🌟 أئمة الهدى وميزان الاحتفال: من أجاز المولد النبوي وكيف ردوا الشبهات؟
عندما تتساءل عن موقف كبار علماء الأمة ومحققيها من الاحتفال بمولد سيد الأنام ﷺ، تجد أجوبة شافية ومواقف تاريخية حاسمة. وإليك جولة علمية في أقوال الأئمة الأعلام الذين أطّروا هذه المناسبة بأطر الشرع الحنيف، وردّوا على الشبهات المثارَة حولها:
🏛️ أولاً: أئمة الإسلام الذين نصّوا على جواز واستحباب الاحتفال
الإمام المحدث الفقيه أبو شامة المقدسي (شيخ الإمام النووي):
قال في رسالته: (ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مشعرٌ بمحبته وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكراً لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين).
الإمام شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني:
سُئل عن عمل المولد فأجاب: (أصل عمل المولد بدعة لم تُنْقَل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة... ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرّى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا).
الإمام الحافظ المحدث جلال الدين السيوطي:
قال معقباً على كلام ابن حجر: (وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء... فَيُستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة، ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة. وأيّة نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبيّ نبيّ الرحمة في ذلك اليوم).
الإمام الحافظ أبو الخير السخاوي:
قال في فتاويه: (عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف... وإنما حدث بعد، ثم لازال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده صلى الله عليه وسلم بعمل الولائم البديعة، ويتصدقون، ويظهرون السرور، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، وتظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم).
الإمام الشهاب أحمد القسطلاني (شارح البخاري):
قال في (المواهب اللدنية) (1/148): (فرحم الله امرءا اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء).
العلاّمة الشيخ محمد بن عمر بحرق الحضرمي الشافعي (ت: 930 هـ):
قال في (حدائق الأنوار): (فحقيقٌ بيومٍ كانَ فيه وجودُ المصطفى صلى الله عليه وسلم أَنْ يُتَّخذَ عيدًا... وتعظيمِ شأن هذا النَّبيِّ المحبوب، واعرِفوا حُرمتَهُ عندَ علاّم الغيوب: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾).
الإمام العلامة صدر الدين موهوب بن عمر الجزري الشافعي:
قال: (هذه بدعة لا بأس بها، ولا تكره البدع إلا إذا راغمت السنة... ويثاب الإنسان بحسب قصده في إظهار السرور والفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم).
🛡️ ثانياً: الردود العلمية على شبهات المانعين
1. شبهة "أن أول من أحدثه الفاطميون":
الجواب: على فرض صحة ذلك فليس دليلاً على المنع؛ فقد أخذ النبي ﷺ تعظيم اليوم الذي انتصر فيه موسى عليه السلام من اليهود وأقرّه، فقال: (فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) [رواه البخاري]. العبرة بالمقاصد وما وافق أصول الشرع.
2. شبهة "أن الاحتفال بدعة وكل بدعة ضلالة":
الجواب: البدع عند جماهير الأمة أقسام؛ قال الإمام الشافعي: (ما أحدث من الخير لا يخالف شيئاً من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة). وقال العز بن عبد السلام والإمام النووي: البدعة منقسمة إلى أحكامها الخمسة بحسب عرضها على قواعد الشريعة، فما وافق قواعد المندوب فهو مندوب، وحديث (كل بدعة ضلالة) هو عام مخصوص بالاتفاق.
3. شبهة "عدم وجود دليل على تفضيل يوم المولد":
الجواب: فضل يوم الإثنين ثابت بصومه ﷺ لأنه يوم وُلد فيه وبُعث فيه، وتعظيم الأيام الفاضلة التي حصلت فيها نعم كبرى هو أصل مقرر شرعاً كصيام عاشوراء.
4. شبهة "وقوع بعض المخالفات في بعض الاحتفالات":
الجواب: المخالفات تُمنع وتُعالج بذاتها، ولا تُستأصل العبادات ولا تُحرم الأصول لأجل أخطاء بعض العارضين؛ تماماً كما لا نحرم حفل الزفاف أو ندعو لهدم المساجد لوقوع خطأ ما فيها. وقد قال ابن حجر العسقلاني: (فيُقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد المدائح النبوية).
5. شبهة "أن يوم المولد هو يوم الوفاة فلا نفرح":
الجواب: كما أجاب الإمام السيوطي: (إن ولادته صلى الله عليه وآله وسلم أعظم النعم، ووفاته أعظم المصائب، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، وأمرت بالعقيقة إظهاراً للفرح بالمولود ولم تأمر بذبحها عند الموت، فدلّت القواعد على إظهار الفرح بولادته دون الحزن).
6. شبهة "أن الصحابة والتابعين لم يفعلوه مع شدة حبهم للنبي ﷺ":
الجواب: كما قال الإمام الشافعي: (ما أحدث من الخير لا يخالف شيئاً من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة). وقول ابن حجر: (ما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة).
ولقد أحدث الأئمة الكبار أشياء لم يفعلوها؛ كصنيع الإمام مالك بن أنس حين امتنع عن ركوب الدابة في المدينة المنورة تعظيماً لتربتها الطاهرة، وقال: (أستحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابة) مع أن الصحابة لم يفعلوا ذلك، ولم ينكر عليه أحد من العلماء، كما نقله القاضي عياض وابن الهمام وابن العربي وغيرهم.
انشر المقال لتعم الفائدة، وليتجلى نور الحق بسعة مدارك الفقه الإسلامي السديد!
#المولد_النبوي_الشريف #أقوال_العلماء #أصول_الفقه #محبة_النبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق