الثلاثاء، 21 يوليو 2026

📌 هل (الاحتفال بالمولد) (عبادة)؟ كيف ينظر الفقهاء للمحدثات؟


📌 هل (الاحتفال بالمولد) (عبادة)؟ هكذا ينظر الفقهاء للمحدثات

بقلم: د. سيف علي العصري

مَنْ لا يجري على قواعد الأصول، ومناهج الفقهاء، يقف موقف الرفض للمحدثات دون تفصيل، ويوجّهون أسئلة يظنونها تُفيد المنع وتحسم الأمر، فيقولون:

  • س1: هل (الاحتفال بالمولد) (عبادة)، فإن كان عبادة فأين الدليل على مشروعيته؟ (يقصدون دليلاً خاصاً متجاهلين الدلالة العامة والقواعد الكلية).

  • س2: لو كان عبادة، فكيف يتركها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يفعلها ولا يُبلغها للأمة؟

  • س3: هل احتفل الصحابة بمولده، وهم أكثر حبّاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

والنتيجة التي يصلون إليها: بما أن الاحتفال ليس عليه دليل خاص، ولم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة.. إذاً هو بدعة وممنوع!

🛑 والحقيقة أن هذه الطريقة أشبه بالمغالطة، وأبعد عن المنهجية العلمية. وتوضيح ذلك كالآتي:

🔍 أولاً: المنهجية الصحيحة في عرض "الأمر الحادث"

المنهجية التي سلكها العلماء والفقهاء هي عرض (الأمر الحادث) على (ميزان الشريعة)؛ فإن خالفها رفضوه، وإن وافقها وحقق مقاصدها واندرج تحت أصولها قبلوه، وهذا ما نص عليه الجمهور:

  • الإمام الشافعي: قسّم المحدثات إلى ما يخالف الكتاب والسنة (بدعة ضلال)، وما أحدث من الخير ولا يخالف شيئاً من ذلك (فهذه محدثة غير مذمومة).

  • الإمام أبو شامة المقدسي: (فالبدع الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها.. وهي كل مُبتَدَع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها).

  • الإمام الشاطبي: وضّح في (الاعتصام) أن البدعة المرفوضة هي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا في الجملة ولا في التفصيل، فما وافق الاستدلالات المعتبرة فليس منها.

ومتى حكمنا للأمر الحادث بالانسجام مع قواعد الشريعة، فلا يؤثر على حُكمنا بقبوله كون الصحابة فعلوه أو تركوه؛ فقد حدثت أمور كثيرة اندرجت تحت قواعد الشريعة فعلها التابعون ولم يفعلها الصحابة، وهكذا من بعدهم.

⚖️ ثانياً: شواهد وتطبيقات عملية من تاريخ الأئمة والعلماء

لتوضيح خطأ منهجية "الاستدلال بالترك"، إليك أمثلة لما فعله الصحابة والأئمة ولم يرد به نص خاص ولا فعله النبي ﷺ:

  1. صلاة علي رضي الله عنه: كان يعلم الناس صيغة للصلاة على النبي ﷺ لم تورد عن النبي ﷺ بهذا اللفظ (اللهم يا داحي المدحوات...). فهل يقال: لماذا يعلم عبادة بصيغة لم تعرف عن النبي ﷺ وهل جهلها أبو بكر وعمر؟!

  2. أذان عثمان رضي الله عنه: أحدث عثمان أذاناً ثانياً للجمعة وأجمع الصحابة عليه، ولم يفعله النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر.

  3. التعريف يوم عرفة: كان ابن عباس والحسن البصري وطائفة من السلف يجتمعون في المسجد يوم عرفة بغير عرفة تشبهاً بالحجاج (التعريف)، وأقره الإمام أحمد وابن تيمية، ولم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة الأقدمون.

  4. تكرار ابن تيمية للفاتحة ومرود وجهه في التراب: نقل الحافظ ابن البزار وابن عبد الهادي أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يكرر سورة الفاتحة من الفجر إلى ارتفاع الشمس، وكان يذهب للمساجد المهجورة ويمرغ وجهه في التراب تذللاً لله وسؤالاً للفهم، وكل ذلك بصفات وهيئات لم ترد بدليل خاص، بل اندرجت تحت الأدلة العامة.

  5. مواظبة ابن تيمية على أذكار مقيدة بعدد وزمن: كالمواظبة على (يا حي يا قيوم برحمة أستغيث) أربعين مرة بعد سنة الفجر، واسترشاد ابن القيم بتجريبات السالكين في الأذكار التي لم تكن مأثورة بالنص ولكنها نفعت في صلاح القلوب.

  6. استعمال السبحة في الصلاة: أجاز ابن تيمية (في الفتاوى الكبرى) استخدام السبحة داخل الصلاة لعدّ الآيات أو تكرار سورة الإخلاص، رغم عدم ورود ذلك عن النبي ﷺ أو السلف.

  7. مشاعر الإمام مالك: كان لا يركب دابة في المدينـة ويقول: (أستحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة)، ولم يُعترض عليه بأنه أحرص من الصحابة الذين ركبوا الدواب!

🏛️ القاعدة الحاكمة: ميزان العز بن عبد السلام

القانون الضابط في المحدثات هو ما أشار إليه سلطان العلماء العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام) (2/204):

(والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة: فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة... إلخ).

🎯 الخلاصة

الاحتفال والاهتمام والاحتفاء بمولد النبـي صلى الله عليه وآله وسلم، وإظهار الفرح به، وتذكير الناس بسيرته وشمائله، ليس عبادة محضة مخترعة تعارض الشرع، بل هو مندرج تحت الأدلة العامة الكلية المرغبة في ذكر الله، وتعظيم نبيه، وشكر نعمه، وإحياء سيرته بالطرق المباحة التي لا تخالف الشريعة.

فكيف يصح بعد هذا كله إرشاد الناس بقائمة الأسئلة المغلوطة لمنع كل خير لم يفعله المتقدمون بصيغته الحرفية، والعلماء والأئمة عبر التاريخ لم يروه إلا من باب الوسائل المحمودة والمقاصد المشروعة؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق