🌿 نشُّ ذباب الشُّبهات عن مشروعية الاحتفال بمولد سيد السادات ﷺ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
في كل عام يثير القوم الشبهات ذاتها ليصرفوا الناس عن خير الاحتفال بمولد سيد الأنام صلى الله عليه وسلم زاعمين عدم مشروعية ذلك، ولكنَّ محبي النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالمرصاد بيانًا وبرهانًا.
س1/ ما معنى كلمة (الاحتفال) في اللغة العربية؟
ج1: (الاحتفال) هو الاجتماع.
جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس (ت: 395هـ) (ج2: ص81):
(الحَاءُ وَالْفَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْجَمْعُ. يُقَالُ: حَفَلَ النَّاسُ وَاحْتَفَلُوا، إِذَا اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسِهِمْ. وَالْمَجْلِسُ مَحْفِلٌ).
س2/ ما هو تعريف (الاحتفال بالمولد النبوي الشريف)؟
ج2: الاحتفال بالمولد النبوي الذي نقصده وندعو إليه هو:
(اجتماع شخصين فأكثر - اجتماعًا خاليًا من المحرمات - لذكر الله تعالى، وقراءة حديث النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، ومدحه شعرًا ونثرًا؛ سرورًا به؛ وإظهارًا لمحبته؛ وشكرًا لله تعالى على نعمة إرساله لهداية الناس).
س3/ كيف تفعلون أمرًا تركه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله هو أو أصحابه؟
ج3: الجواب عن هذه الشبهة من وجوه عدة:
الترك النبوي ليس دليلاً:
إن (الترك النبوي) ليس دليلاً ولا حجة في الشرع، بل (النهي النبوي) هو الدليل والحجة؛ والفرق بينهما أن الترك عدم محض، بينما النهي هو القول الطالب للكف عن الفعل. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. تأمل قوله تعالى: (وما نهاكم) أي: طلب منكم بالقول أن تتركه، ولم يقل (وما تركه)، ولم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتفال بمولده، ومن يدعي خلاف ذلك فعليه أن يأتينا بدليل صحيح صريح يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (أنهاكم عن الاحتفال بمولدي) أو ما شابه ذلك من عبارات.
قاعدة أن الترك لا يقتضي التحريم (شاهد جمع القرآن):
ليس كل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم وجب تركه وحرُم فعله؛ فكم من أفعال تركها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ثم فعلها أصحابه رضي الله عنهم من بعده، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون.
وقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (بعث إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير..).
فنخرج من هذا الحديث بقاعدة عظيمة: إن كل خير لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في حياته يجوز فعله بعد وفاته، والاحتفال بالمولد -بالمعنى المذكور أعلاه- من أعظم أنواع الخير.
أصول الاحتفال في العهد النبوي (إقراراً وفعلاً):
لقد دلت الأصول النبوية على مشروعية الاحتفاء بهذا اليوم المبارك، وإن اختلفت الوسائل:
إرشاد النبي ﷺ إلى نعمة يوم مولده (الصيام): أخرج مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: (ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ). فيقاس عليه الاحتفال بالاجتماع للذكر والشكر في مقابل النعمة.
إقرار النبي ﷺ للصحابة على مدح يوم مولده: ما أخرجه الطبراني بسند حسنه ابن حجر عن خريم بن أوس رضي الله عنه بحضور العباس رضي الله عنه، حين قال لعن النبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك) فقال: (هاتِ لا يفضض الله فاك)، فأنشد يقول: (وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق)، فأقرّه النبي صلى الله عليه وسلم على مدح مولده الشريف في محفل من الصحابة.
اجتماع الصحابة حمدًا وشكرًا على النعمة الكبرى (المنة بالنبي ﷺ): ما أخرجه الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا ندعو الله ونحمده على ما هدانا لدينه ومنّ علينا بك...)، فحمدوا الله على إنعامه عليهم بذات محمد صلى الله عليه وسلم.
س4/ هل يكفي يوم واحد لأداء واجب الشكر لله تعالى على نعمة إرساله محمدًا صلى الله عليه وسلم؟
ج4: لا يكفي -بالتأكيد- يوم واحد في العام للاحتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم، وندعو إلى الاحتفال بمولده كل يوم بل كل لحظة. ولكن لما كان في إلزام الناس بذلك حرج ومشقة، والتيسير قاعدة شرعية كبرى (المشقة تجلب التيسير)، والقاعدة الفقهية تقول: (الميسور لا يسقط بالمعسور)، خصص الناس يومًا معينًا في العام لهذا الاحتفال كحد أدنى للتذكير وإظهار الفرح.
س5/ إن يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم عند الأكثرين هو 12 ربيع الأول، وهو يوم وفاته أيضًا، أفلم نفرح فيه ولا نحزن؟
ج5: على القول بأن يوم مولده هو يوم وفاته، فإن الفرح به مقدم على الحزن عليه لسببين:
استمرار نفعه ﷺ في البرزخ: إن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة برزخية، ونفعه لأمته مستمر لا ينقطع إلى يوم القيامة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (حياتي خير لكم... ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم...) [رواه البزار وغيره بسند صحيح]. فطالما أن نفعه مستمر، فكذلك إظهار الفرح بتلك النعمة وشكر الله عليها حري أن يدوم؛ استجابة لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
النهي الشرعي عن الحداد فوق ثلاثة أيام: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث) [متفق عليه]، وهذا النهي عام يشمل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، فمجاوزة الحزن وإقامة المآتم تخالف الهدي النبوي، والفرح بالنعمة أدعى وأبقى.
🛑 ردود حاسمة حول المخالفات العارضة والمنكرات
المنكرات لا تُبطل أصل العمل:
ما يزعمه البعض من وقوع منكرات في بعض التجمعات (كاختلاط محرم أو غيره)، فهذه المنكرات هي المذمومة بنص الشرع، ولكنها عَرَضية ولا تقدح في أصل العمل المبارك. ونحن لا نهدم المساجد ولا نمنع الناس من دخولها بدعوى أن بعض الجهلة قد يفعلون أفعالاً شنيعة فيها، بل تُمنع المخالفات وتُبقى القُربات؛ تماماً كما لا نحرم حفل الزفاف المباح بل نمنع ما يقع فيه من تجاوزات.
ضابط الاحتفال المشروع:
وقد وضد الحافظ ابن حجر العسقلاني الضابط النافع في ذلك بقوله: (وأما ما يعمل فيه -المولد- فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخيرات والعمل للآخرة).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق