-
💢 خرافة أن سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قطع شجرة بيعة الرضوان:
((من الغريب العجيب أن يكون هَمُّ بعض من يتمشدق بالمعرفة والعلم والفهم الهدم والتخريب والتكسير والقطع فيما يتعلق بآثار سيد الخلق أو الصحابة والصالحين!!
فلا يفهمون إلا الهدم والتكسير والقطع ومحو آثار وذكرياتٍ لرموز الأمة تَحْفَظ تاريخها وتربطهم بماضيها الكريم!!
أما قصة قطع الشجرة فلم يثبت ما يقال من أن سيدنا عمر رضي الله عنه قطع الشجرة (شجرة بيعة الرضوان) بل المعروف عند علماء السلف ومنهم ابن جرير الطبري أن سيدنا عمر رضي الله عنه ذهب يبحث عنها ولم يجدها لاختلاطها بين أشجار!!
ففي تفسير الإمام الحافظ الطبري السلفي (13/87) – وهذا في صحيح البخاري أيضاً كما سيأتي - عند تفسير الآية الكريمة التي ذكرت فيها الشجرة قال:
[وزعموا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت، فجعل بعضهم يقول هنا ، وبعضهم يقول هاهنا، فما كثر اختلافهم قال: سيروا هذا تكلّف، فذهبت الشجرة وكانت سمراء، إمّا ذهب بها سيل وإما شيء سوى ذلك].
فلو كان سيدنا عمر رضي الله عنه قطعها لما قيل ذلك ولما خفي الأمر على مثل الحافظ ابن جرير السلفي ولكان نبّه عليه!!
فقول من قال: (وقد قطع عمر رضي الله عنه الشجرة . . . وسداً للذريعة) باطل غير صحيح ولا ثابت!! وذلك لأن هذه القصّة رواها ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (2/100) عن نافع، وإسنادها مرسل وإن قيل بأن إسنادها صحيح إلى نافع، فنافع لم يلق سيدنا عمر رضي الله عنه وإن قال الحافظ إن إسنادها صحيح إلى نافع كما في "فتح الباري" (7/448) لكنها منقطعة بين نافع وسيدنا عمر!! لأن نافعاً لم يدرك سيدنا عمر ولم يرو عنه، كما نص على ذلك نفس الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (10/370) في ترجمة نافع حيث نقل أن أحمد بن حنبل قال: [نافع عن عمر منقطـــــع].
وهذا من علوم علل الحديث والأسانيد!
وقد توفى نافع سنة 120هـ وهذا ممّا يؤكد أنّه لم يدرك ذلك. وكان ينبغي له أن يصرح بذكر اسم شيخه في هذه الرواية!! وكان نافع أحياناً يجتهد في إبداء بعض الآراء ويخطئ في ذلك كما سيتبين بعد قليل إن شاء اللَّه تعالى.
ونقول أيضاً لا بدّ من التنبيه على أن في سند هذه القصة إلى نافع عبد الوهاب بن عطاء، وليس هو بالقوي عند أبي حاتم وغيره كما يجد ذلك من يطالع ترجمته في مثل "تهذيب الكمال" (18/509).
فالمعروف المقرر عند أهل الحديث أن مثل هذا القول المنقطع ليس بحجّة!! لا سيّما وقد صرّح بعض الحفاظ كالإسماعيلي بأن هذا ومثله هو من قول نافع ولا يعتبر مسنداً! كما في "فتح الباري" (118/6) (برقم2958)! لا سيما وقد ثبت عن نافع وعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنه ما يخالفه!! كما ثبت عن غير سيدنا ابن عمر بإسناد صحيح ما هو ضده أيضاً!!
أمّا ثبوت ما يخالف هذا عنه: فروى ابن سعد (2/105) قال :
[أخبرنا علي بن محمد عن جويرية بن أسماء عن نافـــــــع قال: خرج قوم من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك - أي بعد نزول الآية التي ذكرت فيها الشجرة - بأعوام فما عرف أحد منهم الشجرة واختلفوا فيها، قال ابن عمر: كانت رحمة من اللَّه].
فهذا النص يبين أنّهم لم يكونوا يعرفونها بعد ذلك، فكيف يقطع سيدنا عمر شجرة لم يهتدوا إلى محلها فيما بعد؟ وليس معلومة ولا معروفة حين بحثوا عنها؟!
ويؤكّد ما قررناه ويبطل أسطورة قطع سيدنا عمر لشجرة بيعة الرضوان ما رواه نافع نفسه بسند صحيح عنه عن عبد اللَّه بن عمر ! !
فقد روى البخاري في الصحيح (2958) من طريق نافــــــــــع قال: قال ابن عمر:
[رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من اللَّه، يقول راوي الحديث: فسألنا نافعاً على أي شيء بايعهم، على الموت؟ قال: لا، بل بايعهم على الصبر].
أقول: أما قوله في هذا الأثر: (رجعنا) يعني هو وبعض الصحابة الآخرين ومنهم المسيب والد سعيد بن المسيب حيث جاء عنه كما في البخاري (4164) أن سعيداً قال:
[حدثني أبي أنّه كان فيمن بايع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة قال: "فما رجعنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها"].
وفي الرواية الأخرى بنفس الرقم في البخاري:
[فرجعنا إليها العام المقبل فعميت علينا].
وهذا في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقبل خلافة سيدنا عمر بدهر طويل.
وتقدّم نقلًا من تفسير الحافظ ابن جرير (13:87): أنّ عمر بن الخطاب مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، وهذا في خلافته فقال:
(أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول هنا: وبعضهم يقول: هاهنا، فلمّا كثر اختلافهم قال: سيروا هذا تكلّف، فذهبت الشجرة وكانت سَمُرَاء؛ إمّا ذهب بها سيل وإمّا شيء سوى ذلك).
فكيف بعد هذا يقال: إنّ سيدنا عمر قطعها؟!!!
وأمّا قول ابن عمر: (كانت رحمة من اللَّه) فيه قولان ذكرهما الحافظ ابن حجر في "الفتح" (6/171) الصحيح منهما عندنا للقرائن هو قوله هناك :
[ويحتمل أن يكون معنى قوله: رحمة من اللَّه، أي: كانت الشجرة موضع رحمة اللَّه ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها] وهذا لا شك فيه.
ولبيان غلط نافع في روايته المنقطعة لقطع الشجرة أقول أيضاً:
قوله: (فسألنا نافعاً على أي شيء بايعهم... قال: بل بايعهم على الصبر) هذا مردود وغير صحيح البتة!! لأن البخاري روى بعد هذا حديثين أثبت فيهما تصريح صحابيين بأنّهم كانوا يبايعون على الموت!!
فيدلّ هذا على أن ما لم يسنده نافع لا حجة فيه، وهذا أوضح مثال على ذلك فتدبّر!!
لا سيّما أن البخاري والأئمة لم يعوِّلوا على ما ينقل بإسناد منقطع عن سيدنا عمر، بل قاموا بسرد كثير من الأحاديث والآثار المروية عن ابن عمر والتي كان يتتبع فيها المواضع التي كان قد صلى فيها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليصلي ابن عمر فيها.
ثم جاء سالم بن عبد اللَّه بن عمر بعد ذلك فاقتدى بأبيه، فكان يتتبع المواضع التي صلى فيها أبوه وأخبره أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي فيها!! ولو كان قد ثبت عن عمر شيء في هذا لأورده وهو والدهم مع كون اجتهاده لا ينقض اجتهادهم!! وقد عقد البخاري في صحيحه باباً سمّاه: (باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم) أورد فيه تسعة نصوص تدل على أن هذا التبرك والتتبع هو مذهب الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين!! وليس كما يقول المعلّق على "الفتح" (1/569) في الحاشية هناك بكل جرأة غريبة من أن ذلك من ذرائع الشرك!!
كبرت كلمة لا دليل عليها لا سيما وأن فيها تسفيها صريحا لفعل الصحابة والتابعين والأئمة ونبذ أقوالهم وأفعالهم لرأي ليس له دليل معتبر وإنّما هو قائم على الخيالات والأوهام البعيدة عن النصوص الثابتة الشرعيّة ! !
لا سيما والحافظ ابن حجر يقول هناك :
[وقد تقدّم حديث عِتْبان وسؤاله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلّي في بيته ليتخذه مصلّى وإجابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك، فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين].
وقد روى البخاري عن موسى بن عقبة أنّه قال:
[رأيت سالم بن عبد اللَّه يتحرّى أماكن من الطريق فيصلّي فيها ويحدّث أن أباه كان يصلي فيها، وأنّه رأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الأمكنة].
وعلى كل الأحوال؛ فالأصل في ذلك ليس فعل الصحابة، لأن المقرر في علم الأصول حسب الأدلة أن فعل الصحابي ليس بحجة، وإنّما الحجة في نصوص القرآن والسنة، وهي تفيد أن ذلك ليس كفراً ولا شركاً بدليل جواز التمسح أو استلام الحجر الأسود والركن اليماني والملتزم.
وقد سئل الإمام أحمد كما هو ثابت في (كتاب العلل ومعرفة الرجال 2/492/الرقم 3243 ) المروي عنه عن تقبيل قبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتقبيل منبره فقال: [لا بأس بذلك].
فلو كانت هذه الأمور ذرائع للشرك والكفر لما شُرِع استلام الحجر الأسود وتقبيله ولا الركن اليماني ولا التبرك بِعَرَقِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وشعره وثوبه وغير ذلك مما هو ثابت في الصحاح والسنن، إذ يستحيل أن لا يكون في هذه الأمور شرك أوذريعة للشرك وفي غيرها شرك ! !
وبذلك يتلخص أن قضية قطع سيدنا عمر لشجرة بيعة الرضوان غير صحيحة ولا يتصوّر أن يفعل ذلك سيدنا عمر رضي الله عنه، ويثبت بما قدمناه أن من الأمور المستحبة عند الصحابة رضي اللَّه عنهم أيضاً استلام الأشياء المتعلّقة بالأنبياء والصالحين وأنّها ليست من الشرك في شيء.
وكانوا يستلمون رمانة منبر النبي صلى الله عليه وآله.
لكن العجب العجاب أن يكون في صف المشايخ ومن يدَّعون العلم والفهم والمعرفة من يدعو إلى الهدم والتخريب والتحطيم والمسح وقطع آثار وحضارة الأمة وتراثها بحجة الشرك أو البدعة أو نحوهما من الحجج الواهية.
قال تعالى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم:
{اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) ... فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِين}.
والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل)) .
