الثلاثاء، 21 يوليو 2026

تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي و أقوال الأئمة والمذاهب الأربعة

 

🕌 تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي

إجماع الأمة وشهادة التاريخ 

👑 تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي: إجماع الأمة، شهادة الرحالة، وأقوال الأئمة والسلاطين

"فأي كلام بعد ذلك أخي المسلم؟ انظر وتأمل.. تتبع أقوال الأئمة وأترك أقوال الأدعياء تسلم من الزلل."

لم يعدم التاريخ الإسلامي عبر عصوره الزاهرة توثيق مظاهر التعظيم والسرور بميلاد خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم. وحين نتتبع كتب السير، والرحلات، والفتاوى، نجد أن إحياء هذه الذكرى لم يكن طارئاً ولا مبتدعاً بالمعنى المذموم، بل هو ممارسة استقر عليها عمل الأمة وقادتها وعماؤها في مكة، والمدينة، والموصل، ومصر، والشام، والمغرب والأندلس.

إليك التوثيق التاريخي والعلمي الشامل لعمل الأمة وسلاطينها وعلمائها في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف:

🌍 أولاً: شهادات الرحالة والمؤرخين (في مكة والمدينة والمشرق والمغرب)

  • رحلة ابن جبير (ت 584هـ): ذكر في رحلته (ص 114-115) أن منزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة كان يُفتح في كل يوم اثنين من شهر ربيع الأول ليدخله الرجال للتبرك به، مما يؤكد أن الاحتفال كان عملاً مستقراً لأهل السنة في البلد الحرام قبل قدومه.

  • رحلة ابن بطوطة (ت 779هـ): وثق بالتفصيل فتح باب الكعبة المشرفة يوم المولد النبوي الشريف وتوزيع قاضي مكة الأكبر الطعام على الأشراف والناس، ونقل عن سلاطين المغرب وتونس (كأبي حمو موسى وسلاطين بني مرين) إطعام الطعام للمساكين وإقامة مواسم الفرح وإطعام الناس ليلة المولد الكريم.

  • العزفيان في سبتة والمغرب (القرن السابع الهجري): ألف أبو العباس وابنه أبو القاسم العزفي كتاب (الدر المنظم)، وشهدا أن الحجاج والمسافرين بمكة في يوم المولد كانوا يعطلون البيع والشراء تفرغاً لوفادة الناس لهذا الموضع الشريف، وتفتح الكعبة وتزار.

🏛️ ثانياً: عمل سلاطين الإسلام وقضاة المذاهب الأربعة

تبنت الدول السنية المتعاقبة الاحتفال بالمولد بحضور كبار الفقهاء وقضاة المذاهب الأربعة:

  • السلطان نور الدين زنكي (ت 569هـ): العالم الزاهد عمر الملا الموصلي كان يقيم دعوة سنوية يحتفل فيها بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحضور صاحب الموصل والشعراء، وكان السلطان العادل نور الدين زنكي (الذي أباد الفاطميين وأظهر السنة) من أخص محبيه ويستشيره.

  • الملك المظفر أبو سعيد كوكبري (ت 630هـ): صاحب إربل، أثنى عليه الذهبي وابن كثير بأنه السلطان السني العادل المحب للفقهاء؛ كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول احتفالاً هائلاً ويمد الموائد الضخمة، وقد صنف له الحافظ ابن دحية كتابه (التنوير في مولد البشير النذير).

  • الموالد السلطانية في مصر (العصر المملوكي وعصر المماليك الجراكسة): نص المؤرخون (كالمقريزي، وابن تغري بردي، وابن إياس، والسخاوي) على اعتياد سلاطين مصر (مثل الظاهر برقوق، وجقمق، وقايتباي) إقامة المولد السلطاني سنوياً (بين الأول والثاني عشر من ربيع الأول) في خيام ضخمة بقلعة القاهرة، بحضور شيخ الإسلام (كالبلقيني)، وقضاة القضاة الأربعة، والعلماء، والمنشدين، مع توزيع الصدقات والأسمطة الفاخرة وإطعام الفقراء.

  • الدولة المرينية بالمغرب: بدأ الاحتفال الرسمي بأمر السلطان يوسف بن يعقوب المريني عام 671هـ، وصار عيداً، وكان شعراء فاس يجتمعون لإنشاد القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويختار السلطان "أميراً للشعراء" ويمنحه الجوائز والخلع.

📚 ثالثاً: أقوال أئمة ومحدثي الأمة في إباحة الاحتفال وتصنيفه

تتابع أئمة المذاهب الإسلامية عبر القرون على توثيق جواز الاحتفال واعتباره من البدع المحمودة حسنة المقصد:

  • الحافظ ابن الجوزي (ت 597هـ): قال في المولد الشريف إنه "أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام".

  • الحافظ ابن دحية الأندلسي (ت 633هـ): قال: "ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور...".

  • الإمام ابن عباد النفزي (ت 805هـ): سُئل عن وقود الشمع والفرح بمولد النبي، فأجاب في (المعيار المعرب) بأنه: "عيد من أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكل ما يقتضيه الفرح والسرور بذلك المولد المبارك... أمر مباح لا ينكر قياساً على غيره".

  • الحافظ العراقي وشيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ): قرر ابن حجر أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن القرون الثلاثة الأولى، لكنها اشتملت على محاسن وضدها، فـ "من تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة". وقال شيخه العراقي إن إطعام الطعام والفرح بظهور نور النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر مستحب ولا يلزم من كونها بدعة كونُها مكروهة.

  • الإمام السيوطي (ت 911هـ): عقد في (الحاوي للفتاوى) باباً كاملاً أسماه (حسن المقصد في عمل المولد)، انتصر فيه لإباحة الاحتفال وإظهار الشكر لله تعالى.

  • الإمام ابن عابدين الحنفي (ت 1252هـ): وصف الاحتفال بالمولد وسماع السيرة بأنه "من أعظم القربات" والبدع المحمودة النافعة.

  • شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ذكر في فتاويه (ج 23 ص 134): "فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون لهم فيه أجر عظيم لحسن قصدهم وتعظيمهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".

  • الإمام الشوكاني وصلاح الدين الصفدي وابن الحاج المالكي (مع ضابط اجتناب المنكرات): حيث بين العلماء أن إنكار ابن الحاج أو غيره إنما هو للمحرمات لا لأصل الفرح والإطعام وشكر النعمة.

🎯 الخلاصة الجليلة

هذا الفيض الواسع من نقولات الأئمة، وأفعال السلاطين، وتقارير الرحالة، يؤكد بوضوح أن الاحتفال بميلاد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم عبر إطعام الطعام، وقراءة سيرته العطرة، وإظهار الفرح شكراً لله تعالى على أعظم نعمة، هو موسم خير وبركة وطاعة لا مطعن فيه، ومن تتبع أقوال الأئمة سلم من الزلل.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق