الخميس، 17 سبتمبر 2026

ما هو المنهج إالاسلامي للاتفاق في العمل الدعوي؟

 


الاختلاف لا يفسد الأخوّة… والوحدة لا تعني تطابق الآراء

منهج إسلامي للاتفاق في العمل الدعوي

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

إن قضية الاتفاق والوحدة بين العاملين في الحقل الإسلامي من القضايا التي تزداد الحاجة إليها كلما اتسعت دائرة الخلاف، وتعددت الجماعات والمذاهب والاتجاهات.

والاتفاق المطلوب لا يعني أن يصبح المسلمون نسخة واحدة في التفكير والاجتهاد، ولا أن تتطابق آراؤهم في كل المسائل؛ وإنما يعني أن يدركوا ما يجمعهم، وأن يتعاونوا فيما اتفقوا عليه، وأن يحسنوا التعامل فيما اختلفوا فيه.

ومن هنا يمكن بناء هذا الموضوع على ثلاثة محاور:

أولًا: مفهوم الاتفاق في العمل الإسلامي.
ثانيًا: دواعي الاتفاق والوحدة.
ثالثًا: الوسائل والآداب المعينة على تحقيقهما.


أولًا: مفهوم الاتفاق في العمل الإسلامي

الاتفاق بين العاملين في الحقل الإسلامي يعني أن يتعاونوا على البر والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح المجتمع، وردّه إلى الجادة.

وهذا الاتفاق لا يستلزم بحال أن يكون الجميع على رأي واحد أو مذهب واحد في كل القضايا؛ فاختلاف المدارك والاجتهادات والظروف والوسائل أمر لا يمكن إلغاؤه.

ولهذا يقوم الاتفاق الحقيقي على مبدأين أساسيين:

❶ الوحدة هي الأصل، والخلاف أمر طارئ

وحدة المسلمين ليست أمرًا هامشيًا يمكن التضحية به عند كل خلاف، بل هي من المقاصد الكبرى التي جاءت الشريعة بتأكيدها.

قال تعالى:

﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾

وقال سبحانه:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

فالإسلام دعا إلى كلمة التوحيد، كما دعا إلى توحيد الكلمة.

والخلاف، مهما كان مهمًا في موضوعه، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لهدم أصل الأخوة والوحدة.

وقد حذّر القرآن من التنازع فقال:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾

كما قال سبحانه:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾

والسنة النبوية كذلك تؤكد معنى الأخوة والتماسك، كما في قوله ﷺ:

«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد»

وقوله ﷺ:

«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»


❷ الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف

من الخطأ أن نفهم الوحدة على أنها تعني تطابق الناس في كل شيء.

فالناس متفاوتون في المدارك، والمعارف، وفهم النصوص، وتنزيل الأحكام على الوقائع؛ ولذلك نشأ الاختلاف الاجتهادي بين العلماء، واستمر عبر العصور.

ولهذا ينبغي التفريق بين:

اختلاف مشروع
واختلاف مذموم.

فالاختلاف المذموم هو الذي يتحول إلى شقاق وعداوة وتباغض وتدابر وتنازع.

أما الاختلاف الناشئ عن الاجتهاد في المسائل التي تحتمل أكثر من وجه، فليس في ذاته أمرًا مذمومًا.

والاجتهاد إنما يكون في المسائل التي تحتمل النظر، كالمسائل التي لم يرد فيها نص، أو وردت فيها أدلة ظنية الثبوت أو الدلالة.

ولهذا قال النبي ﷺ:

«إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»

فالمجتهد الذي بذل وسعه ثم أخطأ لا يُعامل معاملة المتعمد للخطأ.

وهنا تظهر قاعدة عظيمة في التعامل مع الخلاف:

ليس كل اختلاف يستوجب خصومة، وليس كل خطأ يستوجب إسقاط المخالف.


ثانيًا: التعاون على المتفق عليه والعذر في المختلف فيه

إذا كان الاختلاف في بعض المسائل أمرًا لا يمكن إلغاؤه، فإن الواجب هو أن نجعل ما يجمعنا أساسًا للتعاون.

فبين المسلمين من المشتركات ما هو أعظم وأوسع من كثير من مسائل الخلاف.

ومن هنا ينبغي للجماعات والتيارات الإسلامية أن:

تتعاون فيما اتفقت عليه،
وتعذر بعضها بعضًا فيما اختلفت فيه،
وتحافظ على الأخوة والمودة،
وتجعل الحوار العلمي وسيلة للإصلاح لا للهدم.

ولتحقيق ذلك لا بد من ثلاثة أمور:

أولًا: أن تدرك كل جماعة أنها جماعة من المسلمين

لا أنها جماعة المسلمين الوحيدة.

فحين تعتقد جماعة أنها وحدها تمثل الإسلام، وأن الآخرين خارجون عن الحق بالضرورة، تتحول العلاقة مع المخالف من التعاون إلى الصراع.

أما حين تدرك أنها جزء من الأمة، وأن غيرها قد يخدم الإسلام من مجال آخر، فإن مساحة التعاون تتسع.

ثانيًا: الاعتراف بوجود الآخرين

ينبغي الاعتراف بالجماعات والمذاهب والتيارات الموجودة في الساحة الإسلامية، مهما اختلفت معها في بعض الأفكار أو الوسائل.

فالواقع لا يعالج بالإنكار، وإنما يعالج بالحكمة والتدرج وسعة الصدر.

ثالثًا: تقديم القضايا المشتركة

هناك قضايا كثيرة يستطيع العاملون في الحقل الإسلامي أن يتعاونوا فيها، وهي أوسع بكثير من مساحة الخلاف.

ولهذا ينبغي ألا تتحول مسائل الخلاف إلى محور النشاط كله، بل تناقش بقدر الحاجة، ومن خلال أهل العلم والاختصاص.


حين تتحول الجماعة إلى غاية!

من أخطر مظاهر الانقسام أن تتحول الجماعة من وسيلة لخدمة الإسلام إلى غاية في ذاتها.

وحين يحدث ذلك تبدأ الجماعة في النظر إلى الآخرين بعين الريبة والاحتقار، وتتبع أخطاءهم، وتضخيم عثراتهم، والطعن في قياداتهم، وربما وصل الأمر إلى التفسيق والتضليل والتكفير.

وقد تنشأ جماعة في الأصل لهدف حسن، ثم تنزلق تدريجيًا إلى هذا المسار بسبب التعصب لفكرها أو تنظيمها.

والنتيجة أن يتحول الاختلاف من اختلاف في الوسائل والاجتهادات إلى خصومة دائمة.

وهذا يبدد الجهود، ويضعف الصف، ويجعل المسلمين يستهلكون طاقاتهم في الصراع الداخلي بدل توجيهها إلى الإصلاح والبناء.

والمنهج الأقوم هو الذي يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويقرّب ولا ينفّر.


ثالثًا: دواعي الاتفاق والوحدة

هناك دوافع كثيرة تدعو إلى الاتفاق، ويمكن تقسيمها إلى:

❶ دواعي شرعية

من أهمها أن الوحدة والتعاون بين المسلمين من المعاني التي جاءت النصوص الشرعية بتأكيدها.

قال تعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

فالمؤمن ليس غريبًا عن أخيه المؤمن بسبب اختلافه معه في مسألة فقهية أو فكرية أو تنظيمية.

ومن مقتضى الأخوة أن يتعاون المسلم مع أخيه على الخير، وأن يحفظ له حقه في الإسلام، وأن يزن الخلاف بميزانه الصحيح.

❷ دواعي واقعية

إن واقع الأمة اليوم يزيد الحاجة إلى التعاون؛ فالتفرق، والصراع الداخلي، والتعصب للجماعات، واستنزاف الطاقات في المعارك الجانبية، كلها عوامل تضعف العمل الإسلامي.

كما أن التعصب للجماعات قد يجعل الإنسان يرى جماعته على الحق المطلق، ويرى غيرها على الباطل المطلق، فيصبح الانتماء التنظيمي أشبه بمعيار للحكم على الناس.

وهنا ينبغي أن نتذكر أن الإسلام أوسع من أي جماعة، وأن الأمة أكبر من أي تنظيم، وأن خدمة الدين لا تنحصر في طريق واحد ولا في مؤسسة واحدة.


رابعًا: آداب الاختلاف

إذا كان الاختلاف واقعًا لا محالة، فإن السؤال ليس: كيف نلغي الاختلاف؟

بل:

كيف نختلف دون أن نتخاصم؟

وهنا تظهر مجموعة من الآداب المهمة:

❶ المحافظة على وحدة الأمة

المختلفون يجمعهم دين واحد، وكتاب واحد، ونبي واحد، وقبلة واحدة.

فلا ينبغي أن تكون المسألة المختلف فيها سببًا لنسف هذه الروابط الكبرى.

❷ احترام حرية الرأي في المسائل الاجتهادية

الخلاف في المسائل التي تحتمل الاجتهاد لا ينبغي أن يتحول إلى تهمة أو تخوين.

فالاجتهاد باب شرعي، وتعدد الأنظار في المسائل الاجتهادية أمر عرفه العلماء عبر تاريخ الأمة.

❸ الحكم على المخالف وفق أصوله هو

من الظلم أن تحاكم إنسانًا إلى لازم مذهبك أنت، ثم ترتب عليه أحكامًا لا يلتزم بها هو ولا يقول بها مذهبه.

وهذه قاعدة مهمة جدًا في الخلاف الفقهي والعقدي؛ إذ ينبغي فهم قول المخالف في سياقه وأصوله، قبل إصدار الأحكام عليه.

❹ ترك الطعن في الأشخاص والنيات

من أخطر ما يفسد الحوار أن يتحول النقاش من نقد الفكرة إلى اتهام صاحبها.

لا نعلم ما في القلوب، ولا يجوز أن نبني الأحكام على الظنون.

وقد قال تعالى:

﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾

ومن أخطر صور هذا الباب: أن يفسر الإنسان موقف مخالفه دائمًا بأسوأ الاحتمالات، ثم يبني على ذلك حكمًا عليه.

وقد علّم النبي ﷺ أصحابه خطورة الحكم على السرائر، فقال لأسامة بن زيد رضي الله عنه عندما وقع منه ما وقع:

«أفلا شققت عن قلبه؟»

فالقلوب لله، أما نحن فعلينا بظاهر القول والعمل، مع العدل والإنصاف.


خامسًا: آداب الحوار

الحوار الإسلامي ليس معركة لإسقاط الخصم، وإنما هو وسيلة للوصول إلى الحق.

ولهذا ينبغي أن يقوم على قواعد واضحة:

أولًا: الاستعداد للرجوع إلى الحق

ينبغي للمحاور أن يكون مستعدًا للتراجع عن رأيه إذا ظهر له الدليل.

فالثبات على الخطأ ليس قوة، كما أن الرجوع إلى الحق ليس هزيمة.

ثانيًا: اختيار أحسن الأساليب

قال تعالى:

﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

لم يقل: بالحسنة فقط، وإنما قال: بالتي هي أحسن.

فالحوار الشرعي يحتاج إلى الحكمة، وحسن العبارة، وضبط النفس، والابتعاد عن الاستفزاز.

ثالثًا: ترك السب والتجريح

قال النبي ﷺ:

«ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء»

فليس من أخلاق المؤمن أن يجعل الحوار ساحة للشتائم والسخرية والتشهير.

رابعًا: الابتعاد عن المراء المذموم

هناك فرق بين الحوار العلمي الذي يطلب الحق، وبين المراء الذي يطلب الغلبة.

وقد حذّر النبي ﷺ من الجدل الذي يبعد صاحبه عن الحق ويحوّل النقاش إلى خصومة.

فليس كل من انتصر في المناظرة قد انتصر للحق.

خامسًا: قبول نتيجة الحوار

إذا كان الموضوع مما يقبل الترجيح، فعلى المتحاورين أن يقبلوا بما يظهر لهم من قوة الدليل، لا أن يدخلوا الحوار وهم مصممون على النتيجة مسبقًا.

سادسًا: بقاء الأخوة رغم الاختلاف

وهذه من أعظم القواعد:

إذا لم نتفق، فلا يعني ذلك أن نتباغض.

قد تختلف مع أخيك في مسألة، ويبقى أخًا لك.

وقد تخالفه في منهج اجتهادي، وتحفظ له قدره وفضله.

فالخلاف لا ينبغي أن يمحو المودة، ولا أن يهدم الأخوة.


الخلاصة

إن الأمة لا تحتاج اليوم إلى المزيد من المعارك الداخلية بقدر حاجتها إلى فقه الاتفاق، وأدب الاختلاف، وأخلاق الحوار.

نحن لا نحتاج إلى أمة متطابقة في كل آرائها، وإنما نحتاج إلى أمة تعرف:

ما الذي يجب أن تتفق عليه،
وما الذي يسعها أن تختلف فيه،
وكيف تختلف دون أن تتباغض،
وكيف تتحاور دون أن تتخاصم،
وكيف تنقد الفكرة دون أن تهدم صاحبها.

فالاختلاف في دائرة الاجتهاد ليس مشكلة في ذاته، وإنما المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى تعصب، والتعصب إلى خصومة، والخصومة إلى قطيعة، والقطيعة إلى تكفير وتفسيق وتضليل.

ومن هنا يبقى الشعار الذي يحتاج إلى أن يتحول من مجرد عبارة متداولة إلى منهج عملي في حياتنا الدعوية:

نجتمع على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.

لكن العبرة ليست في ترديد الشعار، وإنما في القدرة على تطبيقه حين نختلف فعلًا.

فالوحدة الحقيقية لا تعني أن نتشابه في كل شيء، وإنما تعني أن نعرف كيف نحفظ الأخوة رغم الاختلاف، وكيف نجعل من تنوع الاجتهاد ثروةً للأمة لا سببًا لتمزقها.

اللهم ألّف بين قلوب المسلمين، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، واجعل اختلافهم اختلاف تنوع ورحمة، لا اختلاف خصومة وفرقة.

والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق