاف العبارة والتعبير، لا إلى اختلاف الحقيقة والمعنى.
2️⃣ تفسير العام بذكر بعض أفراده
قد يكون اللفظ القرآني عاماً، فيذكر المفسر مثالاً من أمثلته أو فرداً من أفراده لتقريب المعنى.
ومثال ذلك قوله تعالى:
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾
[فاطر: 32]
فقد تعددت عبارات السلف في بيان هذه الأصناف، وذكر كل مفسر صورة من صور الظلم أو الاقتصاد أو السبق.
ولا يلزم من ذلك أن تكون الأقوال متعارضة؛ فقد يكون كل قول مثالاً لفرد داخل في المعنى العام.
3️⃣ تعدد أسباب النزول
قد ترد روايات متعددة في سبب نزول آية، ويكون الجمع بينها ممكناً إذا كانت الآية تتناول أكثر من واقعة.
ولهذا فقول أحد المفسرين:
«نزلت في كذا»
لا يلزم منه نفي أن تكون نزلت بسبب واقعة أخرى إذا كان اللفظ يتناولها كذلك.
وهنا يظهر الفرق بين سبب النزول وبين حصر دلالة الآية في ذلك السبب.
4️⃣ احتمال اللفظ لأكثر من معنى
قد يكون اللفظ العربي محتملاً لأكثر من معنى صحيح في اللغة، فيختار أحد المفسرين معنى، ويختار آخر معنى آخر.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:
﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾
[المدثر: 51]
فقد ورد في تفسير «قسورة» الأسد، وقيل الرامي، وقيل الصائد.
فإذا ثبتت هذه المعاني لغةً ونقلاً، فإن مجرد تعددها لا يعني بالضرورة وجود تناقض في التفسير.
5️⃣ اختلاف الألفاظ المتقاربة
قد يعبّر المفسر عن اللفظ القرآني بلفظ قريب منه، فيقول أحدهم: «الإعلام»، ويقول آخر: «الإنزال»، أو يعبّر أحدهم عن معنى بلفظ، ويعبّر الآخر بلفظ قريب منه.
وهذا من المواطن التي ينبغي فيها التفريق بين:
التفسير المطابق تماماً للفظ، والتفسير التقريبي الذي يشرح المعنى للقارئ.
6️⃣ اختلاف القراءات
القراءات القرآنية المتواترة قد تفتح وجوهاً متعددة في الدلالة، فيفسر كل مفسر الآية باعتبار القراءة التي يستند إليها.
وهذا النوع من التعدد ليس اختلافاً في القرآن، وإنما هو من ثراء الدلالة الناشئ عن تعدد القراءات الثابتة.
خامساً: متى يكون الاختلاف اختلاف تضاد؟
هنا نصل إلى الجانب الآخر من المسألة.
فليس كل اختلاف محموداً أو قابلاً للجمع.
قد يصل الاختلاف إلى التعارض الحقيقي عندما يقوم أحد الأقوال على إلغاء ما يدل عليه النص، أو تحميله معنى لا تحتمله دلالته، أو جعل اعتقاد سابق حاكماً على النص القرآني.
وهنا تظهر أهمية المنهج.
فالمفسر لا ينبغي أن يبدأ من النتيجة التي يريد إثباتها، ثم يبحث عن آية يحملها عليها، وإنما ينبغي أن يبدأ من النص، ثم ينظر في دلالاته وفق قواعد العلم.
سادساً: من أخطر أسباب الخطأ في التفسير
1️⃣ تحميل القرآن المذهب السابق
من أخطر المناهج أن يعتقد الإنسان رأياً مسبقاً، ثم يجعل القرآن تابعاً لهذا الرأي.
فيصبح السؤال عنده:
كيف أجعل الآية تؤيد ما أعتقد؟
بدلاً من أن يكون:
ماذا تدل عليه الآية وفق اللغة والسياق والنقل وأصول التفسير؟
والفرق بين السؤالين كبير جداً.
فالقرآن ينبغي أن يكون حاكماً على آرائنا، لا أن تكون آراؤنا حاكمة على القرآن.
2️⃣ الاقتصار على الاحتمال اللغوي
ومن الأخطاء أيضاً أن ينظر المفسر إلى ما يمكن أن يحتمله اللفظ في اللغة مجرداً عن:
سياق الآية.
سياق السورة.
أسباب النزول.
السنة النبوية.
استعمال العرب.
مقاصد الشريعة.
سائر النصوص المتعلقة بالموضوع.
فليس كل معنى يمكن أن تحتمله اللغة يصلح أن يكون هو المراد في الآية.
إمكان المعنى لغةً لا يعني بالضرورة إرادته شرعاً.
3️⃣ إهمال أسباب النزول والسياق
إن معرفة سياق الآية وسبب نزولها من أهم الوسائل التي تعين على فهم المراد.
وقد يؤدي الجهل بالسياق إلى توسيع المعنى في غير موضعه، أو تضييقه، أو إسقاط معنى بعيد عليه.
ومن هنا كانت عناية المفسرين بالسياق وأسباب النزول واللغة والنقل عناية كبيرة.
سابعاً: هل اختلاف التفسير يقدح في القرآن؟
الجواب: لا.
وهذه هي النقطة المركزية في البحث كله.
قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
[النساء: 82]
فالآية تتحدث عن الاختلاف والتناقض في القرآن نفسه، لا عن تعدد اجتهادات البشر في فهمه.
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين:
القرآن شيء، وتفسير البشر للقرآن شيء آخر.
فالقرآن وحي معصوم، أما التفسير فهو جهد بشري قد يصيب وقد يخطئ.
ومن ثم:
خطأ المفسر لا يعني خطأ القرآن، كما أن اختلاف المفسرين لا يعني اختلاف كلام الله تعالى.
وهذه قاعدة شديدة الأهمية في التعامل مع علوم التفسير.
ثامناً: خلاصة التحقيق
بعد استعراض صور الاختلاف وأسبابه يمكن الوصول إلى نتيجة أساسية:
الاختلاف في التفسير نوعان رئيسيان:
🔹 الأول: اختلاف تنوع
وهو الاختلاف الذي تتعدد فيه العبارات أو الوجوه، مع إمكان اجتماعها تحت معنى واحد أو كونها تصف جوانب متعددة من الآية.
وهذا النوع كثير في تفسير السلف، ولا يمثل تناقضاً.
بل قد يكون أحياناً من أسباب ثراء المعنى وتقريبه وتوسيعه.
🔹 الثاني: اختلاف تضاد
وهو الاختلاف الذي لا يمكن الجمع بين طرفيه، ويكون أحد القولين نافياً للآخر في حقيقة المعنى، وقد ينشأ عن ضعف في النقل، أو خلل في الاستدلال، أو تحميل النص ما لا يدل عليه، أو تقديم الأهواء والمعتقدات المسبقة على دلالة النص.
وهذا هو الاختلاف الذي يحتاج إلى نقد وترجيح وتمحيص.
📌 قاعدة مهمة في قراءة كتب التفسير
ليس من الصواب أن يفتح القارئ كتاباً من كتب التفسير، فيجد خمسة أقوال في آية واحدة، ثم يقول:
«إذن لا أحد يعرف معنى القرآن!»
كما أنه ليس من الصواب أن يرى قولين مختلفين فيظنهما متناقضين بمجرد اختلاف الألفاظ.
بل ينبغي أن يسأل:
هل الأقوال مختلفة في الحقيقة أم في العبارة؟
هل هي أمثلة لمعنى عام؟
هل يمكن الجمع بينها؟
هل ثبتت الروايات أصلاً؟
هل يحتملها اللفظ العربي؟
هل يوافقها السياق؟
هل لها شاهد من السنة أو أقوال السلف؟
أم أن أحدها قائم على مجرد رأي أو اعتقاد سابق؟
وهذه الأسئلة هي التي تنقل القارئ من مجرد رؤية «الخلاف» إلى فهم حقيقة الخلاف.
⚠️ المشكلة المعاصرة
ومن المشكلات التي تستحق التأمل في عصرنا انتشار كتب التفسير بين عامة القراء دون أن تكون لديهم دائماً الأدوات العلمية التي تمكنهم من التمييز بين:
الصحيح والضعيف من الروايات.
الراجح والمرجوح من الأقوال.
اختلاف التنوع واختلاف التضاد.
التفسير المقبول والتفسير المتكلف.
المعنى الذي تدل عليه الآية والمعنى الذي أُسقط عليها إسقاطاً.
وقد يؤدي عرض الأقوال المختلفة دون بيان أصولها ودرجاتها إلى إرباك القارئ، وربما إلى نتيجة خطيرة، وهي أن يظن أن الاختلاف بين المفسرين دليل على غموض القرآن أو اضطرابه.
وهذا استنتاج غير صحيح؛ لأن تعدد الاجتهادات البشرية لا يساوي تعدد النص القرآني ولا تناقضه.
ولذلك تبرز الحاجة إلى مزيد من العناية بالتفسير الميسّر المنضبط الذي يقدّم للعامة المعنى الذي يحتاجونه، مع إبقاء التفصيلات والخلافات العلمية في دائرة المتخصصين وطلاب العلم، دون إقصائها أو منع دراستها.
🌿 الخاتمة
إن الاختلاف في تفسير القرآن الكريم حقيقة واقعة، ولكن الحكم عليه لا يكون بمجرد وجود التعدد، وإنما بالنظر في طبيعة هذا التعدد وأسبابه.
فمنه اختلاف تنوع لا تناقض فيه، وقد يكون سبباً في إبراز جوانب متعددة من المعنى القرآني.
ومنه اختلاف تضاد، يحتاج إلى التحقيق والترجيح، وقد يكون سببه ضعف الرواية، أو خللاً في الاستدلال، أو إخضاع النص لمذهب سابق أو هوى متقدم.
والقاعدة التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا هي:
القرآن وحيٌ معصوم، أما تفسير البشر فاجتهادٌ بشري.
ولهذا فإن اختلاف المفسرين لا ينبغي أن يتحول إلى طعن في القرآن، كما أن تصحيح خطأ مفسر لا يعني الطعن في كتاب الله تعالى.
وكلما ازداد القارئ معرفةً بأصول التفسير، وأسباب الاختلاف، وقواعد اللغة، والسياق، والسنة، وأقوال السلف، أصبح أقدر على التمييز بين اختلاف يثري الفهم واختلاف يفسد المعنى.
ومن أعظم ما ينبغي أن يتحلى به المفسر والقارئ معاً:
العلم، والإنصاف، والتثبت، والتواضع أمام كلام الله تعالى.
فإذا لم نعلم مراد الله في مسألة، فلا نتكلف القول عليه بغير علم، وإنما نرد ما أشكل علينا إلى أهله من أهل العلم، ونقف حيث ينبغي الوقوف.
قال تعالى:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33]
وقال سبحانه:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: 43]
وفي النهاية، فإن أعظم ما يجمع المفسرين وطلاب العلم والقراء هو إدراك أن المقصود من التفسير ليس الانتصار للرأي، وإنما الوصول إلى مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، مع تعظيم النص، وصيانة مقام الوحي، والاعتراف بحدود الاجتهاد الإنساني.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق