متى وُلِد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟.. تعدد الأقوال التاريخية، وقت الولادة، وخلاصة التحقيق الحديثي
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فكثيراً ما يتوارد التساؤل: متى وُلِد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهل يوم مولده معلوم بالقطع؟
عند العودة إلى كتب التاريخ والسير، نجد أن العلماء والمؤرخين قد اختلفوا في تحديد تاريخ مولده الشريف اختلافاً واسعاً، سواء في تعيين الشهر أو اليوم أو حتى وقت الولادة.
📅 أولاً: الاختلاف في تحديد "الشهر"
تعددت الأقوال بين المؤرخين في الشهر الذي وُلِد فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خمسة أقوال رئيسية:
شهر رمضان: وهو قول الزبير بن بكَّار؛ بناءً على أن أوَّل نزول الوحي كان في رمضان على رأس أربعين سنة (ورُوِي عن عبدالله بن عمرو بسند لا يصح).
شهر ربيع الآخر.
شهر رجب: ذكره ابن رجب وقال إنه "لا يصح".
شهر صفر.
شهر ربيع الأول: وهو قول الجمهور والمشهور عند الأمة.
🗓️ ثانياً: الاختلاف في تحديد "اليوم" من شهر ربيع الأول
من ذهب إلى أن ولادته كانت في شهر ربيع الأول (الجمهور)، اختلفوا في تعيين اليوم على عدة أقوال:
الثاني من ربيع الأول: قول ابن عبدالبر لرواية الواقدي.
الثامن من ربيع الأول: قول ابن حزم، وصححه أصحاب التاريخ، وقطع به الحافظ الخوارزمي، ورجحه الحافظ ابن دحية وأكثر أهل الحديث، وممن رجحه من المعاصرين الشيخ الألباني.
التاسع من ربيع الأول: بناءً على تحقيق بعض علماء الفلك.
العاشر من ربيع الأول: مروي عن الشعبي وأبي جعفر الباقر.
الثاني عشر من ربيع الأول: نص عليه ابن إسحاق، وهو المشهور عند الجمهور.
السابع عشر من ربيع الأول: قول ضعيف لبعض الشيعة.
الثامن عشر والثاني والعشرون من ربيع الأول.
☀️ ثالثاً: وقت الولادة (ليلاً أم نهاراً) وروايات الخوارق
اختلف أهل السير والتاريخ كذلك في تحديد وقت الولادة هل كان ليلاً أم نهاراً:
رواية الليل: استند البعض إلى ما أخرجه البيهقي والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن عثمان بن أبي العاص عن أمه أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب، وفيه قصة تدلي النجوم وأن البيت اضاء نوراً.
رواية النهار (الراجح عند جمع من المحققين): ذهب الحافظ أبو الفضل العراقي وابن دحية والزركشي إلى أن الصواب أنه صلى الله عليه وآله وسلم وُلِد في النهار، مستندين إلى ما رواه الأربعة عن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: (ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إبهار النهار). أما من ضعف تدلي النجوم لاقتضائها وقوع الولادة ليلاً، فقد رد عليه الزركشي بأن زمان النبوة صالح للخوارق ويجوز وقوعها نهاراً.
⏳ رابعاً: فك إشكال "أيام التشريق" ومدة الحمل
قد يرد إشكال مفاده: كيف يُقال إن الحمل كان في أيام التشريق والولادة في ربيع الأول، فتكون مدة الحمل أربعة أشهر فقط؟!
توضيح اللبس: هذا الإشكال نشأ من عدم مراعاة الخلاف في تحديد "شهر المولد".
توجيه القول: من قال بأن الحمل كان في أيام التشريق، فإنما وافق القول بأن الميلاد كان في شهر رمضان (وهو قول الزبير بن بكار، وتبعه ابن عبد البر وغيرهم)، وبذلك تستقيم المدة ولا تقصر. وأما من قال بأن المولد كان في ربيع الأول (وهو المعروف)، فهو سياق آخر.
🎯 خامساً: الخلاصة والنتيجة التاريخية
هذا التعدد الكبير (خمسة أقوال في الشهر، وثمانية أقوال في اليوم، والخلاف بين الليل والنهار) يفيد أمراً هاماً، وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم لم يكونوا يحتفلون بيوم مولده بالذات؛ فلو كان هناك احتفال دوري، لَحُفِظ يوم مولده وتواترت معرفته بدقة، ولكانوا أَوْلى الناس بحفظه وإظهاره.
من جهة الصنعة الحديثية: يُعد قول (الثامن من ربيع الأول) هو الراجح سنداً لرواية مالك بسند صحيح عن محمد بن جبير بن مطعم.
رأي الإمام محمد الغزالي: يقول رحمه الله في (فقه السيرة):
"لم يمكن المؤرخين تحديد اليوم والشهر والعام الذي ولد فيه على وجه الدقة... وتحديد يوم الميلاد لا يرتبط به من الناحية الإسلامية شيء ذو بال؟ فالاحتفالات التي تقام لهذه المناسبة تقليد دنيوي لا صلة له بالشريعة."
والله أعلم، وبالله التوفيق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق