الخميس، 30 يناير 2025

حكم سماع الموسيقى والغناء ؟!

 (حكم سماع الموسيقى والغناء).




يقول السائل الكريم:
ما حكم سماع الموسيقى والغناء؟
قلت: هذه المسألة تنقسم إلى مسألتين:
المسألة الأولى: الغناء الذي هو: عبارة عن كلمات.
المسألة الثانية: الموسيقى.
أما الغناء: فهو كلام أشبه بالشعر؛ حسنه حسن وقبيحه قبيح، حلاله حلال، وحرام حرام.
فمتى اشتمل الغناء على كلمات مباحة حسنة فلا حرج فيه.
ومتى اشتمل على كلمات خبيثة سيئة بذيئة فهو قبيح وممنوع.
أما مسألة الموسيقى:
فقد اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: الموسيقى محرمة. وبه قال جماهير العلماء، بل ادعيت في ذلك الإجماعات.
قال: هل سلمت هذه الإجماعات؟
قلت: لا، بل هي منخرمة.
القول الثاني: الموسيقى مباحة، وبه قال: عدد كبير من أهل العلم مثل: أهل المدينة، والإمام أبو محمد بن حزم، والإمام أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي الشيباني، المعروف بابن القيسراني، والإمام ابن العربي المالكي، ...وغيرهم.
ومن المعاصرين: الدكتور: يوسف القرضاوي، والشيخ: محمد الغزالي، والدكتور: الشريف حاتم بن عارف العوني.
ودار الإفتاء المصرية...وغيرهم.
قال: ما أدلة جماهير العلماء على تحريم الموسيقى؟
قلت: استدلوا بالقرآن، والسنة، والآثار، والإجماع المزعوم.
أما القرآن الكريم:
[1] فاستدلوا بقوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان: 6].
قالوا: لهو الحديث هو الغناء.
وأجيب عليهم: بأنهم اختلفوا في المراد بلهو الحديث على جملة أقوال.
قال الإمام ابن الجوزي: وفي المراد بلهو الحديث أربعة أقوال: أحدها: أنه الغناء، كان ابن مسعود يقول: هو الغناء والذي لا إِله إِلا هو، يُردِّدها ثلاث مرات وبهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: اللهو: الطبل.
والثاني: أنه ما ألهى عن الله تعالى: قاله الحسن، وعنه مثل القول الأول. والثالث: أنه الشِّرك، قاله الضحاك.
والرابع: الباطل، قاله عطاء.
قال: على فرض أنه الغناء، فكيف الجواب؟
قلت: الجواب أنه الغناء الذي يكون سببًا للصد عن سبيل الله.
[2] وكذلك استدلوا بقوله تعالى: { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } [الإسراء: 64].
قالوا: الصوت في الآية هو صوت المزمار.
وأجيب عليهم: بأن في المراد بصوته قولان: أحدهما:
أنه كل داعٍ دعا إِلى معصية الله، قاله ابن عباس.
والثاني: أنه الغناء والمزامير، قاله مجاهد.
[3] وكذلك استدلوا بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].
قالوا: الزور هو: الغناء.
وأجيب عليهم: بأنهم اختلفوا في المراد الزور في الآية على أقوال.
قال الإمام ابن الجوزي: قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ فيه ثمانية أقوال: أحدها: أنه الصَّنم، روى الضحاك عن ابن عباس ان الزُّور صنم كان للمشركين. والثاني: أنه الغناء، قاله محمّد ابن الحنفية، ومكحول وروى ليث عن مجاهد قال: لا يسمعون الغناء. والثالث: الشِّرك، قاله الضحاك، وأبو مالك. والرابع: لعب كان لهم في الجاهلية، قاله عكرمة. والخامس: الكذب، قاله قتادة، وابن جريج. والسادس: شهادة الزور، قاله عليّ بن أبي طلحة. والسابع: أعياد المشركين، قاله الرّبيع بن أنس. والثامن: أنه الخنا، قاله عمرو بن قيس.
ثانيًا: السنة:
[1] حديث: ليكونن من أمتي أقوام، يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة.
أجيب عليه: بأنه حديث ضعيف.
قال: ما آفته؟
قلت: فيه: عطية بن قيس الكِلَابي
ويمكنني أن ألخص القول فيه، فأقول: لم يُوثَّق مِن مُعتبَر.
قال: لكنه متابع.
قلت: كلها متابعات ضعيفة لا تقوم بها الحجة.
قال: ألا يتقوى الحديث بمجموع الطرق؟
قلت: لا يتقوى، بل هو باقٍ في حيز الضعف.
[2] حديث أنس مرفوعًا: صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبة.
وأجيب عليه: بأنه ضعيف لا يثبت.
قال: ما آفته؟
قلت: فيه: شبيب بن بشر، وهو منكر الحديث قاله البخاري.
قال: لكنه روي من حديث ابن عباس، فما آفته؟
قلت: فيه: محمد بن زياد الطحان اليشكري. وهو كذاب.
[3] حديث: إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والمزر، والكوبة، والغبيراء، وزادني صلاة الوتر.
قلت: كل طرقه ضعيفة.
[4] حديث: نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان.
قلت: ضعيف.
قال: ما آفته؟
قلت: فيه: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف.
[5] حديث: إن الله حرم علي - أو حرم - الخمر والميسر والكوبة، وكل مسكر حرام.
قلت: هو ضعيف من كل طرقه.
[6] حديث: الجرس مزامير الشيطان.
قلت: هذا أخرجه مسلم في صحيح.
لكنه لا يفيد تحريم الموسيقى.
قال: فماذا يفيد إذن؟
قلت: يفيد كراهة الأجراس لأن فيها شبه بأصوات ناقوس النصارى في كنائسهم.
[7] حديث: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس.
قلت: هذا إن ثبت فهو كالحديث السابق.
[8] حديث: يكون في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ» قالوا: يا رسول الله، ومتى ذاك؟ قال: «إذا ظهرت المعازف وكثرت القيان وشرب الخمور.
قلت: هذا لا يصح من جميع طرقه المروية.
[9] روى نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان إذا سمع صوت الزمار وضع إصبعيه في أذنيه، وعدل عن الطريق، ويقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا.
قلت: هذا حديث ضعيف لا يصح.
قال: أبو داود عقب إخراجه: هذا حديث منكر.
ثالثًا: الآثار:
[1] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لقمان: 6] ، قَالَ: الْغِنَاءُ وَأَشْبَاهُهُ.
قال: هل ثبت هذا؟
قلت: لقائل أن يصححه بمجموع طرقه.
[2] عن عبد الله بن مسعود، أنه سئل عنها فقال: «الغناء، والذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات».
قلت: هو ضعيف.
قال: ما آفته؟
قلت: فيه: صهيب أبو الصهباء البكري وهو ضعيف.
ثم أين أصحاب ابن مسعود ـ مسروق بن الأجدع الكوفي، وعلقمة بن قيس النخعي الكوفي، وعبيدة بن عمرو السلماني الكوفي، وأبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، والأسود بن يزيد النخعي الكوفي، وشريح ابن الحارث القاضي الكوفي، وعمرو بن شرحبيل ـ من هذا الأثر؟؟!!
[3] عن جابر في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: هو الغناء والاستماع له.
قال: هل ثبت ذلك؟
قلت: لا يثبت.
قال ما آفته؟
قلت: يرويه قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن جابر.
وقابوس ضعيف، ولا ندري هل سمع أبوه من جابر أم لا.
[4] عن أم علقمة أن بنات أخي عائشة ختن فقيل لعائشة ألا ندعو لهن من يلهيهن؟ قالت: بلى. فأرسلت إلى عدي فأتاهن فمرت عائشة في البيت فرأته يتغنى ويحرك رأسه طربا وكان ذا شعر كثير. فقالت: أف شيطان أخرجوه.
قال: ما آفته؟
قلت: فيه مرجانة، أم علقمة والدة علقمة بن أبى علقمة.
وهي مجهولة العين.
رابعًا: الإجماع على تحريم الموسيقى؛ نقله جماعة منهم:
[1] تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ).
[2] وابن تيمية (المتوفى: 728هـ): فقال:
(الأئمة الأربعة، فإنهم متفقون على تحريم المعازف).
[3، 4] ابن حجر الهيتمي (المتوفى: 974هـ)، ونقله عن القرطبي (المتوفى 671هـ).
قال: تلك أدلة طيبة جدًا.
من الكتاب، والسنة، والآثار، والإجماع.
على تحريم الغناء والموسيقى، إذن المسألة منتهية يا شيخ.
قلت: عليك أن تتحلى بالصبر على تتطلع على الرأي الثاني، وكيف أجابوا على أدلة الجمهور، ثم بعد ذلك تحكم.
قال: تفضل عليَّ بذكر أدلة من قالوا بإباحة الموسيقى.
قلت: لهم أدلة من القرآن والسنة، واستدلالات أخرى.
أولاً القرآن الكريم:
[1] استدلوا بقوله تعالى: { يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ }
[فاطر: 1].
قالوا: هو حُسن الصوت، قاله الزهري: وابن جريج.
[2] واستدلوا بقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ } [الروم: 15].
قالوا: والحَبْرَة في اللغة: كل نَغْمَةَ حسنَة، والحبر: السّماع في الجنّة، فإذ أخذ أهل الجنة في السماع، لم تبق شجرة إِلاَّ ورَّدت، قاله يحيى بن أبي كثير. وسئل يحيى بن معاذ: أيّ الأصوات أحسن؟ فقال: مزامير أُنس، في مقاصير قُدس، بألحان تحميد، في رياض تمجيد فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
انظر: زاد المسير لابن الجوزي.
[3] استدلوا بقوله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32].
قالوا: الأصوات الحسنة والموسيقى الهادئة مما يُتَزين به.
ثانيًا: السنة:
[1] عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، فدخل أبو بكر، فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «دعهما»، فلما غفل غمزتهما، فخرجتا). متفق عليه.
قالوا: فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الغناء، وإنما أنكر على الصديق أنه أنكره، وما كان له صلى الله عليه وسلم أن يقر منكرًا أو حرامًا.
[2] عن عائشة، أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو. أخرجه البخاري.
قالوا: فحث النبي صلى الله عليه وسلم على اللهو من غير بيان لنوع فدل على سعة في الأمر.
[3] حديث: ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أنكحت عائشة رضي الله عنها ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أهديتم الفتاة؟» قالوا: نعم، قال: «أرسلتم معها من يغني» ، قالت: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم.
أخرجه البخاري.
[4] عن الربيع بنت معوذ، قالت: (دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم غداة بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقولي هكذا وقولي ما كنت تقولين). أخرجه البخاري.
قالوا: ففيه أنهن يضربن بالدف في غير الأفراح، ولم ينكر عليهن.
[5] حديث: محمد بن حاطب مرفوعًا: فصل ما بين الحرام والحلال، الدف والصوت.
قالوا: فبين أن الدف شعار للفرح واعلان الزواج وليس حرامًا.
[6] قالوا: كلمات الغناء إنما هو أصوات وألحان, كأصوات الطير وأصوات الريح وأصوات الإنسان، حينما يمشي في الأرض، وكطرق الأبواب والضرب على الحديد، فإنما هي تُجمع ويؤلف بينها لا غير، فهي أصوات من الطبيعة.
[7] كذلك قالوا: الأصل البراءة الأصلية ولا تحريم إلا بمستند صحيح، وليس هناك مستند صحيح.
قال: وهذه أيضًا أدلة قوية وطيبة جدًا.
قلت: إي والله، هي كذلك.
قال: فكيف نُجيب على الإجماعات المنقولة على التحريم؟
قلت: هذه إجماعات لا تصح.
وإن شئت فراجع رسالة: إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع. للإمام الشوكاني.
قال: نريد معرفة بعض المؤلفات في مسألة الغناء.
قلت: أولا مؤلفات المجوزين:
1. السماع لابن القيسراني (507).
2. رسالة في الغناء الملهي أ مباح هو أم محظور ؟
طبعت ضمن رسائل ابن حزم الأندلسي (456 هـ).
3. بوارق الإلماع في تكفير من يحرم السماع لأبي المواهب أحمد بن محمد الغزالي (520 هـ)(أخو الإمام أبي حامد الغزالي).
4. فرح الأسماع برخص السماع لأبي المواهب محمد بن أحمد الشاذلي التونسي (882 هـ).
5. إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع للإمام محمد بن علي الشوكاني (1255هـ).
6. رسالة عيسى بن عبد الرحمن الكجراتي الهندي.
7. الغناء والموسيقى حلال .. أم حرام ؟؟ لمحمد عمارة.
8. الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام للشيخ عبد الله بن يوسف الجديع.
9. أحاديث ذم الغناء في الميزان للشيخ عبد الله بن يوسف الجديع.
10. مبحث: الغناء والموسيقى. في كتاب: الحلال والحرام في الإسلام للشيخ يوسف القرضاوي.
ثانيًا مؤلفات المانعين:
1. ذم الملاهي لابن أبي الدنيا (280 هـ).
2. تحريم النرد والشطرنج والملاهي للإمام الحافظ أبي بكر الآجري (360 هـ).
3. الرد على من يحب السماع للإمام أبي الطيب الطبري (450 هـ).
4. جزء في فتيا في ذم الشبابة والرقص والسماع ونحو ذلك للإمام ابن قدامة المقدسي (620 هـ).
5. كشف القناع عن حكم الوجد والسماع للإمام أبو العباس الأنصاري القرطبي (656 هـ).
6. رسالة في السماع والرقص للإمام ابن تيمية جمعه الشيخ محمد بن محمد المنيجي الحنبلي (728 هـ).
( رسالة في الرقص والسماع للإمام ابن تيمية - حكم السماع للإمام ابن تيمية ).
7. مسألة السماع : حكم ما يسمى "الأناشيد الإسلامية" فصل مستل من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية (728 هـ) (الاستقامة).
8. الكلام على السماع للإمام ابن قيم الجوزية (751 هـ)
9. حكم الإسلام في الغناء (جزء مأخوذ من إغاثة اللهفان للإمام ابن قيم الجوزية) لأبي حذيفة إبراهيم بن محمد.
10. نزهة الأسماع في مسألة السماع للإمام ابن رجب الحنبلي (795 هـ).
11. كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع للإمام ابن حجر الهيتمي (973 هـ).
12. السيف اليماني لمن قال بحل سماع الآلات والمغاني أو السم القاتل للمفتي المتساهل للإمام أبي يحيى مصطفى بن رمضان بن عبد الكريم الأزهري (1263 هـ).
13. تحريم آلات الطرب أو الرد بالوحيين وأقوال أئمتنا على ابن حزم ومقلديه المبحثين للمعازف والغنا وعلى الصوفيين الذين اتخذوه قربة ودينا للشيخ ناصرالدين الألباني (1420 هـ).
14. حكم الإسلام في الغناء للشيخ محمد الحامد.
15. الغناء في الميزان للشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي.
16. فصل الخطاب في الرد على أبي التراب للشيخ حمود بن عبد الله التويجري.
17. الرد على القرضاوي والجديع (رد علمي متضمن قواعد في أصول الفقه والحديث واللغة) للشيخ عبد الله رمضان بن موسى.
18. الغناء والموسيقى في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة للدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني.
19. الريح القاصف على أهل الغناء والمعازف للشيخ ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي.
20. إتحاف القاري بالرد على مبيح الموسيقى والأغاني (رد علمي مؤصل على الجديع) للشيخ النميري بن محمد الصبار.
21. الكاشف في تصحيح رواية البخاري لحديث تحريم المعازف والرد على ابن حزم المخالف ومقلده المجازف للشيخ علي حسن علي الحلبي الأثري.
قال: ما الراجح لديك؟
قلت: يترجح لديَّ جواز سماع الموسيقى والغناء بقيدين:
أولاً: ألا تشغل صاحبها عن واجب ديني أو دنيوي.
ثانيًا: ألا يصحب الغناء والموسيقى محرم كـ: شرب الخمور، أو النساء العاريات، أو الكلمات البذيئة التي تحث على الفسق والخلاعة.
قال: لنتكلم عن الواقع، ما رأيك في أغاني هذه الأيام خاصة الفيديو كليب وما على شاكلته.
قلت: هذه محرمة ولا شك.
قال: لماذا؟
قلت: لسببين:
الأول: تحتوي على كلمات إما قبيحة وإما تخدش الحياء وتدعوا إلى الفجور.
الثاني: فيها نساء عاريات واختلاط محرم فيه قبلات وأحضان.
قال: إذا كانت كل الأغاني على هذا النحو فالقول بتحريمها هو الأصل.
قلت: أغلب الأغاني الموجودة على الساحة محرمة ليس لذاتها وإنما لما يعتريها من محرمات، لكن هناك أغاني ليست محرمة.
قال: اضرب لنا نماذج للأغاني التي لا تراها محرمة.
قلت: من ذلك أغنية: خلي السلاح صاحي لعبد الحليم.
وكذلك أغنية: زهرة المدائن لفيروز.
وأغنية: أنت نور الله فجرا.
وأغنية: مولاي صلي وسلم دائما.
وأغنية: يا مظلوم ارتاح لحمزة نمرة.
قال: بناء على كلامك هذا فالموسيقى التي تُبدأ بها البرامج الدينية لا حرج فيها، وكذلك الموسيقى التي في الأناشيد الدينية لا حرج فيها.
قلت: نعم، كل هذه لا حرج فيها على ما نختاره من أقوال العلماء.
قال: جزاك الله خير الجزاء على هذا البحث الرائع، وجعله الله في ميزان حسناتك، ورحم الله والدتك وأسكنها أعالي الجنان، ورزقك الله الصبر على هجوم المقلدة والجامدة.
قلت: اللهم أمين.
وأحب أن أبشرك أن الذي يريد بعمله وجه الله؛ لا يضره حقد حاقد ولا كيد كاد، نسأل الله أن يجعلنا وإياك من هؤلاء، قل آمين.
قال: آمين.

كل التفاعلات:
٣٤

الاثنين، 27 يناير 2025

مفهوم التبرك وبعض أدلة مشروعيته (الجزء الثاني)

 


مفهوم التبرك وبعض أدلة مشروعيته (الجزء الثاني)

الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:

فقد سبق الحديث في القسم الأول من موضوع التبرك أن تحدثنا عن معنى التبرك وأصله في القرآن والسنة ونقلنا الأدلة حول ذلك وذكرنا أقوال العلماء رحمهم الله تعالى وتبرك الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بالنبي ﷺ وتعرضنا لذكر بعض الآيات في التبرك مع أقوال المفسرين رحمهم الله تعالى، وبعض الأدلة أيضاً حول التبرك بما شرب فيه أو مسه ﷺ والتبرك بشعره وظفره ونعله وعرقه وجبته وبردته ﷺ ونتابع في ذكر مشروعية التبرك وعمل السلف رحمهم الله تعالى على ذلك وإقرارهم...ومن ذلك:

تبرك النبي ﷺ بتربة المدينة ومواضع الأنبياء:

عن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا «بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. (صحيح مسلم: 2194)

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما رجع رسولُ الله ﷺ من تبوك، تلقاه رجال من المتخلِّفين من المؤمنين، فأثاروا غُباراً، فَخَمَّرَ بعضُ من كان مع النبيِّ ﷺ أنْفَه، فأزال رسولُ الله ﷺ اللِّثَام عن وجهه، وقال: والذي نفسي بيده: إن في غُبارها شفاء من كل داء (جامع الأصول لابن الأثير: 6962)

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ رحمهما الله تعالى أَنَّهُ قَالَ:

عَدَلَ إِلَيَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما، وَأَنَا نَازِلٌ تَحْتَ سَرْحَةٍ بِطَرِيقِ مَكَّةَ. فَقَالَ: مَا أَنْزَلَكَ تَحْتَ هذِهِ السَّرْحَةِ؟ فَقُلْتُ: أَرَدْتُ ظِلَّهَا. فَقَالَ: هَلْ غَيْرُ ذلِكَ؟ فَقُلْتُ: لاَ. مَا أَنْزَلَنِي إِلاَّ ذلِكَ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى. وَنَفَخَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ. فَإِنَّ هُنَاكَ وَادِياً يُقَالُ لَهُ السُّرَرُ ، بِهِ سَرْحَةٌ سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيّاً (موطأ الإمام مالك: 1602)

(حديث صحيح)، يقول العلامة الزرقاني رحمه الله تعالى: وفيه التبرك بمواضع النبيين (شرح الزرقاني: 2/ 601).

وقال الإمام ابن عبد البر المالكي رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء عليهم السلام والصالحين رحمهم الله تعالى ومقاماتهم ومساكنهم، وإلى هذا قصد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بحديثه هذا، والله أعلم. (التمهيد: 13/97)

ولقد ثبت أن النبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج قد صلى في بعض الأماكن تبركاً بأصحابها:

فروى النسائي في (المجتبى) حديث الإسراء والمعراج بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه في كتاب الصلاة باب فرض الصلاة وفيه:

«...فَسِرْتُ فَقَالَ جبريل عليه السلام: انْزِلْ فَصَلِّ فَفَعَلْتُ. فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرُ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ. فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ…» إلى آخر الحديث. (سنن النسائي: 450)

يقول الإمام السنْدي رحمه الله تعالى في الحاشية: صليت بطور سيناء وَهَذَا أصل كَبِير فِي تتبع آثَار الصَّالِحين والتبرك بهَا وَالْعِبَادَة فِيهَا (حاشية السندي: 1/ 222) أ.هـ.

التبرك بالنبي ﷺ بعد وفاته:

قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة الصحابي الجليل سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه: «مزود أبي هريرة (والمزود هو وعاء الزاد)

قال حماد بن زيد : حدثنا المهاجر مولى آل أبي بكرة، عن أبي العالية رحمهم الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتيت رسول الله ﷺ بتمرات، فقلت: ادع لي فيهن يا رسول الله ﷺ بالبركة. فقبضهن، ثم دعا فيهن بالبركة، ثم قال: خذهن فاجعلهن في مزود، فإذا أردت أن تأخذ منهن، فأدخل يدك، فخذ ولا تنثرهن نثرا.

فقال: فحملتُ من ذلك التمر كذا وكذا وسقا في سبيل الله، وكنا نأكل ونطعم، وكان المزود معلقا بحقوي، (أي خصري) لا يفارق حقوي، فلما قتل عثمان انقطع» أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب. (سير أعلام النبلاء: 2/ 630) (أخرجه الإمام أحمد: (8628) وابن حبان في صحيحه: (6532) واسحاق بن راهويه في مسنده: (3))

وقال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى أيضاً في معجم الشيوخ: عن نافع رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه كان يكره مسّ قبر النبي ﷺ. قلت (القائل الإمام الذهبي رحمه الله تعالى): كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب. وقد سئل أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى عن مسّ القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأساً. رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد رحمهما الله تعالى (معجم الشيوخ الكبير للذهبي:1/ 73)

فإن قيل وهل ورد بذلك أحاديث قلنا نعم عدة أحاديث:

الحديث الأول:

عن داود بن أبي صالح رحمه الله تعالى، قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر، فقال: أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم، جئت رسول الله ﷺ ولم آت الحجر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله (مسند الإمام أحمد: 23585)

وهو مروي في مستدرك الحاكم والطبراني في الكبير، وهو صحيح بمجموع طرقه، صححه الحاكم وأقره الذهبي في التلخيص وصححه السيوطي وحسّنه السبكي والصالح الدمشقي والمناوي وغيرهم.

الحديث الثاني:

عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رحمه الله تعالى قال: «رأيت أسامة رضي الله عنه يصلي عند قبر رسول الله ﷺ، فخرج مروان بن الحكم فقال: تصلي عند قبره؟ قال إني أحبه فقال له قولا قبيحا…» الحديث. (الأحاديث المختارة لضياء الدين المقدسي: 1318)

رواه ابن حبان في صحيحه ترتيب ابن بلبان برقم 5694 رجاله رجال الصحيحين وفيه محمد بن إسحاق صرح بالتحديث كما يظهر، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 64 وقال: رجاله ثقات ولفظه " رأيت أسامة بن زيد عند حجرة عائشة يدعو.... ورواه الطبراني وأحمد في مسنده بألفاظ متقاربة.

الحديث الثالث: أخرج الحاكم في مستدركه عن علي بن الحسين عن أبيه رضي الله عنهم: «أن فاطمة رضي الله عنها بنت النبي ﷺ

كَانَتْ «تَزُورُ قَبْرَ عَمِّهَا حَمْزَةَ كُلَّ جُمُعَةٍ فَتُصَلِّي وَتَبْكِي عِنْدَهُ» قال الإمام الحاكم: هَذَا الْحَدِيثُ رُوَاتُهُ عَنْ آخِرِهِمْ ثِقَاتٌ. (المستدرك للحاكم: 1396)

فهو حديث صحيح، وهو تبرك بعم رسول الله ﷺ.

وإليك هذا الكلام العجيب المهم في تعليل ذلك، يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: «… فَإِنْ قِيلِ: فَهَلا فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ؟ قِيلَ: لأَنَّهُمْ عَايَنُوهُ حَيًّا وَتَمَلَّوْا بِهِ وَقَبَّلُوا يَدَهُ وَكَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وُضُوئِهِ وَاقْتَسَمُوا شَعْرَهُ الْمُطَهَّرَ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، وَكَانَ إِذَا تَنَخَّمَ لا تَكَادُ نُخَامَتُهُ تَقَعُ إِلا فِي يَدِ رَجُلٍ فَيُدَلِّكُ بِهَا وَجْهَهُ، وَنَحْنُ فَلَمَّا لَمْ يَصِحْ لَنَا مِثْلُ هَذَا النَّصِيبِ الأَوْفَرِ تَرَامَيْنَا عَلَى قَبْرِهِ بِالالْتِزَامِ وَالتَّبْجِيلِ وَالاسْتِلامِ وَالتَّقْبِيلِ، أَلا تَرَى كَيْفَ فَعَلَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ؟ كَانَ يُقَبِّلُ يَدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَيَضَعُهَا عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولُ: يَدٌ مَسَّتْ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَهَذِهِ الأُمُورُ لا يُحَرِّكُهَا مِنَ الْمُسْلِمِ إِلا فَرْطُ حُبِّهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، إِذْ هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَشَدَّ مِنْ حُبِّهِ لِنَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَمِنْ أَمْوَالِهِ، وَمِنَ الْجَنَّةِ وَحُورِهَا، بَلْ خَلْقٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّونَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ أَكْثَرَ مِنْ حُبِّ أَنْفُسِهِمْ. انتهى كلام الإمام الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى (معجم الشيوخ الكبير للذهبي:1/ 73)

مشروعية التبرك بالصالحين:

والنصوص في إثبات التبرك كثيرة جداً وقد فهم منها السادة الفقهاء والأئمة الأعلام جواز التبرك بالسادة الصالحين رضي الله عنهم.

ومن يقول إن التبرك خاص برسول الله ﷺ وخاص بحياته فقد أبعد النجعة وفارق الحجة ولم يخضع للحق الذي درج عليه الأئمة والسلف كيف لا وقد

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ إِلَى الْمَطَاهِرِ، فَيُؤْتَى بِالْمَاءِ، فَيَشْرَبُهُ، يَرْجُو بَرَكَةَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ. ((المعجم الأوسط: 794) (وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان: 2534))

قال العلامة الهيثمي رحمه الله تعالى: رجاله موثقون (مجمع الزوائد: 1/ 214)

ومما جاء عن العلماء في مشروعية التبرّك بالصالحين ما نقله الحافظ ضياء الدين المقدسي الدمشقي الحنبلي رحمه الله تعالى قال: سمعت الحافظ أبا موسى ابن الحافظ عبد الغني رحمهما الله تعالى يحدث عن رجل بدمياط قال: كنت يوما عند الحافظ (عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى) فقلت في نفسي: كنت أشتهي لو أن الحافظ يعطيني الثوب الذي يلي جسده حتى أكفن فيه فلما أردت القيام قال: لا تبرح. فلما انصرف الجماعة خلع ثوبه الذي يلي جسده وأعطانيه. وَبَقِيَ الثَّوْب عِنْدنَا، كُلُّ مَنْ مَرِضَ تركوه عليه فيعافى. (سير أعلام النبلاء: 16/ 33)

وقال ابن أبي يعلى رحمه الله تعالى في طبقات الحنابلة: أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن البغدادي رحمهم الله تعالى، أحد الفقهاء العقلاء والمناظرين والأذكياء، مات بآمد سنة سبع أو ثمان وستين وأربع مائة، وقبره هناك يقصد ويتبرك به. (طبقات الحنابلة: 2/ 234) انتهى.

وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي رحمه الله تعالى في المقصد الأرشد والعلامة العليمي الحنبلي في المنهج الأحمد في ترجمة علي بن محمد رحمه الله تعالى المذكور: وقبره هناك مقصود بالزيارة. انتهى. (المقصد الأرشد: 2/253)

وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في التبرك بآثار الصالحين: ومنها التبرك بالصالحين وآثارهم والصلاة في المواضع التي صلوا بها وطلب التبريك منهم (شرح النووي على صحيح مسلم:5/ 161)

وجاء في دليل الطالب: وسُنّ أن يحمد الله إذا فرغ، ويقول الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، ويدعو لصاحب الطعام، ويفضل منه شيئا لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته (دليل الطالب: 1/252)

وفي الإنصاف للمرداوي رحمه الله تعالى: قال ابن الزاغوني رحمه الله تعالى وغيره: وليأت المنبر فيتبرك به تبركا بمن كان يرتقي عليه . (الإنصاف للمرداوي: 4/ 54)

وفيه أيضا: ويستحب للضيف أن يفضل شيئا لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته أو كان ثم حاجة (الإنصاف للمرداوي: 8/ 333)

وفي المغني: ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة، وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما أن موسى عليه السلام لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر، قال النبي ﷺ: «لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر (المغني لابن قدامة: 2/380)

ينبغي أن نعلم أن التبرك ليس هو إلا توسلاً إلى الله سبحانه وتعالى بذلك المتبرَّك به سواء أكان أثراً أو مكاناً أو شخصاً.

أما الأعيان فلاعتقاد فضلها وقربها من الله سبحانه وتعالى مع اعتقاد عجزها عن جلب خير أو دفع شر إلا بإذن الله، وأما الآثار فلأنها منسوبة إلى تلك الأعيان فهي مشرفة بشرفها ومكرمة ومعظمة ومحبوبة لأجلها، وأما الأمكنة فلا فضل لها لذاتها من حيث هي أمكنة وإنما لما يحل فيها ويقع من خير وبر كالصلاة والصيام وجميع أنواع العبادات مما يقوم به عباد الله الصالحون، إذ تتنزل فيها الرحمات وتحضرها الملائكة وتغشاها السكينة وهذه هي البركة التي تطلب من الله في الأماكن المقصود لذلك.

وهذه البركة تطلب بالتعرض لها في أماكنها بالتوجه إلى الله تعالى ودعائه واستغفاره وتذكر ما وقع في تلك الأماكن من حوادث عظيمة ومناسبات كريمة تحرك النفوس وتبعث فيها الهمة والنشاط للتشبه بأهلها أهل الفلاح والصلاح، وقد ذكرنا بعض النصوص المقتبسة في مقالنا السابق وكذا بمقالنا هنا ولم نحصر الأدلة في هذا الجمع إذ النصوص كثيرة ومستفيضة،

وقد بينا أنه قد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يتبركون بآثاره ﷺ وهذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره ﷺ إلى الله تعالى لأن التوسل يقع على وجوه كثيرة لا على وجه واحد، أفتراهم يتوسلون بآثاره ولا يتوسلون به؟

وهل يصح أن يتوسل بالفرع ولا يصح بالأصل؟

وهل يصح أن يتوسل بالأثر الذي ما شرف ولا عظم وكرم إلا بسبب صاحبه محمد ﷺ، ثم يقول قائل: إنه لا يصح أن يتوسل به؟

ولماذا كان الدفن بقرب رسول الله ﷺ أهم شيء وأحب شيء إلى عمر رضي الله عنه؟

ليس لذلك تفسير إلا التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته بالتبرك بالقرب منه.

ولماذا قطعت أم سليم رضي الله عنها فم القربة التي شرب منها رسول الله ﷺ ثم يقول أنس رضي الله عنه فهو عندنا.

وهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم يتسابقون لأخذ شعرة واحدة من شعر رأسه لما حلقه.

وهذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تحتفظ بجبة رسول الله ﷺ وتقول: فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها، وهذا خاتم رسول الله ﷺ يحتفظ به بعده أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ثم يسقط منه في البئر، وكل هذه الأحاديث ثابتة وصحيحة.

وقد روى الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى في دلائل النبوة والحاكم رحمه الله تعالى في مستدركه وغيرهما أن خالد بن الوليد رضي الله عنه فَقَدَ قَلَنْسُوَةً لَهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ فَقَالَ: اطْلُبُوهَا فَلَمْ يَجِدُوهَا، ثُمَّ طَلَبُوهَا فَوَجَدُوهَا، وَإِذَا هِيَ قَلَنْسُوَةٌ خَلِقَةٌ، فَقَالَ خَالِدٌ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَابْتَدَرَ النَّاسُ جَوَانِبَ شَعْرِهِ، فَسَبَقْتُهُمْ إِلَى نَاصِيَتِهِ فَجَعَلْتُهَا فِي هَذِهِ الْقَلَنْسُوَةِ، فَلَمْ أَشْهَدْ قِتَالًا وَهِيَ مَعِي إِلَّا رُزِقْتُ النَّصْرَ؟. أي ببركة شعر النبي ﷺ. (المستدرك للحاكم: 5299) دلائل النبوة للبيهقي: 6/ 249)

قال الحافظ البوصيري رواه أبو يعلى بسند صحيح وقال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ورجالهما رجال الصحيح، ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء، ورواه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية.

وروى الإمام مسلم رحمه الله تعالى

عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم قال: أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهم فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ رضي الله عنها حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا (صحيح مسلم: 2069)

وذكر الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما

أنه كان يتحرى الصلاة في الأماكن التي كان يصلي فيها رسول الله ﷺ. (صحيح البخاري: 483)

قال العلامة القسطلاني رحمه الله تعالى ونقله الحافظ الزبيدي في الإتحاف: إنما كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي في هذه المواضع للتبرك (إرشاد الساري: 1/464)

وروى البخاري وغيره عن جابر بن عبد الله أنه قال:

جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺيَعُودُنِي، وَأَنَا مَرِيضٌ لاَ أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلْتُ. (صحيح البخاري: 194)

وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال:

خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ (صحيح البخاري: 187)

وفي رواية عنده:

وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ. (صحيح البخاري: 376)

وقال أبو موسى رضي الله عنه:

دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: -أي بلال وأبو موسى رضي الله عنهما- «اِشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا (صحيح البخاري: 187)

وفي رواية مسلم: ثم قال

"اِشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا» فَأَخَذَا الْقَدَحَ، فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً (صحيح مسلم: 2497). اهـ

وفي صحيح البخاري ومسند أحمد وسنن البيهقي:.....

فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ...إلخ (صحيح البخاري: 2731)

وروى الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى وغيره عن نافع رحمه الله تعالى قال:

كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَتَبَّعُ آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلُّ مَنْزِلٍ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ فِيهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَجِيءُ بِالْمَاءِ، فَيَصُبُّهُ فِي أَصْلِ السمرة كي لا تيبس ". اهـ (صحيح ابن حبان: 7074)

وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: بَاب الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِيِّ ﷺ وَآنِيَتِهِ وَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَلَا أَسْقِيكَ فِي قَدَحٍ شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺفِيهِ. اهـ (صحيح البخاري: 7/ 113)

ثم تبع الصحابة في خُطتهم في التبرك بآثاره ﷺ من أسعده الله وتوارد ذلك الخلف عن السلف واستمر ذلك إلى هذا الوقت.

فعن ثابت رحمه الله تعالى قال:

كُنْتُ إِذَا أَتَيْتُ أَنَسًا يُخْبَرُ بِمَكَانِي فَأَدْخُلُ عَلَيْهِ فَآخُذُ يَدَيْهِ فَأُقَبِّلُهُمَا، وَأَقُولُ: بِأَبِي هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ اللَّتَيْنِ مَسَّتَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَأُقَبِّلُ عَيْنَيْهِ وَأَقُولُ: بِأَبِي هَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. (مسند أبي يعلى: 3491)

قال العلامة الهيثمي رحمه الله تعالى: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ. (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: 9 325)

وقال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في سير أعلام النبلاء: قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ رحمهما الله تعالى: رَأَيْتُ أَبِي يَأْخُذُ شَعرةً مِن شَعرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَضَعُهَا عَلَى فِيْهِ يُقبِّلُهَا.

وَأَحسِبُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَضَعُهَا عَلَى عَيْنِهِ، وَيَغْمِسُهَا فِي المَاءِ وَيَشرَبُه يَسْتَشفِي بِهِ.

ورَأَيْتُهُ أَخذَ قَصْعَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَغَسلهَا فِي حُبِّ المَاءِ، ثُمَّ شَرِبَ فِيْهَا، وَرَأَيْتُهُ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ يَسْتَشفِي بِهِ، وَيَمسحُ بِهِ يَدَيْهِ وَوَجهَه.

قُلْتُ (الذهبي): أَيْنَ المُتَنَطِّعُ المُنْكِرُ عَلَى أَحْمَدَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ سَأَلَ أَبَاهُ عَمَّنْ يَلمَسُ رُمَّانَةَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَمَسُّ الحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ، فَقَالَ: لاَ أَرَى بِذَلِكَ بَأْساً.

أَعَاذنَا اللهُ وَإِيَّاكُم مِنْ رَأْيِ الخَوَارِجِ وَمِنَ البِدَعِ. انتهى كلام الذهبي. (سير أعلام النبلاء: 11/ 212)

ونقل البهوتي الحنبلي رحمه الله تعالى في كشاف القناع عن إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى وهو من علماء السلف أنه قال: يستحب تقبيل حجرة النبي ﷺ. (كشاف القناع عن متن الإقناع: 2/151)

وروى الإمام البخاري رحمه الله تعالى

عَنِ ابْنِ سِيرِينَ رحمه الله تعالى، قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ رحمه الله تعالى: عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ» فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (صحيح البخاري: 170)اهـ

وذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتاب تهذيب الأسماء واللغات: وأوصى عمر بن عبد العزيز أن يدفن معه شيء كان عنده من شعر النبي صلى الله عليه وسلم وأظفار من أظفاره وقال: إذا مت فاجعلوه في كفني. ففعلوا ذلك. (تهذيب الأسماء واللغات: 2/24)

هذا وموضوع التبرك بحث طويل منثور في طيات كتب الأئمة وقد كانوا أحرص الأمة على اتباع سيدنا محمد ﷺ فجزاهم الله عنا خير الجزاء، ولا يسع المؤمن المحب المتبع لهذا الهدي إلا أن يترامى على هذا الهدي امتثالاً واتباعا واقتداء، وفي هذا القدر كفاية لكل مسترشد وسائل، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأحد، 26 يناير 2025

مسألة : حكم إعفاء اللحية .

 مسألة : حكم إعفاء اللحية .

أولا : اشتهر القول بأن إعفاء اللحية واجب وبالغ بعضهم في مسألة إعفاء اللحية , حتى جعلها الكثير حدا بين الطيب ولخبيث , وبين المسلم الحق وغيره, فلنناقش ادلة الموجبين ليتبين لنا الأمر من خلال مسالك المجتهدين .
1- قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (احفواالشوار واعفوا اللحى).
الدليل : اعفوااللحى . وجه الاستدلال: أن مطلق الأمر يدل على الوجوب مالم تأت قرينة تصرفه الى الندب أو الإباحة .
النقض :
1- اختلف الأصوليون في الأمر المطلق على ماذا يدل ؟ على اربعة اقوال :
اولا : الوجوب .
ثانيا : الاستحباب.
ثالثا: الاشتراك.
رابعا : الاباحة .
وبعضهم فرق بين امر الله تعالى المطلق فهو يفيد الوجوب وبين امر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو يفيد الندب .
بناء على هذا ..أصبح حكم الأمر المطلق باعفاء اللحية يحتمل اربعة اقوال :
الوجوب والندب والاشتراك بين الوجوب والندب والاباحة والتوقف حتى يأتي دليل واضح مرجح .
ماهو التحقيق في خلاف الأصوليين ؟
التحقيق في ذلك هو ان نربط بين مقاصد الدين وبين الدلالات اللغوية للأمر , فالأمر المطلق إذا تعلق بضرورة من الضرورات العشر التي جاءت الأديان بحفظها بحيث ان الإخلال بالأمر يترتب عليه ضرر بالغ في الدين او النفس او المال او العقل او العرض او النسل او البيئة او وحدة الأمة أو الأخلاق السامية أو الكرامة الانسانية فيكون مطلق الأمر للوجوب , وإذا لم يتعلق بهذه الضرورات فيكون على الندب وغيره .
لأن الأمر في اللغة يدل على مطلق المطلوبية يعني مطلق الطلب ومعرفة المقصد يحدد لنا درجة هذه المطلوبية , هذا هو التحقيق فكن به حقيق .
والدليل الموصل الى هذاالتحقيق هو الاستقراء , والسبر .
والآن لننظر سنجد بكل سهولة أنإعفاء اللحية أمر مندوب مستحب وليس واجبا , فدرجة المطلوبية هنا هي الاستحباب ولا يمكن ان يكون هنا مدخل للقول بالوجوب .
2- أن إحفاء الشوارب . مستحب باتفاق , مع ان الحديث واحد (احفوا الشوارب واعفوااللحى ) .احفوا , اعفوا , وكلاهما امر مطلق , فالتفريق بين الإحفاء والإعفاء تحكم بغير دليل , فإما القول بوجوب الأمرين وإما القول باستحباب الأمرين , والتفريق يحتاج الى دليل ولا دليل مفرق .
3- أن اعفاء اللحية امر متعلق بالعادات يعني انه من سنن العادات وليس من سنن العبادات , أي أنه متعلق بالهوية الشخصية , مثل اللباس الذي يدل على هويتك , فمن خلال لباسك وظريقة لبس عمامتك مثلا تعرف هويتك ويعرف بلدك وانتماؤك , فاللحية هكذا تعطي انطباعا متعلقا بالهوية أنك تنتمي الى الاسلام , وهذا التميز في الهوية لاعلاقة له بصميم الدين بحال , فكما أنه بإمكانك ان تترك اي لباس يصنفك تصنيفا (جهويا ) أو (وطنيا ) فكذلك بإمكانك أن تترك إعفاء اللحية الذي يصنفك تصنيفا (عقائديا) , ولهذا يرى الامام ابو زهرة رحمه الله تعالى , ان من زعم ان اللحية لهاعلاقة بالدين فهو جاهل لأنها كما يرى هو انها من سنن العادات .
4- أن وظائف الناس مختلفة فمنهم لايصلح ان يعفي لحيته , لكونه في وظيفة لاتسمح له بذلك كالطباخ مثلا , أو عمال الفنادق وكثير من أصحاب المهن , إنما تليق اللحية للفقهاء والقراء وأئمة المساجد والقادة الكبار والأمراء والوزراء ونحوهم ممن يحتاجون الى (الكارزما) كما يقال .
5- ان وجوه الناس وشخصياتهم مختلفة فمنهم من تناسب معه لحية خفيفة ومنهم من لاتناسبه ومنهم من يجمل باللحية الكثة , فيبعد ان يطلب المشرع من المكلف امرا يشين به وجهه ولا يليق به .

14- أثر عاشة رضي الله عنها (والذي زين الرجال باللحى) مكذوب فيه النهاوندي واشار الى ذلك ابن الجوزي في الموضوعات وقد روي مرفوعا (والذي زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب)رواه الديلمي في الفردوس وفيه الحسين بن داود البلخي وقد حكم عليه الألباني بالوضع .
15- واقل شئ في الإعفاء هو ان يترك اللحية حتى تنبت زيادة عن حد احفاء الشارب .كما قال بذلك ابو الوليدالباجي من فقهاء المالكية , والاختيار الا يأخذ اكثر مما فضل عن القبضة . والله أعلم
تتميم للأستاذ محمدعبدالوهاب (من الجزائر):
القول بأن الصحابة لم يحلقوا لحاهم بعد ورود الأمر بالمخالفة دليل على أنهم فهموا من هذا الأمر الوجوب قول يتطرق إليه الاحتمال وبالتالي يسقط به الاستدلال وذلك لأنهم لم يكونوا يحلقونها من قبل ورود هذا الأمر وأن حكم اتخاذ اللحية كان عادة جارية عندهم في عهد التشريع لم تحدث عندهم بنفس التشريع.
2)من أهل العلم من طبق على مسألة إعفاء اللحية قاعدة الأسماء المطلقة في الشريعة التي تقول: [كل اسم ليس له حد في اللغة و لا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف] أي ما سمي إعفاءً عرفا يكفي في تحقق الإعفاء المطلوب في الحديث.
3)الفعل المضارع في قوله تعالى: ((ثم ليقضوا تفثهم)) مقترن بلام الأمر وإذا كان كذلك فالأخذ من اللحية المذكور في تفسير ابن عباس لقضاء التفث يكون مستحبا في هذه الحال.
4)الأمر بإعفاء اللحية محمول على الوجوب عند جمهور الفقهاء بخلاف الأمر بإحفاء الشارب، فهو محمول على الاستحباب، مع أن الأمرين قد وردا في حديث واحد وفي سياق التعليل بالمخالفة!!!
5)الاستدلال بحديث النمص لإثبات أن حلق اللحية من تغيير خلق الله إنما هو تجاوز لما ورد في الشرع الأمر به أو النهي عنه بدون دليل واضح ظاهر، ومحاولة لتعدية الحكم حيث أن تعديته إلى اللحية خارج عن دلالة النص والقياس.
6)خلو الوجه من الشعر مشترك بين النساء والأطفال والرجال المرد، فهو ليس من خصائص النساء، لكي لا يأتي شخص ويقول: إن الرجل الذي يحلق لحيته و شاربه متشبه بهن.
7)مذهب من فعل القبضة من الصحابة قد يكون اختيارا له علاقة بالعادة التي أبقاها الإسلام و لم يلغها، حيث أن الأخذ من اللحية كان مما تفعله العرب في الجاهلية.
8)على القول بوجوب إعفاء اللحية وجوبا شرعيا يجوز حلقها عند الحاجة أو المصلحة الراجحة بما أن حلقها محرم لغيره، رجل سيفصل عن عمله -مثلا- ولا يجد غيره ولا يندفع هذا الضرر إلا بالحلق وآخر يحتاج إلى حلقها لتحقيق مصلحة راجحة غير متوهمة كالدعوة إلى الله.
9)لو قال لك مكابر: إن دلالة الإعفاء تتنافى مع الأخذ وذلك لأن المشركين وغيرهم من الكفار كانوا يعفون شواربهم ولا يأخذون منها، أجبه بما يلي: لو أعفيت شاربك ثم أخذت ما فضل عن القبضة كيف سيكون حالك وحال شاربك يأيها المكابر العنيد؟!!!
10)كان الشيخ الألباني يرى أن ترك شيء من اللحية أيا كان ذلك الشيء يعتبر توفيرا وهذا ما ذكره الشيخ محمد الحسن ولد الددو -حفظه الله- في موقعه العلمي وسمعته بأذنِي عندما اتصلت به هاتفيا، هذا القول ليس غريبا على طويلب علم فضلا عن عالم، الغريب هو أننا لا نجده في موقع الشيخ ولا مواقع تلامذته -هداهم الله- مع أن المسألة فقهية فرعية سهلة يسيرة، فعجبت لهم كيف يكتمون قوله بـ(جواز أخذ الرجل من لحيته من غير مراعاة للقبضة كقدر يجب المصير إليه) ولا يكتمون رأيه -رحمه الله- في خصوص (وجوب إبقاء اللحية لمن ابتليت من بناتنـا بنباتـها)!!!!!
11)إذا أردنا أن نبحث عن كلمة العثن والعثنون فسنجدهما في مادة: [عثن]، والعثن هو العهن، والعهن هو الصوف، فربما سميت اللحية بالعثنون تشبيها بالصوف.
النتيجة:
[إعفاء اللحية مستحب في ذاته استحبابا شرعيا واجب لغيره وجوبا أدبيا؛ فمن أعفاها فله التثويب وهو مأجور، ومن حلقها فعليه التثريب لكنه غير مأزور].

( حكم إعفاء اللحية )
لنا بحث مطول في هذه المسالة إلا أنني سأختصر وذلك استجابة لسؤال أحد أصدقائي المقربين وفقه الله تعالى .
أولا :إعفاء اللحية عقلا .
1- إعفاء اللحية أمر مرغب فيه من ناحية العقل إذ أن فيه إظهارا للرجولة وهذا مما يختلف فيه الرجال عن النساء .
2- فإن قيل الشارب يكفي في إظهار الفرق , قلنا : صحيح .وغيره من العلامات تكفي , ولكن في اللحى إظهار لكمال الرجل الشكلي إذ أن الكوسج يظهر له شارب ولكن لاتظهر له لحية , والكوسجة صفة معيبة فبإظهار اللحية تثبت أنك لست كوسجا.
3- والوجه محل زينة فوجود الشارب واللحى في الذكور يزين , ووجوده في المرأة يشين ولهذا ففي اصل خلقة الرجل الشوارب واللحى وفي أصل خلقة المرأة عدمهما .
4- وكون اللحية موجودة في الرجل وكذا الشارب فهذا لايعني المنع من التزين بتهذيبها القدر الذي ينسجم مع شكل الوجه ومع المظهر العام للمجتمع ومع المهنة التي ينشغل بها الشخص في غالب وقته .
ولهذا قد يحسن بالرجل أحيانا حلق لحيته إما لعدم تناسب اللحية مع شكل الوجه أو أنه يكون شاذا بين مجتمعه أو أن المهنة التي يشتغل بها لاتتناسب مع إعفاءه للحية كالطباخ مثلا أو أمر آخر وليس كل إنسان يستطيع أن يقول بعذره أو يبين وجهة نظره وليس كل عذر يقال.
جاء في كتاب نهج البلاغة : سُئل عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ عن قول الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم: "غيِّروا الشَّيْبَ ولا تَشَبَّهُوا باليهود". فقال: إنما قال النبي ذلك والدِّينُ قُلٌّ، فأما الآن وقد اتَّسع نطاقه، وضرب بجرانه فامرؤٌ وما يَختار..
قلت : فكلام امير المؤمنين علي يفيدنا أن كل انسان حر فيما يختاره في لحيته ومظهره أعفى أوحلق أو قصر , صبغ أو لم يصبغ .
5- وترك اللحية طويلة بلا تهذيب دليل على اللامبالاة وربما الإهمال ويدل على موقف غير ايجابي من الحياة أو على عقيدة ومذهب وأفكار أو ربما عادات غير سوية .
6- وفي العقل لاتعتبر اللحية معيارا من معايير تقييم الأشخاص مطلقا , ولكن المظهر أي مظهر الانسان يعطي انطباعا أوليا عن ماهية الشخص وماهي الرسائل التي يود إيصالها من خلال مظهره العام ومنها اللحية .
النتيجة :

عرفنا حكم العقل في إعفاء اللحية وأنه أمر مرغب مستحب على التفاصيل السابقة .
ثانيا : إعفاء اللحية شرعاً.
1- في الشرع نعني به الكتاب والسنة وآراء الفقهاء حسب طريقتهم في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة .
2- الحديث النبوي الشريف يقول ( أحفوا الشوارب , واعفوا اللحى ) , وورد بألفاظ مختلفة كلها تصب في معنى واحد .
3- في الشريعة المطلوبية سواء بالأمر أو النهي على ثلاث مراتب :
الأولى : التعبد بالامتثال بمعنى أن الأمر والنهي يكون للعبادة المحضة وهذا هو الواجب أو المحرم ويدخل فيه المستحبات في العبادات المحضة مثل الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة
الثانية : الارشاد بالامتثال , يعني الشارع الحكيم يريد ارشادنا الى مافيه الخير والكمال وهذا في باب المستحب أو المكروه . وهذه مرتبة أعلى من سابقتها مثل طريقة الأكل والشرب والنوم والجلوس .
الثالثة : الترقي بالامتثال . وهي خاصة بالأنبياء والأولياء والأصفياء , فحسنات الأبرار سيئات المقربين , يعني عندما تتمثل يحصل لك ترقي أعظم من التعبد أو الارشاد , مثل الزهد والتقشف , والمداومة على الذكر والعزلة وكثرة الصيام والتنزه عن كثير من المباحات ونحو ذلك .
4- والآن نريد أن نحدد هل الأمر بإحفاء الشارب وإعفاء اللحية من القسم الأول أو الثاني او الثالث ؟
للوهلة الأولى سنضع اصبعنا على المرتبة الثانية وهي أن الأمر للإرشاد بالامتثال يعني أن إعفاء اللحية وجز الشارب من السنن المستحبة , ولا يمكن أن تكون من الأمور المتعبد بها كالصلاة والصيام أو أن حلقها مثل الكبائر كشرب الخمر وقذف المحصنات, أو أنها من الصغائر كالقبلة والغيبة العارضة .
5- هل هو تحكم بغير دليل ؟
الجواب : لا . لأننا استقرينا المحرمات استقراء تاما , فوجدناها تؤثر على الضرورات التي جاءت الأديان والعقول بحفظها وهي :
الدين , النفس ,المال , العقل , العرض , النسل , البيئة , وحدة الأمة والسلم الأهلي , الكرامة الانسانية , الأخلاق العالية المتفق عليها .
والشوارب واللحى اعفيتهما أم حلقتهما لاعلاقة لها بهذه الضرورات لا من قريب ولا من بعيد
فأصبح حتما , كون الامر فيهما في الحديث إنما هو للندب للمعاني العقلية التي قررناها سابقا في مبحث الدليل العقلي .
6- هل هنالك فائدة شرعية من امر النبي بإعفائها وجز الشوارب ؟
الجواب : نعم وهي بالاضافة الى ما ذكرناه من محاسن فإن المسلم لما كان متميزا عن غيره قلبيا وباطنيا , فمن الأفضل أن يعبر عن تميزه الباطني بتميزه الظاهري عن غيره خصوصا إذا كان في بلد يعيش فيه أخلاط من الأديان , كما كان حاصلا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث كانت أخلاطا من اليهود والنصارى والمسلمين والوثنيين , ولهذا نجد أن النبي قال ( خالفوا المشركين , جزوا الشوارب وارخو اللحى ) , ولهذا لو كان يعيش الانسان في بلد ليس فيها اخلاط من اصحاب الأديان لم يبق لإعفاء اللحية معنى شرعي مع وجود المعنى العقلي الذي قررنا آنفا .
7- ولهذا قيل لابن عثيمين -رحمه الله - ليش ما تصبغ لحيتك البيضاء وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( إن اليهود لايصبغون لحاهم فخالفوهم ) ؟
فكان يتهرب من الجواب كما حكى ذلك الشيخ محمد بن جميل زينو , حتى أصر عليه , فقال الشيخ المرحوم , هذا الحديث إذا كنت تعيش في اخلاط من اصحاب الملل , أما إذا كنت تعيش في بلد اهلها كلهم مسلمون مثل ( عنيزة ) فلا وجه للحديث !!
قلت : إذن :
وضحوا لنا الفرق بين حديث ( إن اليهود لايصبغون لحاهم فخالفوهم ) وبين حديث ( خالفوا المشركين جزوا الشوارب واعفوا اللحى ) !!.
ثم إن الصحابة كان اكثرهم يصبغ لحيته في حياة النبي وبعد وفاته ومنهم الحسين بن علي رضي الله عنهما فكان يخضب بالوسمة , فهذا تناقض عجيب !!
8- ومن التناقضات أيضا , أن المحرمين لحلق اللحية يقولون الأمر في جز الشارب للندب وفي الإعفاء للوجوب !!كيف يصح ذلك والحديث واحد والسياق واحد ولا يوجد وقت لأخذ النفس -اصلا - بين العبارتين ( جزوا الشوارب واعفوا اللحى ) . !!
9- وقد صرح إماما المذهب الشافعي وهما الرافعي والنووي بأن الأمر في الحديث هنا , للاستحباب فحسب .
10- وقد كان من سنن العرب إعفاء اللحية قبل الاسلام , فهي من سنن العادات وليس العبادات وهذا ما صرح به كثير من الفقهاء المعاصرين ومنهم الإمام محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى .
11- فإن قيل كان للنبي صلوات الله عليه وآله وسلم لحية كثة . فيقال :
لهذا قلنا أن إعفاء اللحية ومقدارها مرتبط بشكل الوجه وبمهنة الشخص وبعادات مجتمعه , فالعادة في مجتمع النبي اعفاء اللحية وكان وجهه عليه السلام يميل الى الاستدارة وكان قائدا للأمة يعني يحتاج الى كارزما .
ولهذا لاينبغي لعالم الدين أو إمام المسجد أو القائد أو السلطان أو الرئيس أن يحلق لحيته , بخلاف الطباخ والخباز وموظفي الاستقبال والعسكريين فالأفضل في حقهم حلق اللحى أو تخفيفها لأنهم لايحتاجون الى كارزما -كما يقال - .
والنبي صلوات الله عليه لايحتاج لأن يهذب لحيته او يشذبها فإنه كما قال حسان رضي الله عنه :
خلقت مبرأ عن كل عيب ............كأنك خلقت كما تشاء . والله أعلم

حكم حلق اللحية ?!

 (حكم حلق اللحية، وتسويتها بالأخذ منها).





يقول السائل الكريم:
ما حكم تسوية حلق اللحية، وتسويتها بالأخذ منها؟
قلت: أولاً: مسألة حلق اللحية، محل خلاف بين العلماء
فرأي جمهورهم حرمة حلقها، وذهب قوم إلى كراهية ذلك.
قال: قال بعض المشايخ حرمة حلق اللحية مسألة مجمع عليها.
قلت: نقل ابن حزم، وابن القطان، وابن عابدين الإجماع على حرمة حلقها، لكنه إجماع منخرم كما سأوضحه بإذن الله تعالى.
قال: من الذين قالوا بكراهة حلقها؟
قلتُ: هو المعتمد عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة،
وهو قول القاضي عياض من المالكية.
قال: تفضل علىَّ بذكر أدلة من قالوا بتحريم حلق اللحية:
قلت: لهم جملة من الاستدلالات:
أولاً: وردت جملة أحاديث صحيحة تأمر بإعفاء اللحية، والأصل في الأمر الوجوب.
ثانيًا: نقل عدد من أهل العلم الإجماع على وجوب إعفاءها وحرمة حلقها، مثل ابن حزم، وابن القطان، وابن عابدين.
ثالثًا: حلقها من قبيل التشبه بالنساء والمتشبه بالنساء ملعون.
رابعًا: إعفاءها من الفطرة، وحلقها أو قصها الشديد خروج عن الفطرة.
خامسًا: هي من سمت الأنبياء.
سادسًا: حلقها تغيير لخلق الله.
قال: وكيف أجابوا من قالوا بالكراهة عن هذه الأدلة:
قلت: لهم أجوبة على ذلك:
[1] قالوا: أما القول بورود جملة من الأحاديث التي تأمر بالإعفاء والأمر يقتضي الوجوب.
فأجيب عليهم بما حاصله:
أن الأمر بإعفاء اللحية مقترن بشيئين:
الأول: قص الشارب. والثاني: مخالفة المشركين.
ولم يأتي الأمر بها مطلقًا دون اقتران بشيء.
وبناءً عليه ما سبق: فإن كل حكم كانت علته: مخالفة المشركين، وعدم التشبه بهم، فإنه لا يصل إلى التحريم، غاية ما يقال فيه: أنه مكروه.
كذلك الأمر بقص الشارب مستحب، فكذلك اللحية.
ومسائل اللباس والهيئات الأمر فيها لا يرقى للوجوب.
[2] قالوا: الإجماعات المنقولة غير صحيحة، وكيف تكون صحيحة والمعتمد عند الشافعية ووجهة عند الحنابلة وبعض المالكية على القول بالكراهة.
[3] قالوا: قص اللحية أو حلقها ليس من باب التشبه بالنساء والعلة في أحاديث الأمر بإعفاء اللحية من باب مخالفة المشركين ولا تعلق لها بمخالفة النساء.
[4] قالوا: ما نُقِلَ من أحاديث تفيد أن إعفاء اللحية من سنن الفطرة؛ كلها لا تثبت وأولها ما أخرجه مسلم.
وعلى فرض ثبوتها: فليس معنى أنها من سنن الفطرة أنها واجبة.
[5] قالوا: كونها من سمت الأنبياء يفيد ندبها لا وجوبها.
[6] قالوا: أما كون حلقها من باب تغيير خلق الله، فهذا مرده لمسألة حكمها من الأصل هل هي واجبة أو مندوبة.
قال: يا شيخ، نعلم أن الأمر يفيد الوجوب إذا لم تأتي قرينة تصرفه إلى غير الوجوب فما القرينة عندهم هنا؟
قلت: قالوا: كون الأمر يُفيد الوجوب هذه عند الجمهور، أما عند غيرهم فمطلق الأمر يفيد الاستحباب لا الوجوب.
قال: ما القرينة التي صرفت الأمر من الوجوب إلى الندب؟
قلت: لهم جملة من القرائن:
[1] كون الأمر قد علل بمخالفة المشركين قرينة.
[2] تعلق الأمر بالعادات والآداب قرينة كذلك.
[3] دلالة الاقتران: بمعني أن اللحية ثد ذُكرت في حديث عشر من الفطرة...الحديث، فبهذا تكون قد اقترنت بأمور مستحبة فتكون مستحبة كذلك.
قلت: وإن كان دلالة الاقتران قد يُجاب عليها هنا بضعف الخبر.
قال: يا شيخ هل يمكنك أن تلخص لي ما سبق في كلمات قليلة؟
قلت: نعم، أقول وبالله التوفيق:
حلق اللحية (من غير ضرورة) هي من مسائل الخلاف بين العلماء فذهب أكثرهم لحرمة حلقها، وذهب قوم إلى كراهة ذلك، ولكل وجهته، وأنا مع القول باستحباب إعفاءها.
قال: جزاك الله خيرًا.
قلت: اللهم أمين يارب العالمين وإياكم.
قال: بقيت مسألة أخرى ألا وهي:
حكم تسوية اللحية والأخذ منها.
قلت: نعم، أقول وبالله التوفيق:
اختلف أهل العلم في حكم الأخذ من اللحية على جملة أقوال:
القول الأول: عدم جواز أخذ شيء من اللحية مطلقًا.
القول الثاني: يجوز أخذ ما زاد عن القبض في حج أو عمرة. وهو مذهب عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وابن عباس.
وقد قال عطاء بن أبي رباح، قال: «كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة، وكان إبراهيم يأخذ من عارض لحيته».
القول الثالث: يجوز أخذ ما زاد عن القبض مطلقًا وهو مروي عن أبي هريرة.
القول الرابع: يجوز الأخذ منها مطلقًا: وبه قال القاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، والنخعي، وقتادة، وغيرهم.
القول الخامس: يجوز أخذ ما شذ وتطاير وقبح.
قال ابن عبد البر: ابن عمر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أعفوا اللحى وهو أعلم بمعنى ما روى فكان المعنى عنده وعند جمهور العلماء الأخذ من اللحية ما تطاير.
والله أعلم.
وروي عن علي (رضي الله عنه):
أنه كان يأخذ من لحيته ما يلي وجهه.
قال ابن القاسم قال سمعت مالكا يقول لا بأس أن يؤخذ ما تطاير من اللحية وشذ قال فقيل لمالك فإذا طالت جدا فإن من اللحى ما تطول قال أرى أن يؤخذ منها وتقصر.
وهناك أقوال أخرى في المسألة، وفيما ذكرته كفاية.
فالحاصل أن الخلاف في المسألة سائغ وقريب وواسع.
قال: فهل هناك كتبت ألفت في أحكام اللحية تنصح بها؟
قلت: نعم، منها:
أولاً: كتاب اللحية. للشيخ المحدث عبد الله بن يوسف الجديع. عدد صفحاته (313).
ثانيًا: جامع أحكام اللحية، للشيخ على بن أحمد بن حسن الرازحي. قدم له الشيخ المحدث مقبل الوادعي.
طبعته دار الآثار. وعدد صفحاته (384).
ثالثًا: كتاب إفادة ذوي الأفهام بأن حلق اللحية مكروه وليس بحرام. تأليف الشيخ: عبد العزيز بن الصديق الغماري.
طبعته دار الآثار الإسلامية وعدد صفحاته (113).
رابعًا: اللحية للشيخ عبد الرحمن بن عبد المعطي.
بتقديم العلامة المحدث مصطفى العدوي.
طبعته المكتبة الإسلامية. عدد صفحاته (90).
قال: هل هذه الكتب متوفرة على الشبكة العنكبوتية؟
قلت: نعم، باستثناء الكتاب الأخير.
قال: هل هناك كتب أخرى ألفت في اللحية؟
قال: نعم، هناك كتب كثيرة جدًا.
قال: جزاك الله خيرًا يا شيخ.
قلت: اللهم أمين يارب العالمين وإياكم.
«رحم الله أمي وأمهات المسلمين».