ترك النبي ﷺ للفعل لا يعني تحريمه… فالتحريم يحتاج إلى دليل
من المسائل التي يكثر فيها الخطأ في فهم السنة النبوية: الاستدلال بمجرد ترك النبي ﷺ لفعلٍ ما على تحريمه.
فبعض الناس ينطلق من قاعدة غير دقيقة، مفادها:
«ما لم يفعله النبي ﷺ فهو ممنوع»
ثم يبني عليها أحكامًا بالتحريم والتبديع، مع أن مجرد عدم الفعل لا يكفي وحده لإثبات حكم شرعي بالتحريم.
والواجب في مثل هذه المسائل أن نفرّق بين الترك النبوي وبين النهي الشرعي؛ فالترك واقعة، أما التحريم فهو حكم شرعي يحتاج إلى دليل.
■ أولًا: ما المقصود بالترك؟
المقصود بالترك هنا أن يترك النبي ﷺ فعلًا من الأفعال، من غير أن يرد عنه نص بالنهي عنه، أو دليل آخر يدل على تحريمه أو كراهته.
وهنا ينبغي أن نسأل:
لماذا ترك النبي ﷺ هذا الفعل؟
فليس كل ترك له معنى واحد، ولا كل ما تركه النبي ﷺ تركه لأنه حرام.
وقد يكون الترك لأسباب متعددة، منها:
1 ـ أن يكون الترك عادةً وطبعًا
ومن أوضح الأمثلة قصة الضب.
فقد قُدِّم الضب المشوي إلى النبي ﷺ، ومدّ يده ليأكل منه، فلما قيل له إنه ضب أمسك عنه، فسُئل:
«أحرام هو؟»
فقال ﷺ:
«لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه».
والحديث في الصحيحين.
فالنبي ﷺ ترك أكل الضب، ولم يكن تركه له للتحريم، وإنما لأمر يرجع إلى عادته وطبيعته.
وهذا يبين أن مجرد ترك الفعل لا يدل على تحريمه، كما أن عدم استساغة الإنسان لشيء لا تجعله حرامًا.
2 ـ أن يكون الترك بسبب النسيان أو السهو
فقد قال النبي ﷺ:
«إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني».
فوقوع الترك لا يعني بالضرورة أن المتروك ممنوع شرعًا؛ فقد يقع الترك بسبب السهو والنسيان.
3 ـ أن يكون الترك خشية أن يُفرض على الأمة
ومن ذلك ما وقع في قيام رمضان، فقد صلى النبي ﷺ بالناس، ثم ترك الخروج إليهم، وبيّن أن الذي منعه من الاستمرار هو خشيته أن تُفرض عليهم.
فلو كان تركه لذلك الفعل دليلًا على تحريمه، لما عاد الصحابة إلى الاجتماع على القيام بعد وفاته ﷺ.
وهذا يدل على أن الترك قد يكون لسبب عارض، وليس للتحريم.
4 ـ أن يكون الترك لعدم الحاجة أو لعدم سبق الفكرة
فقد كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع نخلة، ثم لما اقترح الصحابة اتخاذ منبر له وافق على ذلك.
فعدم استخدام المنبر في البداية لم يكن تحريمًا له، وإنما لم يكن قد احتيج إليه أو لم تسبق إليه الحاجة.
وكذلك اقترح الصحابة أن تُبنى له دكّة يجلس عليها ليعرفه القادم الغريب، فأقرّ ذلك.
وهذا يؤكد أن عدم فعل الشيء سابقًا لا يعني أنه ممنوع.
5 ـ أن يكون الفعل داخلًا في أصل عام من أصول الشريعة
فليس من شرط مشروعية كل فرد من أفراد الخير أن يفعله النبي ﷺ بعينه.
قال تعالى:
﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[الحج: 77]
فقد يندرج الفعل تحت أصل شرعي عام، وإن لم ينقل لنا أن النبي ﷺ فعله بعينه.
ومن هنا ينبغي التفريق بين:
عدم ثبوت الفعل عن النبي ﷺ
وبين:
ثبوت النهي عنه.
فهما أمران مختلفان.
6 ـ أن يكون الترك مراعاةً لمصلحة الناس وأحوالهم
ومن أوضح الأمثلة قول النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها بشأن الكعبة:
«لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم بنيته على أساس إبراهيم».
فالنبي ﷺ ترك إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام، ليس لأن إعادة البناء محرمة، وإنما مراعاةً لأحوال الناس وخشية أن يترتب على ذلك مفسدة.
وهذا مثال مهم على أن الترك النبوي قد يكون سببه المصلحة والمفسدة والظروف المحيطة بالفعل.
■ ثانيًا: التحريم حكم شرعي… والأحكام لا تثبت بمجرد الترك
إذا كان التحريم حكمًا شرعيًا، فلا بد له من دليل.
ومن أبرز ما يدل على التحريم:
1 ـ النهي الصريح
قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾
[الإسراء: 32]
وقال سبحانه:
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
[البقرة: 188]
2 ـ التصريح بالتحريم
قال تعالى:
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ﴾
[المائدة: 3]
3 ـ ما دل على الذم الشديد أو الوعيد
ومن ذلك قول النبي ﷺ:
«من غش فليس منا».
فالحكم بالتحريم لا يُبنى على مجرد عدم الفعل، وإنما يحتاج إلى دليل معتبر يدل على المنع.
■ ثالثًا: القرآن أمر باتباع النهي، ولم يجعل مجرد الترك نهيًا
قال الله تعالى:
﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
[الحشر: 7]
فتأمل قوله تعالى:
﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
فالله تعالى علّق الاجتناب على النهي.
وكذلك قال النبي ﷺ:
«ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه».
فالنصوص تدل على الأخذ بالأمر واجتناب النهي، أما مجرد الترك فلا يُجعل نهيًا إلا بدليل.
■ رابعًا: السنة ليست مجرد فعل وترك… بل لا بد من فهم الدلالة
من الخطأ أن ننظر إلى السنة بهذه الطريقة:
فعله ﷺ = واجب أو مستحب
تركه ﷺ = حرام أو مكروه
فهذه معادلة غير صحيحة على إطلاقها.
فالترك قد تكون له أسباب كثيرة، كما رأينا.
ولهذا فإن فهم السنة لا يكون بمجرد السؤال:
هل فعل النبي ﷺ هذا الأمر أم لم يفعله؟
بل لا بد أن نسأل أيضًا:
ما سبب الفعل؟ وما سبب الترك؟ وما سياقه؟ وهل ورد فيه أمر أو نهي أو تقرير؟
فهذه الأسئلة هي التي تكشف الدلالة الشرعية الصحيحة.
■ خامسًا: ماذا يمكن أن يدل عليه الترك؟
لا يعني هذا أن الترك النبوي لا دلالة له مطلقًا.
بل قد تكون له دلالة بحسب السياق والقرائن.
فقد يستدل العلماء بترك النبي ﷺ في بعض المواضع على عدم الوجوب؛ لأن الواجب لا يُترك من غير بيان أو عذر.
ومن ذلك ما جاء عن جابر رضي الله عنه:
«كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار».
وقد استدل العلماء بذلك على أن الوضوء مما مست النار ليس واجبًا.
وهنا يظهر الفرق المهم:
قد يدل الترك في بعض السياقات على عدم الوجوب، لكنه لا يعني تلقائيًا التحريم.
وهذا فرق أصولي ينبغي ألا يُغفل.
■ سادسًا: الترك المجرّد لا يكفي لإثبات التحريم
إذا لم يصاحب التركَ النبويَّ نهيٌ أو تصريحٌ بالتحريم أو دليلٌ معتبر يدل على المنع، فلا يصح أن نقفز من مجرد عدم الفعل إلى الحكم بالتحريم.
فالقول:
«لم يفعله النبي ﷺ، إذن هو حرام»
ليس دليلًا مكتملًا.
بل السؤال الصحيح هو:
أين دليل التحريم؟
فإذا وجد النهي أو الدليل المعتبر، ثبت الحكم بدليله.
أما إذا لم يوجد إلا مجرد الترك، فلا يصح أن نجعل هذا الترك وحده تشريعًا بالتحريم.
■ سابعًا: العلماء كانوا يتورعون في إطلاق لفظ «الحرام»
كان أئمة العلم يفرقون بدقة بين الحرام والمكروه وخلاف الأولى والمباح، ويتورعون عن الجزم بالتحريم فيما لا دليل عليه.
وقد نُقل عن إبراهيم النخعي:
«كانوا يكرهون أشياء ولا يحرمونها».
وهذا من دقة الفقهاء في التعامل مع الأحكام الشرعية.
قال الله تعالى:
﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾
[النحل: 116]
فإطلاق لفظ «حرام» ليس أمرًا هينًا، لأنه إخبار عن حكم الله تعالى.
■ ثامنًا: ما سكت عنه الشرع لا يتحول إلى حرام بمجرد عدم الفعل
ومن الأحاديث الجامعة في هذا الباب ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه:
«ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته».
وجاء عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها».
والمقصود أن مجال الأحكام الشرعية لا يُبنى على الظنون، ولا يجوز تحويل كل ما لم يرد فيه فعل نبوي إلى محرم.
■ الخلاصة
إن محبة النبي ﷺ وتعظيم سنته تقتضي فهم أفعاله وأقواله وتقريراته على الوجه الصحيح، لا أن نحمل كل تركٍ على معنى التحريم.
فالنبي ﷺ قد يترك الشيء:
لعادةٍ وطبع، أو لعدم الحاجة، أو للنسيان، أو خشية الفرض، أو لمراعاة مصلحة، أو لعدم سبق الفكرة، أو لسبب آخر.
ولهذا:
ليس كل ما تركه النبي ﷺ حرامًا.
وليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ ممنوعًا.
والتحريم حكم شرعي يحتاج إلى دليل.
والقاعدة التي ينبغي أن تضبط هذه المسألة:
ترك النبي ﷺ للفعل لا يعني تحريمه… فالتحريم يحتاج إلى دليل.
فإذا أردنا أن نحكم على فعل بأنه حرام، فلا يكفي أن نقول:
«لم يفعله النبي ﷺ».
بل لا بد أن نسأل:
أين دليل التحريم؟
فهنا يكون التعامل مع السنة قائمًا على الدليل والفهم والتمييز بين الفعل والترك، وبين عدم الفعل والنهي؛ بعيدًا عن التسرع في إطلاق الأحكام الشرعية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق