الجمعة، 4 سبتمبر 2026

الصحابة والعلماء فعلوا عباداتٍ لم يفعلها النبي ﷺ! ولم يجعلوا الترك دليلاً على التحريم !

 

الصحابة والعلماء فعلوا عباداتٍ لم يفعلها النبي ﷺ!

ولم يجعلوا الترك دليلاً على التحريم


من أكثر العبارات التي تتكرر في بعض النقاشات قولهم:

«لو كان هذا خيراً لفعله رسول الله ﷺ!»

ثم تتبعها أسئلة متكررة من قبيل:

هل خفي هذا الخير عن النبي ﷺ؟
وهل جهل الصحابة ما عرفه المتأخرون؟
وهل كان المتأخرون أحرص على الخير من السابقين؟

وهذه الأسئلة قد تبدو قوية في ظاهرها، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على كل مسألة.

فليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون محرماً لمجرد أن النبي ﷺ لم يفعله.

والدليل على ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم، وهم أعلم الأمة بسنة رسول الله ﷺ وأشدها اتباعاً له، اجتهدوا في أمور لم تقع بصورتها في حياة النبي ﷺ، كما اجتهد بعدهم العلماء في صور من الأعمال والعبادات التي تدخل تحت أصول عامة من الشريعة.

فلم يكن منهجهم قائماً على سؤال واحد:

«هل فعل النبي ﷺ هذا بعينه أم لم يفعله؟»

بل كانوا ينظرون في حقيقة الفعل، وأصله الشرعي، وموافقته للكتاب والسنة، وما يحققه من مصلحة معتبرة.


أولاً: جمع القرآن الكريم

«كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟»

لعل من أعظم الأمثلة على ذلك ما وقع في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

فبعد استشهاد عدد كبير من قراء القرآن في حروب الردة، أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر بجمع القرآن الكريم في مصحف واحد.

فتردد أبو بكر رضي الله عنه أول الأمر وقال:

«كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟»

فقال له عمر رضي الله عنه:

«هو والله خير».

وظل عمر رضي الله عنه يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه للأمر.

ثم استدعى أبو بكر زيد بن ثابت رضي الله عنه، وكان من كتّاب الوحي، وطلب منه أن يتولى مهمة جمع القرآن.

فتردد زيد رضي الله عنه هو الآخر وقال:

«كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي ﷺ؟»

فكان جواب أبي بكر رضي الله عنه:

«هو والله خير».

تأملوا هذه الواقعة العظيمة.

ثلاثة من أكابر الصحابة:

  • أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
  • عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
  • زيد بن ثابت رضي الله عنه.

كانوا يعلمون أن جمع القرآن في مصحف واحد بهذه الصورة لم يقع في حياة رسول الله ﷺ.

لكنهم لم يجعلوا عدم فعله دليلاً قاطعاً على تحريمه.

بل نظروا في حقيقة الأمر، فوجدوا أنه يحقق مقصداً عظيماً من مقاصد الشريعة، وهو حفظ كتاب الله تعالى.

فكان جوابهم:

«هو والله خير».

وهنا يظهر منهج الصحابة بوضوح:

ليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ محرماً لمجرد أن النبي ﷺ لم يفعله.


ثانياً: أذان عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة

ومن أشهر الأمثلة أيضاً النداء الذي أمر به عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم الجمعة.

فقد اتسعت المدينة، وكثر الناس، وأصبحت الحاجة قائمة إلى تنبيههم قبل حضور الإمام.

فأمر عثمان رضي الله عنه بالنداء الزائد للجمعة تحقيقاً لهذه المصلحة.

فهل يصح أن نقول:

لو كان هذا النداء خيراً لفعله رسول الله ﷺ!

وهل نقول:

كيف غاب هذا الخير عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم عرفه عثمان رضي الله عنه؟

وهل يقال إن عثمان رضي الله عنه جاء بعبادة جديدة لأن هذه الصورة لم تقع في زمن النبي ﷺ؟

بالطبع لا.

لقد كانت هناك حاجة جديدة اقتضتها الظروف، فاتخذ عثمان رضي الله عنه وسيلة تحقق المقصود المشروع.

وهنا تظهر قاعدة مهمة جداً:

هناك فرق بين أن يترك النبي ﷺ شيئاً، وبين أن ينهى عنه.

فليس كل ما تركه النبي ﷺ يكون محرماً لمجرد أنه تركه.


ثالثاً: النبي ﷺ أقرّ اجتهادات لم يأمر بها ابتداءً

وهنا ننتقل إلى دليل آخر بالغ الأهمية.

فقد اجتهد بعض الصحابة في أعمال لم يأمرهم النبي ﷺ بها ابتداءً على هذه الصورة، فلما علم بها أقرهم عليها، بل أثنى على بعضها.

وهذا يدل على أن المسلم قد يعمل عملاً له أصل مشروع، دون أن تكون صورته الجزئية قد وردت بنص خاص، ما دام لا يخالف نصاً ولا أصلاً شرعياً.


رابعاً: بلال رضي الله عنه وصلاة ركعتين بعد الوضوء

من أجمل الأمثلة في ذلك قصة بلال بن رباح رضي الله عنه.

فقد أخبر النبي ﷺ بلالاً أنه سمع صوت نعليه أمامه في الجنة، فسأله عن أرجى عمل عمله.

فذكر بلال رضي الله عنه أنه ما توضأ وضوءاً إلا صلى بعده ما شاء الله له أن يصلي.

تأملوا!

بلال رضي الله عنه لم يقل إن النبي ﷺ أمره شخصياً بهذه المداومة.

لكنه اجتهد في عبادة أصلها مشروع، وهي الصلاة بعد الطهارة.

فلما أخبر النبي ﷺ بعمله، لم ينكر عليه، بل جاءت القصة في سياق عظيم يدل على فضل هذا العمل.

وهذا يبين أن الإنسان قد يجتهد في عمل داخل تحت أصل مشروع، دون أن يدّعي أن هذه الهيئة بعينها سنة مخصوصة ثابتة عن النبي ﷺ.


خامساً: صحابي قال ذكراً لم يسمعه النبي ﷺ منه من قبل

ومن أعظم الأمثلة في هذا الباب ما وقع في الصلاة.

فقد رفع النبي ﷺ رأسه من الركوع، فقال أحد الصحابة:

«ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه».

فلما انتهى النبي ﷺ من الصلاة، سأل:

«من المتكلم؟»

فقال الرجل: أنا.

فقال النبي ﷺ:

«رأيت بضعةً وثلاثين ملكاً يبتدرونها، أيهم يكتبها أول».

تأملوا هذه الواقعة جيداً.

هذه الصيغة لم تكن مما علّمه النبي ﷺ لهذا الصحابي بهذه الألفاظ تحديداً.

ومع ذلك لم ينكر عليه النبي ﷺ، ولم يقل:

«لماذا زدت على الذكر الذي علمتكم؟»

بل أقر هذا الذكر وأثنى عليه، وأخبر عن تسابق الملائكة إلى كتابته.

فهذا يدل على أن الأمر لا يُحكم عليه دائماً بمجرد السؤال:

هل وردت هذه الألفاظ بعينها من قبل؟

بل يُنظر إلى:

  • معنى الكلام.
  • وأصله الشرعي.
  • وموافقته للشريعة.
  • وعدم اشتماله على مخالفة.

سادساً: عثمان رضي الله عنه وتوحيد المصاحف

نزل القرآن الكريم على سبعة أحرف، واستمر المسلمون يقرؤون بما أذن الله به في عهد النبي ﷺ، ثم في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

ولكن لما اتسعت الدولة الإسلامية، وبدأ الاختلاف في القراءات يثير الفتنة، جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه الناس على المصاحف المعتمدة، ووحّدهم عليها دفعاً للاختلاف.

فهنا استجدت حاجة جديدة.

ولم يكن السؤال الوحيد:

هل فعل النبي ﷺ هذا بهذه الصورة؟

بل كان السؤال الأهم:

كيف نحفظ وحدة الأمة ونمنع وقوع الفتنة؟

وهكذا تعامل الصحابة مع المستجدات وفق أصول الشريعة ومقاصدها.


سابعاً: اجتهاد الخلفاء في ضالة الإبل

في زمن النبي ﷺ كانت الأحوال تختلف، وكانت ضالة الإبل في الغالب مأمونة، فجاءت السنة بتركها.

واستمر الأمر كذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

لكن لما تغيرت الأحوال، وكثر الاعتداء على أموال الناس، اجتهد عثمان وعلي رضي الله عنهما في اتخاذ إجراءات لحفظ ضوال الإبل وحقوق أصحابها.

وهنا يظهر أصل مهم:

قد تتغير بعض الوسائل والإجراءات الاجتهادية بتغير الأحوال، مع بقاء المقصد الشرعي ثابتاً.

فالمقصد هو حفظ أموال الناس، أما الوسيلة التي تحقق ذلك فقد تختلف بحسب الزمان والحال.


ثامناً: عمر رضي الله عنه وتدوين الدواوين

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من نظم الدواوين بصورة تناسب اتساع الدولة الإسلامية.

فهل كانت الدواوين موجودة بهذه الصورة في عهد النبي ﷺ؟

لا.

ولكن هل قال عمر:

«لم يفعلها النبي ﷺ، إذن لا يجوز لنا فعلها»؟

بالطبع لا.

لأنها وسيلة لتنظيم شؤون المسلمين وتحقيق مصالحهم.

وهذا يبين أن الوسائل تتطور بحسب الحاجة ما دامت لا تخالف أصلاً من أصول الشريعة.


تاسعاً: النعوش المغطاة

ومن الأمور التي ظهرت بعد عصر النبوة اتخاذ النعوش المغطاة التي تحقق مزيداً من الستر للميت.

وقد وردت روايات في اتخاذ النعش لفاطمة رضي الله عنها، لما فيه من مزيد من الستر.

فهل كان السؤال:

هل استُعمل هذا النعش بهذه الصورة في حياة النبي ﷺ؟

أم أن النظر كان إلى المقصد الشرعي الذي يحققه، وهو الستر وصيانة حرمة الميت؟

وهذا مثال آخر على أن بعض الوسائل والصور قد تتطور، ما دامت تحقق مقصداً مشروعاً ولا تخالف الشريعة.


عاشراً: رسول الله ﷺ نفسه استعمل وسيلة لم تكن من عادته

عندما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى الروم، قيل له إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا إذا كان مختوماً.

فماذا فعل ﷺ؟

اتخذ خاتماً من فضة ليختم به كتبه.

ولم يقل:

«هذه ليست من عاداتنا، فلا نأخذ بها».

بل استعمل الوسيلة المناسبة لتحقيق مقصد مشروع.

وهذا يؤكد أن الوسائل التي تخدم المقاصد المشروعة لا يلزم أن تكون كلها قد وردت بتفاصيلها من قبل.


حادي عشر: علي رضي الله عنه وتعليم صيغ في الصلاة على النبي ﷺ

وردت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه صيغ واسعة في الصلاة على النبي ﷺ.

فهل يصح أن نقول:

لماذا علّم علي الناس صيغة لم ترد عن النبي ﷺ بهذه الألفاظ بعينها؟

وهل نقول:

هل عرف علي خيراً لم يعرفه أبو بكر وعمر؟

بالطبع لا.

لأن الصلاة على النبي ﷺ أصلها مشروع، والدعاء له باب واسع، ويُنظر في الألفاظ من حيث صحتها وموافقتها للشريعة.


ثاني عشر: «التعريف» يوم عرفة

ومن المسائل التي ناقشها العلماء ما عُرف بـ«التعريف»، وهو اجتماع بعض الناس في الأمصار يوم عرفة للدعاء والذكر.

وقد نُقل فعل ذلك عن بعض السلف، كابن عباس والحسن البصري وغيرهما.

وناقش الإمام أحمد بن حنبل هذه المسألة، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية الخلاف فيها.

فهل يكفي أن نقول:

«لو كان خيراً لفعله النبي ﷺ»؟

أم ينبغي أن نبحث في حقيقة الفعل؟

هل الدعاء مشروع؟ نعم.
وهل الذكر مشروع؟ نعم.
وهل في هذه الصورة مخالفة لنص شرعي؟

وهكذا ينبغي أن توزن المسائل بميزان العلم والفقه، لا أن تختزل كلها في قاعدة واحدة.


ثالث عشر: ابن تيمية رحمه الله وتكرار الفاتحة

ومن الأمور اللافتة أن بعض من يوسعون استعمال قاعدة:

«لو كان خيراً لفعله النبي ﷺ»

يحتجون كثيراً بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

ومع ذلك، فقد نُقلت عنه اجتهادات في العبادة لم ترد بهذه الهيئة التفصيلية عن النبي ﷺ.

فقد ذكر بعض أصحابه أنه كان يكرر قراءة الفاتحة من الفجر إلى ارتفاع الشمس.

فهل ورد نص خاص بأن يكرر المسلم الفاتحة بهذه الكيفية والمدة؟

لا نعلم دليلاً خاصاً على هذه الهيئة بعينها.

فهل نصف ابن تيمية بسبب ذلك بأنه جاء بعبادة جديدة؟

بالطبع لا.

لأن قراءة القرآن عبادة مشروعة في أصلها، وإنما كان هذا من اجتهاده في صورة تدخل تحت أصل عام.


رابع عشر: ابن تيمية والانكسار بين يدي الله

كما نُقل عن ابن تيمية رحمه الله أنه كان إذا أشكلت عليه مسألة أو آية، يتضرع إلى الله تعالى ويسأله الفهم والعلم.

وكان يفعل ذلك في بعض الأماكن الخالية، متذللاً لله تعالى ومنكسراً بين يديه.

فهل وردت هذه الهيئة بعينها عن النبي ﷺ؟

المقصود هنا بيان قاعدة مهمة:

عدم ورود دليل خاص على كل صورة وهيئة لا يعني بالضرورة تحريمها، إذا كانت داخلة تحت أصل شرعي عام ولم تخالف نصاً أو قاعدة شرعية.

فالدعاء مشروع، وطلب العلم من الله مشروع، والتواضع والانكسار بين يديه سبحانه مشروع.


خامس عشر: ابن تيمية وتخصيص بعض الأذكار

ونقل ابن القيم رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يكثر من بعض الأذكار، ويذكر لها أثراً في حياة القلب.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

أن يعتقد الإنسان أن عدداً معيناً أو وقتاً معيناً سنة ثابتة عن النبي ﷺ دون دليل، فهذا يحتاج إلى دليل.

وبين:

أن يختار المسلم لنفسه ذكراً مشروعاً، ويكثر منه على وجه لا يدّعي معه أن هذه الهيئة سنة نبوية مخصوصة.

وهذا فرق مهم في كثير من مسائل البدعة والمحدثات.


سادس عشر: استعمال السبحة للعد

ومن المسائل المنقولة عن ابن تيمية رحمه الله أنه أجاز في بعض الصور استعمال السبحة لعد التكرار.

ومن ذلك ما ذكره في مسألة عد تكرار سورة معينة في الصلاة.

فلم يجعل مجرد استعمال وسيلة للعد، أو تكرار سورة مشروعة، محرماً لمجرد عدم ورود هذه الصورة بعينها.

وهذا يبين أن بعض الوسائل قد تكون مشروعة إذا لم تخالف نصاً أو أصلاً.


سابع عشر: الإمام مالك وتعظيم مدينة رسول الله ﷺ

ومن جميل ما نُقل عن الإمام مالك رحمه الله شدة تعظيمه لمدينة رسول الله ﷺ.

وقد اشتهر عنه أنه كان يستحي أن يركب دابة في المدينة، تعظيماً للمكان الذي مشى فيه رسول الله ﷺ.

فهل يصح أن نقول للإمام مالك:

هل كنت أشد حباً لرسول الله ﷺ من أصحابه؟

ولماذا لم يفعل الصحابة ذلك جميعاً؟

بالطبع لا.

فليس كل ما يفعله المسلم تعبيراً عن محبته أو تعظيمه يتحول تلقائياً إلى تشريع عام، كما أنه لا يصبح محرماً لمجرد أنه لم يفعله غيره.


فما هو المنهج الصحيح في الحكم على المحدثات؟

ليس كل جديد بدعة محرمة.

وفي الوقت نفسه، ليس كل جديد مشروعاً بالضرورة.

فالمنهج العلمي الصحيح أن نسأل:

ما حقيقة هذا الفعل؟

وهل له أصل في الشريعة؟

وهل يدخل تحت دليل عام؟

وهل يخالف نصاً شرعياً؟

وهل يشتمل على محرم؟

وهل يُعتقد فيه أنه سنة مخصوصة ثابتة عن النبي ﷺ بلا دليل؟

ثم بعد ذلك يصدر الحكم.

ولهذا قرر الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله أن طريق معرفة حكم المحدثات هو عرضها على قواعد الشريعة.

فما دخل في قواعد الإيجاب فهو واجب، وما دخل في قواعد التحريم فهو محرم، وما دخل في قواعد الندب فهو مندوب، وما دخل في قواعد الكراهة فهو مكروه، وما دخل في قواعد الإباحة فهو مباح.

وهذه قاعدة مهمة:

العبرة ليست بمجرد حدوث الأمر، وإنما بحكمه عند عرضه على أصول الشريعة وقواعدها.


وهنا نصل إلى قضية الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف ﷺ

إذا كنا ندرس جمع القرآن، وأذان عثمان، وتوحيد المصاحف، واجتهادات الصحابة، وبعض أعمال العلماء، من خلال النظر إلى:

الأصل الشرعي، والمقصد، والمصلحة، وعدم مخالفة النصوص…

فلماذا يتغير المنهج فجأة عند الحديث عن الاحتفاء بذكرى مولد النبي ﷺ؟

لماذا لا نعرض هذه المسألة على الميزان نفسه؟

فلنسأل:

ماذا يفعل الناس في هذا الاحتفاء؟

فإن اشتمل على محرم، فالمحرم يُرفض ويُمنع.

أما إذا اشتمل على:

  • تلاوة القرآن الكريم.
  • الصلاة على النبي ﷺ.
  • قراءة سيرته وشمائله.
  • تعليم الناس أخلاقه.
  • إطعام الطعام.
  • تذكير الأمة بنعمة بعثته ﷺ.
  • إظهار الفرح والمحبة للنبي ﷺ.

فإن كل عنصر من هذه العناصر ينبغي أن يُنظر إليه في ميزان الشريعة.

أما أن يُقال مباشرة:

«لم يفعله النبي ﷺ بهذه الصورة، إذن هو بدعة محرمة».

فهذا انتقال من مجرد عدم الفعل إلى الحكم بالتحريم.

والحكم الشرعي يحتاج إلى دليل.

فشتان بين أن نقول:

«هذا الأمر لم يقع في عصر النبي ﷺ».

وبين أن نقول:

«هذا الأمر محرم شرعاً لأنه لم يقع في عصر النبي ﷺ».

الأولى حقيقة تاريخية.

أما الثانية فهي حكم شرعي يحتاج إلى دليل وبرهان.


الخلاصة

إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلم الناس بالسنة، وأشد الناس اتباعاً لرسول الله ﷺ.

ومع ذلك، عندما استجدت أمور تحتاج إلى اجتهاد، لم يجعلوا مجرد عدم وقوع الفعل في عصر النبوة حكماً نهائياً بالتحريم.

وكانت قضية جمع القرآن مثالاً عظيماً على ذلك، حين قال عمر رضي الله عنه:

«هو والله خير».

فالمنهج الصحيح ليس أن نقول عن كل أمر جديد:

«لم يفعله النبي ﷺ، إذن هو محرم».

ولا أن نقول في المقابل:

«كل جديد مباح».

بل نعرض الأمر على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأصول الشريعة وقواعدها.

فما وافق الشرع ولم يخالف نصاً ولا أصلاً، ولم يشتمل على محرم، فلا يكفي في تحريمه أن يقال فقط:

«لم يفعله النبي ﷺ».

لأن:

الترك وحده ليس دليلاً على التحريم دائماً.

وهذه هي القضية التي ينبغي أن تُناقش بعلم وإنصاف، بعيداً عن التسرع في إطلاق الأحكام، واختزال مسائل البدعة والمحدثات كلها في سؤال واحد:

«لم يفعله النبي ﷺ… إذن هو بدعة!»

فبين ترك النبي ﷺ للفعل وبين نهيه عنه فرق كبير.

وبين عدم ورود صورة معينة وبين تحريمها شرعاً فرق يحتاج إلى علم وفقه في فهم النصوص وأصول الاستدلال.

فالمستجدات لا تُحكم عليها بمجرد أنها جديدة، وإنما تُعرض على ميزان الشريعة.

هناك تعليق واحد: