الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

حين يُطوَّع النص القرآني للنظرية التربوية قراءة نقدية في بعض كتب التربية الإسلامية المعاصرة

 

حين يُطوَّع النص القرآني للنظرية التربوية

قراءة نقدية في بعض كتب التربية الإسلامية المعاصرة

إعداد: عبدالله بن زايد الشعشاعي
جامعة الملك خالد – كلية المعلمين في بيشة
قسم التربية وعلم النفس – أصول التربية الإسلامية


تمهيد

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، والصلاة والسلام على من أنزل عليه الكتاب فربّى أمته عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه.

يُعدّ القرآن الكريم المصدر الأول للتربية الإسلامية؛ إذ لا يمكن للتربية التي تستمد مرجعيتها من الإسلام أن تؤدي رسالتها على الوجه الصحيح إلا إذا أحسنت التعامل مع هذا المصدر، فهمًا واستنباطًا وتطبيقًا.

غير أن الاستفادة من القرآن في المجال التربوي لا تعني أن تُحمَّل الآيات كل معنى ينسجم مع نظرية تربوية معاصرة، أو أن تُفسَّر النصوص وفق المصطلحات والمفاهيم التي نشأت في بيئات معرفية أخرى.

ومن هنا تبرز أهمية السؤال عن المنهج الذي ينبغي أن يحكم تعامل الباحث التربوي مع النص القرآني.

فالمشكلة لا تكمن في توظيف القرآن في التربية، وإنما في كيفية هذا التوظيف، وضوابطه، ومدى موافقته لدلالات النص ولأصول التفسير والاستنباط.

وهذا البحث يأتي من باب النقد العلمي للذات، لا من باب رفض مشروع التربية الإسلامية أو التقليل من جهود روادها؛ فالنقد العلمي لبعض الملاحظات لا يلغي القيمة العلمية الكبيرة للمؤلفات التي تناولت التربية من منظور إسلامي.


أولًا: لماذا نحتاج إلى مراجعة طريقة التعامل مع النص القرآني؟

شهدت العقود الأخيرة توسعًا ملحوظًا في مجال تأصيل العلوم التربوية وأسلمتها، وظهرت مؤلفات كثيرة تحاول بناء التصورات التربوية على القرآن والسنة.

وقد أسهمت هذه الجهود في سد جانب مهم من الحاجة العلمية في المؤسسات التربوية والتعليمية في العالم الإسلامي، وفتحت آفاقًا جديدة أمام الباحثين في الاستفادة من المصادر الإسلامية في معالجة قضايا التربية والتعليم.

لكن هذا التطور صاحبه ظهور بعض الإشكالات؛ ومن أبرزها طريقة فهم النصوص الشرعية وتفسيرها وتنزيلها على الواقع التربوي.

ومن أهم هذه الإشكالات:

1. تطويع معاني الآيات القرآنية لتنسجم مع نظريات تربوية غربية معاصرة.

2. إسقاط بعض الآيات على واقع أو سلوك معين دون التحقق من انطباق دلالتها عليه.

3. عدم التمييز أحيانًا بين الأحاديث والآثار الصحيحة وغير الصحيحة عند بناء التفسير أو الاستدلال.

4. عدم الالتزام بصورة كافية بضوابط علماء الشريعة في الاستدلال والترجيح.

5. التعامل مع أقوال المفسرين والعلماء المختلفين في المناهج والأصول على درجة واحدة، دون مراعاة وزن القول ومصدره ومنهجه.

6. استعمال المصطلحات القرآنية والشرعية بمعانٍ مستمدة من العلوم التربوية الحديثة، دون مراعاة دلالاتها في علوم القرآن واللغة والتفسير.

وهذه الإشكالات لا تعني أن كل ما كُتب في هذا المجال يعاني منها، وإنما المقصود بعض المؤلفات وبعض التطبيقات التي تحتاج إلى مراجعة ونقد علمي.


ثانيًا: ضوابط تنزيل القرآن على الواقع

إن تنزيل الآيات القرآنية على الوقائع المعاصرة ليس أمرًا جديدًا؛ فقد عرف المسلمون هذا اللون من الاستنباط منذ عهد النبي ﷺ، ثم الصحابة والتابعين، واستمر عند المفسرين والفقهاء.

لكن هذا التنزيل ليس مفتوحًا بلا ضوابط.

ومن أهم الضوابط التي ينبغي مراعاتها:

سلامة المقصد والتجرد من الهوى والتعصب.

العلم والتأصيل الشرعي.

معرفة أسباب النزول.

مراعاة سياق الآية ومجالها.

معرفة المكي والمدني وسياقات الخطاب القرآني.

فهم الواقع المعاصر فهمًا صحيحًا.

أن يكون التنزيل مندرجًا تحت دلالة الآية وأصلها، مع الاستناد إلى فهم الصحابة ولسان العرب وقواعد التفسير.

ومن هنا فإن الباحث التربوي حين يستشهد بالقرآن لا يكفيه أن يجد تشابهًا بين مفهوم تربوي حديث ولفظ قرآني؛ بل لا بد أولًا من تحرير معنى الآية في سياقها القرآني واللغوي والتفسيري، ثم النظر بعد ذلك في إمكانية الإفادة منها تربويًا.


ثالثًا: أهم أسباب الخطأ في التعامل مع النص القرآني

يمكن تلخيص أبرز الأسباب التي تؤدي إلى وقوع بعض الأخطاء في تفسير النصوص الشرعية عند بعض الباحثين التربويين في النقاط الآتية:

1 ـ عدم التخصص

قد يتخصص الباحث في التربية وعلم النفس، ثم يتناول النصوص القرآنية والحديثية باستقلال عن المتخصصين في علوم الشريعة والتفسير.

وهنا تظهر الحاجة إلى التكامل بين التخصصات.

2 ـ ضعف المراجعة والنقد

بعض المؤلفات تحتاج إلى مراجعة علمية أوسع، وإلى تقبل النقد من أصحاب التخصصات الأخرى.

3 ـ التعجل في التأليف

قد يؤدي اتساع الطلب على المؤلفات التربوية الإسلامية إلى سرعة في الإنتاج على حساب المراجعة والتدقيق.

4 ـ اختلاف المرجعيات الفكرية

تعدد التيارات والمدارس الفكرية في المجال التربوي قد يؤدي إلى اختلاف مصادر المعرفة والمناهج التي تُقرأ من خلالها النصوص الشرعية.

5 ـ مشكلة المصطلحات

من أخطر الإشكالات أن يكون للمصطلح معنى في علم من العلوم، ثم يُنقل إلى علم آخر بمعنى مختلف.

ولهذا فإن تحرير المصطلحات قبل بناء الأحكام عليها أمر بالغ الأهمية.


رابعًا: نموذج تطبيقي

كتاب «فلسفة التربية الإسلامية» للدكتور ماجد عرسان الكيلاني

اختير هذا الكتاب نموذجًا للدراسة لعدة أسباب؛ من أبرزها شهرته الواسعة في مجال التربية الإسلامية، وانتشاره بين طلاب الدراسات العليا وكليات التربية، وما أثاره من نقاش علمي، فضلًا عن مكانة مؤلفه العلمية وأثره في مسيرة التربية الإسلامية المعاصرة.

والباحث هنا لا ينكر القيمة العلمية الكبيرة للكتاب، ولا ما يتضمنه من جهود متميزة في نقد الفلسفات التربوية الغربية وبناء رؤية تربوية إسلامية.

بل إن اختيار هذا النموذج يأتي من باب النقد الداخلي، أي مراجعة بعض التطبيقات والمفاهيم التي تتصل بطريقة التعامل مع النص القرآني.


الملاحظة الأولى: معنى «اليتيم»

عند تفسير قوله تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ۝ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾
[الماعون: 1-2]

يستشهد المؤلف بالآية في بيان عدم انفصال العبادة عن المسؤولية الاجتماعية، وهذا المعنى في أصله مهم.

لكن الإشكال الذي يراه الباحث يتعلق بتوسيع معنى «اليتيم» في الآية ليشمل كل من فقد النصرة والإنصاف، ثم إسقاط ذلك على الجماهير المستضعفة.

والاستشهاد بقول ابن عباس رضي الله عنهما في انقضاء اليُتم لا يلزم منه أن لفظ «اليتيم» في الآية يشمل كل ضعيف أو مستضعف، فضلًا عن تعميمه على الأمم والشعوب.

ومن هنا ينبغي التفريق بين:

تفسير الآية وبيان مدلولها الأصلي،
وبين
الاستفادة من معناها العام في معالجة قضية اجتماعية معاصرة.

فإذا كانت هناك آيات أخرى صريحة في تحريم الظلم والاستضعاف وأكل حقوق الناس، فالأولى الاستدلال بها على تلك القضية بدل تحميل لفظ «اليتيم» معنى لا يدل عليه في سياقه.


الملاحظة الثانية: العلاقة بين القرآن وكتب التفسير

من الملاحظات المهمة في الكتاب نقد بعض كتب التفسير باعتبارها وقفت – في نظر المؤلف – عند معانٍ محدودة ولم تستخرج منها بعض الدلالات التي يراها مرتبطة بالتقدم العلمي واكتشاف القوانين.

وهنا ينبغي التأكيد على قاعدة أساسية:

«أهل الفن أدرى بفنهم».

فكتب التفسير ليست مجرد كتب وعظية، وإنما هي ثمرة جهود علمية تراكمت عبر قرون، واعتمدت على اللغة وأسباب النزول والقراءات والحديث وأقوال الصحابة والتابعين والسياق وغيرها من أدوات التفسير.

ولا يعني ذلك أن أقوال المفسرين فوق النقد، ولكن نقدها ينبغي أن يكون من داخل أدوات العلم وقواعده، لا بمجرد استبدال دلالاتها بدلالات نظرية معاصرة.


الملاحظة الثالثة: مفهوم «أولي الألباب»

من التطبيقات التي تحتاج إلى مراجعة تفسير «أولي الألباب» باعتبارهم صفوة الأذكياء أو أصحاب القدرات العقلية العالية، ثم ربط ذلك بمفهوم الموهوبين في التربية الحديثة.

والذي يحتاج إلى التنبيه هنا أن الذكاء العقلي وحده لا يساوي مفهوم أولي الألباب في القرآن.

فالقرآن يربط أولي الألباب بالتذكر والاعتبار والهداية والنظر في آيات الله.

ومن ثم فإن تحويل المصطلح القرآني إلى مجرد تصنيف تربوي للطلاب بحسب مستوى الذكاء يحتاج إلى قدر كبير من الاحتياط؛ لأن المصطلح القرآني أوسع من المفهوم التربوي الحديث.


الملاحظة الرابعة: مفهوم القضاء والقدر

من القضايا العقدية التي تناولها الكتاب مفهوم القضاء والقدر، وربطه بمفهوم القانون والسننية وانتظام الكون.

ولا شك أن الإيمان بسنن الله وانتظام الكون من المعاني المهمة، لكن القضاء والقدر في التصور الإسلامي أوسع من مجرد مفهوم القانون أو المقياس.

فالإيمان بالقدر يشمل – في إجماله – مراتب العلم والكتابة والمشيئة والخلق.

ولهذا فإن التعامل مع مفهوم عقدي بهذه المركزية يحتاج إلى المحافظة على دلالته الشرعية والعقدية، قبل توظيفه في بناء مفهوم تربوي أو فلسفي معاصر.


الملاحظة الخامسة: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال

ومن أبرز التطبيقات التي تستوقف الباحث تفسير أصحاب اليمين وأصحاب الشمال في ضوء عمل جانبي الدماغ؛ بحيث يصبح أصحاب اليمين مرتبطين باستخدام الجانب الأيمن من المخ، وأصحاب الشمال بالجانب الآخر، والسابقون بمن يتكامل لديه عمل الجانبين.

وهنا يظهر الإشكال بوضوح:

هل يجوز جعل نظرية علمية أو تربوية قابلة للتغير والتعديل أساسًا لتفسير ألفاظ قرآنية تتعلق بالآخرة؟

القرآن يقول:

﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ۝ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ۝ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ۝ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾
[الواقعة: 7-10]

والواجب هنا أن يُحافظ أولًا على المعنى الذي يدل عليه النص في سياقه التفسيري، ثم يمكن – عند وجود مناسبة صحيحة – الاستئناس ببعض التطبيقات المعاصرة، دون تحويلها إلى تفسير قطعي للآية.

فالفرق كبير بين:

«هذه الآية تعني كذا»

وبين:

«يمكن أن نستأنس بالآية في فهم هذا المعنى المعاصر».


الملاحظة السادسة: «اللغة الإلهية» و«اللغة البشرية»

يقسم المؤلف اللغة إلى ما يسميه «لغة إلهية» و«لغة بشرية»، ثم يبني على ذلك نقدًا لطريقة تعامل بعض المفسرين واللغويين مع القرآن، ويرى أن المعاني التي أفرزتها اللغة العربية القديمة قد فرضت نفسها على فهم النص القرآني.

وهذه القضية من أكثر القضايا التي تحتاج إلى تحرير دقيق.

فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وفهم ألفاظه لا يمكن فصله عن اللغة العربية التي نزل بها.

ولا يعني اعتماد المفسر على اللغة والمعاجم أن القرآن أصبح أسيرًا لتطورات اللغة البشرية، بل إن معرفة لغة العرب زمن نزول القرآن من أهم أدوات فهم دلالات النص.

كما أن القول بأن تفسير القرآن ينبغي أن يتجاوز المعاني اللغوية الموروثة لا يحل المشكلة؛ لأن اللغة التي يستخدمها الإنسان المعاصر هي أيضًا لغة بشرية متطورة.

ومن هنا يظهر أن المشكلة ليست في الاستفادة من اللغة أو المعاجم، وإنما في كيفية توظيف اللغة، والتمييز بين الدلالة الأصلية للنص وبين التطبيقات والاستنباطات اللاحقة.


الخلاصة

إن القضية الأساسية التي يكشف عنها هذا البحث ليست رفض توظيف القرآن في التربية، ولا الدعوة إلى عزل النص القرآني عن قضايا الحياة المعاصرة.

بل القضية هي:

كيف نستفيد من القرآن في التربية دون أن نجعل القرآن تابعًا للنظرية التربوية؟

فالقرآن هو الأصل، والنظرية التربوية أداة للفهم والتطبيق، لا العكس.

ومن هنا فإن التعامل المنهجي مع النص القرآني في الدراسات التربوية يحتاج إلى جملة من الضوابط:

أولًا: الالتزام بقواعد التفسير والاستنباط وعدم تحميل النص ما لا يحتمله.

ثانيًا: الرجوع إلى المتخصصين في علوم القرآن والتفسير والحديث والعقيدة عند بناء الاستدلالات الشرعية.

ثالثًا: استفادة المتخصصين في العلوم الشرعية من أهل التربية عند تنزيل النصوص على القضايا التربوية.

رابعًا: التفريق بين تفسير الآية وبين الاستنباط التربوي منها، وبين الاستئناس بها في قضية معاصرة.

خامسًا: عدم جعل النظريات العلمية أو التربوية المتغيرة معيارًا حاكمًا على دلالات النصوص القطعية.

سادسًا: تحرير المصطلحات، وعدم نقل المصطلح من علم إلى آخر دون بيان الفروق بين دلالاته.


كلمة أخيرة

إن قوة مشروع التربية الإسلامية لا تتحقق بكثرة الاستشهاد بالآيات، وإنما تتحقق بسلامة فهمها وحسن تنزيلها.

كما أن نقد بعض المؤلفات التربوية الإسلامية لا ينبغي أن يُفهم على أنه نقد لمشروع الإسلام في التربية، بل هو – في حقيقته – نقد للذات من أجل حماية هذا المشروع وتقوية حجته العلمية.

والتعاون بين علماء الشريعة والمتخصصين في التربية ليس ترفًا علميًا، بل هو ضرورة؛ لأن النص الشرعي يحتاج إلى من يحسن فهمه، والواقع التربوي يحتاج إلى من يحسن تنزيله.

فالقرآن لا يحتاج إلى أن نُخضعه للنظرية حتى يكون معاصرًا؛ وإنما تحتاج النظرية إلى أن تُختبر في ضوء القرآن قبل أن نجعلها مفتاحًا لتفسيره.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق