الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

الاختلافُ سُنّة… والافتراقُ فتنة أسبابُ الفرقة بين الدعاة وسبلُ ردم الفجوة

 

الاختلافُ سُنّة… والافتراقُ فتنة

أسبابُ الفرقة بين الدعاة وسبلُ ردم الفجوة

ليس كلُّ اختلافٍ فرقة، وليس كلُّ تباينٍ في الرأي سببًا للخصومة.

فالاختلاف في الفروع والمسائل الاجتهادية أمرٌ عرفته الأمة منذ صدرها الأول، وتنوّعت فيه أنظار العلماء والمجتهدين، ولم يكن ذلك بالضرورة سببًا لقطع المودة أو إسقاط الأخوة.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحوّل الاختلاف من اختلافٍ في الرأي إلى اختلافٍ في القلوب، وحين يصبح المخالف خصمًا، والرأي الشخصي معيارًا للحق، والانتماء إلى جماعة أو شيخ أو اتجاه سببًا للموالاة والمعاداة.

هناك يبدأ الافتراق.


⚠️ من أين تبدأ الفرقة؟

الفرقة لا تبدأ غالبًا بانقسامٍ معلن، وإنما تبدأ بخطوات صغيرة تتسلل إلى النفوس، ثم تكبر حتى يصبح ما كان خلافًا يسيرًا سببًا للقطيعة والتدابر.

ومن أخطر منافذها:

1️⃣ الإعجاب بالرأي

حين يعجب الإنسان برأيه، ويظن أنه لا يحتمل الخطأ، يصبح من الصعب عليه أن يستمع إلى غيره أو يتراجع عن اجتهاده.

ومتى تحوّل الرأي من اجتهادٍ قابل للنقاش إلى حقيقةٍ لا تقبل المراجعة، ضاقت مساحة الحوار، واتسعت مساحة الخصومة.


2️⃣ الحسد والبغي والغيرة

قد يبدأ الخلاف علميًا، ثم تتدخل النفس بما فيها من منافسة وحسد وغيرة، فيتحول النقاش حول الفكرة إلى صراع حول الأشخاص.

وهنا لا يعود السؤال:

ما الحق؟

بل يصبح:

من الذي انتصر؟ ومن الذي انهزم؟

وحين تدخل الأهواء في الخلاف، يصبح الوصول إلى الحق أصعب، ولو كان الحق واضحًا.


3️⃣ التعصب للأشخاص والجماعات

من أخطر صور التعصب أن يصبح الإنسان مرتبطًا بشخص أو جماعة ارتباطًا يجعله يوافقها في كل شيء، ويعارض مخالفها في كل شيء.

فالعبرة ليست بمن قال، وإنما بماذا قال، وما الدليل عليه.

والعلماء والدعاة، مهما علت منزلتهم، بشرٌ يصيبون ويخطئون، ولا ينبغي أن تتحول محبتهم إلى عصبية تعطل ميزان الحق.


4️⃣ حب الزعامة والصدارة

حين تتعلق النفوس بالقيادة والظهور، يصبح وجود الآخرين منافسةً بدل أن يكون تكاملًا.

وقد يتحول العمل الذي يفترض أن يكون لله إلى ميدان لإثبات الذات، فيكثر التنافس على المواقع، وتضعف روح التعاون، ويصبح نجاح الآخر وكأنه انتقاص من نجاح الإنسان نفسه.

والدعوة التي تتسع للحق لا تضيق بأهل الحق.


5️⃣ سوء الظن

كم من خلافٍ كان يمكن أن ينتهي بكلمة طيبة، لكنه تحول إلى قطيعة بسبب سوء الظن!

كلمة تحتمل أكثر من معنى، أو موقف لم يُفهم، أو نقلٌ غير دقيق… ثم تبني النفوس عليه أحكامًا كبيرة.

ولهذا كان حسن الظن من أهم ما يحفظ الأخوة، ما لم يظهر ما يوجب خلاف ذلك.


6️⃣ تحويل المسائل الجزئية إلى معايير للولاء والبراء

من أخطر الأمور أن تُجعل مسائل اجتهادية أو خلافات فرعية ميزانًا للحب والبغض، والقبول والرفض.

فليس من الحكمة أن تهدم أخوةً طويلة، أو تفرّق صفًا، بسبب مسألة اختلف فيها أهل العلم.

الثوابت لها منزلتها، والمسائل الاجتهادية لها سعتها، ولا يصح أن نضع الجميع في ميزان واحد.


7️⃣ تتبع العثرات والسقطات

حين يبحث الإنسان عن أخطاء الآخرين أكثر مما يبحث عن إصلاح نفسه، تتحول الدعوة إلى مراقبة للناس، وتتسع دائرة التصنيف والتجريح.

ومن المؤسف أن يصبح بعض الناس أكثر اهتمامًا بسقطة أخيه من اهتمامه بعمله الصالح، وكأن الخطأ الواحد يمحو تاريخًا كاملًا من الخير.

ليس المقصود أن نتجاهل الأخطاء، وإنما أن نفرّق بين النصيحة والإصلاح وبين التشهير والإسقاط.


🕊️ حين يتحول الخلاف إلى تحريش

من أخطر ما يفسد العلاقات أن يُنقل الكلام بين الأطراف على نحو يزيد التوتر ويعمّق سوء الظن.

فقد تكون الكلمة في أصلها عابرة، لكنها حين تُنقل بعبارات مشحونة، تصبح نارًا بين القلوب.

وهنا يتحول الخلاف من مسألة علمية إلى تحريشٍ يفسد الأخوة.

وما أحوجنا إلى أن نتثبت قبل أن ننقل، وأن نتحقق قبل أن نحكم، وأن نبحث عن الإصلاح بدل أن نكون وسطاء في زيادة الخصومة.


💭 والهوى وراء كثير من ذلك

قد تتعدد الأسباب، لكن وراء كثير من صور الفرقة هوى النفس.

فإذا وافق الحقُّ ما نريد، فرحنا به، وإذا خالف ما اعتدناه، بحثنا عن المخارج لرده.

وقد نغفر الخطأ لمن نحبه، ونضخّمه على من نختلف معه.

وهنا لا يعود الإنسان يبحث عن الحق مجردًا، وإنما يبحث عن حقٍّ يوافق موقفه.

والإنصاف الحقيقي أن يكون الحق أكبر من الأشخاص، وأعظم من الجماعات، وأحبَّ إلى النفس من الانتصار للرأي.


📌 ليست المشكلة في الاختلاف… بل في إدارة الاختلاف

لقد اختلف العلماء، وتنوعت اجتهاداتهم، ومع ذلك بقيت بينهم روابط العلم والأخوة والمودة.

فالاختلاف في الرأي لا يلزم منه اختلاف القلوب.

ويمكن للإنسان أن يقول:

أخطأتَ في هذه المسألة، وأرى الصواب خلاف ما ذهبتَ إليه… ومع ذلك فأنت أخي.

هذه هي المساحة التي نحتاج إلى استعادتها.

أن نختلف دون أن نتباغض، وأن نناقش دون أن نهدم، وأن نصحح دون أن نشهّر، وأن نرد الخطأ دون أن نسقط صاحبه.


🌿 آثار الفرقة

حين تنتشر الخصومة بين العاملين في المجال الإسلامي، لا تتوقف آثارها عند الأشخاص، بل تمتد إلى المجتمع كله.

فتضعف الثقة، وتتشتت الجهود، وتُهدر الطاقات في معارك جانبية، ويصبح جزء كبير من الوقت والجهد موجهًا إلى الرد على بعضنا بدل العمل من أجل الغاية المشتركة.

وعندما تتفرق الجهود، يستفيد من الفرقة من لا يريد لهذه الأمة قوةً ولا تماسكًا.

فالصف المتماسك يستطيع أن يحمل همومًا كبيرة، أما الصف الذي تستهلكه الخصومات الداخلية، فإنه يبدد طاقته في معارك لا تنتهي.


🧭 كيف نردم الفجوة؟

أولًا: أن نجعل الحق فوق الأشخاص

نحترم العلماء والدعاة ونقدر جهودهم، لكن لا نجعل أحدًا منهم معيارًا مطلقًا للحق.

فالرجال يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال.

ثانيًا: أن نتعلم أدب الاختلاف

ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، وإنما أن نختلف بأخلاق.

نحاور، ونستمع، وننصف، ونقبل احتمال الخطأ في رأينا.

ثالثًا: أن نحسن الظن ما وجدنا إليه سبيلًا

ليس كل ما يُنقل صحيحًا، وليس كل موقف دليلًا على سوء القصد.

والتثبت قبل الحكم قد يمنع خصومةً لم يكن لها أن تبدأ.

رابعًا: أن نفرق بين الأصول والفروع

ليست كل المسائل على درجة واحدة من القطع والوضوح.

فما كان قطعيًا ثابتًا ليس كالمسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد وتعدد النظر.

خامسًا: أن نعيد للأخوة مكانتها

يمكن أن نختلف في قضية، لكن لا ينبغي أن تتحول القضية إلى عداوة شخصية.

فالأخوة أوسع من مسألة، وأبقى من خلاف، وأعظم من انتصار لرأي.


🌸 كلمة أخيرة

نحن لا نحتاج إلى عالمٍ لا يختلف معه أحد، ولا إلى جماعةٍ يتطابق أفرادها في كل اجتهاد.

نحتاج إلى قلوبٍ تتسع للاختلاف، ونفوسٍ تتواضع للحق، وعقولٍ تعرف أن الاجتهاد البشري قابل للصواب والخطأ.

فالاختلاف قد يكون بابًا للتنوع والإثراء، إذا صاحبه العلم والإنصاف والأدب.

أما حين يدخل الهوى والتعصب وسوء الظن وحب الصدارة، فإن الاختلاف يتحول إلى افتراق، والافتراق يتحول إلى خصومة، والخصومة تستنزف الصف كله.

لذلك:

اختلفوا في الاجتهاد… ولا تختلفوا في الأخوة.

ناقشوا الأفكار… ولا تهدموا القلوب.

صححوا الأخطاء… ولا تتصيدوا العثرات.

واجعلوا الحق غايتكم… لا الانتصار لأنفسكم.

فـ الاختلاف سُنّة، أما الافتراق ففتنة.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نفترق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق