السبت، 12 سبتمبر 2026

اختلاف التنوع عند السلف حين تتعدد عبارات التفسير ويتوحد المعنى

 


اختلاف التنوع عند السلف

حين تتعدد عبارات التفسير ويتوحد المعنى

دراسة تأصيلية تطبيقية على سورة الفاتحة


مقدمة

الحمد لله الذي أنزل كتابه هدايةً للناس، وأرسل رسله لإظهار الحق وإقامة القسط، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد حظي القرآن الكريم بعناية لم يحظَ بها كتاب سواه؛ حفظًا لألفاظه، ومدارسةً لنصوصه، وتدبرًا لمعانيه، وتفسيرًا لأحكامه وهداياته.

ولا عجب في ذلك، فهو كلام الله تعالى، الذي تكفّل بحفظه، فقال سبحانه:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[الحجر: 9]

وقد تلقاه رسول الله ﷺ وبلّغه للأمة وبيّنه، قال تعالى:

﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾
[العنكبوت: 18]

ثم حمل الصحابة رضي الله عنهم هذا العلم، وتلقاه عنهم التابعون، وتتابعت جهود العلماء في تفسير كتاب الله تعالى وبيان معانيه.

ومع امتداد الزمن، وتنوع علوم العلماء، واختلاف مداركهم وطرائقهم في الفهم والاستنباط، كثرت الأقوال في تفسير الآية الواحدة.

وهنا يبرز سؤال مهم:

هل كل تعدد في أقوال المفسرين يعني اختلافًا حقيقيًا وتناقضًا في فهم القرآن؟

الجواب: لا.

فقد يكون اختلاف العبارات اختلافًا في التنوع، بحيث يذكر كل عالم جانبًا من المعنى، أو مثالًا له، أو وصفًا من أوصافه، أو لازمًا من لوازمه، بينما تكون الأقوال في حقيقتها متفقة غير متعارضة.

وهذا هو ما يُعرف عند أهل العلم بـ اختلاف التنوع.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة هذا النوع من الاختلاف، وبيان أسبابه وصوره، والكشف عن نماذج منه عند السلف، مع تطبيق ذلك على سورة الفاتحة.


المبحث الأول

الاختلاف في التفسير وأنواعه

فهم الصحابة رضي الله عنهم القرآن الكريم في ضوء اللغة العربية التي كانوا يتكلمونها، ومعرفتهم بأسباب النزول، ومشاهدتهم للوقائع التي نزلت فيها الآيات.

وإذا أشكل عليهم معنى آية أو لفظ رجعوا إلى رسول الله ﷺ، فيبيّن لهم ويوضح.

ومع ذلك، فقد كان يقع بينهم اختلاف في فهم بعض الآيات، نتيجة تفاوتهم في العلم بأسباب النزول، وما أحاط بالآية من أحداث وملابسات، وتفاوت قدراتهم في الاستنباط والفهم.

غير أن هذا الاختلاف كان قليلًا جدًا مقارنة بما ظهر في العصور اللاحقة.

ومن أهم أسباب قلة الاختلاف عند الصحابة:

أولًا: وجود رسول الله ﷺ بينهم.

فإذا وقع خلاف أمكنهم الرجوع إليه، فيكون قوله ﷺ هو الفاصل بينهم.

ثانيًا: سعة علمهم باللغة والشريعة.

فقد كانوا أهل اللسان العربي، وأعرف الناس بأساليب العرب ودلالات ألفاظها، إضافة إلى علمهم بالسنة وأسباب النزول.

ثالثًا: فضل العصر الذي عاشوا فيه.

فكلما كان العصر أقرب إلى عصر النبوة كان العلم أوضح، والقلوب أقرب إلى الاجتماع والائتلاف.

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ذلك بقوله إن النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن كان قليلًا جدًا، وأنه كلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر.

ولهذا كان الاختلاف يزداد ويتسع مع امتداد الزمن وتنوع المدارس والعلوم.


تعريف الاختلاف في التفسير

يمكن تعريف الاختلاف في التفسير بأنه:

عدم الاتفاق في بيان معنى الآية، وتعدد الأقوال في تفسيرها وبيان مرادها.

لكن هذا التعدد ليس على درجة واحدة؛ فقد يكون اختلافًا حقيقيًا لا يمكن الجمع بين أقواله، وقد يكون اختلافًا في العبارات والمعاني المتقاربة التي يمكن أن تجتمع كلها تحت دلالة الآية.

ولهذا قسم العلماء الاختلاف في التفسير إلى نوعين رئيسيين:

1. اختلاف التنوع

وهو أن تكون الأقوال الواردة في تفسير الآية صحيحة غير متعارضة، بحيث يمكن حمل الآية عليها جميعًا، أو يكون بعضها تفسيرًا لبعض، أو يكون كل قول منها ذكرًا لجانب من جوانب المعنى.

2. اختلاف التضاد

وهو أن تكون الأقوال متنافية بحيث لا يمكن حمل الآية عليهما معًا، فإذا صح أحد القولين تعذر صحة الآخر في الموضع نفسه.

ومن أمثلته المشهورة اختلاف السلف في معنى «القُرء» في قوله تعالى:

﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾
[البقرة: 228]

فقد قيل: المراد بالقرء الحيض، وقيل: الطهر.

وهذا اختلاف لا يمكن الجمع بين القولين في المراد المحدد للعدة؛ لأن الطهر غير الحيض.


كيف نميز بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد؟

يمكن النظر إلى الاختلاف من جهة اللفظ والمعنى على صور متعددة، من أهمها:

الصورة الأولى: اختلاف في اللفظ دون اختلاف حقيقي في المعنى.

الصورة الثانية: اختلاف في اللفظ والمعنى، مع احتمال الآية للمعنيين وعدم وجود تضاد بينهما، فتحمل الآية عليهما.

الصورة الثالثة: اختلاف في اللفظ والمعنى، مع عدم إمكان حمل الآية على المعنيين معًا؛ لوجود التضاد، فيرجح أحدهما بالدليل والسياق والقرائن.

وهذا التمييز مهم جدًا؛ لأن مجرد رؤية تعدد الأقوال في كتب التفسير لا تكفي للحكم بوجود خلاف حقيقي.


أسباب اختلاف السلف في التفسير

للاختلاف في التفسير أسباب متعددة، ومن أبرزها:

  • اختلاف القراءات القرآنية.
  • اختلاف وجوه الإعراب.
  • الاشتراك اللغوي.
  • العام والخاص.
  • اختلاف دلالة الألفاظ.
  • مسائل الحقيقة والمجاز.
  • النسخ والإحكام.
  • اختلاف الرواية عن رسول الله ﷺ.
  • عدم بلوغ الحديث لبعض الصحابة أو المفسرين.
  • اختلاف الفهم في بعض النصوص.
  • وجود أكثر من معنى تحتمل الآية إرادته.

وليس المقصود هنا استقصاء هذه الأسباب وشرحها بالتفصيل، وإنما الإشارة إليها؛ لأن موضوع البحث الأساسي هو اختلاف التنوع وصوره عند السلف.


المبحث الثاني

مناهج المفسرين في عرض الاختلاف

الاختلاف في فهم النصوص أمر عرفه العلماء، لكنهم لم يكونوا يتعاملون معه بطريقة واحدة.

فمن المفسرين من يذكر الأقوال دون ترجيح، ومنهم من يذكرها ثم يرجح بينها، ومنهم من يذكر الأقوال ويبين الراجح ويذكر الدليل الذي اعتمد عليه في الترجيح.

والقاعدة المهمة هنا:

ليس كل اختلاف يحتاج إلى ترجيح.

فإذا كانت الأقوال متفقة في أصل المعنى، وإنما اختلفت عبارات أصحابها أو ذكر كل واحد منهم جانبًا من جوانب المعنى، فليس هناك داعٍ إلى إسقاط قول لصالح قول آخر.

أما إذا كانت الأقوال متعارضة ولا يمكن الجمع بينها، فهنا تظهر الحاجة إلى الترجيح والنظر في الأدلة.

ومن أفضل طرائق المفسر أن:

  1. يذكر الأقوال المعتبرة.
  2. يميز بين الصحيح والشاذ.
  3. يجمع بين الأقوال التي يمكن الجمع بينها.
  4. يرجح عند وجود التعارض.
  5. يذكر مستند الترجيح ووجهه.

أولًا: عرض الأقوال دون بيان الراجح

من المفسرين الذين اشتهر عنهم هذا الأسلوب الماوردي وابن الجوزي.

ومن أمثلة ذلك ما أورده ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى:

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾
[البقرة: 176]

فقد نقل عدة أقوال في المراد بالكتاب، وفي المراد بالحق، وفي معنى اختلافهم في الكتاب، دون أن يجعل غرضه الأساسي ترجيح قول واحد.

وهذا المنهج مفيد في جمع المادة التفسيرية، لكنه قد يحتاج في بعض المواضع إلى مزيد من البيان، خصوصًا إذا كان الخلاف من اختلاف التضاد.


ثانيًا: ذكر الخلاف مع بيان الراجح دون تفصيل مستنده

ومن المفسرين الذين سلكوا هذا المسلك ابن عطية رحمه الله.

فقد كان يذكر الاحتمالات الواردة في تفسير الآية، ويعرض أقوال المفسرين، ثم يبين أحيانًا أن بعضها متقارب ويمكن الجمع بينها.

ومن أمثلة ذلك تفسيره لقوله تعالى:

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[البقرة: 269]

فقد نقل عن السلف أقوالًا متعددة في معنى الحكمة:

فقيل: هي النبوة.

وقيل: المعرفة بالقرآن وفقهه ومحكمه ومتشابهه.

وقيل: الفقه في الدين.

وقيل: الإصابة في القول والفعل.

وقيل: العقل في الدين.

وقيل: المعرفة بالدين والفقه فيه واتباعه.

ثم بيّن أن معظم هذه الأقوال متقاربة، وأنها تعود إلى معنى جامع.

وهذا مثال واضح على أن تعدد العبارات لا يعني بالضرورة تعدد المعاني المتعارضة.


ثالثًا: عرض الخلاف وبيان الراجح وذكر مستند الترجيح

وهذا من أبرز المناهج التي اشتهر بها الإمام الطبري في تفسيره.

فهو لا يكتفي عادةً بجمع الأقوال، بل يعرض الروايات، وينظر في اللغة والسياق والدليل، ثم يبين القول الذي يراه أصوب.

ومن أمثلة ذلك تفسير قوله تعالى:

﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾
[يوسف: 20]

فقد وردت أقوال في تحديد عدد الدراهم التي بيع بها يوسف عليه السلام، فذكر الطبري تلك الأقوال، ثم بيّن أن القرآن لم يحدد العدد، ولا يترتب على معرفة العدد حكم ديني أو فائدة شرعية معتبرة.

وهنا يظهر منهج مهم في التفسير:

ليس كل ما يمكن البحث عنه يستحق أن يكون موضع نزاع وترجيح.

فبعض التفاصيل لم يأت النص بتحديدها، ولا يترتب على معرفتها عمل، فيكون الاشتغال بها من التكلف الذي لا حاجة إليه.


الترجيح بالحديث واللغة والقواعد

قد يعتمد المفسر في ترجيحه على الحديث الصحيح، وقد يعتمد على اللغة العربية، وقد يجمع بين أكثر من دليل.

ومن ذلك ما يظهر في تفسير الطبري لقوله تعالى:

﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾
[هود: 40]

حيث نقل أقوالًا متعددة في معنى التنور، ثم رجح المعنى المعروف في كلام العرب، وهو التنور الذي يخبز فيه؛ لأن الأصل أن يحمل كلام الله على المعروف الأشهر من معاني الألفاظ عند العرب، ما لم يدل دليل على غيره.

كما يستند المفسرون إلى قواعد أصولية، مثل:

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

و:

الخبر يبقى على عمومه حتى يأتي ما يخصصه.

وهكذا تتنوع أدوات المفسر في دراسة الاختلاف وترجيح الأقوال.


المبحث الثالث

صور اختلاف التنوع عند السلف

اختلاف التنوع هو اختلاف يمكن أن تجتمع فيه الأقوال؛ لأن المعاني صحيحة وغير متناقضة.

وقد يكون كل قول منها تعبيرًا عن جانب من المعنى، أو مثالًا له، أو وصفًا من أوصافه، أو لازمًا من لوازمه.

ولهذا كان كثير من اختلاف السلف في التفسير من هذا النوع.

بل إن بعض السلف لم يكن يعد بعض هذه الصور اختلافًا أصلًا.

ومن أشهر الأمثلة ما نقل عن سفيان بن عيينة في تفسير قوله تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ۝ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾
[التكوير: 15-16]

فقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنها بقر الوحش، وعن علي رضي الله عنه أنها النجوم.

وقد بيّن سفيان بن عيينة أن كلا القولين يمكن أن يرجع إلى وصف الخُنّس؛ فالنجوم تخنس، وبقر الوحش تخنس أيضًا.

وهذا يوضح لنا أن:

تعدد التفسير لا يعني دائمًا تعدد المراد، وقد تكون الآية أوسع من أن يحصر معناها في عبارة واحدة.

ومن أهم صور اختلاف التنوع عند السلف:


الصورة الأولى

اختلاف الأسماء والصفات مع اتحاد المسمّى

قد يعبّر أحد العلماء عن الشيء باسم، ويعبّر الآخر عنه باسم آخر، مع أن المسمى واحد.

ومن أوضح الأمثلة:

أسماء الله الحسنى.

فالله سبحانه وتعالى واحد، لكن له أسماء متعددة، وكل اسم يدل على الذات الإلهية، ويشير في الوقت نفسه إلى صفة من صفاته.

قال تعالى:

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
[الإسراء: 110]

فليس الدعاء باسم الله متعارضًا مع الدعاء باسم الرحمن، ولا باسم الغفور، ولا باسم الرحيم.

وكذلك أسماء النبي ﷺ، مثل:

محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب.

فالمسمى واحد، وإنما تتنوع الأسماء والصفات والدلالات.

وينطبق هذا كذلك على أسماء القرآن، مثل:

الكتاب، والفرقان، والهدى، والشفاء، والبيان.

وقد أشار ابن تيمية إلى أن السلف قد يعبرون عن المسمى الواحد بعبارات مختلفة، مع أن كل عبارة تتضمن وصفًا لا تتضمنه العبارة الأخرى.

وهذا اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.


ومن هذا الباب: تعدد الأوصاف في تفسير اللفظ

قال تعالى:

﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾
[الطور: 9]

فنقل عن السلف في معنى تمور:

  • تتحرك.
  • تضطرب.
  • يموج بعضها في بعض.
  • تتشقق.

وقد تبدو هذه العبارات لأول وهلة كأنها أقوال مختلفة، لكنها عند التأمل تصف أحوالًا مترابطة تقع للسماء في ذلك اليوم.

ولهذا قال ابن عطية إن هذه الأقوال كلها تفاسير بالمعنى.

وكذلك قوله تعالى:

﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾
[النبأ: 34]

فقد قيل في دهاقًا:

  • ممتلئة.
  • متتابعة.
  • صافية.

وهذه الأوصاف لا يلزم أن تكون متعارضة، بل يمكن أن تجتمع في وصف واحد.


الصورة الثانية

التفسير بالمثال

ومن صور اختلاف التنوع أن يذكر المفسر مثالًا من أفراد المعنى العام، بينما يذكر مفسر آخر مثالًا آخر.

وهنا لا يكون المقصود حصر الآية في المثال المذكور، وإنما تقريب معناها إلى ذهن القارئ.

ومن ذلك قوله تعالى:

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
[فاطر: 32]

فقد يفسر المفسر السابق بالخيرات بإنسان يحرص على الصلاة في أول وقتها، بينما يذكر آخر صورة أخرى من صور المسارعة في الخير.

وكذلك قد يذكر أحدهم مثالًا للظالم لنفسه بارتكاب بعض المحرمات، ويذكر آخر مثالًا مختلفًا.

فهل معنى ذلك أن المفسرين متناقضون؟

لا.

إنما كل واحد منهم ذكر فردًا من أفراد المعنى العام.

والتعريف بالمثال من أسهل طرق التعليم والإيضاح.


أسباب النزول من هذا الباب أيضًا

قد ترد الرواية بأن آية معينة نزلت بسبب حادثة وقعت لشخص بعينه.

مثل ما يذكر في آيات اللعان، أو بعض آيات الأحكام.

لكن ذكر الشخص الذي نزلت الآية بسبب حادثته لا يعني أن حكم الآية محصور فيه.

ولهذا قرر العلماء قاعدة:

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

فالآية قد تنزل بسبب حادثة معينة، لكنها تتناول كل من دخل تحت لفظها وحكمها.

إذن:

ذكر سبب معين للنزول لا يعني حصر الحكم في صاحبه.


ومن أمثلة التفسير بالمثال قوله تعالى:

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾
[التكاثر: 8]

فقد ورد في تفسير النعيم ذكر:

  • الأمن.
  • الصحة.
  • الطعام.
  • الشراب.
  • السمع.
  • البصر.
  • وغير ذلك من النعم.

فليس المقصود أن أحد هذه الأمور يلغي الآخر، وإنما هي أمثلة لأفراد النعيم الذي يسأل عنه الإنسان.


الصورة الثالثة

اللفظ المحتمل لأكثر من معنى

قد يكون اللفظ القرآني مشتركًا في اللغة، فيحتمل أكثر من معنى.

ومن أمثلة ذلك لفظ العين؛ فهو في العربية يطلق على العين الباصرة، ويطلق على عين الماء، ويطلق في بعض الاستعمالات على الجاسوس.

وكذلك لفظ الظن، فقد يأتي بمعنى الشك، وقد يأتي بمعنى اليقين بحسب السياق.

ومن أمثلة الاشتراك في القرآن لفظ قسورة في قوله تعالى:

﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾
[المدثر: 51]

فقد قيل: الرامي، وقيل: الأسد، وقيل: غير ذلك.

وكذلك قوله تعالى:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾
[التكوير: 17]

فقد قيل: أقبل، وقيل: أدبر.

وهذا من الألفاظ التي تحتمل في العربية أكثر من استعمال.


الاشتراك في الحروف

ولا يقتصر الأمر على الأسماء والأفعال، بل قد يقع الاشتراك في بعض الحروف.

فحرف «مِن» مثلًا يأتي لابتداء الغاية، ويأتي للتبعيض، ويأتي للسببية، ويأتي لبيان الجنس، بحسب السياق.

ولهذا فإن معرفة دلالات الألفاظ العربية من أهم الأدوات التي يحتاجها المفسر.


احتمال عودة الضمير

ومن صور اختلاف التنوع أو الاختلاف الناشئ عن الاحتمال اللغوي: أن يكون الضمير محتملًا لأكثر من مرجع.

ومن أمثلته قوله تعالى:

﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ۝ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾
[النجم: 8-9]

حيث وقع البحث في مرجع الضمير، وما المراد بمن دنا وتدلى.

ومثل ذلك قوله تعالى:

﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾
[الانشقاق: 6]

حيث يبحث المفسر في مرجع الضمير بحسب ما يحتمله السياق.


أسماء الأجناس

ومن صور الاحتمال كذلك الألفاظ التي تطلق على الجنس العام.

مثل قوله تعالى:

﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾
[الفجر: 1-2]

فقد قيل: الفجر عموم الفجر، وقيل: فجر ذي الحجة، وقيل: فجر من أيام مخصوصة.

ومثل ذلك الألفاظ التي تكون أوصافًا يمكن أن تنطبق على أكثر من شيء.


مثال: «الخُنَّس»

قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ۝ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾

فقيل:

هي بقر الوحش والظباء.

وقيل:

هي النجوم والكواكب.

فالوصف المذكور في الآيات يمكن أن ينطبق على أكثر من جهة، ولذلك لا يصح بمجرد تعدد القول أن نحكم بأن أحد المفسرين خالف الآخر مخالفة تضاد.

لكن إذا تعذر حمل الأقوال جميعًا، انتقل المفسر إلى الترجيح، مستعينًا بالسياق واللغة والأدلة.


الصورة الرابعة

التعبير بألفاظ متقاربة وليست مترادفة تمامًا

قد يستخدم المفسرون ألفاظًا متعددة متقاربة في الدلالة، بحيث يشير كل لفظ إلى جانب من المعنى.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:

﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾
[الأنعام: 70]

فقد نقل في معنى تبسل:

  • تسلَّم.
  • تفتضح.
  • تحبس.
  • تؤخذ.
  • تجزى.
  • ترتهن.

وقد تبدو هذه العبارات متعددة جدًا، لكن عند التأمل نجد أنها تدور حول معنى جامع، هو الارتهان والحبس بسبب العمل وعدم القدرة على التخلص من أثره.

فكل تفسير منها يبرز جانبًا من الصورة.


وكذلك قوله تعالى:

﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾
[ق: 38]

فقد نقل عن ابن عباس ومجاهد: نصب.

وعن ابن زيد: عناء.

وعن سفيان: سآمة.

وهذه الألفاظ وإن اختلفت، فإنها تدور حول معنى واحد، هو انتفاء التعب والمشقة والعناء.


القاعدة الكبرى

من خلال هذه الصور يتبين أن كثيرًا من اختلافات السلف في التفسير ليست اختلاف تضاد، وإنما هي:

اختلاف في العبارة، أو اختلاف في المثال، أو اختلاف في الوصف، أو اختلاف في جهة من جهات المعنى.

وقد عبّر الزركشي عن هذه الحقيقة بقوله إن كثرة الأقوال في معنى الآية قد توهم من لا يفهم طبيعة هذا الاختلاف أن بينها خلافًا حقيقيًا، بينما يكون كل مفسر قد ذكر معنى ظهر له من الآية، أو ذكر لازمًا لها، أو مقصدًا من مقاصدها، أو ثمرة من ثمراتها.

ولهذا ينبغي أن ننتبه إلى قاعدة مهمة:

اختلاف العبارات لا يعني بالضرورة اختلاف المرادات.

وما أجمل التعبير الشعري:

عباراتنا شتّى وحُسنُك واحدٌ
وكلٌّ إلى ذاك الجمالِ يشيرُ


المبحث الرابع

اختلاف التنوع في سورة الفاتحة

تُعد سورة الفاتحة نموذجًا مناسبًا جدًا لدراسة اختلاف التنوع؛ لأنها اشتملت على ألفاظ عظيمة المعاني، وتعددت فيها عبارات السلف، مع بقاء كثير من تلك الأقوال في دائرة المعنى المتكامل.


أولًا: فضل سورة الفاتحة ومكانتها

الفاتحة سورة عظيمة الشأن، وهي مكية في قول الجمهور، وهو الراجح، وقيل: مدنية.

ومن أسمائها:

أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والحمد، والصلاة، والشافية.

وتدور موضوعاتها حول:

  • استحقاق الله تعالى للحمد.
  • بيان شيء من صفاته.
  • إفراده بالعبادة والاستعانة.
  • سؤال الهداية.
  • بيان الصراط المستقيم.
  • التحذير من طرق الانحراف.

وقد وردت في فضلها أحاديث صحيحة، منها ما يدل على أنها أعظم سور القرآن، وأنها ركن في الصلاة، وأنها تستعمل في الرقية.

ومن الأحاديث العظيمة في فضلها ما رواه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في نزول جبريل عليه السلام وبشارته النبي ﷺ بنورين لم يؤتهما نبي قبله، وهما فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة.


التطبيق الأول

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

ورد عن السلف في معنى الحمد عبارات متعددة.

فنقل عن علي رضي الله عنه أنه كلمة عظيمة رضيها الله لنفسه وأحبها.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الحمد كلمة الشكر.

وعن كعب الأحبار: الحمد ثناء الله تعالى.

وعن الضحاك: الحمد رداء الرحمن.

وقد تبدو هذه الأقوال لأول وهلة مختلفة، لكنها عند التأمل لا تتعارض؛ لأنها تشرح جوانب متقاربة من حقيقة الحمد.

فالحمد يتضمن الثناء على الله تعالى، وشكره، وتعظيمه، وإظهار كماله واستحقاقه للحمد.

ولهذا يمكن إدراج هذه الأقوال في التفسير بالمثال أو بيان جوانب المعنى.


التطبيق الثاني

﴿رَبِّ﴾

ورد عن السلف أن الرب هو:

المالك.

وقيل:

السيد.

واللفظان متقاربان من جهة الدلالة على السيادة والملك والتدبير.

فليس المقصود أن أحد القولين ينقض الآخر، بل إن كل واحد منهما يبرز جانبًا من معنى الربوبية.


التطبيق الثالث

﴿الْعَالَمِينَ﴾

وردت في تفسير العالمين أقوال متعددة.

فقيل:

كل موجود سوى الله تعالى.

وقيل:

أهل كل زمان عالم.

وقيل:

الجن والإنس.

وهذه الأقوال يمكن النظر إليها على أنها من باب ذكر بعض أفراد العالم أو بعض جهاته، بحسب المراد من السياق.


التطبيق الرابع

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

ذكر السلف في الفرق بين الاسمين معاني متعددة تدور حول الرحمة.

فقيل:

الرحمن أعم وأشمل، ورحمته تعم الخلق.

وقيل:

الرحيم أخص بالمؤمنين.

واستُدل لذلك بمواضع من القرآن، كقوله تعالى:

﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
[طه: 5]

وقوله تعالى:

﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
[الأحزاب: 43]

والخلاف هنا في كثير من صوره ليس اختلافًا في أصل ثبوت الرحمة لله تعالى، وإنما في دلالة كل اسم وخصوص استعماله واتساع مدلوله.


التطبيق الخامس

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

وهذه من أوضح صور اختلاف التنوع؛ لأن القراءتين:

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

و:

﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

قراءتان صحيحتان متواترتان.

فليس لدينا هنا تعارض بين تفسيرين متناقضين، وإنما ورد اللفظ القرآني على قراءتين صحيحتين، وكل واحدة منهما تضيف دلالة عظيمة.

فـ مالك تدل على الملك والاختصاص والتصرف.

وملك تدل على السلطان والحكم والأمر.

والله سبحانه وتعالى مالك يوم الدين وملكه، له السلطان المطلق والتصرف المطلق في ذلك اليوم.

ولهذا تتكامل الدلالتان ولا تتعارضان.


التطبيق السادس

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

من أجمل الأمثلة على اختلاف التنوع ما ورد عن السلف في تفسير الصراط المستقيم.

فقيل:

هو القرآن.

وقيل:

هو الإسلام.

وقيل:

هو السنة.

وقيل:

هو طريق أبي بكر وعمر.

وقد يبدو لمن ينظر إلى هذه الأقوال نظرة سطحية أنها أقوال متعارضة.

لكنها عند التأمل متلازمة متكاملة.

فالقرآن هو كتاب الإسلام.

والإسلام هو الدين الذي جاء به القرآن.

والسنة تبيّن القرآن وتشرح طريق العمل به.

وطريق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إنما هو من جهة التزامهما بالكتاب والسنة والإسلام.

ولهذا قرر ابن تيمية أن القول بأن الصراط هو القرآن والقول بأنه الإسلام متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن.

إذن:

تعددت العبارات، لكن الطريق واحد.

وهذه هي الصورة التي ينبغي أن نفهم بها كثيرًا من أقوال السلف في تفسير القرآن.


الخلاصة

بعد استعراض مفهوم اختلاف التنوع، وبيان الفرق بينه وبين اختلاف التضاد، والنظر في مناهج المفسرين وصور اختلاف السلف، ثم تطبيق ذلك على سورة الفاتحة، تتضح لنا حقيقة مهمة:

ليست كثرة الأقوال في تفسير الآية دليلًا على التناقض.

فقد يذكر أحد السلف المعنى العام، ويذكر الآخر مثالًا من أمثلته، ويذكر ثالث وصفًا من أوصافه، ويذكر رابع لازمه أو أثره.

وقد يختلفون في الألفاظ بينما يكون المسمى واحدًا.

وقد تكون الآية تحتمل أكثر من معنى صحيح لا تعارض بينه.

وقد تكون القراءات المتواترة نفسها سببًا في تنوع الألفاظ والدلالات، مع بقاء الجميع قرآنًا صحيحًا.

وقد يكون الخلاف ناشئًا عن سعة اللغة العربية، وتعدد دلالات بعض الألفاظ، أو اختلاف وجوه التعبير.

ومن هنا فإن من الخطأ أن نرى عدة أقوال في كتاب من كتب التفسير، ثم نسارع إلى القول:

«اختلف السلف!»

قبل أن نسأل:

هل هو اختلاف تضاد أم اختلاف تنوع؟

وهل الأقوال متناقضة فعلًا؟

أم أن كل قول منها يضيء جانبًا من المعنى؟

وهل المفسر أراد حصر معنى الآية في قوله، أم ذكر مثالًا أو لازمًا أو وصفًا؟


كلمة أخيرة

إن إدراك طبيعة اختلاف التنوع يساعدنا على قراءة كتب التفسير قراءة أكثر إنصافًا ودقة.

فالسلف لم يكونوا دائمًا يتنافسون لإسقاط أقوال بعضهم بعضًا، بل كثيرًا ما كان أحدهم يذكر وجهًا من وجوه المعنى، ويذكر الآخر وجهًا آخر، فتتكامل الأقوال بدل أن تتناقض.

ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يتعلم فقه الاختلاف قبل أن يحكم على الاختلاف.

فليس كل اختلاف خلافًا.

وليس كل تعدد تناقضًا.

وليس كل اختلاف في العبارة اختلافًا في المراد.

بل قد تكون الحقيقة واحدة، وتتنوع طرق التعبير عنها.

عباراتنا شتّى وحُسنُك واحدٌ
وكلٌّ إلى ذاك الجمالِ يشيرُ

وهذه القاعدة لا تُغني عن الترجيح عندما يكون هناك تضاد حقيقي، لكنها تمنعنا من تحويل اختلاف التنوع إلى خصومة، أو تناقض، أو تخطئة متبادلة بلا موجب.

والله تعالى أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


المصادر والمراجع الواردة في البحث

  • فهد الرومي، بحوث في أصول التفسير.
  • ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير.
  • مناع القطان، مباحث في علوم القرآن.
  • مساعد الطيار، فصول في أصول التفسير.
  • ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
  • ابن الجوزي، زاد المسير.
  • ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
  • الطبري، جامع البيان.
  • الذهبي، التفسير والمفسرون.
  • الزركشي، البرهان في علوم القرآن.
  • السيوطي، الدر المنثور.
  • الشوكاني، فتح القدير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق