السبت، 5 سبتمبر 2026

مـفـهـوم الـبـدعـة فـي ضـوء الـكـتـاب والـسنـّة .

 مـفـهـوم الـبـدعـة


فـي ضـوء الـكـتـاب والـسنـّة .
دراسة تأصيلية وتفصيلية لمفهوم البدعة في ضوء الكتاب والسنة وفي عمل الصحابة وأقوال السلف .
بسم الله الرحمن الرحيم ،
الحمد لله رب العالمين ، نحمده ونستعين به ونستغفره ، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن مسألة البدعة من أكثر المسائل التي وقع فيها الخلاف والاضطراب ، لاسيما في هذا العصر ، حتى أصبح هذا المصطلح عند بعض الناس سيفًا يُشهر في وجوه المسلمين دون ضوابط علمية فقهية ، ودون تمييز بين ما يخالف الشريعة وما يندرج تحت أصولها ، ولذلك كان لا بد من الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفهم كلام أئمة أهل السنة من السلف ، للوصول إلى الميزان الصحيح الذي تعرف به البدعة المذمومة من غيرها ، لاسيما أنهم كانوا أقرب منا إلى زمن النبوة ، وأعلم منا بمفاتيح اللغة العربية .
البدعة في اللغة : تعني الاختراع والابتكار والإتيان بشيء جديد على غير مثال سابق ، وكمثال على ذلك ، قال الله تعالى : ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) 117 البقرة ، أي خالق السموات والأرض على غير مثال سابق ، وقال تعالى : ( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ ) 9 الأحقاف ، أي قل يا محمد ﷺ للمشركين : لست أول رسول جاء بهذا الأمر ، بل سبقني رسل كثيرون .
وأما البدعة في الاستعمال الديني ، فهي إحداث أمر في الدين ، ولذلك لا بد من التفريق بين مجرد الإحداث وبين حكم المُحدث نفسه ، لأن لفظ البدعة من حيث اللغة أوسع من أن يكون بمجرده حكمًا شرعيًا بالضلالة ، والعبرة في الحكم الشرعي بحقيقة المُحدث وعلاقته بأصول الشرع ومقاصده وأدلته .
ومن أوضح الأدلة على أن مجرد الابتداع لا يكفي وحده للحكم على الفعل بالذم ، نجده في قول الله تعالى : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) 27 الحديد ، فقد وصف الله تعالى الرهبانية بأنها شيء جديد ابتدعه النصارى من عند أنفسهم ، لم يفرضه الله عليهم ، فقال : ( ابْتَدَعُوهَا ) ، أي ابتكروها من عند أنفسهم ، ثم ذكر أنهم لم يرعوها حق رعايتها ، ثم أثبت الأجر للذين آمنوا منهم فقال : ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ) ، فموضع العتاب في الآية هو عدم رعاية ما ابتدَعوه حق رعايته ، وليس مجرد ذكر الابتداع في ذاته ، وهذا يبين أن لفظ الابتداع وحده لا يكفي للحكم على الفعل نفسه بالذم والضلالة ، بل لا بد من النظر في حقيقة الفعل وفي مقاصده وما ترتب عليه ، كما أن قوله تعالى : ( إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ) يدل على أن قصدهم من الرهبانية كان ابتغاء مرضاة الله ، ثم أثاب الله تعالى الذين آمنوا منهم ، فدل ذلك على أن مجرد وصف الفعل بأنه مبتدع لا يستقل وحده بإعطاء الحكم النهائي عليه أو على فاعله ، بل لا بد من النظر فيه وفي مقاصده ، وفيما إذا كان يتعارض مع الشرع أم لا .
وهذه الدلالة مهمة في فهم مفهوم البدعة ، لأن الآية فرّقت بين مجرد الإحداث وبين ما يترتب عليه من فعل ، فلم تجعل قوله تعالى : ( ابْتَدَعُوهَا ) وحده خاتمة الكلام فيهم ، وإنما بيّن سبحانه وتعالى ما وقع منهم بعد ذلك ، فقال : ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) ، ثم قال : ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ) ، و ( كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ، فالعبرة إذن ليست بمجرد حداثة الأمر ، وإنما بماهيته ومقاصده وما يترتب عليه وحكمه في ميزان الشرع .
ومن هنا نصل إلى مسألة جوهرية في باب البدعة ، وهي مسألة الترك ، فإن ترك النبي ﷺ للفعل لا يساوي بالضرورة نهيه عنه وأنه حرام ، وأقوى ما يستدل به على التفريق بين الأمرين قول الله تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) 7 الحشر ، فالله تعالى أمر بالأخذ بما آتانا الرسول ﷺ ، وأمر بالانتهاء عما نهانا عنه ﷺ ، فعلق الانتهاء بالنهي ، ولم يقل : وما تركه الرسول فاتركوه ، وهذا دليل على أن ترك النبي ﷺ للشيء ليس دليلًا على التحريم ، إلا إذا اقترن الترك بقرينة تدل على المنع .
وهذه عبارة قرآنية دقيقة ، لأن النهي شيء ، والترك شيء آخر ، فحين يقول الله تعالى : ( وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) جعل مناط الانتهاء هو النهي ، أما مجرد عدم ثبوت الفعل عن النبي ﷺ فلا يتحول بمجرده إلى نهي ، ولذلك لا يصح أن يقال : هذا حرام لأنه لم يفعله النبي ﷺ ، ما لم يقم دليل يدل على أن الترك كان مقصودًا للتشريع أو المنع .
فالترك النبوي قد تكون له دلالات مختلفة بحسب القرائن والظروف ، فقد يترك النبي ﷺ الشيء لأنه لم يحتج إليه ، أو لأنه لم يكن متيسرًا في زمانه ، أو لأنه فعله أحيانًا وتركه أحيانًا ، أو لأنه أراد التوسعة على أمته وعدم التضييق عليهم ، أو لسبب آخر ، ولذلك لا يصح تحويل كل ترك إلى نهي شرعي من غير دليل .
ويؤكد هذا المعنى حديث النبي ﷺ : ( إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا ، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا ، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا ، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا ) ، فهذا الحديث يبين أن الشريعة فرّقت بين ما فرضه الله ، وما حرّمه ، وما سكت عنه رحمةً بالعباد ، فلم تجعل كل ما لم يرد فيه نص خاص من المحرمات ، ولم تجعل مجرد عدم فعل النبي ﷺ له دليلًا على تحريمه ، بل تركت مجالًا لأمور سكت عنها الشرع ولم يجعلها من المحظورات ، رحمةً بالناس وتوسعةً عليهم ، ولذلك فإن من يجعل مجرد الترك النبوي دليلًا على التحريم ، كأنه يجعل كل ما لم يفعله النبي ﷺ داخلًا في دائرة المحظور ، وهذا لا ينسجم مع هذا الأصل النبوي الواضح : ( وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ ) .
ومن هنا فإن العبارة التي يرددها بعض الناس : ( كل ما لم يفعله النبي ﷺ فهو بدعة ضلالة ) ليست قاعدة صحيحة على إطلاقها ، لأن مجرد عدم الفعل لا يساوي النهي ، ولا يدل وحده على التحريم ، وإنما لا بد من النظر في الفعل نفسه ، وفي الأدلة المتعلقة به ، وفي أصل مشروعيته ، وفي القرائن التي تدل على سبب الترك النبوي إن وجدت .
ثم يأتي الحديث النبوي الذي يحدد محل الرد تحديدًا واضحًا ، وهو قول النبي ﷺ : ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) رواه البخاري ومسلم ، فتأملوا قوله ﷺ : ( مَا لَيْسَ مِنْهُ ) ، فلم يقل : من أحدث في أمرنا هذا فهو رد ، وإنما جعل الرد متعلقًا بما ليس من أمر الدين .
وهذا القيد النبوي هو محل النظر ، لأن المحدث المردود هو ما أُحدث في أمر الدين مما ليس منه ، أي ما لا يشهد له أصل شرعي معتبر ، أو ما يخالف أصلًا شرعيًا ثابتًا ، أما مجرد كون صورة الفعل جديدة ، أو أن النبي ﷺ لم يفعله بهذه الصورة بعينها ، فلا يكفي وحده لإدخاله في دائرة الرد والتحريم .
وجاءت الرواية الأخرى عند مسلم ، عن عائشة رضي الله عنها : ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) ، وهي تزيد المعنى وضوحًا ، فالمردود هو العمل الذي ليس عليه أمر النبي ﷺ ودليل شرعه ، وليس كل عمل لم يفعله النبي ﷺ بعينه ، ولذلك فهناك فرق بين عبادة مخترعة لا أصل لها في الشرع ، وبين عمل مشروع استحدثت له وسيلة أو ترتيب أو صورة لا تخالف أصلًا شرعيًا .
وهذا المعنى قرره الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث في كتابه ( جامع العلوم والحكم ج 2 ص 127 ) فقال : ( والمراد بالبدعة : ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه ، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا وإن كان بدعة لغةً ) ، فالمعيار عنده ليس مجرد حدوث الفعل بعد عصر النبوة ، وإنما وجود الأصل الشرعي الذي يدل عليه الفعل .
أما حديث النبي ﷺ : ( وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) رواه مسلم ، فلا ينبغي أن يُفهم بمعزل عن بقية نصوص هذا الباب الذي نتحدث عنه ، وإنما يُفهم في ضوء الحديث الآخر : ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) ، فالبدعة الضالة هي الإحداث في الدين على وجه لا أصل له فيه ، أو على وجه يخالف أصلًا شرعيًا ثابتًا ، وليس مجرد كل أمر استُحدثت صورته بعد عصر النبوة .
فالنصوص هنا متضافرة على بيان المعيار ، فحديث ( كل بدعة ضلالة ) يبين حكم البدعة المذمومة ، وحديث ( ما ليس منه فهو رد ) يبين محل الرد ، ولذلك لا يصح أن نلغي القيد الموجود في الحديث الثاني ونقول : كل ما أُحدث في الدين فهو رد ، لأن النبي ﷺ قال : ( مَا لَيْسَ مِنْهُ ) .
ويؤكد ذلك حديث النبي ﷺ : ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ) رواه مسلم ، وقد جاء هذا الحديث في سياق الحث على الصدقة ، حين جاء قوم محتاجون ، فبادر رجل من الأنصار بصدقة ، فتتابع الناس بعده ، فقال النبي ﷺ هذا الحديث ، وفيه دلالة على فضل المبادرة إلى الخير المشروع ، وفتح أبواب الطاعة التي يقتدي بها الناس .
ومن أوضح التطبيقات العملية لذلك ما وقع من بلال رضي الله عنه ، فقد كان إذا توضأ صلى ما شاء الله له أن يصلي ، فقال له النبي ﷺ : ( يَا بِلَالُ ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ ) ، فقال بلال رضي الله عنه : ( مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي مِنْ أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ ) رواه البخاري ومسلم .
والشاهد هنا أن بلالًا رضي الله عنه التزم لنفسه أن يصلي عقب كل وضوء ، فاختار لنفسه صورة من صور العبادة المشروعة وداوم عليها ، ولم يكن النبي ﷺ قد أمره بهذا الالتزام الشخصي بهذه الصورة بعينها ، ومع ذلك لم ينكر عليه ، ولم يقل له : يا مبتدع ، يا ضال ، بل أثنى عليه وأخبره بفضله ، فدل ذلك على أن عدم سبق النبي ﷺ إلى صورة معينة لا يكفي وحده للحكم عليها بالضلالة .
ولا يعني هذا أن بلالًا رضي الله عنه اخترع عبادة لا أصل لها ، فالصلاة عبادة مشروعة ، وإنما وجه الدلالة أن الصورة الخاصة التي التزمها بلال رضي الله عنه لم يمنعها النبي ﷺ لمجرد كونها صورة لم يأمره بها على هذا النحو ، بل نظر إلى أصلها المشروع ومقصدها ونتيجتها في الطاعة .
وقد يقول بعضهم : إنما أقرَّ النبي ﷺ بلالًا رضي الله عنه لأنه كان حاضرًا بين يديه ، وكان يستطيع أن يوافقه أو ينكر عليه ، أما نحن اليوم ، فإذا سنَّ أحدنا سنةً أو أحدث طريقةً في الدين ، فالنبي ﷺ لا يعيش بيننا حتى يوافقنا عليها أو ينكرها ، والجواب : أن هذه المسألة لا تتعلق بوجود النبي ﷺ بيننا أو غيابه ، وإنما تتعلق بالمعيار الذي تعامل به النبي ﷺ مع الفعل نفسه ، فقد أقرَّ بلالًا رضي الله عنه لأن فعله كان موافقًا للشرع ، وكانت الصلاة بعد الوضوء عبادةً مشروعةً لها أصل في الدين ، ولم يكن في التزامه بها على تلك الصورة ما يخالف نصًّا أو أصلًا شرعيًّا .
ولم يكن إقرار النبي ﷺ لبلال رضي الله عنه لأنه كان يحبه ، أو لأنه مؤذنه الخاص ، أو لأنه كان من أصحابه المقربين ، فهذه اعتبارات لا علاقة لها بالحكم الشرعي أصلًا ، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لم ينظر إلى الأشخاص ومكانتهم ، وإنما نظر إلى أفعالهم وموافقتها للشرع ، ولذلك لما جاءه خبر الثلاثة الذين أرادوا أن يتعبدوا بطرق تخالف هديه ﷺ ، لم يقل : هؤلاء ليسوا من أصحابي أو لا أحب أفعالهم ، وإنما ردَّ فعلهم وبيَّن أن سنته هي الميزان ، فقال : ( فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) .
وهنا يظهر المعيار بوضوح : هل المحدث يوافق الشريعة أم يخالفها ؟ هل له أصل في الدين أم لا ؟ هل يندرج تحت أصل شرعي معتبر أم يصادم نصًّا أو قاعدةً شرعية ؟ فهذا هو الذي ينظر فيه العالم عند الحكم على المحدثات ، وليس مجرد كون الفعل جديدًا ، ولا كون النبي ﷺ لم يفعله بهذه الصورة بعينها ، ولا كون صاحبه شخصًا نحبه أو لا نحبه . فالإقرار والرد كلاهما كانا مبنيين على ميزان الشرع ، لا على الأهواء والمواقف الشخصية .
والله تعالى يعلم أن حياة الناس تتغير ، وأن البشر سيحدثون أمورًا ووسائل وصورًا جديدة مع تطور الأزمنة واختلاف الأحوال ، ولذلك لم يترك الإسلام المسلمين بلا ميزان أمام هذه المستجدات ، بل وضع لهم أصولًا وقواعدَ شرعيةً ثابتةً يرجعون إليها ، ومن خلالها يعرفون ما هو واجب ، وما هو حرام ، وما هو مكروه ، وما هو مستحب ، وما هو مباح ، وما هو مشروع وما هو مخالف للشرع ، فالمسلمون لا يتعاملون مع المحدثات بمزاجية ، ولا يجعلون مجرد عدم سبق النبي ﷺ إلى الفعل سببًا كافيًا لتحريمه ، وإنما يردون كل أمر إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأصول الشريعة وقواعدها .
ومقابل ذلك ، نجد في السنة مثالًا واضحًا على إحداث هيئة في العبادة لم يقرها النبي ﷺ ، بل أنكرها وردها ، وذلك في قصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ ، فكأنهم تقالوها ، فقال أحدهم : ( أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ) ، وقال الآخر : ( وَأَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ ) ، وقال الثالث : ( وَأَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا ) ، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال : ( أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) رواه البخاري ومسلم .
وهنا يظهر الفرق بوضوح بين المحدث الذي يوافق أصل الشرع ، والمحدث الذي يخالفه : فبلال رضي الله عنه التزم لنفسه صلاة بعد الوضوء ، وهي عبادة لها أصل في الشرع ، فأقره النبي ﷺ وأثنى عليه ، أما هؤلاء الثلاثة فأرادوا أن يجعلوا لأنفسهم هيئة دائمة من العبادة على خلاف هدي النبي ﷺ ، فرد النبي ﷺ ذلك وبيّن أن سنته هي الميزان ، وقال : ( فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) ، فهذه هي البدعة المذمومة من حيث المعنى : أن يحدث الإنسان في العبادة ما يخالف هدي الشارع وأصل تشريعه ، لا أن يكون مجرد الفعل جديدًا من حيث صورته وزمانه .
وهذا التطبيق النبوي العملي يوضح المعنى الذي قرره الإمام الشافعي رحمه الله في تقسيم المحدثات ، فالمحدث الذي يوافق أصول الكتاب والسنة ولا يخالفهما لا يلحق بالمحدث المردود ، أما المحدث الذي يخالف هدي الشريعة وأصولها فهو المذموم المردود ، وبذلك يتبين أن العبرة ليست بمجرد كون الفعل لم يفعله النبي ﷺ ، وإنما بموافقته للشرع أو مخالفته له ، بدليل أن رسول الله ﷺ أقر بلالًا على ما التزمه من صورة العبادة ، ورد على الثلاثة ما أرادوا التزامه من هيئة تخالف سنته ﷺ .
ثم جاء فعل الصحابة التطبيقي لتقسيم البدعة ، رضي الله عنهم ، ليؤكد هذا الأصل ، فقد جمع أبو بكر الصديق رضي الله عنه القرآن في مصحف واحد بعد وفاة النبي ﷺ ، ولم يكن القرآن قد جُمع بهذه الصورة في مصحف واحد في حياته ﷺ ، كما جمع عثمان رضي الله عنه الناس على مصاحف موحدة وأرسلها إلى الأمصار ، ولم يكن مجرد عدم وجود هذه الصورة في حياة النبي ﷺ مانعًا من فعلها .
ومن أقوى ما يؤكد ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أشار بجمع القرآن بعد مقتل القراء في اليمامة ، تردد أبو بكر رضي الله عنه وقال : ( كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ ) ، أي أراد التأكد هل يوافق هذا العمل الشرع أم لا ، ثم نظر الصحابة في المصلحة الشرعية المترتبة على ذلك ، حتى شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه لجمع القرآن ، فكان هذا دليلًا عمليًا على أن عدم الفعل النبوي وحده لا يكفي للحكم بالتحريم ، وأن فعل أبي بكر رضي الله عنه يندرج في خانة المحدثات المحمودة من جهة اللغة والمعنى الذي قرره الشافعي .
ومن أشهر الأمثلة أيضًا ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة التراويح ، حين جمع الناس على إمام واحد ، فقال : ( نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ ) رواه البخاري ، فأطلق عمر رضي الله عنه لفظ ( البدعة ) على هذا الجمع ، مع أن أصل قيام رمضان ثابت عن النبي ﷺ ، وإنما الجديد هو جمع الناس على إمام واحد على هذه الصورة بعد أن كانوا يصلون متفرقين .
فهذا المثال يوضح أن لفظ البدعة قد يستعمل بالمعنى اللغوي ، فيقال عن الشيء المستحدث : بدعة ، من غير أن يكون المقصود بذلك أنه بدعة شرعية مذمومة ، ولذلك لا بد من معرفة المراد من اللفظ قبل إصدار الحكم .
ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله : ( المحدثات من الأمور ضربان : أحدهما ما أُحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا ، فهذه البدعة الضلالة ، والثانية ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا ، وهذه محدثة غير مذمومة ) ، رواه البيهقي في ( مناقب الشافعي ) 1 / 469 ، فهذا النص يبين بوضوح أن المعيار عند الشافعي ليس مجرد كون الأمر محدثًا ، وإنما كونه مخالفًا للكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع أو لا .
وهذا التفصيل لا يعني فتح باب التشريع من بعد النبي ﷺ ، فالشرع قد اكتمل ، ولا يجوز لأحد أن ينشئ عبادة أو حكمًا دينيًا من عند نفسه ويجعله من الشريعة بلا دليل ، وإنما الكلام في المحدثات التي لها أصل شرعي أو تدخل تحت أصل معتبر من أصول الشريعة ، أو في العادات والوسائل والصور والهيئات التي تخدم أصلًا مشروعًا ولا تعارض نصًا شرعيًا .
ومن هنا يظهر الفرق بين العبادة التي لا أصل لها في الشرع ، وبين العمل الذي له أصل شرعي ثم استحدثت له وسيلة أو صورة أو ترتيب ، فالنوع الأول هو الإحداث المذموم ، إذا جعل دينًا يتقرب به إلى الله تعالى بلا دليل ، أما النوع الثاني فلا يصح الحكم عليه بالضلالة لمجرد أن صورته لم تكن موجودة في عصر النبوة ، بل ينظر في أصل الفعل وفي موافقته للشرع .
وعلى هذا يتضح أن السؤال : ( هل فعل النبي ﷺ هذا أم لم يفعله؟ ) ليس وحده كافيًا للحكم على الفعل ، لأن هناك سؤالًا أسبق منه وأدق : ( هل نهى النبي ﷺ عن هذا الفعل؟ ) ، ثم : ( هل يخالف الفعل نصًا صحيحًا أو أصلًا شرعيًا؟ ) ، ثم ينظر بعد ذلك في صورته ووسيلته وكيفية وقوعه .
فالترك النبوي لا يساوي النهي النبوي ، كما أن عدم الفعل لا يساوي التحريم ، ولا يجوز أن ننقل الحكم من أحدهما إلى الآخر بلا دليل ، لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بمجرد الظنون أو بمجرد عدم رؤية الفعل في السنة ، وإنما تثبت بالأدلة الشرعية ودلالاتها .
ومن هنا جاءت القاعدة الأصولية في أن العبادات المحضة مبناها على التوقيف ، فلا يجوز للإنسان أن يخترع عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى من غير دليل ، أما الوسائل والأساليب والتنظيمات والصور التي تخدم مقاصد العبادة أو الدين ، فليست كل واحدة منها عبادة مستقلة تحتاج إلى نص خاص ، ما دامت داخلة تحت أصل شرعي ولا تعارض دليلًا صحيحًا .
وهذا هو الميزان الذي ينبغي أن تضبط به مسألة البدعة ، فلا يكون السؤال فقط : هل كان هذا موجودًا في زمن النبي ﷺ ؟ وإنما : ما حقيقة هذا الفعل؟ وهل هو من الدين أو ليس منه؟ وهل له أصل شرعي يدل عليه؟ وهل يخالف نصًا أو قاعدة شرعية؟ وينظر في مقاصده ، فإذا كان إحداثًا في الدين لا أصل له ، أو كان مخالفًا لنصوص الشرع وأصوله ، فهو من البدع المذمومة ، أما إذا كان له أصل شرعي صحيح ، فلا يصح الحكم عليه بالضلالة لمجرد حداثة صورته أو طريقته .
وبذلك يتبين أن البدعة ليست كلمة تطلق على كل جديد دون تفصيل ، وأن الجمع بين نصوص الكتاب والسنة هو الطريق الصحيح لفهمها ، فقول الله تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) يبين أن الانتهاء متعلق بالنهي ، وقوله ﷺ : ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) يبين أن محل الرد ما ليس من الدين ، وقوله ﷺ : ( وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) يبين حكم البدعة الشرعية المذمومة ، وقوله : ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً ) يبين فضل المبادرة إلى الخير المشروع وفتح أبواب الطاعة .
وبعضهم يحاول تفسير قول النبي ﷺ : ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً ) بأنه لا يعني أن المسلم قد يأتي بأمر جديد له أصل في الشرع فيكون حسنًا ، وإنما معناه أن يحيي سنة مهجورة من سنن رسول الله ﷺ كانت قد تركت أو اندثرت ، وهذا التفسير يمكن مناقشته من تمام الحديث نفسه ، لا على معنى أن في سنة رسول الله ﷺ سنة سيئة مهجورة ، فهذا باطل قطعًا ، وإنما على سبيل المحاججة العقلية وإلزام هذا التفسير بلازمه ؛ لأن النبي ﷺ قال في الشطر الثاني من الحديث : ( وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ) . فإذا قيل إن السنة الحسنة لا تعني إلا إحياء سنة نبوية مهجورة ، لزم على هذا التفسير أن تكون السنة السيئة كذلك إحياء سنة سيئة مهجورة ، وهذا لا يستقيم ؛ إذ لا توجد في سنن رسول الله ﷺ سنة سيئة حتى توصف بأنها مهجورة ثم يأتي أحد فيحييها ، وحاشا سنة رسول الله ﷺ أن تكون كذلك . وإنما هذه المحاججة لإبطال حصر معنى ( السنة الحسنة ) في إحياء سنة نبوية مهجورة ، وبيان أن الحديث أوسع من هذا الحصر ، وأن لفظ ( السنة ) هنا بمعنى الطريقة التي يبتدئها الإنسان في الإسلام ، فإن كانت طريقة موافقة للشرع وداعية إلى خير مشروع كانت سنة حسنة ، وإن كانت طريقة مخالفة للشرع وداعية إلى شر كانت سنة سيئة .
وهذا يؤيد المعنى الذي قرره الإمام الشافعي رحمه الله في التفريق بين المحدثات ، فليس كل ما استحدث مذمومًا لمجرد حدوثه ، وإنما المحدث الذي يخالف الكتاب والسنة أو الأثر أو الإجماع هو البدعة المذمومة ، أما ما استحدث من الخير وكان موافقًا لأصول الشرع ولم يخالفها ، فلا يكون مذمومًا لمجرد أنه لم يكن موجودًا بهذه الصورة من قبل ، وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن يدركه من يستدل بحديث ( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) على رد كل أمر مستحدث دون تفصيل .
فالميزان إذن ليس مجرد الترك ، ولا مجرد الحداثة الزمنية ، ولا مجرد إطلاق لفظ البدعة ، وإنما الميزان هو الشرع ، والأصل الشرعي ، وحقيقة الفعل ، ودلالات النصوص المتعلقة به ومقاصده ، فمن أحدث في الدين ما ليس منه فهو مردود عليه بكل تأكيد ، ومن جاء بأمر له أصل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلا يصح أن يحكم عليه بالضلالة لمجرد أنه لم يكن موجودًا بهذه الصورة في عصر النبوة .
وهكذا يكون الفهم الصحيح للبدعة قائمًا على التمييز بين ما أُحدث في الدين وليس منه ، وبين ما استحدث من صور ووسائل وهيئات لأعمال لها أصل في الشرع ، وعلى التمييز كذلك بين الترك والنهي ، فلا نجعل كل ترك نهيًا ، ولا كل عدم للفعل تحريمًا ، ولا كل محدث بدعة ضلالة ، وإنما نرد الأمر إلى دليله وأصله وحقيقته ، وبذلك نجمع بين نصوص الكتاب والسنة وأقوال أئمة أهل السنة دون تعارض أو تناقض .
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق