إسقاط هالة العصمة.. قراءة في مواقف الفتاوى والواقع]
المقدمة: في زمن تداخلت فيه السياسة بالإعلام، واستُخدمت الآلة الدعائية الموجهة لتوجيه عقول الجماهير، نشأت حالة من "العصمة المبطنة" والتقديس غير المعلن لشيوخ وتيار بعينه، حتى صُور للناس أنهم المرجعية الوحيدة للأمة، وأن منهجهم هو المعيار المطلق للصواب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إن هذا التقديس الحزبي أو الإعلامي لم يكن يوماً من منهج السلف الصالح، الذين أجمعوا على أن "كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر ﷺ". ومن باب رفع هذه العصمة المدعاة، وإعادة وضع الأمور في نصابها الشرعي والواقعي، نضع بين يدي القارئ والمتابع حزمة من المؤاخذات والمواقف المسجلة للشيخ ابن عثيمين، والتي تكشف بوضوح الفجوة الكبيرة بين التنظير الفقهي وبين التطبيق على أرض الواقع المعاصر، وكيف وظفت هذه الفتاوى لحماية عروش الحكام ومواجهة المصلحين والمجاهدين.
أولاً: إسقاط الحجج وإعذار الحكام المستبدين
يقول الشيخ في «مجموع فتاويه» (س228): "نسأل الله تعالى أن يُصلحَ للمسلمينَ ولاةَ أمورِهم وبطانتهم– كما أنّ على المرءِ الذي آتاه الله العلمَ أن يبينه لهؤلاء الحكَّام؛ لتقومَ الحجةُ عليهم وتبينَ المحجةُ".
المؤاخذة: أي حجة يُطالب العلماء بإقامتها على من استبدل شريعة الله بالكامل وأحلّ القوانين الوضعية مكانها وعطل الأحكام القطعية؟!!
وعندما سُئل عن حكام الجزائر الذين عطلوا الشريعة وحاربوا أصحابها، قال في «فتاوى العلماء الأكابر»: "رأيُنا أن هؤلاء ليسوا بمرتدين، ولا يجوزُ أن نقول: إنهم مرتدّونَ حتى يثبت ذلك شرعاً.. بناءً على أنهم يصلونَ، ويصومونَ ويحجونَ.. فله بيعة، وهو حاكم شرعي.. لأنَّ الحاكمَ المعيَّن قد يكونُ عندهُ من علماءِ السُّوء من يُلبّس عليه الأمور، وغالبُ حكَّام المسلمين اليوم ليس عندهم علمٌ بالشَّرع.. فلا نحكمُ على الحكَّام بالكُفر إذا فعلوا ما يَكفر به الإنسانُ، حتى نُقيمَ عليه الحُجّة".
المؤاخذة: هنا يظهر جلياً التوسع في باب الأعذار لهؤلاء الحكام في جميع البلاد، رغم اعترافه في تسجيلات أخرى بأنهم لا يحكمون بشرع الله. يتضح هنا لِمن انخدع بكلام الشيخ النظري عن الحاكمية، أنه يقرر بوجود أفعال مكفرة من الناحية النظرية، لكنه يمتنع تماماً عن إسقاطها على الواقع؛ فلا يوجد عنده كفار في الواقع المعين، وهو ما تنبهت له العديد من المراجعات العلمية (عدم تنزيل المسائل النظرية على الواقع).
وأكد هذا المنحنى في (الباب المفتوح، سؤال 1222) بقوله: "فهؤلاء الذين تشيرُ إليهم، من حكامِ العربِ والمسلمينَ، قد يكونونَ معذورينَ لم تتبيّن لهم الحجة، أو بُيّنت لهم وجاءهم مَنْ يُلبّس عليهم ويُشبّه عليهم، فلا بدّ من التأني".
ثانياً: تبرير التشريع العام والقوانين الدستورية المستوردة 4. في شريط مسجّل عام 1420هـ يجيب فيه على سؤال للشيخ أبي الحسن المأربيِّ، تراجع الشيخ تماشياً مع كبار العلماء في آخر حياته ليفصل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله بطريقة ترفع التكفير بالكلية، حيث قال: "وأمّا إذا كان يشرّع حكماً عامّاً تمشي عليه الأمّةُ يرى أنّ ذلك من المصلحة، وقد لبّس عليه فيه فلا يكفر أيضاً؛ لأنّ كثيراً من الحكَّام مَنْ عنده جهلٌ في علمِ الشريعة.. وإذا كان يعلمُ الشرع ولكنّه حكم بهذا، أو شرَّع هذا وجعله دستوراً يمشي النّاس عليه؛ يعتقدُ أنّه ظالم في ذلك، وأنّ الحقّ فيما جاء به الكتاب والسنّة؛ فإنّنا لا نستطيعُ أنْ نكفّر هذا...".
المؤاخذة: انظروا إلى حجم الضلال والتهافت! جعل حتى الحاكم الذي يعلم الشرع ويتعمّد وضع دستور وضعي عام يلزم الأمة به "معذوراً وغير كافر" ما دام يعتقد في قرارة نفسه أنه ظالم! فأي تعطيل لشرع الله أشد من هذا؟ وهذا يؤكد من جديد: كلام نظري في بطون الكتب، وحماية مطلقة للحكام على أرض الواقع.
ثالثاً: مصادمة إجماع السلف والمنع من الخروج حتى على الكافر 5. قال في مقابلة مع جريدة "المسلمون" (العدد 602 بتاريخ 2/4/1417 هـ) مكرراً المضمون ذاته في محاضرة مسجلة: "وإذ فرضنا على التقدير البعيد أن ولي الأمر كافر، فهل يعني ذلك أن نوغر صدور الناس عليه حتى يحصل التمرد والفوضى والقتال؟! لا، هذا غلط ولا شك في ذلك.. بل يحصل بذلك مفاسد عظيمة".
المؤاخذة: هنا يصادم الشيخ إجماع الأمة الصريح والقطعي؛ حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فمن أجاز اتباعَ شريعةٍ غير شريعة الإسلام وجب خلعُه وانحلَّت بَيعتُه، وحَرمت طاعتُه"، ويقول القاضي عياض رحمه الله: "أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل". لقد ضرب ابن عثيمين بإجماع السلف وأئمة الدعوة النجدية عرض الحائط بحجة "المفسدة والفوضى"، والمفارقة الصارخة أن يزعم أتباعه اليوم أنهم الممثلون الوحيدون لعقيدة السلف وهم ينسفون أصولها لحماية عروش الطواغيت!
رابعاً: الولاء للحكام والديمقراطيات الغربية ومهاجمة المجاهدين
6. فلسفة اللعبة السياسية وتجويز الديمقراطية الغربية:
في فتاواه السياسية، أفتى الشيخ بجواز المشاركة في الانتخابات الرئاسية الأمريكية واختيار الرئيس الذي يراه المسلمون أقل ضرراً، مبرراً ذلك بقصة انتصار الروم على الفرس، متغافلاً عن حقيقة الأنظمة الديمقراطية والتشريعية الكفرية وعقيدة الولاء والبراء [
موالاة الأنظمة وتجريم استهداف الغزاة: خلال حرب الروس في أفغانستان، كانت الفتاوى الرسمية تمتدح الجهاد والمجاهدين (بأوامر وتنسيق أمريكي-سعودي معروف). ولكن بمجرد أن وجهت بنادق المجاهدين نحو الهيمنة الأمريكية في المنطقة، تغيرت بوصلة الفتاوى ١٨٠ درجة بناء على رغبة السلطان.
فبعد تفجير العليا بالرياض عام 1995 الذي استهدف بعثة عسكرية أمريكية، خرج الشيخ ابن عثيمين في تسجيلات شهيرة يصف فيها المنفذين بـ "الخوارج والسفهاء والمفسدين"، معتبراً أن الأمريكيين "مستأمنون ومعاهدون" يحرم مسهم، ودعا السلطات للقبض عليهم ومعاقبتهم [
]، معتبراً فعلهم تشويهاً للإسلام [https://www.youtube.com/watch?v=fvKfr-C0ago ].https://www.youtube.com/watch?v=04xkrcifs9g وفي ذات السياق، خرج الشيخ ابن باز ليهاجم الشيخ أسامة بن لادن ومن معه، واصفاً إياهم بـ "دعاة الشر والفساد والباطل" داعياً إلى خذلانهم والقضاء على منشوراتهم لإرضاء الطواغيت والأمريكيين [
].https://www.youtube.com/watch?v=jqPH-pE4HrM
خاتمة المقال: إن هذه المواقف لم تكن زلات عابرة، بل كانت منهجاً متبعاً تشرعن فيه دماء الموحدين والمجاهدين لحساب عروش السلاطين، وصارت فيها العمائم عصياً في أيدي الأنظمة لضرب كل تحرك إسلامي حقيقي باسم الدين والشريعة. وكما قال الإمام ابن عقيل رحمه الله: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة". لقد حذرنا السلف الصالح من "العالم الفاسق" الذي يتكلم بالعلم ويعمل بالفسق والموالاة فيُشبه على الناس ويضلهم. فالعلم الحقيقي هو الصدع بالحق والكفر بالطاغوت، لا كتمان الحق وتبرير مظالم الحكام وتشويه المصلحين.
#تفكيك_التقديس #علماء_السلطان #حقائق_التاريخ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق