الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

العربية بين الخطر والحماية كيف نحفظ لغة القرآن في المدرسة والجامعة والإعلام والحياة؟

 

العربية بين الخطر والحماية

كيف نحفظ لغة القرآن في المدرسة والجامعة والإعلام والحياة؟

أ.د. زهير غازي زاهد

جامعة بغداد


تمهيد: اللغة تحتاج إلى أمن

حديثي هنا عن الوسائل التي يمكن أن تحقق الأمن للغة العربية؛ فهي في حاجتها إلى الأمن كحاجتها إلى الأمن الاقتصادي والسياسي والغذائي.

والعربية بحاجة إلى من يعيد إليها نشاطها وحيويتها، كما كانت في عصور مشرقة من تاريخها، وقد توافرت الوسائل التي يمكن ـ لو أُحسن استعمالها بوعي وحرص على مستقبل الأمة ـ أن تحقق النتائج المنشودة، وأن تخفف من ثقل اليأس الذي أخذ يمتد إلى آفاقنا.

وهذا اليأس قد يكون سببه أحيانًا قصر النظر في تقدير الأحداث ونتائجها، وقد يكون سببه أحيانًا أخرى الانشغال بالأطماع والمكاسب الفردية المؤقتة، أو المكاسب السلطوية مهما طال أمدها، فيكون أثرها الجماعي الضار أوسع وأقسى من فائدتها.

ومن هنا فإن قضية اللغة ليست قضية هامشية، بل هي قضية تتصل بالثقافة والتعليم والعلوم والإعلام والهوية ومستقبل المجتمع.


أولًا: نحو سياسة لغوية عربية موحّدة

لقد أخفق العرب في المرحلة المعاصرة، ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين، في تحقيق الوحدة في المجال السياسي والاقتصادي، بل وحتى في المواقف من كثير من القضايا المصيرية.

ولذلك ينبغي ـ في الحد الأدنى ـ أن نجتهد في الحفاظ على وحدة اللسان العربي، وعلى حضور اللغة العربية الفصيحة في حياة أبنائها.

لقد أصبحت اللغة من أهم مقومات الدولة الحديثة، ولذلك فإن هذه البلبلة اللسانية والفوضى في استعمال اللغة، ولا سيما في أخطر ميادينها: التعليم والإعلام والإدارة، تفرض على علماء اللغة والمثقفين والمؤسسات المختلفة أن يقفوا وقفة جادة أمام ما يواجه العربية من تحديات.

فاللغة لا تُحمى بالشعارات، وإنما تحتاج إلى سياسة واضحة، وتخطيط طويل المدى، ومؤسسات قادرة على التنفيذ.

ومن هنا ينبغي أن يكون التخطيط اللغوي على مستوى عربي واسع، بالتعاون بين مؤسسات جامعة الدول العربية، والمجامع اللغوية، والجامعات، ووزارات التربية والتعليم، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية.

ولا ينبغي أن يكون التخطيط جزئيًا، بل شاملًا لمختلف مجالات الحياة:

  • التعليم بمراحله المختلفة.

  • الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي.

  • الإدارة ومؤسسات الدولة.

  • الجامعات والتعليم العالي.

  • المؤسسات الثقافية.

  • اتحادات الأدباء والمعلمين والنقابات.

  • وسائل النشر والتأليف والترجمة.

وينبغي أن يشرف على ذلك علماء متخصصون يعملون بروح جماعية، بعيدًا عن التعصب والفرقة؛ لأن الخطر الذي يهدد اللغة لا يفرق بين قطر عربي وآخر، ولا بين فئة وأخرى، كما أن قوة العربية وازدهارها مكسب لجميع أبنائها.

وقد صدرت في عدد من الأقطار العربية قوانين وقرارات تهدف إلى المحافظة على سلامة العربية، ومنها قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية رقم (74) لسنة 1977 في العراق، وما صدر في تونس وليبيا، وكذلك قانون التعريب في الجزائر.

لكن هذه القوانين ـ على أهميتها ـ بقيت في كثير من الأحيان محدودة من حيث نطاقها أو التنفيذ؛ ولذلك تظل الحاجة قائمة إلى سياسة لغوية عربية شاملة، تجعل إصلاح اللغة جهدًا متوازيًا في المدرسة والجامعة والإعلام والإدارة والبيت والسوق وسائر مجالات الحياة.

فالتخطيط اللغوي لا يتحقق بمجرد إصدار القرارات أو وضع المصطلحات، وإنما بقابلية هذه القرارات للتطبيق، وبوجود المؤسسات التي تتابع تنفيذها.

فلا قيمة للمصطلحات إذا لم تُستخدم في المجالات التي أُعدّت لها، كما أن التوعية اللغوية ضرورية لتهيئة المناخ المناسب لتلقي هذه المصطلحات.

وقد ظهرت عبر العقود محاولات للتعاون بين المجامع اللغوية والمؤسسات العربية، ومنها الجهود التي رافقت إعداد المعجم العسكري العربي الموحد، ثم إنشاء مكتب تنسيق التعريب، فضلًا عن محاولات أخرى لوضع خطة لغوية عربية شاملة.

غير أن هذه الجهود لم تتطور إلى مشروع متكامل ومستمر.

وهنا تكمن المشكلة: اللغة لا تحتاج إلى مزيد من الأمنيات، وإنما تحتاج إلى التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقويم.

ومن المهم التأكيد أن الدعوة إلى التخطيط اللغوي وتعزيز العربية لا تعني الوقوف في وجه تعلم اللغات الأجنبية.

بل إن إتقان لغة أجنبية أو أكثر أصبح أمرًا بالغ الأهمية في عصر تتسارع فيه العلوم والمعارف والاتصالات.

إن المطلوب هو أن يتعلم العربي اللغات الحية، من دون أن يتحول ذلك إلى إضعاف لغته الأصلية أو إقصائها عن مجالات العلم والثقافة والحياة العامة.


ثانيًا: تعريب التعليم والعلوم

لقد أثبت تاريخ العربية أنها ليست لغة جامدة أو عاجزة عن استيعاب الجديد.

ففي العصر الإسلامي استوعبت العربية التحولات الجديدة في المجتمع والفكر والعقيدة، ثم انتقلت إلى أمم أخرى فأقبلت على تعلمها.

وفي العصر الأموي استطاعت أن تستوعب تعريب الدواوين وتنظيم الإدارة وشؤون المجتمع، واستفادت من تجارب الأمم الأخرى، كالروم والفرس والهنود.

ثم جاء العصر العباسي، فازدادت العربية قدرة على استيعاب العلوم والفلسفة والأدب، وظهرت المصطلحات الجديدة عن طريق:

الاشتقاق، والقياس، والتعريب، والنحت، والترجمة، والاقتراض اللغوي.

وقد استطاعت العربية أن تروّض كثيرًا من الألفاظ والمصطلحات الوافدة، وتجعلها منسجمة مع نظامها اللغوي.

فلماذا يُقال اليوم إن العربية عاجزة عن استيعاب العلوم الحديثة؟

إن التجارب الحديثة نفسها تقدم نماذج مخالفة لهذا التصور؛ فقد دُرست علوم الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء والجيولوجيا وعلوم الذرة والفضاء والهندسة وغيرها باللغة العربية في بعض الجامعات والمؤسسات التعليمية العربية.

كما أن دولًا كثيرة، لا تتمتع لغاتها بعدد المتحدثين الذي تتمتع به العربية، تدرّس العلوم المختلفة بلغاتها الوطنية، مثل بولندا والمجر والدنمارك ورومانيا والسويد والنرويج وبلغاريا وغيرها.

وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن تعلم العلوم باللغة الأم يمكن أن يساعد على زيادة الفهم والاستيعاب.

ومن التجارب التي ذُكرت في هذا المجال تجربة أجريت في الجامعة الأمريكية في بيروت في منتصف الستينيات، حيث دُرست مادة علمية لمجموعتين من الطلاب، تلقت إحداهما المادة باللغة الإنجليزية، بينما تلقتها الأخرى باللغة العربية، ثم اختُبرت المجموعتان، فكانت نسبة الاستيعاب أعلى لدى المجموعة التي درست المادة بالعربية، بحسب ما أورده الباحث في مصدره.

وهذا كله يقودنا إلى نتيجة مهمة:

العربية ليست عاجزة عن استيعاب العلوم؛ وإنما المشكلة في قدرتنا نحن على تطوير أدواتها، وإنتاج المصطلحات، وتعريب المعرفة، وبناء المؤسسات التي تجعل استخدامها ممكنًا وفعالًا.


ثالثًا: المصطلح اللغوي بين التعدد والتوحيد

للمصطلح أهمية كبرى في حياة اللغات، وتوحيده في الاستعمال يقلل من الاضطراب والبلبلة، ويجعل التواصل العلمي أكثر وضوحًا.

لكن غياب التخطيط العربي المشترك أدى إلى تعدد المصطلحات للمفهوم الواحد.

فقد نجد ـ على سبيل المثال ـ:

علم اللغة، فقه اللغة، اللسانيات، الألسنية

تُستخدم أحيانًا للدلالة على مجال متقارب، وكذلك نجد:

الهيكلية، البنيوية، البنائية.

ولا يقتصر الأمر على علم اللغة، بل يمتد إلى الأدب والنقد والعلوم المختلفة، بل وحتى إلى أسماء الشهادات والتخصصات الجامعية.

إن تعدد المصطلحات ليس مشكلة في ذاته إذا كان ناتجًا عن اختلاف علمي حقيقي، لكن المشكلة تظهر عندما تكون الدلالة واحدة والمصطلحات متعددة بلا تنسيق.

فالمطلوب ليس إلغاء الاجتهاد العلمي، وإنما جعل الاجتهاد الفردي جزءًا من جهد جماعي مؤسسي.

وينبغي أن تُسند قضية المصطلح إلى لجان متخصصة، تتعاون فيها المجامع اللغوية والجامعات والمؤسسات العلمية، بحيث يُدرس المصطلح، ويُختار المقابل المناسب، ثم يُعمل على نشره قبل أن يستقر المصطلح الأجنبي على ألسنة الناس.

فمن الأخطاء التي تقع أن ننتظر حتى ينتشر المصطلح الأجنبي، ثم نبدأ بعد ذلك في البحث عن بديل عربي.

وهكذا ظهرت اقتراحات لمصطلحات لم تستطع منافسة الألفاظ الأجنبية بعد شيوعها، في حين نجحت ألفاظ عربية أخرى نجاحًا واضحًا، مثل:

الهاتف، السيارة، المذياع.

فإذا أُعد المصطلح العربي وأُشيع في الوقت المناسب، أمكن له أن يحل محل اللفظ الأجنبي.

ومن هنا تظهر أهمية التوقيت في العمل المصطلحي.

فالمصطلح الذي يوضع اليوم ويُستخدم في التعليم والإعلام والتأليف يمكن أن يصبح مألوفًا بعد سنوات، أما المصطلح الذي يوضع بعد عقود من استقرار اللفظ الأجنبي، فقد يواجه مقاومة شديدة.

ولهذا فإن قضية المصطلح ليست قضية لغوية فحسب، وإنما هي قضية تخطيط وتنسيق وتنفيذ.


رابعًا: هل كل لفظ أجنبي يجب أن يُترجم؟

ليس من الحكمة أن نتعامل مع التعريب بمنطق الرفض المطلق لكل لفظ أجنبي.

فاللغة العربية نفسها عبر تاريخها الطويل أخذت ألفاظًا من لغات أخرى، ثم أخضعتها لنظامها وأدخلتها في استعمالها.

ومن أمثلة الألفاظ التي أصبحت جزءًا من العربية:

المسك، الباذنجان، النرجس، الورشة، القرصان.

وكذلك توجد مصطلحات عالمية قد يكون تعريبها أو اقتراضها أنسب من البحث عن مقابل عربي متكلف، ولا سيما أسماء بعض العناصر والمواد والمركبات والأدوية والمصطلحات العلمية التي قد تفقد دلالتها الدقيقة إذا أُفرط في ترجمتها.

كما أن هناك ألفاظًا أصبحت شائعة في العربية الحديثة، مثل:

برجوازية، إمبريالية، ديمقراطية.

وقد استطاعت العربية أن تستوعب هذه الألفاظ وتخضع بعضها لصيغها الاشتقاقية، كما نرى في:

السلوكية، البنيوية، التحويلية، الأسلوبية، المعجمية.

إذن فالموقف الصحيح ليس:

رفض كل جديد، ولا قبول كل وافد.

بل المطلوب هو الاختيار الواعي:

  • الاشتقاق حين يكون مناسبًا.

  • الترجمة حين تكون أوضح.

  • التعريب حين يكون أنسب.

  • الاقتراض حين تدعو الحاجة إليه.

  • قبول اللفظ الشائع إذا استقر استعماله وتعذر إيجاد بديل عملي له.

وهذا هو معنى المرونة اللغوية.


خامسًا: العربية ومناهج الدراسة

إن سلامة العربية لا يمكن أن تتحقق من دون إصلاح مناهج التعليم.

فقد شهد العالم العربي جهودًا طويلة لإصلاح التعليم وتحديث مناهجه، وإنشاء المؤسسات المتخصصة، ومنها مؤسسات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومكتب تنسيق التعريب، والمراكز المتخصصة في التعليم العالي والتأليف والترجمة.

لكن المشكلة لا تزال قائمة في كثير من المناهج.

ففي التعليم قبل الجامعي، نحتاج إلى مناهج أكثر دقة، وإلى الاستعانة بالخبراء المتخصصين، وإلى الابتعاد عن المحسوبية في اختيار لجان التأليف.

وفي الجامعات، لا تزال بعض أقسام اللغة العربية تعتمد على مناهج وكتب قديمة، في الوقت الذي تطورت فيه الدراسات اللغوية الحديثة، وبرز علم اللغة التطبيقي بفروعه المختلفة.

أما الكتب المؤلفة، فإن بعضها يعاني من الفقر المنهجي، وقد يغلب عليه أحيانًا الجانب التجاري على الجانب العلمي.

وهناك قضية أخرى شديدة الأهمية، وهي تدريس العربية لطلبة الكليات غير المتخصصة.

ففي كثير من الأحيان تُسند هذه المادة إلى مدرسين لا تتوافر لديهم الكفاءة المطلوبة، أو تُدرّس لمجرد استكمال النصاب، كما أن بعض الطلبة لا يجدون فيها فائدة مباشرة تشجعهم على الاهتمام بها.

والحل يبدأ من إعادة بناء المنهج نفسه.

فالعربية لغير المتخصصين لا ينبغي أن تكون نسخة مصغرة من مناهج أقسام اللغة العربية.

بل يجب أن تكون:

سهلة، وظيفية، مرتبطة بتخصص الطالب، واضحة الأهداف، بعيدة عن الحشو والتعقيد.

ولا يكفي أن نغرق الطالب في القواعد النظرية؛ فاللغة مهارة قبل أن تكون مجموعة من المصطلحات.

ولهذا ينبغي للمدرس أن يستخدم العربية الفصيحة المبسطة في الحوار مع الطلبة، وأن يستفيد من الوسائل التعليمية الحديثة، والعروض المرئية، والتطبيقات، والمختبرات اللغوية، والتدريب على النطق والأداء.

فإذا أردنا جيلًا يتقن العربية، فلا بد أن نجعل العربية لغة استعمال، لا لغة امتحان فقط.


سادسًا: العربية بين الفصحى والدارجات

من أهم أهداف الإصلاح اللغوي تقريب المسافة بين الفصحى واللهجات العربية.

وهنا يجب أن نكون واضحين:

الدعوة إلى تقوية العربية الفصيحة لا تعني إنكار وجود اللهجات، ولا تعني أن الناس يجب أن يتحدثوا في حياتهم اليومية بطريقة متكلفة.

فاللغات كلها تعرف مستويات مختلفة من الاستعمال.

والمشكلة ليست في وجود اللهجات، وإنما في أن تتحول الفروق اللهجية إلى حواجز تمنع التواصل بين أبناء الأمة الواحدة.

ولهذا فإن نشر عربية معاصرة واضحة وميسرة يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في تقريب أبناء الأقطار العربية من بعضهم.

إن العربي في بغداد يستطيع أن يفهم نشرة أخبار من دمشق أو القاهرة أو الرياض أو تونس أو الجزائر أو بيروت، لأن الإعلام أسهم في تكوين مستوى لغوي مشترك يفهمه ملايين العرب.

وهذه فرصة ينبغي استثمارها.

فإذا انتقلت العربية المعاصرة الواضحة من:

نشرات الأخبار → إلى المدرسة → إلى الإعلام → إلى المحاضرات → إلى المسرح والدراما → إلى الحياة العامة،

فإنها ستسهم تدريجيًا في تضييق المسافة بين الفصحى والدارجات.

ولا يعني توحيد اللغة إلغاء الفروق في النطق أو النبرة.

فحتى اللغات العالمية، كالإنجليزية والفرنسية، تعرف اختلافات إقليمية في النطق والأداء، ومع ذلك توجد لغة مشتركة يفهمها أبناء المجتمعات المختلفة.

وهذا هو المطلوب في العربية:

تنوع طبيعي في اللهجات، مع وجود لغة عربية مشتركة واسعة الانتشار.


سابعًا: هل العامية عدوّ للفصحى؟

ليس من الضروري النظر إلى اللهجات باعتبارها خصمًا للفصحى.

فاللغة العربية نفسها عرفت قبل الإسلام لهجات متعددة، ثم تقاربت هذه اللهجات وتداخلت، وبرزت العربية المشتركة التي أصبحت لغة القرآن الكريم والدين والعلم والأدب.

وظلت اللهجات إلى جانب الفصحى، وتطورت بتأثير الظروف التاريخية والاجتماعية والاحتكاك باللغات الأخرى.

ومن هنا يمكن دراسة اللهجات دراسة علمية جادة، لا بهدف إقصاء الفصحى، وإنما بهدف:

  • معرفة أصول الألفاظ.

  • اكتشاف الألفاظ العربية الفصيحة التي بقيت في اللهجات.

  • تسجيل الثروة اللغوية الشعبية.

  • سد الثغرات في المعاجم.

  • التقريب بين المستويات اللغوية.

وقد أشار عدد من علماء العربية إلى أهمية دراسة الألفاظ الشائعة على ألسنة الناس، وعدم إهمالها لمجرد أنها لا تنتمي إلى الاستعمال المدرسي التقليدي.

وقد يكون في بعض الألفاظ الدارجة أصل عربي فصيح، وقد تكون بعض الألفاظ دخيلة لكنها استقرت في الاستعمال، وهنا يأتي دور الباحث اللغوي في الدراسة والتوثيق والتمييز.

إن اللغة ليست متحفًا مغلقًا، وإنما هي كائن حي يتغير ويتطور.


ثامنًا: الاتساع اللغوي والمرونة تجاه الجديد

تحتاج العربية المعاصرة إلى أمرين متلازمين:

1 ـ الاتساع اللغوي

أي القدرة على استيعاب الجديد من الألفاظ والمصطلحات والأساليب، ما دام لا يهدم نظام العربية ولا يفسد بنيتها.

2 ـ المرونة اللغوية

أي عدم التعصب تجاه الجديد، سواء أكان لفظًا مولدًا، أم معربًا، أم مستعارًا، أم استعمالًا شائعًا يمكن إدخاله في العربية بعد دراسته.

وقد عرفت العربية هذا الاتساع عبر تاريخها.

فهي لم تتوقف عند مرحلة زمنية واحدة، بل استوعبت علوم الحضارات المختلفة، واستفادت من لغات الأمم التي احتك بها العرب.

وهذا ما عبّر عنه علماء العربية قديمًا بمفاهيم متعددة، منها الاتساع وشجاعة العربية.

ولهذا لا ينبغي أن نخاف من الجديد، بل ينبغي أن نعرف كيف نستوعبه.

فاللغة التي ترفض كل جديد تتحول إلى لغة عاجزة عن التعبير عن العصر، واللغة التي تقبل كل شيء بلا ضوابط تفقد شخصيتها.

أما اللغة الحية فهي التي:

تتطور دون أن تفقد هويتها، وتتسع دون أن تفقد نظامها، وتنفتح دون أن تذوب.


تاسعًا: اللغة تتطور لأنها لغة حيّة

إن التطور السريع في العلوم والفنون والتكنولوجيا يجعل المصطلحات تتجدد باستمرار.

ومن ثم لا مفر من أن تستخدم العربية كل الوسائل التي تمكنها من المحافظة على حيويتها:

الاشتقاق، والترجمة، والتعريب، والنحت، والاقتراض، والوضع، والاستفادة من الشائع.

وقد يكون اللفظ الدخيل أحيانًا أكثر وضوحًا واستعمالًا من المقابل الذي يوضع له.

خذ مثلًا ألفاظًا أصبحت معروفة في الحياة العربية، مثل:

الباذنجان، النرجس، الورشة، القرصان.

لقد استقرت هذه الكلمات في الاستعمال، وأصبحت جزءًا من الرصيد اللغوي الذي يتعامل معه الناس.

ومن هنا فإن المعجم العربي ينبغي ألا يكون بعيدًا عن لغة المجتمع.

فالناس حين يظهر شيء جديد يحتاجون إلى تسميته، وإذا لم تبادر المؤسسات اللغوية إلى وضع الاسم المناسب، فستتكفل الصحافة أو العامة أو السوق بهذه المهمة.

وعندما يستقر الاسم على ألسنة الناس يصبح تغييره أكثر صعوبة.

وهذا يوضح مرة أخرى أن سرعة العمل اللغوي جزء من نجاح التخطيط اللغوي.


عاشرًا: العربية والإعلام

للإعلام دور بالغ الخطورة في مستقبل العربية.

فالإعلام يستطيع أن يرفع مستوى اللغة، كما يستطيع أن ينشر ألفاظًا وأساليب غير سليمة حتى تصبح مألوفة.

ولهذا فإن العناية بالعربية في:

الإذاعة، والتلفزيون، والصحافة، والمسرح، والسينما، والمنصات الإعلامية الحديثة،

ليست ترفًا لغويًا، بل جزء من التخطيط اللغوي.

إن نشرة الأخبار التي تصل إلى ملايين العرب يوميًا تمثل نموذجًا عمليًا للعربية المشتركة.

فالمشاهد في بغداد يستطيع أن يفهم المذيع في دمشق، والمستمع في القاهرة يستطيع أن يتابع المتحدث في الرياض، والقارئ في تونس يستطيع أن يتفاعل مع نص منشور في بيروت.

وهذه القدرة على التفاهم الواسع ثروة لغوية ينبغي المحافظة عليها.


الحادي عشر: بين المحافظة والتجديد

إن أخطر ما يمكن أن نفعله بالعربية هو أن نضعها أمام خيارين متناقضين:

إما الجمود، وإما الذوبان.

فالعربية لا تحتاج إلى الجمود حتى تحافظ على هويتها، ولا تحتاج إلى التخلي عن خصائصها حتى تصبح لغة عصرية.

بل تحتاج إلى التجديد الواعي.

لقد استطاعت العربية في الماضي أن تستوعب علوم الأمم وفلسفاتها وآدابها، وأن تبتكر المصطلحات والأساليب التي جعلتها لغة حضارة واسعة.

وهي قادرة اليوم على أن تفعل الشيء نفسه، بشرط أن تتوافر لها:

  • مؤسسات علمية قوية.

  • تخطيط لغوي عربي مشترك.

  • تنسيق بين المجامع والجامعات.

  • إصلاح حقيقي لمناهج التعليم.

  • تعريب مدروس للعلوم.

  • توحيد المصطلحات.

  • إعلام لغوي مسؤول.

  • انفتاح واعٍ على اللغات الأخرى.

  • مرونة في التعامل مع الجديد.

  • دراسة علمية للهجات والدارجات.

  • نشر العربية الفصيحة الميسرة في الحياة العامة.


الخلاصة: أمن العربية مسؤولية الجميع

إن قضية العربية ليست مسؤولية المجامع اللغوية وحدها، ولا مسؤولية مدرّسي اللغة العربية وحدهم.

إنها مسؤولية:

المدرسة، والجامعة، والباحث، والإعلامي، والكاتب، والمترجم، والمؤسسة الثقافية، ووزارة التربية، والجامعة، والدولة، والمجتمع كله.

فاللغة التي لا تدخل المدرسة بقوة، ولا الجامعة بثقة، ولا الإعلام بوضوح، ولا الحياة العامة بطبيعية، ستتراجع مساحتها شيئًا فشيئًا.

وفي المقابل، فإن العربية التي تُستخدم في التعليم والعلم والإعلام والأدب والإدارة والحياة اليومية، ستظل لغة حية قادرة على التطور.

ولهذا فإن المطلوب ليس أن نحمي العربية من الحياة، وإنما أن نُعيد العربية إلى الحياة.

لا نريد لغة جامدة تعيش في الكتب وحدها، ولا لغة تذوب أمام اللغات الأخرى.

نريد عربية:

فصيحةً من غير تعقيد،
معاصرةً من غير ابتذال،
مرنةً من غير انفلات،
منفتحةً من غير ذوبان،
وقادرةً على التعبير عن الإنسان والعلم والحضارة في عصره.

لقد أثبت تاريخ العربية أن اللغة التي تمتلك القدرة على التجدد قادرة على البقاء.

والتحدي الحقيقي اليوم ليس:

هل تستطيع العربية أن تكون لغة العلم والحضارة؟

بل السؤال الأهم هو:

هل نملك نحن الإرادة والعلم والتخطيط والمؤسسات التي تجعل العربية قادرة على أداء هذا الدور؟

إن أمن العربية يبدأ من المدرسة، ويمتد إلى الجامعة، ويصل إلى الإعلام، ثم إلى البيت والسوق والشارع ومؤسسات الدولة.

وعندما تصبح العربية لغة طبيعية للعلم والتعلم والتفكير والتواصل، فإننا لا نحافظ على لغة فحسب، بل نحافظ على ذاكرة أمة، ووعائها الثقافي، وقدرتها على إنتاج المعرفة والتعبير عن ذاتها.

فالعربية لا تحتاج إلى من يرثي حالها، بقدر ما تحتاج إلى من يعمل على مستقبلها.


المصادر والمراجع

  • إبراهيم أنيس، اللغة بين القومية والعالمية، دار المعارف بمصر، 1971م.

  • ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، ط3، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988م.

  • محمود فهمي حجازي، الأسس اللغوية لعلم المصطلح، مكتبة غريب، القاهرة، 1993م.

  • محمود فهمي حجازي، البحث اللغوي، مكتبة غريب، القاهرة، 1993م.

  • محمد رشاد حمزاوي، أعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988م.

  • ابن خلدون، المقدمة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

  • إبراهيم السامرائي، اللغة والحضارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1977م.

  • سيبويه، الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار القلم، القاهرة، 1966م.

  • محمد العدناني، معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة، ط32، بيروت، 1980م.

  • الأب أنستاس ماري الكرملي، نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.

  • عبد الجبار المطلبي، من حديث الشعر الحر، مخطوط.

  • المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، من قضايا اللغة العربية المعاصرة، بيروت، 1990م.

  • نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة، العدد 184، الكويت، 1994م.

  • أميل بديع يعقوب، فقه اللغة العربية وخصائصها، دار العلم للملايين، ط1، بيروت، 1982م.

ومن المجلات والدوريات

  • مجلة مجمع اللغة العربية ـ القاهرة.

  • مجلة مجمع اللغة العربية ـ دمشق.

  • مجلة مجمع اللغة العربية الأردني ـ عمّان.

  • مجلة المجمع العلمي العراقي ـ بغداد.

  • مجلة اللسان العربي ـ مكتب تنسيق التعريب.

  • مجلة الفكر العربي ـ معهد الإنماء العربي، بيروت.

  • مجلة كلية التربية ـ طرابلس، ليبيا.


ملاحظة تحريرية

أبقيتُ على المضمون العلمي والأفكار الأساسية، لكنني أعدت ترتيب المادة لتصبح أقرب إلى مقال فكري طويل يصلح للقراءة على فيسبوك، بدل أن تبدو كبحث جامعي متصل بالفقرات والحواشي.

كما أنني تعمدتُ عدم الإكثار من الحواشي الرقمية داخل المتن؛ لأن كثرتها تُربك القارئ في النشر الإلكتروني. ويمكن، إذا أردت الحفاظ على الطابع الأكاديمي الكامل، إرفاق الحواشي الأربعين في نهاية المقال في نسخة مستقلة.

والعنوان البديل الأكثر قوة للنشر الجماهيري في رأيي:

من المدرسة إلى الإعلام: كيف نحمي العربية من التراجع؟

رؤية في تعريب التعليم، وتوحيد المصطلحات، وتقريب الفصحى من لغة الحياة

هذا العنوان قد يكون أنسب لفيسبوك؛ لأنه يفتح شهية القارئ لمعرفة ما الذي يهدد العربية وما الذي يمكن فعله عمليًا، بدل أن يبدو المقال بحثًا أكاد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق