🛑 الرد على أسطورة "الفاطميين".. والحقيقة التاريخية للاحتفال بالمولد النبوي
تتكرر أحياناً مقولة غير دقيقة بأن "الدولة الفاطمية هي أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي"، وحين نعود إلى التاريخ وأقوال المحققين، نكتشف الحقيقة الموثقة ونضع الأمور في نصابها الصحيح:
🏛️ أولاً: الحقيقة التاريخية لمن أحدث الاحتفال المنظم
أول من أحدث الاحتفال المنظم بالمولد النبوي الشريف بالشكل المؤسسي والواسع لم يكن الفاطميين، بل هو الملك العادل المظفر أبو سعيد كوكبري (زوج أخت القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي).
وقد ذكر الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (ج 13/ص 147) أن الملك المظفر كان يحتفل به احتفالاً هائلاً بحضور أعيان العلماء والصوفية، وكان ينفق الأموال الطائلة على إطعام الطعام (كميات هائلة من المشويات والحلويات)، ولم يُنكر عليه أحد من علماء عصره ولا ابن كثير نفسه، بل صنف له الحافظ ابن دحية كتاب (التنوير في مولد البشير النذير).
بل إن زوجته (ربيعة خاتون أخت صلاح الدين) عاتبته يوماً على لباسه البسيط فقال لها: (لبسي ثوباً بخُمسة وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوباً مثمناً وأدع الفقير والمسكين).
📜 ثانياً: أدلة الجواز وأقوال أئمة الأمة
قصة أبي لهب وتخفيف العذاب لفرحه بالمولد:
أصل الحديث في صحيح البخاري أن أبا لهب يُخفف عنه العذاب كل يوم اثنين لفرحه بمولد النبي ﷺ وإعتاقه لثويبة حين بشّرته به. وقد علق الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي بقوله:
إذا كان كافرًا ذُمَّ في القرآن وجيزي في النار بفرحه بأحمد، فما الظن بالعبد المؤمن الموحد الذي يعمر عمره بالفرح بمولده ﷺ؟!
تخريج ابن حجر والسيوطي على أصل الشكر (عاشوراء):
استدل ابن حجر العسقلاني بصيام النبي ﷺ لعاشوراء شكراً لنجاة موسى على مشروعية فعل الشكر لله على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة، وإعادة ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة.
ويؤكده الإمام السيوطي في (حسن المقصد) بقوله: وكذلك نقول أصل الاجتماع لإظهار شعائر المولد مندوب وقربة.
مؤلفات العلماء عبر التاريخ:
لم ينقطع علماء الأمة عن الاهتمام بهذا الباب، وتأليف الكتب في المولد النبوي؛ ومنهم:
الإمام الواقدي (مولد الواقدي)
الإمام الجعبري (موعد الكرام)
الإمام أحمد الغرناطي (ظل اليمامة)
الحافظ الجزري (عرف التعريف)
الحافظ السيوطي (حسن المقصد)
الإمام الشوكاني الذي نصّ في (البدر الطالع) على أن الاحتفال بالمولد النبوي جائز.
والإمام أبو شامة المقدسي (شيخ النووي) الذي قال في (الباعث على إنكار البدع): (ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل في اليوم الموافق لمولده... من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن في ذلك إشعاراً بمحبته ﷺ).
💡 وقفة لافتة: تناقض المستشهدين بفتوى "الفاكهاني"!
حين يستشهد المعترضون ببعض كلام الإمام الفاكهاني المالكي في إنكار المولد (بقوله: لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة)، فهم ينتقون ما يوافق هواهم ويتغافلون عن حقيقة هذا الإمام العظيم!
فاسمع ماذا يرويه الإمام ابن فرحون المالكي في كتابه (الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب) (ص 184) عن شيخه جمال الدين الأنصاري، حين سافر مع الإمام الفاكهاني إلى دمشق:
(فقصد زيارة نعل سيدنا رسول الله ﷺ بدار الحديث الأشرفية، فلما رأى النعل المكرمة حسر عن رأسه وجعل يقبله ويمرغ وجهه عليه ودموعه تسيل، وأنشد: فلو قيل للمجنون ليلى ووصلها... تريد أم الدنيا وما في طواياها؟ لقال: غبار من تراب نعالها... أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها!)
وهنا نسأل المعترضين على المولد:
هل ما فعله الإمام الفاكهاني من تقبيل النعل الشريف والتمرغ بترابها "بدعة" بحسب مقياسكم، لأن الصحابة لم يفعلوا ذلك بحضرة النبي ﷺ ولم تأتنا آية أو حديث تأمرنا بتقبيل نعاله؟
أم أن إنكاره للمولد محمول على وجهه، وتصرفه العشقي هذا يدل على سعة حبه وغرامه بالمصطفى ﷺ؟ فلماذا تأخذون ببعض زلاته وتتركون حقيقة وجده ومحبته؟!
🔍 خاتمة: لماذا لم يحتفل السلف المتقدمون؟
الجواب أبسط مما تتصور: لأنها مسألة لم تطرح وقتها بنفس الكيفية، ولم تكن الحاجة داعية لتخصيص التذكير بها نظراً لقرب عهدهم بالنبي ﷺ، فلما تغيرت الأزمنة وغفلت القلوب، صار التذكير بسيرته العطرة وإظهار الفرح به من أعظم القربات.
الأمر في هذه السعة الشرعية متسع، والاختلاف فيها رحمة، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
انشر المقال لتعم الفائدة، وليتبين الحق بدليله ومنهجه المنصف!
#المولد_النبوي_الشريف #أصول_الفقه #فقه_الخلاف #محبة_النبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق