الجمعة، 18 سبتمبر 2026

سيد قطب والموسيقى !

 

الموسيقى

 

عندمـا استخدم الشهيد سيّد قطب رحمـه الله تعالـى  كلمـة أو مصطلـح             ( الموسيقى ) في تعابيره الأدبية ، تخيّل ذلك المنتقد : الرقص والمجـون وآلات الطرب ! وذلك بسبب بُعده عن أجواء وميدان الأدب ومصطلحاته الخاصة المعروفة ، ثـم ذهب يسـتدل علـى حرمـة الموسيقى على طريقة الضبّ والطبراني ! !

 

 

 

 

إنّ لكل حرف من حروف اللغة العربية مخرج خاص – كما هو معلوم – يختلف عن مخرج باقي الحروف ، وهـذا الموضوع مكانه علم الأصوات وعلم التجويد ، والذي هو من المفروض أن يعرفه المنتقد !

 

 

 

وأن لكل حرف جَرْسٌ خاص .

 

 

 

 

 

 

 

[   جَرْسُ الحروف : صوتها المنغم ، وهي تختلف في صفاتها على حسب مخارجها ، وجَرْسُها نغمة صوتها عندما ينطق بها ،

 

 

 

 

ولذلك قيل : حروف الهمس ، وحروف الاستفال ، وحروف الذلاقة ، وحروف الصفير ، وحروف التفخيم . . . وهكذا . .

 

 

 

 

 

وجرس الكلمات : هو نغمتها وصوتها وإيقاعها ، الذي يحصل نتيجة التلاؤم بين حروفها ، وائتلاف هذه الحروف ، وتوافق أصواتها ، وحلاوة جرسها .

 

 

 

 

 

 

وجرس العبارات ، هو : الإيقاع الصوتي الحاصل من التلاؤم بين كلماتها ، وتوافق أصواتها ، وحلاوة جرسها كذلك ؛

 

 

 

 

فالجرس يكون في الحروف والكلمات والعبارات ، وهو نوع من أنواع الإيقاع الموسيقي للعبارات ] ([1]) .

 

[ الإيقاع في اللغة :

 

 

 

 

 

 

 

ورَدَ في لسان العرب عن معاني الإيقاع قوله :

 

 

 

 

 

 

 

 التوقيع : رمْيٌ قريب لا تباعده . كأنك تريد أن توقعه على شيء .

والتوقيع : الإصابة . والتوقيع : إصابة المطر بعضَ الأرض وإخطاؤه بعضاً . وقيل : هو إنبات بعضها دون بعض .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

والتوقيع فـي الكتاب : إلحاق شيء فيه بعد الفراغ منه . وقيل هو مشتق من التوقيع ، الذي هو مخالفة الثاني للأول ([2]) .

 

 

 

والإيقاع من إيقاع اللحن والغناء . وهو أن يوقعَ الألحانَ ويبينها . وسمَّى الخليلُ رحمه الله كتاباً في ذلك المعنى ( الإيقاع ) ([3]) .

 

 

 

 

 

من هذه المعاني التي أوردها للتوقيع ندرك أن أصلها هو : أن يوقِعَ على الشيء المتعدد الأجزاء ، فيصيب قسماً منها ويترك الباقي ، يتجلَّى ذلك في التوقيع في الرمي ، وتوقيع المطر ، وتوقيع الكتاب ، وإيقاع الألحان .

 

الإيقاع الفني :

 

 

 

 

 

 

وهذا المعنى وارد في الإيقاع الموسيقي للآلات الموسيقية ، والإيقاع الموسيقي للألفاظ .

فالعازف على الآلة الموسيقية يوَقِّعُ بأصبعه على بعض أوتار تلك الآلة دون بعضها ، وينبعث من هذه الأوتار نغمة خاصة هي الإيقاع الموسيقي .

 

 

 

 

 

والمتحدث عندما ينطق لفظاً ، فكأنه – نظراً لاختلاف مخارج حروف اللفظ – يوقع على بعض أوتاره الصوتية دون الآخر ، فتنبعث في الفم نغمة خاصة هي الإيقاع الموسيقي للفظ .

 

 

 

 

 

وجهازنا الصوتي أشبهُ بمجموعة من الآلات الموسيقية ، تخرج منها الألفاظُ بنغمات مختلفة ، ودرجات متباينة ، من الشدة والضعف ، والسرعة والبطء ، وغير ذلك من الصفات التي شرحها علماء الأصوات ، وعلماء التجويد والقراءات . . .

 

 

 

 

 

 

وهناك نوعان من الكتابة الأدبية : كتابة أدبية عادية ، وهي : الكتابة التي تدوَّن فيها الألفاظ ، ولا تدل إلا على دلالتها الذهنية فقط ! .

 

 

 

 

 

وكتابة أدبية فنية موسيقية ، وهي : التي يُهيء فيها الأديب الشاعر للألفاظ ( نظاماً ونسقاً وجواً ، يسمح لها بأن تَشع أكبر شحنتها من الصور والظلال والإيقاع ،

 

 

 

 

وأن تتناسق ظلالها وإيقاعاتها مع الجو الشعوري الذي تريد أن ترسمه ، وألا يقف بها عند الدلالة المعنوية الذهنية ) ([4]) ؛

 

 

 

( إن للألفاظ أرواحاً ، ووظيفة التعبير الجيد أن يطلق هذه الأرواح في جوها الملائم لطبيعتها ، فتستطيع الايحاء الكامل والتعبير المثير ) ([5]) .

 

مظاهر الموسيقى في اللغة العربية :

 

 

 

 

 

 

 

إن اللغة العربية – الشاعرة – لغة فنية موسيقية ، وإن عناصر الموسيقى الشاعرية تتجلى فيها أكثر من غيرها من اللغات ، ويرجع ذلك إلى سببين ، هما : الغناء ، وبناء اللغة نفسها على الأوزان ([6]) .

 

 

 

 

وتبدو موسيقية اللغة في اختلاف مخارج الحروف ، واختلاف صفاتها ، واختلاف حركاتها وسكناتها . كما تبدو في اختلاف الكلمات من حيث جرسها ونغماتها ، وفي اختلاف العبارات من حيث إيقاعها .

 

 

 

الموسيقى في الحروف :

 

 

 

 

 

( ولاختلاف المخارج والصفات في الحروف التي تتكون منها الكلمات ، تكون الكلمات تبعاً لذلك مختلفةً في الوضوح والشدة والسرعة ، وفي رنينها ونغماتها الموسيقية وغير ذلك ،

فبعض الكلمات تبدو خافتة ، وبعضها يظهر مجلجلاً ، وبعضها خفيف التموجات يجري كالماء ، وبعضها تسمع له ما يشبه الحفيف أو الخرير أو التدفق ، وبعضها تلمح فيه الرخاوة واللين ، وبعضها له رنين سابح أو أبتر ، وبعضها هواء يسمح بالتموج الصوتي والطوعية الموسيقية ، كحروف المد ) ([7]) .

 

الموسيقى في الكلمات :

 

 

 

 

 

 

هذا عن مخارج الحروف وصفاتها ، كذلك لحركات الحروف وسكناتها ونوع هذه الحركات أثرٌ في موسيقية الكلمة :

 

 

 

 

 

 

 

( فالحركات الثلاث – الضمة والفتحة والكسرة – وتتابُعُها في الكلمة أو الكلمات ، أو الانتقال من حركة إلى أخرى ، كالانتقال من الكسرة إلى الضمة أو العكس ، أو جريان هذه الحركات دون أن يعترضها السكون ، أو تكرار السكون على فترات منتظمة أو مختلفة ، كل ذلك له أثر في جرس الكلمات والعبارات وإيقاعها ) ([8]) .

 

 

 

 

 

فكل هذه العوامل الصوتية من مخارج الحروف وصفاتها وحركاتها ، وتتابع هذه الحركات أو تفرقها ، تجعل للكلمة قوةٌ موسيقيةٌ خاصةٌ ، ورنيناً يطبعها بطابع خاص([9])

 

الموسيقى في العبارات :

 

 

 

 

 

أما موسيقية العبارات فإنها : ( حين تتجمع الكلمات في الجمل وفي العبارات ، تكتسب جرساً موسيقياً آخر ، زيادة على ما كان لها من موسيقى فردية ،

 

 

 

 

وذلك مثْل تشابه بعض الكلمات في الوزن وفي المكان من الجملة ، أو تعاقب كلمتين متشابهتين فـي الوزن والرنين ، أو فـي تجانس فقرتين أو جملتين فـي عدد الكلمات ، وفي وزن كل منهما ،

 

 

 

أو في التجانس في الكلمتين الأخيرتين في جملتين ، أو في التشابه الذي يبرز في فترات متكافئة ، أو في التدرج المتعادل ، أو في التتابع المقرون بسرعة الجرس ) ([10]) .

 

 

 

 

 

 

اللغة العربية إذن ليست مجرد ألفاظ أو عبارات أو معان ، إنها بالإضافة إلى هذا تحوي الكثير من النواحي الموسيقية والوجدانية والخيالية ، وتتضمن ألواناً من الإيحاء والإيماء والإيقاع والرمز ] ([11]) .

 

 

 

 

 

 

هذه المصطلحات والكلمات في وصف إعجاز القرآن وتراكيبه معروفة عند الأدباء والعلماء الذين ذاقوا طعمه وأُشرِبَ في قلوبهم حبّه والدّهش به ! ففطنوا إلى بعض روعته ، فقاموا يصفونه بمصطلحاتهم المعروفة الشائعة عندهم ولا مشاحة في الإصطلاح .

 

 

 

 

وهذا هو العلامة محمد عبدالله دراز رحمه الله تعالى يقول :

 

 

 

 

 

[ نظرتان في القشرة السطحية للفظ القرآن:

 

 

 

 

أول ما يفجؤك :

 

 

 

 

 

أول ما يلاقيك ويستدعي انتباهك من أسلوب القرآن الكريم خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره .

 

 

 

 

 

 

1-          الجمال التوقيعي في توزيع حركاته وسكناته، ومداته وغُنَّاته :

 

 

 

 

 

 

دع القارئ المجود يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله نازلًا بنفسه على هوى القرآن ، وليس نازلًا بالقرآن على هوى نفسه .

 

 

 

ثم انتبذ منه مكانًا قصيًّا لا تسمع فيه جرس حروفه ، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها ، ومداتها وغناتها ، واتصالاتها وسكتاتها ،

 

 

 

 

ثم ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية ، وقد جردت تجريدًا وأرسلت ساذجة في الهواء .

فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لو جرد هذا التجريد ، وجود هذا التجويد .

 

 

 

 

 

ستجد اتساقًا وائتلافًا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر ،

 

 

 

 

 

على أنه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر ، وستجد شيئًا آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر .

 

 

ذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد الأوزان فيها بيتًا بيتًا ، وشطرًا شطرًا ،

وتسمع القطعة من الموسيقى فإذا هي تتشابه أهواؤها وتذهب مذهبًا متقاربًا . فلا يلبث سمعك أن يمجها ، وطبعك أن يملها ، إذا أعيدت وكررت عليك بتوقيع واحد .

 

 

 

 

بينما أنت من القرآن أبدًا في لحن متنوع متجدد ، تنتقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل ([12]) على أوضاع مختلفة ، يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء ، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم . بل لا تفتأ تطلب منه المزيد .

 

 

 

 

 

 

 

هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن ، حتى الذين لا يعرفون لغة العرب . فكيف يخفى على العرب أنفسهم ؟

 

 

 

وترى الناس قد يتساءلون : لماذا كانت العرب إذا اختصمت في القرآن قارنت بينه وبين الشعر نفيًا وإثباتًا ، ولم تعرض لسائر كلامها من الخطابة وغيرها ؟

وأنت ، فهل تبينت ها هنا الجواب ، وهديت إلى السر الذي فطنت له العرب ، ولم يفطن له المستعربون ؟

 

 

 

إن أول شيء أحسته تلك الأذن العربية في نظم القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة والسكون تقسيمًا منوعًا يجدد نشاط السامع لسماعه ،

ووزعت في تضاعيفه حروف المد والغنة توزيعًا بالقسط الذي يساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس به آنًا بعد آن ، إلى أن يصل إلى الفاصلة الأخرى فيجد عندها راحته العظمى ،

 

 

 

وهذا النحو من التنظيم الصوتي إن كانت العرب قد عمدت إلى شيء منه في أشعارها فذهبت فيها إلى حد الإسراف في الاستهواء ، ثم إلى حد الإملال في التكرير . فإنها ما كانت تعهده قط ولا كان يتهيأ لها بتلك السهولة في منثور كلامها سواء منه المرسل والمسجوع ؛ بل كان يقع لها في أجود نثرها عيوب تغض من سلاسة تركيبه ، ولا يمكن معها إجادة ترتيله إلا بإدخال شيء عليه أو حذف شيء منه .

 

 

 

 

لا عجب إذًا أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن في خيال العرب أنه شعر ؛ لأنها وجدت في توقيعه هزة لا تجد شيئًا منها إلا في الشعر .

 

 

 

ولا عجب أن ترجع إلى أنفسها ، فتقول : ما هو بشعر ؛ لأنه - كما قال الوليد - ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في قصيده . ثم لا عجب أن تجعل مرد هذه الحيرة أخيرًا إلى أنه ضرب من السحر ؛ لأنه جمع بين طرفي الإطلاق والتقييد في حد وسط ، فكان له من النثر جلاله وروعته ، ومن الشعر جماله ومتعته .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2 – الجمـال التنـسيقي في رصف حروفه وتأليفها من مجموعات مؤتلفة مختلفة :

فإذا ما اقتربت بأذنك قليلًا قليلًا ، فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة ، فاجأتك منه لذة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها ؛

 

 

 

هذا ينقر وذاك يصفر، وثالث يخمس ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النفَس ، وآخر يحتبس عنده النفس . وهلم جرا ، فترى الجمال اللغوي ماثلًا أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة ([13]) لا كركرة ولا ثرثرة، ولا رخاوة ولا معاظلة ، ولا تناكر ولا تنافر .

 

 

 

 

 

وهكذا ترى كلامًا ليس بالحضري الفاتر ، ولا بالبدوي الخشن ، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها برقة الحاضرة وسلاستها ، وقدر فيها الأمر تقديرًا لا يبغي بعضهما على بعض .

 

 

 

فإذا مزيج منهما كأنما هو عصارة اللغتين وسلالتهما ، أو كأنما هو نقطة الاتصال بين القبائل ، عندها تلتقي أذواقهم ، وعليها تأتلف قلوبهم .

 

 

 

 

ومن هذه الخصوصية والتي قبلها تتألف القشرة السطحية للجمال القرآني . وليس الشأن في هذا الغلاف إلا كشأن الأصداف مما تحويه من اللآلئ النفيسة ، فإنه جلت قدرته قد أجرى سنته في نظام هذا العالم أن يغشي جلائل أسراره بأستار لا تخلو من متعة وجمال ، ليكون ذلك من عوامل حفظها وبقائها بتنافس المتنافسين فيها وحرصهم عليها .

أنظر كيف جعل باعثة الغذاء ورابطة المحبة قوامًا لبقاء الإنسان فردًا وجماعة . فكذلك لما سبقت كلمته أن يصون علينا نفائس العلوم التي أودعها هذا الكتاب الكريم قضت حكمته أن يختار لها صوانًا يحببها إلى الناس بعذوبته ، ويغريهم عليها بطلاوته ، ويكون بمنزلة " الحداء " يستحث النفوس على السير إليها . ويهون عليها وعثاء السفر في طلب كمالها .

لا جرم اصطفى لها من هذا اللسان العربي المبين ذلك القالب العذب الجميل . ومن أجل ذلك سيبقى صوت القرآن أبدًا في أفواه الناس وآذانهم ما دامت فيهم حاسة تذوق وحاسة تسمع ، وإن لم يكن لأكثرهم قلوب يفقهون بها حقيقة سره ، وينفذون بها إلى بعيد غوره { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ([14]) .

 

 

 

 

هل عرفت أن نظم القرآن الكريم يجمع إلى الجمال عزة وغرابة ؟ وهل عرفت أن هذا الجمال كان قوة إلهية حفظ بها القرآن من الفقد والضياع ؟

 

 

 

فاعرف الآن أن هذه الغرابة كانت قوة أخرى قامت بها حجة القرآن في التحدي والإعجاز ، واعتصم بها من أيدي المعارضين والمبدلين ، وأن ذلك الجمال ما كان ليكفي وحده في كف أيديهم عنه ، بل كان أجدر أن يغريهم به .

 

 

 

 

 

ذلك أن الناس - كما يقول الباقلاني ([15]) : إذا استحسنوا شيئًا اتبعوه ، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلة .

وكذلك رأينا أصحاب هذه الصناعة يتبع بعضهم بعضًا فيما يستجيدونه من الأساليب ، وربما أدرك اللاحق فيهم شأو السابق أو أربى عليه ، كما صنع ابن العميد بأسلوب الجاحظ ، وكما يصنع الكتاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض .

 

 

 

 

وما أساليب الناس على اختلاف طرائقها في النثر والشعر إلا مناهل مورودة ، ومسالك معبدة ، تؤخذ بالتعلم ، وتراض الألسنة والأقلام عليها بالمرانة ، كسائر الصناعات .

فما الذي منع الناس أن يخضعوا أسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم وهو شرع في استحسان طريقته ، وأكثرهم الطالبون لإبطال حجته ؟

 

 

 

 

ما ذاك إلا أن فيه منعة طبيعية كفت ولا تزال تكف أيديهم عنه ، ولا ريب أن أول ما تلاقيك هذه المناعة فيما صورناه لك من غريب تأليفه في نيته ، وما اتخذه في رصف حروفه وكلماته ، وجمله وآياته ،

 

 

من نظام له سمت وحده ، وطابع خاص به ، خرج فيه عن هيئة كل نظم تعاطاه الناس أو يتعاطونه .

 

 

فلا جرم لم يجدوا له مثالًا يحاذونه به ، ولا سبيلًا يسلكونه إلى تذليل منهجه ، وآية ذلك أن أحدًا لو حاول أن يدخل عليه شيئًا من كلام الناس السابقين منهم أو اللاحقين، من الحكماء أو البلغاء أو النبيين والمرسلين ، لأفسد بذلك مزاجه في فهم كل قارئ ولجعل نظامه يضطرب في أذن كل سامع ، وإذًا لنادى الداخل على نفسه بأنه واغلٌ دخيلٌ ، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكير خبث الحديد { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ([16])  ] ([17]) .

 

 

 

 

 

وهذا هو الإمام عبد القاهر الجرجاني رحمه الله ، المتوفى : 471 للهجرة ، يتحدّث عن أجراس الحروف ، فقال :

 

 

 

 

[   فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرا أو يستجيد نثرا ، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللّفظ فيقول :

 

 

 

حلو رشيق ، وحسن أنيق ، وعذب سائغ ، وخلوب رائع ،

 

 

 

 

 

فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف ، وإلى ظاهر الوضع اللغويّ ،

بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده ، وفضل يقتدحه العقل من زناده ] ([18]) .

 

 

 

 

 

فاستخدام كلمات : أجراس ، إيقاع ، موسيقى . . . إلخ معروفة ومعتادة عند علماء اللغة والأدب وعند الأئمة الذين كتبوا في صفات الكلمات والحروف وعلم التجويد ، ولا علاقة لذلك بالرقص والغناء والطرب !

فلكل حرف من حروف اللغة العربية الثمانية والعشرين ، والتي تبدأ من الألف إلى الياء ، لكلّ منها صوت ووقع وتأثير مختلف على السمع :

[ صفة الحرف عند المجودين هي كيفية يوصف بها الحرف عند حصوله في المخرج ، فتوصف الحروف مثلا بالجهر أو الهمس أو الشدة وغير ذلك وعددها سبع عشرة صفة ، على القول المختار عند أهل هذا الفن .

 

تنقسم هذه الصفات السبع عشرة إلى قسمين :

قسم له ضد وهي عشر صفات :

الجهر وضده الهمس

الشدة وضدها الرخاوة والتوسط

الاستعلاء وضده الاستفال

الإطباق وضده الانفتاح

الإذلاق وضده الإصمات

صفات ليس لها ضد وهي سبع صفات :

الصفير

القلقلة

اللين

الانحراف

التكرير

التفشي

الاستطالة

الصفات المتضادَّة لا تجتمع في حرف واحد .

محتويات

1       التي لها ضد

1.1    الجهر والهمس

1.2    الشدة والتوسط والرخاوة

1.3    الاستفال والاستعلاء

1.4    الانفتاح والإطباق

1.5    الإصمات والإذلاق

2       التي ليس لها ضد

2.1    الصفير

2.2    القلقلة

2.3    اللين

2.4    الانحراف

2.5    التكرير

2.6    التفشي

2.7    الاستطالة

3       صفات الحروف . . .

الجهر والهمس

الجهر هو منع جريان النفس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد عليه في المخرج ، وهو من صفات القوة ومن الصفات التي لها ضد .

أما ضده فهو «الهمس» والهمس صفة من صفات الضعف ، ومعناه جريان النفس مع الحرف ، لضعف الاعتماد عليه في المخرج وعدد حروف الهمس عشرة وهي :

«الفاء، الحاء، الثاء، الهاء، الشين، الخاء، الصاد، السين، الكاف، التاء». وهي مجموعة في هذه الكلمات : «فحثه شخص سكت» ، وما تبقى من حروف الهجاء فهي حروف الجهر لإن الحرف إذا وصف بصفة فلا يوصف بضدها.

الشدة والتوسط والرخاوة

الرخاوة هي جريان الصوت مع الحرف لضعفه في المخرج وهي من صفات الضعف، ومن الصفات التي لها ضد، وضدها الشدة والتوسط :

الشدة: هي امتناع جريان الصوت مع الحرف لقوته في المخرج.

وحروفه ثمانية «الهمزة، والجيم، والدال، والقاف، والطاء، والباء، والكاف، والتاء»، مجموعة في كلمة «أجد قط بكت»

التوسط: هو صفة بين الشدة والرخاوة، وهو من صفات التوسط.

وعدد حروفه خمسة «اللام، النون، العين، الميم، الراء» وهي مجموعة أيضا في كلمتي «لن عمر»

بهذا تكون الحروف الباقية غير حروف الشدة والتوسط هي حروف الرخاوة.

الاستفال والاستعلاء

الاستفال هو انخفاض اللسان عن الحنك الأعلى عند النطق بالحرف، وهو من صفات الضعف، وضده الاستعلاء.

الاستعلاء: وهو ارتفاع اللسان إلى الحنك الأعلى عند النطق بالحرف، والاستعلاء من صفات القوة.

حروفه هي حروف التفخيم وعددها سبعة «الخاء، الصاد، الضاد، الغين، الطاء، القاف، الظاء» وأقوى هذه الحروف هو الظاء.

إذا لم يكن الحرف من حروف الاستعلاء فهو من حروف الاستفال.

الانفتاح والإطباق

الانفتاح هو تجافي كل من طائفتي اللسان والحنك الأعلى عن الأخرى حتى يخرج النفس من بينهما عند النطق بالحرف ، وهو من صفات الضعف . وحروفها خمسة وعشرون ، وهي ما عدا حروف الإطباق . وضده :

الإطباق : وهو تلاقي طائفتي اللسان والحنك الأعلى عند النطق بالحرف ، والإطباق من صفات القوة .

وحروفه أربعة «الصاد، الضاد، الطاء، الظاء»، وهذه الأحرف الأربعة هي أقوى حروف التفخيم، وما بقي من الحروف فهي حروف الانفتاح.

الإصمات والإذلاق

الإصمات هو منع انفراد حروفه أصولا في الكلمة الرباعية أو الخماسية لثقل النطق بها، بل لابد أن يكون في الكلمة حرف مذلق فأكثر حتى تكون عربية والإصمات صفة بين القوة والضعف وضده :

الإذلاق : وهوإخراج الحرف محكما من طرف اللسان والشفة ، والإذلاق صفة بين الضعف والقوة ، وهي خفة النطق بالحرف .

وحروف الإذلاق ستة «الفاء، الراء، الميم، النون، اللام، الباء» ، وهي مجموعة في كلمة «فر من لب» ، وما بقي من حروف فحروف الإصمات .

التي ليس لها ضد

الصفير

الصفير هو صوت زائد يشبه صوت الطائر ، ويخرج من بين الشفتين ملازما لحروفه ، ليس له ضد .

حروفه ثلاثة وهي: «الصاد، الزاي، السين»، وأقوى هذه الحروف حرف الصاد لما فيه من استعلاء وإطباق .

سميت حروف الصفير لأنك تسمع لها عند النطق صوتا يشبه صوت بعض الطيور.

الصاد يشبه صوت الأوز.

الزاي يشبه صوت النحل.

السين يشبه صوت الجراد.

القلقلة

القلقلة هي اضطراب في المخرج عند النطق بأي حرف من حروف القلقلة الخمسة عند سكونه حتى تسمع له نبرة قوية .

حروف القلقلة هي «القاف، الطاء، الباء، الجيم، الدال» وهي مجموعة في كلمتي «قطب جد».

السبب في حدوث الاضطراب والقلقلة شدة حروفها لما فيها من الجهر والشدة .

للقلقلة مراتب أعلاها في الطاء وأوسطها في الجيم وأدناها في باقي حروف القلقلة

والقلقلة صفة لازمة لهذه الأحرف إذا سكنت ، سواء كان ذلك في وسط الكلمة أو في آخرها ، ويجب بيانها في الوقف أكثر من الوصل خاصة إذا كان الحرف الواقع في القلقلة مشددا مثل قوله تعالى : ((الحق))، قال ابن الجزري:

وبينن مقلقلا إن سكتا           وإن يكن في الوقف كان أبينا

اللين

اللين هو إخراج الحروف في سهولة وعدم كلفة .

حروفه اثنان «الواو، الياء» الساكنتان المفتوح ما قبلهما مثل ((خوف)) لاحظ الواو الساكنة والخاء المفتوحة.

الانحراف

وهو ميل الحرف عن مخرجة .

حروفه اثنان «اللام، الراء» فالانحراف صفة ملازمة لهما لانحرافهما عن مخرجهما حتى يتصلا بمخرج غير مخرجهما ، فاللام مخرجها ما بين حافتي اللسان فتنحرف إلى طرف اللسان، والراء مخرجها طرف اللسان فتنحرف إلى ظهر اللسان.

التكرير

التكرير هو ارتعاد رأس اللسان عند النطق بحرف الراء فقط، فالتكرير صفة للراء خاصة، وهذه الصفة تعرف لتخفى وتجتنب.

وليس معنى إخفاء التكرير إعدامه كليا ؛ لأن إعدامه كليا يسبب حبسا للصوت يترتب عليه أن تكون الراء شبيهه بالطاء وهو خطأ، وإنما تعطى شيئا بسيطا حتى لا تختفي صفة الراء .

قال ابن الجزري :

وأخف تكريرا إذا تشددا

ليس معنى إخفاء التكرير إعدامه كليا ؛ لأن إعدامه كليا يسبب حبسا للصوت يترتب عليه أن تكون الراء شبيهه بالطاء وهو خطأ .

صفة الخفاء هي صفة لحروف المد الثلاثة إضافة للهاء .

التفشي

التفشي هو انتشار الهواء عند النطق بحرف الشين.

الاستطالة

هي امتداد الصوت من أول إحدى حافتي اللسان إلى آخره ، وهي صفة لحرف الضاد فقط  ] [19] .

نحن نعلم أننا طوّلنا في النقل وما كنّا نودّ أن نفعل ذلك ، ولكن نقلنا تلك الفقرات الطويلة من أجل أنّ بعض الشيوخ قد تدّخلوا في هذا الموضوع – وهو ليس من إختصاصهم لا من قريب ولا من بعيد – وأساءوا الكلام فيه !

إن هذا الباب هو علم عظيم له مصطلحاته الخاصة المعتادة المعروفة ، يتداولها العلماء والأدباء وأهل الإختصاص ، وهو علم يختص بصفات حروف وكلمات اللغة العربية ، ومدى اختلاف تأثيرها على السامع ، وكيف أن كلّ حرف لها شخصيتها الخاصة بها من حيث مخرجها من فم الإنسان ووقعها وتأثيرها وصوتها ، وحدها أو مع أخواتها في كلمة أو جملة كلمات ! !   

ولهذا أحزننا كثيراً كلمات نطق بها الشيخ الألباني رحمه الله – إضافة إلى الشيخ ربيع المدخلي – في هذا الموضوع وطعن فيها وجرح الشهيد سيّد قطب رحمه الله حيث قال :

[  السؤال الثاني - وهو في نفس الكتاب - وذلك في بداية سورة ( النبأ ) ، أو بالأصح : مقدمة سورة ( النبأ ) ، قال عن القرآن ، وكلمة في القرآن ، أنه " تموجات موسيقية " ؟ ؟ فقال الشيخ الألباني- رحمه الله - : نفس الجواب ( أي سيد قطب هو أديب وليس بعالم )  .

فقال السائل : هذا يقودنا يا شيخ إلى بعض التساؤل : نرى في كثير من كتابات بعض الكتّـاب ، أو مـن المنتسبين للعلـم . فقال الألباني - رحمه الله - : عفواً قبل أن تكمل ، ماذا فهمتَ أنت من قوله : تموجات ؟ ؟ هل هو يعني الكلام الصادر من رب العالمين ، أم هو من جبريل عليه السلام ، أم من نبينا الكريم ؟ ؟ ما تفهم لا هذا ولا هذا ولا هذا ! ! . . ولذلك أنا أقول : كلام خطابي شعري ، لا يُنبي عن رأي الكاتب وماذا يعنيه ، هكذا الحقيقة أكثر الكتّاب عندما يكتبون ، يكتبون عبارات إنشائية خطابية ، لا تعطي حقائق كونية واقعية . .

. . .

فقال الشيخ الألباني - رحمه الله - : رأينا أنه رجل غير عالم وانتهى الأمر ! ! ماذا تريد - يعني- أكثر من هذا ؟ ! ! . . .

 الرجل كاتب ، ومتحمّس للإسلام الذي يفهمه ، لكن الرجل أولاً ليس بعالم ، . . .

 لكن يعني أنه ليس فقيهاً ، وليس عالماً ، وأنه لا يستطيع أن يُعبّر عن المعاني الشرعية التي جاءت في الكتاب وفي السنة ، لأنه لم يكن عالماً .

فقال السائل : ألا ترى – ياشيخ - مع هذا التأثر وهذه الأمور التي كتبها ، أن يُرد عليه ؟ فقال الألباني - رحمه الله - : نعم يُرد عليه ، ولكن بهدوء وليس بحماس ؛ يُرد عليه ، وهذا واجب . . ليس الرد على المخطيء محصوراً بشخص أو أشخاص ؛ كل من أخطأ في توجيه الإسلام بمفاهيم مبتدَعة ، وحديثة ولا أصول لها في الكتاب ولا فـي السـنة ، ولا فـي سلفنا الصالح ، والأئمة الأربعة المتبَعين ؛ فهذا ينبغي أن يُرد عليه ] [20] ..

1 – الشهيد لم يقل ( تموجات ) موسيقية ، فهو بهتان وغير صحيح ، ولا أقول غير ذلك !

بل قال رحمه الله : ( إيقاع ) موسيقي وصفاً لبعض الكلمات الهادرة الواقعة على رؤوس الكافرين ، فلكل حرف وكلمة إيقاع صوتي خاص – كما ذكرنا مراراً وتكراراً حتى مللنا لكي يفهم مَن لا يفهم – مقصود لهز السادر وتنبيه الغافل وإيقاظ النائم !

ونحن سننقل بعض ما قاله الشهيد في مقدمة جزء عمّ حتى تتضح المسألة بجلاء ،  قال رحمه الله :

[ هذا الجزء كله ومنه هذه السورة ذو طابع غالب . . سورة مكية فيما عدا سورتي البينة والنصر وكلها من قصار السور على تفاوت في القصر. والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحده على وجه التقريب في موضعها واتجاهها، وإيقاعها، وصورها وظلالها ، وأسلوبها العام .

إنها طرقات متوالية على الحس. طرقات عنيفة قوية عالية. وصيحات . صيحات بِنوّم غارقين في النوم ! نومهم ثقيل ! أو بسكارى مخمورين ثقل حسهم الخُمار ! أو بلاهين في سامر راقصين في ضجة وتصدية ومكاء !

تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات المنبثقة من سور هذا الجزء كله بإيقاع واحد ونذير واحد: اصحوا. استيقظوا. انظروا. تلفتوا. تفكروا. تدبروا.. إن هنالك إلهاً. وإن هنالك تدبيراً. وإن هنالك تقديراً. وإن هنالك ابتلاء. وإن هنالك تبعة. وإن هنالك حساباً. وإن هنالك جزاء. وإن هنالك عذاباً شديداً. ونعيماً كبيراً.. اصحوا. استيقظوا. انظروا. تلفتوا. تفكروا. تدبروا . .

وهكذا مرة أخرى. وثالثة ورابعة. وخامسة.. وعاشرة.. ومع الطرقات والصيحات يد قوية تهز النائمين المخمورين السادرين هزاً عنيفاً.. وهم كأنما يفتحون أعينهم وينظرون في خمار مرة، ثم يعودون لما كانوا فيه ! فتعود اليد القوية تهزهم هزاً عنيفاً ؛ ويعود الصوت العالي يصيح بهم من جديد ؛ وتعود الطرقات العنيفة على الأسماع والقلوب . . وأحياناً يتيقظ النوام ليقولوا: في إصرار وعناد: لا.. ثم يحصبون الصائح المنذر المنبه بالأحجار والبذاء.. ثم يعودون لما كانوا فيه. فيعود إلى هزهم من جديد .

هكذا خيل إلي وأنا أقرأ هذا الجزء. وأحس تركيزه على حقائق معينة قليلة العدد، عظيمة القدر ، ثقيلة الوزن . وعلى إيقاعات معينة يلمس بها أوتار القلوب . وعلى مشاهد معينة في الكون والنفس. وعلى أحداث معينة في يوم الفصل. وأرى تكرارها مع تنوعها. هذا التكرار الموحي بأمر وقصد !

وهكذا يحس القارئ وهو يقرأ : { فلينظر الإنسان إلى طعامه . . . } { فلينظر الإنسان مم خلق ؟ . . . } { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ؟ وإلى السمآء كيف رفعت ؟ وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ؟ } وهو يقرأ : { أأنتم أشد خلقاً أم السمآء بناها ؟ رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . والأرض بعد ذلك دحاها . أخرج منها مآءها ومرعاها . والجبال أرساها . متاعاً لكم ولأنعامكم } { ألم نجعل الأرض مهاداً ؟ والجبال أوتاداً ؟ وخلقناكم أزواجاً ؟ وجعلنا نومكم سباتاً ؟ وجعلنا الليل لباساً ؟ وجعلنا النهار معاشا ؟ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً ؟ وجعلنا سراجاً وهاجاً ؟ وأنزلنا من المعصرات مآءً ثجاجاً ؟ لنخرج به حباً ونباتا وجنات ألفافاً ؟ } . . . { فلينظر الإنسان إلى طعامه . أنا صببنا المآء صباً . ثم شققنا الأرض شقاً . فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً ، وحدآئق غلبا ، وفاكهة وأبَّا . متاعاً لكم ولأنعامكم } وهو يقرأ {يا أيها الإنسان . ما غرك بربك الكريم ، الذي خلقك فسواك فعدلك ، في أي صورة ما شآء ركبك ؟ }

وهو يقرأ : { إذا الشمس كورت ، وإذا النجوم انكدرت ، وإذا الجبال سيرت ، وإذا العشار عطلت ، وإذا الوحوش حشرت ، وإذا البحار سجرت ، وإذا النفوس زوجت ، وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت ؟ وإذا الصحف نشرت ، وإذا السمآء كشطت ، وإذا الجحيم سعرت ، وإذا الجنة أزلفت . علمت نفس مآ أحضرت } { إذا السمآء انفطرت ، وإذا الكواكب انتثرت ، وإذا البحار فجرت ، وإذا القبور بعثرت . علمت نفس ما قدمت وأخرت } { إذا السمآء انشقت . وأذنت لربها وحقت . وإذا الأرض مدت ، وألقت ما فيها وتخلت ، وأذنت لربها وحقت . . . } { إذا زلزلت الأرض زلزالها ، وأخرجت الأرض أثقالها ، وقال الإنسان ما لها . . يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها } هو يقرأ اللمحات والسبحات الكونية في مفاتح عدد من السور وفي ثناياها : { فلا أقسم بالخنس . الجوار الكنس . والليل إذا عسعس . والصبح إذا تنفس } { فلا أقسم بالشفق ، والليل وما وسق . والقمر إذا اتسق } { والفجر . وليال عشر . والشفع والوتر . والليل إذا يسر } {والشمس وضحاها . والقمر إذا تلاها . والنهار إذا جلاها . والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها . والأرض وما طحاها . ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها } { والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى . وما خلق الذكر والأنثى } { والضحى . والليل إذا سجى } الخ . . الخ . .

وفي الجزء كله تركيز على النشأة الأولى للإنسان والأحياء الأخرى في هذه الأرض من نبات وحيوان . وعلى مشاهد هذا الكون وآياته في كتابه المفتوح . وعلى مشاهد القيامة العنيفة الطامة الصاخة القارعة الغاشية. ومشاهد الحساب والجزاء من نعيم وعذاب في صور تقرع وتذهل وتزلزل كمشاهد القيامة الكونية في ضخامتها وهولها.. واتخاذها جميعاً دلائل على الخلق والتدبير والنشأة الأخرى وموازينها الحاسمة . مع التقريع بها والتخويف والتحذير . . وأحياناً تصاحبها صور من مصارع الغابرين من المكذبين . والأمثلة على هذا هي الجزء كله . ولكنا نشير إلى بعض النماذج في هذا التقديم :

هذه السورة سورة النبأ كلها نموذج كامل لهذا التركيز على هذه الحقائق والمشاهد. ومثلها سورة النازعات وسورة عبس تحتوي مقدمتها إشارة إلى حادث معين من حوادث الدعوة . . وبقيتها كلها حديث عن نشأة الحياة الإنسانية والحياة النباتية ثم عن الصاخة : {يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه ، وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . وجوه يومئذ مسفرة . ضاحكة مستبشرة ، ووجوه يومئذ عليها غبرة ، ترهقها قترة} وسورة التكوير وهي تصور مشاهد الانقلاب الكوني الهائلة في ذلك اليوم ، مع عرض مشاهد كونية موحية في صدد القسم على حقيقة الوحي وصدق الرسول .

وسورة الانفطار كذلك في عرض مشاهد الانقلاب مع مشاهد النعيم والعذاب ، وهز الضمير البشري أمام هذه وتلك : { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم . . . الخ } وسورة الانشقاق وهي تعرض مشاهد الانقلاب الكوني ومشاهد النعيم والعذاب . . وسورة البروج وهي تلقي إيقاعات سريعة حول مشاهد الكون ومشاهد اليوم بصدد إشارة إلى تعذيب الكفار لجماعة من المؤمنين في الدنيا بالنار . وعذاب الله لأولئك الكفار في الآخرة بالنار . وهو أشد وأنكى . .

وسورة الطارق . . وهي تعرض مشاهد كونية مع نشأة الإنسان ونشأة النبات للقسم بالجميع : { إنه لقول فصل ، وما هو بالهزل } وسورة الأعلى وتتحدث عن الخلق والتسوية والتقدير والهداية ، وإخراج المرعى وأطواره تمهيداً للحديث عن الذكر والآخرة والحساب والجزاء . . وسورة الغاشية . . وهي تصوير لمشاهد النعيم والعذاب . ثم توجيه إلى خلق الإبل والسماء والأرض والجبال . . وهكذا . . وهكذا . . إلى نهاية الجزء باستثناء سور قليلة تتحدث عن حقائق العقيدة ومنهج الإيمان . كسورة الإخلاص . وسورة الكافرون . وسورة الماعون . وسورة العصر . وسورة القدر . وسورة النصر . أو تسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواسيه وتوجهه إلى الاستعاذة بربه من كل شر ، كسور الضحى . والانشراح . والكوثر . والفلق . والناس . . وهي سور قليلة على كل حال . .

وهناك ظاهرة أخرى في الأداء التعبيري لهذا الجزء. هناك أناقة واضحة في التعبير، مع اللمسات المقصودة لمواطن الجمال في الوجود والنفوس، وافتنان مبدع في الصور والظلال والإيقاع الموسيقي والقوافي والفواصل ، تتناسق كلها مع طبيعته في خطاب الغافلين النائمين السادرين، لإيقاظهم واجتذاب حسهم وحواسهم بشتى الألوان وشتى الإيقاعات وشتى المؤثرات . . يتجلى هذا كله بصورة واضحة في مثل تعبيره اللطيف عن النجوم التي تخنس وتتوارى كالظباء في كناسها وتبرز ، وعن الليل وكأنه حي يعس في الظلال ، والصبح وكأنه حي يتنفس بالنور : { فلا أقسم بالخنس . الجوار الكنس ؛ والليل إذا عسعس . والصبح إذا تنفس } وفي عرضه لمشاهد الغروب والليل والقمر : { فلا أقسم بالشفق ، والليل وما وسق ، والقمر إذا اتسق } أو لمشاهد الفجر والليل وهو يتمشى ويسري : { والفجر . وليال عشر . والشفع والوتر . والليل إذا يسر } { والضحى . والليل إذا سجى } وفي خطابه الموحي للقلب البشري : { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ؟ الذي خلقك فسواك فعدلك . . } وفي وصف الجنة : { وجوه يومئذ ناعمة ، لسعيها راضية ، في جنة عالية ، لا تسمع فيها لاغية . . } ووصف النار : { وأما من خفت موازينه فأمه هاوية . وما أدراك ماهيه ؟ نار حامية ! } والأناقة في التعبير واضحة وضوح القصد في اللمسات الجمالية لمشاهد الكون وخوالج النفس.

والعدول أحياناً عن اللفظ المباشر إلى الكناية ، وعن اللفظ القريب إلى الاشتقاق البعيد ، لتحقيق التنغيم المقصود ، مما يؤكد هذه اللفتة خلال الجزء كله على وجه التقريب.. ] [21] .

فهل هناك أروع من هذه الكلمات المشرقة المبدعة التي تهز القلوب الحيّة هزّاً ؟ !

كلمات راقية سامية رفيعة تهزّ الكيان البشري كلّه ، وتسكب في قلبه وروحه الإيمـان والتقوى والرفعـة ، وتقرّبه وتجعله في الأجواء التي يريدها القرآن الكريم للإنسان !

وماذا نفعل لأناس لا تعجبهم هذه الإشراقات ؟ !

2-إننا نشعر ونحس من خلال أسئلة المتسائلين للشيوخ ؛ كالذين يسألون الشيخ ابن باز أو الشيخ ابن عثيمين أو الشيخ الألباني رحمهم الله وأمثالهم ، نشعر أن السائلين يريدون استنطاق الشيوخ بما هم يريدون !

بحيث يصوغون الأسئلة بهيئة وصفة يجعلون الشيخ يجيبهم بما يريدون هم ، والشيوخ - غفر الله لهم - لا يتثبّتون ولا يتوقّفون ، بل يجيبون رأساً ولو كانوا غير متأكدين من تلك التُّهَم التي يتضمنها السؤال ! !

ونقول أخيراً : إن القرآن الكريم هو أرقى أسلوب قاطبة من كل النواحي ولاسيما الناحية الأدبية ، بحيث أخرس بعض الشعراء الذين سمعوه لأول مرة ، وجفّفت ينابيع شعرهم قوة أسلوبه وبيانه ، ولقد تحدّى الله تعالى الجنّ والإنس أن يأتوا بسورة من مثله ففشلوا أجمعون .

والشهيد سيّد قطب رحمه الله فسّر هذا القرآن واقترب منه بقريب من أسلوبه الأدبي الرفيع من غير اخلال بمعانيه العظيمة !

فلربما فسّره المفسرون أسلوبه الأدبي الرائع في بيانه المعجر بأسلوبهم العلمي فقط بعيداً عن أسلوبه الأدبي الذي تحدّى به العرب جميعاً ، ولكن الشهيد سيّد قطب رحمه الله قد خالف أسلوبهم !

ولبيان الفرق بين الأسلوب العلمي البحت والأسلوب الأدبي ننقل هذه الفقرة :

[ أولا : الأسلوب العلمي :

 هو الأسلوب الذي يشرح الحقائق العلمية بشكل لاخفاء فيه ولا غموض ، ومن أهم مميزات هذا الأسلوب هو الوضوح والبيان الساطع وسهولة الألفاظ ، بحيث يبتعد عن المجاز والاستعارة ، وكل الكتب العلمية الدرسية هي أبرز مثال لذلك الأسلوب .

 

 

ثانيا : الأسلوب الأدبي :

 هو استخدام الكلام الإنشائي البليغ الذي يقصد به التأثير على عواطف القراء والسامعين ، ومن مميزات هذا الأسلوب :

1- استخدام الخيال .

2- التصوير الدقيق.

3- محاولة إيجاد الفروق الدقيقة من ناحية التمثيل والتشابه وتقريبها بين الأشياء فمثلاً يرى الأسلوب العلمي الحُمّى بأنها نتيجة لجراثیم معه داخلية إلى الجسم لكن في الأسلوب الأدبي يصورها المتنبي بما يلي :

 

وزائرتي کان بها حياة                            فليس تزور إلا في الظلام

 

بذلت لها المطارف والحشايا                    فعافتها وباتت في عظامي

 

فالأسلوب الأدبي يحاول إيجاد حالة الشبه بين شيئين ، ثم يبدأ يأخذ أوصاف کلا الشيئين ويعطها للآخر وهكذا .

ويمتاز هذا الأسلوب أيضا بالوضوح وعدم الغموض ، فمثلا يرثي المتنبي أحد   الرجال بعدما حمل نعشه بالقول :

 

ما كنت أمُلث قبل نعشك أن أرى             رضوى على أيدي الرجال يسير

 

وكذلك ابن المعتز عندما قال وهو يرثي ابن العباس :

 

قد ذهب الناس ومات الكمال       وصاح صرف الدهر : أين الرجال

 

هذا أبو العباس في نعشه      قوموا أنظروا كيف تسير الجبال

 

وغيرها من التشبيهات التي يستخدمها الأسلوب الأدبي بشكل بديع وجميل

 

الأسلوب الخطابي :

هو أسلوب يعتمد على أشياء ثلاث :

1- المعاني والألفاظ.

٢. الحجة والبرهان.

٣. قوة العقل.

وهذا الأسلوب تؤثر فيه عدة مؤثرات منها : ما يرتبط بالمتكلم نفسه ، وطريقته وكيفية أدائه ، وهذا الأسلوب يعتمد على التكرار ، والترادف ، والأمثال ، واختيار الكلمات المؤثرة على السامع . . .

الخلاصة :

الأسلوب العلمي : يتكفل بشرح الحقائق العلمية الدقيقة بأسلوب واضح وجلي . الأسلوب الأدبي : يعتمد على الكلام البليغ ويستخدم الأدوات التي تحرك مشاعر وأحاسيس الجماهير .

يراعى في الأسلوب الخطابي الحديث المؤثر في السامع ويعتمد على التمثيل  والحجة والبرهان ] [22] .



([1])  نظرية التصوير الفني عند سيد قطب – صلاح عبدالفتاح الخالدي – دار المنارة . ص 105 .

([2])  لسان العرب لابن منظور : 8 / 406 .

([3])  المصدر السابق : 8 / 408 .

([4])  النقد الأدبي لسيد قطب : 37 .

([5])  المرجع السابق : 71 .

([6])  اللغة الشاعرة للعقاد : 137 – 138 .

([7])  الأصول الفنية للأدب : 37 .

([8])  المرجع السابق : 39 .

([9])  المرجع السابق : 40 .

([10])  المرجع السابق .

([11])  نظرية التصوير الفني . ص 107 – 109 .

([12])  هل أنت بحاجة إلى معرفة مسميات هذه الألقاب ؟ الحرف المتحرك يتلوه حرف ساكن يقال لهما : "سبب خفيف " . والحرفان المتحركان يتلوهما ساكن " وتد مجموع " والحرفان المتحركان لا يتلوهما ساكن " سبب ثقيل " والحرفان المتحركان يتوسطهما ساكن " وتد مفروق " وثلاثة أحرف متحركة يعقبها ساكن " فاصل صغير " وأربعة أحرف متحركة يعقبها ساكن " فاصل كبير ". ( الدراز ) .

 

([13])  من وقف على صفات الحروف ومخارجها ازداد بهذا المعنى علمًا . وإن شئت فارجع إلى ما كتبه الأديب الرافعي عن هذه الناحية في كتابه الموسوم " إعجاز القرآن " فقد أطال نفسه فيها وأجاد . ( الدراز ) .

([14])  سورة الحجر : الآية 9 .

([15])  في كتابه " إعجاز القرآن " . ( الدراز ) .

 

([16])  سورة فصلت : الآية 41 – 42 .

([17])  النبأ العظيم . ص : 133 – 137 .

([18])  أسرار البلاغة فى علم البيان . ص : 15 .

 

[19]  صفة حرف ( العربية ) – موقع ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة .

[20]  كلمة حق وإنصاف في سيد قطب – طريق الإسلام ! !

[21]  في ظلال القرآن ( 6 / 3800 – 3802 ) .

[22]  دروس في علوم القرآن – السيد نذير الحسني . ص 249 – 252 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق