السبت، 5 سبتمبر 2026

أين الله ؟ تفكيك حديث الجارية .

 


أين الله ؟

تفكيك حديث الجارية .
دراسة نقدية تفصيلية في بُطلان الاستدلال به على المكان الحسيِّ لله تعالى ، وتبيان خطورة عقيدة التجسيم .
بقلم : جمال الدين حمي
من أكثر الأحاديث التي يتمسك بها الوهّابية في إثبات تصوّرهم في جعل السماء مكانًا حسيًا لله تعالى ، هو حديث الجارية ، ولا سيما رواية معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم ، وفيها أن النبي ﷺ سأل الجارية : ( أَيْنَ اللهُ ؟ ) ، فأجابت : ( فِي السَّمَاءِ ) ، فقال ﷺ لصاحبها : ( أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ) ، ومن هنا أقاموا استدلالًا مركبًا على مقدمتين ، الأولى أن جواب الجارية كان دليلًا على صحة إيمانها وعقيدتها ، والثانية أن جوابها يثبت أن الله تعالى بذاته في جهة السماء !
ثم تطور الأمر عند الوهّابية الذين يميلون إلى التجسيم ، حتى أصبح هذا التصور المكاني امتحانًا لعقائد المسلمين ، فمن قال : ( الله في السماء ) عُد عندهم موحدًا سنيًا وعقيدته سليمة ، ومن توقف في العبارة أو رفض حملها على المكان الحسي لله تعالى ، اتُّهم في عقيدته ، وهذه الطريقة في الاستدلال خاطئة جملةً وتفصيلًا وتحتاج إلى تفكيك جذري ، لأن الحديث نفسه لا يقول شيئًا من هذه السلسلة الطويلة من النتائج التي أضيفت إليه ، ولأن روايات قصة الجارية نفسها متعددة الألفاظ ، ومنهج التعامل معها لا يجوز أن يقوم على انتقاء الرواية التي تخدم نتيجة عقدية مسبقة ، ثم تجاهل بقية الروايات .
وأول ما يجب تسجيله هنا أن قصة الجارية ليست رواية واحدة بلفظ واحد ، بل وردت من طرق متعددة وبألفاظ مختلفة ، وهذه الحقيقة مهمة جدًا في فهم الحديث ، ففي رواية معاوية بن الحكم السلمي التي أخرجها الإمام مسلم جاء : ( قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا ؟ قَالَ : ائْتِنِي بِهَا ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا ، فَقَالَ لَهَا : أَيْنَ اللهُ ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ ، قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ قَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، قَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ) .
وهذه الرواية صحيحة الإسناد عند مسلم ، لكن صحة الرواية شيء ، وإثبات جميع المعاني التي يريد المُستدل تحميلها عليها شيء آخر ، فليس في الرواية لفظ جسم ، ولا لفظ مكان ، ولا لفظ جهة حسية ، ولا لفظ حيّز ، ولا لفظ أن السماء تحيط بذات الله تعالى ، ولا لفظ أنه سبحانه يشغل مكانًا في السماء بذاته كما يصور هذه الوهابية ، وكل هذه اللوازم أضافها المُستدل الوهّابي من عنده .
وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه جاء : ( أَيْنَ اللهُ ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : مَنْ أَنَا ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ) .
وهذه الرواية أخرجها أبو داود وأحمد وغيرهما ، وموضع الشاهد فيها بالغ الأهمية ، لأن الجارية في هذه الرواية لم تقل : ( في السماء ) ، وإنما أشارت إلى السماء ، والفرق بين الكلام المنطوق والإشارة فرق لا يجوز إلغاؤه ، فلا يجوز أن نأخذ رواية تقول : ( فأشارت إلى السماء ) ثم نحول الإشارة إلى عبارة منطوقة ، ثم ننسب إليها كلامًا لم تنطق به ، ثم نبني على ذلك منظومة عقدية كاملة في الجهة والحيز والمكان ، وهذه الأمور من خصائص الأجسام لا تليق بالله تعالى .
كما وردت روايات أخرى في القصة تسلك مسلكًا مختلفًا ، فقد جاء في الموطأ من طريق هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار : ( أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِجَارِيَةٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، أَفَأَعْتِقُ هَذِهِ ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : أَتَشْهَدِينَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : أَتُؤْمِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَعْتِقْهَا ) .
وهذه الرواية في غاية الأهمية ، لأنها تضع نطق الشهادتين ، والاقرار بهما ، والإيمان برسالة النبي ﷺ ، والإيمان البعث بعد الموت في صميم اختبار الإيمان ، كما وردت طرق أخرى في القصة عن معمر عن الزهري وعن رجل من الأنصار فيها سؤالها عن الشهادتين والبعث ، ولذلك لا يجوز دفن هذه الروايات لمجرد أنها لا تخدم الاستدلال المكاني الذي يريد الوهابية بناءه ، فالمنهج الحديثي الصحيح هو جمع الطرق والألفاظ ودراسة سياقاتها ، لا انتقاء لفظ واحد ثم جعله أصلًا عقديًا مستقلًا .
وهنا يظهر السؤال الحقيقي : لماذا جاء الرجل بالجارية إلى النبي ﷺ أصلًا ؟ لقد قال الرجل : ( إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ) ، فجاء بها إلى رسول الله ﷺ ليحكم هل هي مؤمنة أم لا ، فالقضية إذن قضية اختبار إيمان في سياق العتق ، وليست مسابقة ثقافية في معرفة المكان أو إحداثيات الذات الإلهية ، ولم يكن الرجل يسأل النبي ﷺ عن موقع الله تعالى في الكون ، وإنما كان يريد معرفة حكم الجارية من حيث الإيمان .
والأهم أن النبي ﷺ لم يقل : ( أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ أَنَّ اللهَ فِي مَكَانٍ ) ، ولم يقل : ( أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ لِأَنَّهَا تَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ جِسْمٌ فَوْقَ الْعَالَمِ ) ، ولم يقل : ( مَنْ لَمْ يَقُلْ اللهُ فِي السَّمَاءِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ) ، وإنما قال : ( أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ) ، فلا يجوز أن نضع في كلام النبي ﷺ علة لم يذكرها ، ثم نجعلها أصلًا عامًا للحكم على عقائد المسلمين .
وهنا يجب التفريق بين صحة الحديث وبين دلالته ، فالحديث الصحيح لا يصبح نصًا في معنى لم يذكره ، ولا يجوز أن نقول : الحديث صحيح ، إذن كل اللوازم التي استنبطناها منه صحيحة ، فهذا خلط بين النص وبين تفسير النص ، وبين الدلالة وبين ما يضيفه المتأخرون إليها .
فالحديث لا يقول : الله جسم ، ولا يقول : الله في مكان ، ولا يقول : السماء تحيط بذاته ، ولا يقول : الله يشغل حيزًا من السماء ، ولا يقول : المكان شرط في صحة الإيمان ، ولا يقول : من نفى المكان عن الله فقد كفر ، وإنما هذه سلسلة من الاستنتاجات تحتاج كل واحدة منها إلى دليل مستقل ، ولا يجوز إثبات العقائد الكبرى بمجرد اللوازم التي لم ينطق بها النص .
ومن أقوى الأدلة العقلية على بطلان جعل جواب ( الله في السماء ) معيارًا للإيمان أن نسأل سؤالًا بسيطًا : لو جاء رجل لا نعرف حقيقة دينه ومعتقده ، فربما كان بوذيًا أو هندوسيًا أو نصرانيًا أو غير ذلك ونحن لا نعرف ، ونريد أن نعرف دينه وعقيدته ، فسألناه : أين الله ؟ فأشار إلى السماء وقال : الله في السماء ، فهل أصبح مسلمًا ؟ وهل تثبت له عقيدة الإسلام لمجرد أنه أعطى الإجابة التي يريدها السائل ؟ الجواب بالضرورة : لا ، لأن مجرد القول بأن الله في السماء لا يجعل الإنسان مسلمًا ، وإلا أصبح الوثني مؤمنًا بمجرد أن يحفظ هذه الجملة .
بل إن المشركين أنفسهم كانوا يعرفون الله ويقرون بوجوده وربوبيته ، قال تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) 38 الزمر ، ومع ذلك لم يكونوا مؤمنين ، وإبليس نفسه كان يعرف الله ويخاطبه ويقر بربوبيته ، فقال : ( رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) 36 الحجر ، وقال : ( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) 82 ص ، فالمعرفة شيء والإيمان شيء آخر ، والإقرار ببعض حقائق الربوبية لا يجعل الإنسان مسلمًا .
فإذا كان الجواب : الله في السماء ، هو في ذاته معيارًا للإيمان كما يريد بعض الوهابية أن يجعلوه ، فلماذا لا يكون البوذي أو الهندوسي أو النصراني مؤمنًا إذا أعطى الجواب نفسه ؟ وإذا قلتم : لا ، لأنه لا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، فقد أثبتم بأنفسكم أن هذه الإجابة ليست معيار الإسلام ولا أصل الإيمان ، وأن العبرة بالشهادتين وأصول العقيدة ، لا بسؤال أين الله .
بل إن النصارى أنفسهم يقولون في صلواتهم : أبانا الذي في السماء ، فهل أصبحوا بذلك على عقيدة التوحيد والإسلام ؟ الجواب واضح : لا ، لأن مجرد القول : الله في السماء لا يصحح عقيدة ولا يجعل صاحبها مسلمًا .
إذن سقطت دعوى جعل سؤال : أين الله ؟ امتحانًا مستقلًا للإيمان ، لأن السؤال لا يميز المسلم من الكافر بمجرده ، ولا يثبت التوحيد بمجرده ، ولا يكشف حقيقة عقيدة صاحبه بمجرده ، فقد يقولها مسلم ، وقد يقولها كافر ، وقد يقولها إنسان تقليدًا أو مجاراة أو من غير أن يفهم منها أصلًا ما يريد المستدل إثباته .
والإسلام لم يجعل الدخول فيه امتحانًا جغرافيًا عن مكان الله ، وإنما جعل مفتاحه الشهادتين والإيمان بالله ورسوله وسائر أصول الإيمان ، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن : ( فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ) فلم يقل له : ابدأ بسؤالهم أين الله ، فإن قالوا : في السماء فادعهم إلى الإسلام .
وهنا تظهر المفارقة بوضوح : إذا كان سؤال : أين الله ؟ لا يجعل الكافر مسلمًا ، ولا يغني عن الشهادتين ، ولا يثبت وحده التوحيد ، فكيف يتحول فجأة إلى امتحان عقدي للمسلمين ، ومن لم يعط الإجابة المطلوبة اتُّهم في توحيده وعقيدته ؟
هذه ليست طريقة النبي ﷺ في تعليم الناس الإسلام ، وإنما هي تحميل لحديث الجارية ما لا يحتمله ، ثم تحويل جواب في واقعة مخصوصة إلى قاعدة عامة لم يجعلها النبي ﷺ قاعدة عامة ، ثم جعل هذه القاعدة ميزانًا يحاكم به المسلمون .
والأصل الذي يجب أن يبقى واضحًا : الإيمان ليس تحديدًا لموقع جغرافي لله تعالى ، والتوحيد ليس إشارة إلى جهة ، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى مكان ولا تحيط به مخلوقاته ، بل هو خالق المكان والزمان والسماء والجهات ، وليس كمثله شيء .
وهذه الحجة العقلية وحدها تكشف فساد جعل ( أين الله ؟ ) امتحانًا مستقلًا للإيمان ، لأن الإنسان قد يعطي الإجابة التي يريدها السائل وهو كافر أصلًا ، وقد يقولها حفظًا أو تقليدًا أو مجاراةً أو تقيةً ، فكيف تصبح هذه العبارة وحدها معيارًا للإسلام ؟ والنصارى أنفسهم يقولون في صلواتهم عن الله تعالى : ( أبانا الذي في السماء ) ، فهل مجرد هذه العبارة دليل على صحة عقيدتهم ؟ بالطبع لا ، لأن مفتاح الإسلام هو الشهادتان والإيمان برسالة محمد ﷺ وسائر أصول الإيمان ، وليس امتحانًا جغرافيًا عن موقع الذات الإلهية .
ولو كان تحديد مكان الله تعالى هو معيار الإيمان الذي يميز المسلم من الكافر ، لكان من أعظم المسائل التي يعلمها النبي ﷺ للناس عند دخولهم الإسلام ، ولكان على كل من يريد الدخول في الإسلام أن يجتاز امتحانًا مكانيًا قبل نطق الشهادة ، وهذا لا يقول به أحد ، لأنه يخالف المعلوم من طريقة الدخول في الإسلام .
ثم إن كلمة ( أين ) في اللغة العربية لا تفيد المكان بالضرورة ، فقد تفيد المكان الحسي ، وقد تفيد المكانة المعنوية ، مثل قولنا : أين أنت من فلان ؟
أي : ما منزلتك ومكانتك ودرجتك بالنسبة إليه ؟
وأين أنت من العلم ؟
أي : ما مقدار نصيبك ومنزلتك في العلم ؟
وأين أنت من الشجاعة ؟
أي : ما حظك ومنزلتك في الشجاعة ؟ وأين أنت من الكرم ؟ أي : ما منزلتك ودرجتك في الكرم ؟
وأين أنت من الفصاحة والبلاغة ؟ أي : ما مرتبتك فيهما ؟ وأين أنت من منزلة العلماء ؟ أي : ما مقدار منزلتك ورتبتك بالنسبة إليهم ؟ وأين أنت من أبي بكر وعمر في الفضل ؟
أي : ما درجتك ومكانتك بالنسبة إليهما ؟
وأين أنت من فلان في العلم ؟ أي : كيف تقارن منزلتك العلمية بمنزلته ؟
أين هو من فلان ؟
ولا يُراد بالضرورة : أين يوجد مكانيًا ؟ بل قد يراد : ما مرتبته ومنزلته بالنسبة إليه ؟ وأين الثرى من الثريا ؟ وهو من أشهر الأمثال العربية ، ولا يُراد به مجرد تحديد المكان ، وإنما بيان شدة التفاوت في المنزلة والقدر والفضل .
ومن هنا يظهر فساد إسقاط النصوص التي وردت في سياقات خاصة على عامة المسلمين ، فالنبي ﷺ لم يجعل سؤال ( أين الله ؟ ) امتحانًا عامًا للمسلمين ، ولم يكن يوقف الصحابة في الطرقات ويسألهم أين الله امتحانًا لعقيدتهم ، ولم يجعل هذه العبارة بطاقة عبور في الإسلام ، وإنما ورد السؤال في قصة مخصوصة تتعلق بجارية أراد صاحبها معرفة حكمها .
فالنبي ﷺ لم يسأل مسلمًا مستقر الإسلام في المدينة ليكتشف هل هو مؤمن أم لا ، ولم يكن يجوب الشوارع ويجري اختبارات لصحة عقيدة صحابته بالقول ( أين الله ) وإنما سأل جارية جاءت في سياق مخصوص ليحكم عليها في قضية العتق ، وهذا فرق جوهري ، وتحويل حادثة خاصة إلى امتحان دائم للمسلمين ليس من هدي النبي ﷺ .
والأعجب أن بعض المتأثرين بالوهابية في سوريا ، صاروا يتجولون بين المسلمين في الشوارع ويجرون ما يشبه التحقيقات العقدية ، فيوقفون المسلم ويسألونه : أين الله ؟ ثم يجعلون الإجابة اختبارًا لتوحيده ، ويُذكر عن بعض هذه الممارسات أنهم يضعون المال في ظروف ويقدمونه لمن يعطي الإجابة المطلوبة ، وكأن التوحيد أصبح مسابقة شعبية ، وكأن المسلم الذي عاش عمره يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يحتاج إلى موظف في الشارع ليتحقق من إيمانه وعقيدته بسؤال : أين الله ؟ .
وهذا عبث بمفهوم الإيمان ، لا علاقة له بمنهج الدعوة النبوية ، وهي حلقة ضمن سلسلة لا نهائية للبدع التي أحدثها في الدين أصحاب المنهج السلفي الوهابي ، فالمسلم الذي يشهد الشهادتين ويؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر ، لا يصبح متهمًا في إسلامه لأن شخصًا في الشارع قرر أن يمتحنه بسؤال لم يجعل النبي ﷺ منه امتحانًا عامًا ، ولا يجوز أن تتحول الأموال إلى وسيلة لتلقين الناس تصورًا حسيًا عن الله تعالى .
وهنا يجب أن تكون المواجهة صريحة : التوحيد ليس أن تجعل الخالق جسمًا فوقك ، وليس أن تحول السماء إلى مسكن لله ، وليس أن توزع المال لمن يحفظ عبارة ( الله في السماء ) ، وليس أن تمتحن المسلمين في الشوارع ، وليس أن تجعل من لم يردد شعارك متهمًا في إسلامه ، وإنما التوحيد هو إفراد الله بالعبادة والإيمان به كما يليق بجلاله وتنزيهه عن مشابهة خلقه .
والله تعالى منزه عن أن يكون جسمًا أو أن يحتاج إلى مكان أو يحيط به حيز ، قال تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) 11 الشورى ، وقال تعالى : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) 4 الإخلاص ، وقال تعالى : ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) 103 الأنعام ، فالله سبحانه خالق المكان والزمان والسماء والجهات ، ولا يكون سبحانه محتاجًا إلى شيء من خلقه .
وهنا نقولها بوضوح وحسم : إثبات علو الله تعالى شيء ، وإثبات المكان الحسي له شيء آخر ، وإثبات الصفات الإلهية شيء ، وتحويلها إلى خصائص جسمية شيء آخر ، فمن يجعل الله تعالى جسمًا تحيط به الجهات أو يحويه مكان فقد وقع في التجسيم ، ولو قال بعد ذلك : بلا كيف ، لأن عبارة ( بلا كيف ) لا تمحو أصل المعنى ولا تجعل المكان غير مكان .
والوهابية لا يقولون صراحة في خطابهم العام : الله جسم ، بل يقولون : لا نثبت ولا ننفي لفظ الجسم ، ثم يثبتون لله تعالى من اللوازم ما هو من خصائص الأجسام ، كالجهة والتحيز والحد والاستقرار ، ثم إذا أُلزموا بما تقتضيه هذه اللوازم قالوا : بلا كيف ، وهنا يقع الإشكال الحقيقي ، لأن محل النزاع ليس معرفة كيفية ما يثبتونه ، وإنما أصل المعنى الذي يثبتونه ولوازمه .
فأهل التنزيه لا يقولون : لا نعرف كيف يكون الله جسمًا ، ولا يقولون : له جهة ومكان ولكننا لا نعرف كيفيتهما ، وإنما يقولون أصلًا إن الله تعالى منزه عن الجسمية والحد والحيز والمكان والجهة التي هي من خصائص المخلوقات ، لأن الله تعالى كان ولا مكان ، وهو خالق المكان والجهات ، فلا يجوز أن يجعل شيء من مخلوقاته ظرفًا لذاته سبحانه وتعالى .
ولهذا فقولهم : ( بلا كيف ) لا يحل الإشكال إذا كان المعنى المثبت عندكم يستلزم خصائص الأجسام ، لأن نفي الكيفية لا ينفي أصل المعنى ، ولا يجعل الحيز غير حيز ، ولا يجعل المكان غير مكان ، ولا يجعل خصائص الأجسام صفات إلهية لمجرد الامتناع عن وصف كيفيتها .
ومن أقوى ما قرره أهل التنزيه عن الله تعالى : ( مهما تصورته ببالك ، فالله بخلاف ذلك ) ، لأن كل صورة جسمانية يتصورها الإنسان على هيئة أو حد أو جهة حسية ، هي صورة مخلوقة في الذهن ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، فلا يجوز أن نجعل الصور الذهنية التي ألفها الإنسان معيارًا لذات الخالق .
ولهذا فهذه العبارة ليست تعطيلًا ، وإنما هي تطبيق لأصل قوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) 11 الشورى ، فكل صورة جسمانية يُركّبها الذهن عن الله يجب نفيها عن الله ، لأن الصورة والحد والحيز من خصائص المخلوق ، والخالق لا يشبه المخلوق .
ومن هنا تظهر خطورة التجسيم ، فالجسم لا يكون إلا محدودًا متحيزًا ممتدًا مركبًا أو متصفًا بخصائص الأجسام ، وهذه كلها من خصائص العالم المخلوق ، والله تعالى خالق العالم وليس جزءًا منه ، ولذلك لا يجوز أن ننسب إليه خصائص الأجسام ثم نسمي ذلك توحيدًا .
وقد نقل النووي في شرحه على صحيح مسلم عن المازري كلامًا شديدًا في الرد على المجسمة ، وبيّن أن إطلاق الجسم على الله تعالى لا يصح لمجرد إضافة عبارة : ( لا كالأجسام ) ، لأن لفظ الجسم يتضمن معاني التركيب والتأليف ، وهذه المعاني لا تليق بالله تعالى .
وقد نقل عن الإمام الشافعي قوله : ( الْمُجَسِّمُ كَافِرٌ ) ، وذكر السيوطي هذا النقل في الأشباه والنظائر ، ونقل عن الإمام أحمد بن حنبل قوله : ( مَنْ قَالَ : اللهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ كَفَرَ ) ، كما نقلت أقوال في هذا الباب عن الإمام مالك والإمام أبي حنيفة ، وحكى ابن حجر الهيتمي عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم ، مع التنبيه العلمي إلى أن بعض ألفاظ هذه النقول وطرق ثبوتها محل بحث بين العلماء ، فلا يجوز اختلاق نسبة غير ثابتة إلى إمام ، لكن الثابت أن تنزيه الله عن خصائص الأجسام والحد والحيز أصل راسخ في تراث أهل السنة ، وأن إطلاق الجسمية على الله ليس لفظًا بريئًا يمكن تمريره بعبارة : ( بلا كيف ) .
وكذلك فإن مقولة : ( من شبه الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر ) تحمل أصلًا تنزيهيًا واضحًا ، لأن الله تعالى لا يقاس بخصائص المخلوقين ، فمن أثبت لله ما هو من خصائص الأجسام من الحد والحيز والتركيب والاحتياج إلى المكان فقد وقع في التشبيه ، لأن الجسم لا يكون إلا محدودًا متحيزًا في جهة من الجهات ، وهذه كلها من خصائص العالم المخلوق .
فلا يصح أن نقول : الله فوق العالم جالس على العرش كما يجلس الإنسان فوق الكرسي ، ثم نقول جلوس ليس كجلوسنا أو بلا كيف ، ولا أن نقول : هو فوقنا داخل السماء كما يوجد الإنسان داخل بيته ، ولا أن نقول : هو في جهة كما يوجد الجسم في جهة ، ثم نضيف في النهاية : ( بلا كيف ) ونظن أننا انتهينا من المشكلة ، لأن القضية ليست في كيفية الجلوس أو كيفية الدخول في المكان ، وإنما في أصل إثبات الجلوس والمكان والتحيز ، وهذا هو الفرق الجوهري بين منهج التنزيه ومنهج التجسيم .
أما إذا قيل : إن المقصود من ( في السماء ) علو الشأن والرفعة والسلطان ، أو معنى يليق بالله تعالى من غير تشبيه ولا تحيز ، فهذه مسألة أخرى ، ولا يلزم من العبارة حينئذ إثبات الجسمية والمكان ، لكن لا يجوز تحويل العبارة إلى صورة حسية عند العامة ثم اتهام أهل التنزيه بالتعطيل إذا نفوا المكان .
ولهذا فإن عبارة : ( الله في السماء ) لا ينبغي أن تكون شعارًا مطلقًا للعامة بلا بيان ، لأنها عبارة محتملة تُلبّس على العوام وتفسد لهم عقيدتهم ، فإن قصد بها معنى يليق بالله تعالى من غير تشبيه ولا تحيز فلا يلزم منها التجسيم ، أما إذا قصد بها أن الله جسم موجود داخل السماء أو محصور في جهة أو تشغله مساحة من العالم ، أو أثبت لله لوازم التجسيم ، ثم حاول التهرب منها بالقول ( بلا كيف ) فهذه عقيدة تجسيمية باطلة .
والجارية نفسها لا يجوز أن نجعل منها متكلمة في علم الكلام ، فهي لم تشرح معنى العلو ، ولم تتحدث عن الجهة ، ولم تقل إن الله جسم ، ولم تقل إن السماء تحيط به ، ولم تقل إن الله يشغل مكانًا ، وإنما جاء سؤال وجواب ثم حكم النبي ﷺ عليها بالإيمان ، أما هذه التفاصيل فقد صنعها المتأخرون من خلال استنتاجاتهم ، فلا يجوز أن ننسب إلى الجارية ما لم تقله .
وكذلك رواية الإشارة إلى السماء لا يجوز تحميلها ما لا تحتمل ، فالإشارة يمكن أن تكون تعبيرًا عن التعظيم والعلو ورفعة الشأن ، ولا يلزم منها أن تكون الجارية قد قصدت أن الله جسم يسكن السماء ، ومن الغريب أن يجعل بعض الناس حركة باليد أساسًا لعقيدة كاملة في المكان والحيز والجهة .
ومن هنا نقول : حديث الجارية لا يثبت أن الله جسم محصور في السماء ، ولا يثبت أن السماء تحوي ذاته تعالى ، ولا يجعل المكان الحسي شرطًا في الإيمان ، ولا يجعل قول : ( الله في السماء ) بطاقة تعريف للمسلم ، ولا يعطي أحدًا الحق في تكفير أهل التنزيه ، ولا يبرر تحويل المسلمين إلى متهمين في عقائدهم .
والنبي ﷺ حين بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن ، لم يأمره أن يبدأ الناس بسؤال : أين الله ؟ وإنما قال له : ( فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ) .
وهذا يكشف بوضوح ما هو مدخل الدعوة الإسلامية ، فالشهادتان أصل الإسلام ، ثم الصلاة والزكاة وسائر أصول الدين ، ولم يجعل النبي ﷺ تحديد مكان الذات الإلهية شرطًا للدخول في الإسلام .
وكذلك أسئلة القبر التي جاءت بها الأحاديث تدور حول : ( مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ ) ، وهي أسئلة تتعلق بأصول الإيمان والهوية الدينية ، ولم يرد أن السؤال المركزي هو : أين الله ؟ ، فكيف يأتي الوهابية اليوم ليجعلوا السؤال المكاني هو الامتحان المركزي للتحقيق في عقيدة المسلمين ؟
وهنا يظهر الخلل المنهجي بوضوح : يأخذون نصًا من سياقه ، ثم يوسعون دلالته ، ثم يحولون الاستنتاج إلى أصل عقدي ، ثم يجعلون الأصل العقدي معيارًا للإيمان ، ثم يحولون معيار الإيمان إلى امتحان للناس ، ثم يتهمون من لم يوافقهم بالتعطيل أو الانحراف ، وهذه سلسلة كاملة لم يأت بها حديث الجارية .
واحترام السنة لا يكون بانتقاء رواية واحدة ، وإنما بجمع طرقها وألفاظها ، واحترام العقيدة لا يكون برسم صورة حسية لله تعالى ، وإنما بتنزيهه عن مشابهة خلقه ، واحترام حديث الجارية لا يكون بإخراجه من سياقه ، وإنما بفهم سبب القصة ومقصدها .
ولهذا نقول بوضوح وحسم : لا تجعلوا حديث الجارية جسرًا إلى التجسيم ، ولا تجعلوا إشارة الجارية عقيدة لم تنطق بها ، ولا تجعلوا جوابًا محتملًا امتحانًا عامًا لإيمان المسلمين ، ولا تجعلوا المال وسيلة لتلقين العامة صورة حسية عن رب العالمين ، ولا تحولوا الشوارع إلى ساحات تحقيق عقدي ، ولا تجعلوا المسلم الذي يشهد الشهادتين متهمًا يحتاج إلى شهادة جديدة منكم حتى يثبت أنه مؤمن .
إن الله تعالى رب العالمين ، خالق المكان والزمان والسماء والجهات ، وليس جسمًا محصورًا في السماء ، ولا تحويه مخلوقاته ، ولا يحتاج إلى مكان ، ولا يجوز أن ترسم له صورة حسية في أذهان الناس ثم تسمى تلك الصورة توحيدًا ، ومن فعل ذلك فقد فتح باب التجسيم ، ومن نسب ذلك إلى الإسلام فقد أخطأ في أصل التنزيه .
وأقول للوهابية صراحة : إذا أردتم أن تجعلوا المكان الحسي أصلًا في عقيدة المسلمين ، فهاتوا نصًا صريحًا يقول إن الله جسم ، أو إن السماء تحيط به ، أو إن المكان شرط في صحة الإيمان ، أو إن من نفى المكان عن الله فقد خرج من الإسلام ، أما أن تأتوا بحديث الجارية ، ثم تنتزعوا منه عبارة ، ثم تحولوا الإشارة إلى كلام ، والكلام إلى مكان ، والمكان إلى جسم ، والجسم إلى عقيدة ، والعقيدة إلى معيار للإيمان ، ثم تطوفوا بها بين المسلمين وتعطوا المال لمن يحفظ الإجابة ، فهذا ليس تحقيقًا علميًا ، وإنما هو بناء مذهبي كامل فوق نص لم يقل ما تنسبونه إليه .
والكلمة الأخيرة التي ينبغي أن تثبت في أذهان المسلمين ، هي أن الله تعالى لا يشبه خلقه ، وأنه منزه عن الجسمية والحد والحيز والمكان والجهة الحسية ، وأن كل صورة جسمانية يتصورها الإنسان في ذهنه عن الله فالله بخلافها ، لأن الله أعظم وأجل من أن تحيط به أوهام البشر ، قال تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) 11 الشورى ، وقال تعالى : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) 4 الإخلاص .
فالله واحد لا شبيه له ولا مثيل ، خالق كل شيء ، وليس شيء من خلقه محيطًا به ، ولا مكان يحده ، ولا جهة تحصره ، ولا جسم يشبهه ، ولا مخلوق يحيط بذاته سبحانه وتعالى ، ومن شبه الله تعالى بمعنى من معاني البشر فقد خالف أصل التنزيه ، ومن جعل خصائص الأجسام جزءًا من تصوره عن الله فقد أخطأ في أصل معرفة ربه ، ومن جعل حديث الجارية ذريعة إلى ذلك فقد حمل الحديث ما لا يحتمل ، ومن جعل هذا الحمل معيارًا للإيمان فقد جعل ما لم يجعله النبي ﷺ معيارًا للإيمان معيارًا على المسلمين ، ويكون بهذا مبتدعًا أحدث في الدين ما ليس منه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق