إذا اختلفت الفتاوى… فكيف يختار العامي؟
ضوابط التعامل مع خلاف المفتين والتحذير من تتبع الرخص
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
شهد عصرنا الحاضر تطورًا هائلًا في وسائل الاتصال والإعلام، وأصبح الوصول إلى العلم الشرعي والفتاوى أيسر من أي وقت مضى.
فالمستفتي اليوم يستطيع أن يسمع عشرات العلماء والمفتين في المسألة الواحدة، وهو جالس في بيته، أو في سيارته، أو في عمله، دون أن يحتاج إلى الرحلة الطويلة التي كان العلماء قديمًا يتحملون مشقتها من أجل سؤال واحد.
وهذه نعمة عظيمة إذا أُحسن استخدامها.
لكن لهذه السهولة جانبًا آخر؛ فقد أدى تعدد المنابر والبرامج والمواقع ووسائل التواصل إلى ظهور عدد كبير من الفتاوى المختلفة في المسألة الواحدة، فأصبح العامي أحيانًا أمام عدة أقوال:
هذا يقول بالتحريم، وذاك يقول بالإباحة، وثالث يقول بالكراهة، ورابع يفتي بالجواز عند الحاجة…
وهنا يبرز السؤال المهم:
إذا اختلف المفتون، فما موقف العامي؟
هل يأخذ بالأشد لأنه أحوط؟
أم يأخذ بالأيسر لأنه أرفق؟
أم يتبع قول الجمهور؟
أم يختار ما يشاء؟
أم يبحث عن الأعلم والأورع والأقوى حجة؟
هذه المسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل.
أولًا: ليس كل من تصدّر للفتوى أهلًا لها
الأصل أن العامي لا يستفتي كل من وجد اسمه مشهورًا أو صوته منتشرًا، وإنما يسأل من يثق بعلمه ودينه وأمانته.
قال الله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
وقال ابن سيرين رحمه الله:
«إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم».
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله إن المستفتي يسأل من يثق بدينه وأمانته، لأن ليس كل من ادعى العلم أحرزه، ولا كل من انتسب إليه كان من أهله.
وهذا أصل مهم ينبغي ألا يغيب عن الناس في عصر الشهرة الإعلامية.
فليس كل مشهور عالمًا، وليس كل صاحب برنامج أو قناة أو حساب في وسائل التواصل مؤهلًا للفتوى.
وقد يكون الإنسان عالمًا في باب، لكنه ليس مؤهلًا للإجابة في باب آخر.
فلا يُسأل –مثلًا– في معاملات مالية معاصرة دقيقة من لا يعرف تفاصيلها الاقتصادية، ولا واقعها العملي، ولا آثارها، وإن كان عالمًا في أبواب أخرى.
ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين إن بعض الناس إنما يُستفتون «بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية».
فالاعتبار إذن ليس بكثرة المتابعين، ولا بعلو الصوت، ولا بكثرة الظهور، وإنما بالعلم والأمانة والأهلية.
ثانيًا: الفتوى لا تجعل الحرام حلالًا
ومن القواعد المهمة أن فتوى المفتي لا تغيّر حقيقة الحكم في نفس الأمر إذا كان المستفتي يعلم أن الواقع مخالف لما أُفتي به.
فلو علم الإنسان يقينًا أن له حقًا ليس له، ثم وجد من يفتيه بجواز أخذه، فإن الفتوى لا تجعل الحرام حلالًا.
وقد قال النبي ﷺ:
«فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار».
فالفتوى ليست رخصة مفتوحة للإنسان ليتجاوز ما يعلم أنه حق أو باطل.
ولهذا ينبغي للمستفتي أن يكون صادقًا مع المفتي، وأن يعرض المسألة كاملة دون إخفاء ما يؤثر في الحكم.
ثالثًا: لا تجعل هواك مفتيك
ومن أخطر ما يقع فيه بعض الناس أن يتحول تعدد الأقوال الفقهية إلى وسيلة للبحث عن القول الذي يوافق الرغبة.
فيبحث الإنسان أولًا عما يريد فعله، ثم يبحث عن عالم قال بجوازه!
وهذا ليس طلبًا للحق، وإنما قد يكون تتبعًا للرخص.
والفرق كبير بين أن يسأل الإنسان عن حكم النازلة، ثم يعمل بفتوى عالم موثوق، وبين أن يطوف على المفتين حتى يجد من يوافق هواه.
وقد نقل ابن النجار عن ابن عبد البر:
«لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا».
وقال الإمام أحمد رحمه الله:
«لو أن رجلًا عمل بكل رخصة كان فاسقًا».
وقال الغزالي رحمه الله:
«لا يجوز للمستفتي أن يأخذ بمذهب بمجرد التشهي، أو أن ينتقي في كل مسألة أطيبها عنده».
وهذا هو الفارق بين طلب التيسير الشرعي وبين تتبع الرخص.
رابعًا: هناك فرق بين رخصة الشارع ورخصة الفقهاء
ليس كل أخذ بالأسهل مذمومًا.
فالشريعة نفسها جاءت بالتيسير، وأثبتت للمكلف رخصًا شرعية عند وجود أسبابها.
فمن أفطر في السفر، أو قصر الصلاة، أو جمع عند الحاجة المعتبرة، أو أخذ برخصة ثبتت بدليل شرعي، فلا يقال إنه يتتبع الرخص المذمومة.
المذموم هو أن يجعل الإنسان اختيار الأسهل من أقوال العلماء عادةً ومنهجًا ثابتًا، فيأخذ من كل مذهب ما يوافق رغبته، دون نظر إلى الدليل أو أهلية القائل أو حال المسألة.
ولهذا جاءت كلمة إسماعيل القاضي رحمه الله شديدة الدلالة حين عُرض عليه كتاب جمع رخص العلماء وزلاتهم، فقال بمعناها:
إن العلماء قد يختلفون، ومن أباح شيئًا لا يبيح بالضرورة كل ما أباحه غيره، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه.
وهذه قاعدة تربوية عظيمة:
لا تجعل اختلاف العلماء متجرًا تختار منه ما تشتهي.
خامسًا: ماذا يفعل العامي إذا اختلف عليه المفتون؟
هذه المسألة قديمة، وليست من مستجدات عصرنا.
وقد ذكر العلماء فيها أقوالًا متعددة، ومن أشهرها خمسة اتجاهات:
1 ـ الأخذ بالأشد
فيأخذ بالتحريم عند اختلاف القول بين التحريم والإباحة؛ احتياطًا لدينه، واستنادًا إلى معنى الابتعاد عن الشبهات.
2 ـ الأخذ بالأيسر
لما عُرف من يسر الشريعة، ولحديث:
«ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا».
لكن هذا لا يعني أن كل قول أخف يصبح هو المختار لمجرد كونه أخف.
3 ـ الأخذ بقول الجمهور
فإذا كان أحد القولين عليه جمهور أهل العلم، رجّحه بعضهم لغلبة الظن بقوته.
4 ـ التخيير بين المفتين
وهو قول قال به عدد من أهل العلم، باعتبار أن العامي ليس مجتهدًا، وإنما فرضه سؤال من يثق بعلمه.
5 ـ التحري والبحث عن الأوثق والأرجح
وهو أن ينظر العامي –بحسب قدرته– إلى من هو أعلم وأورع وأوثق، أو إلى القول الذي تظهر له قوته بسبب الدليل أو قوة الترجيح أو غير ذلك من المرجحات.
وهذا الاتجاه هو الذي رجحه عدد من المحققين، ومنهم ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.
سادسًا: لا يُطلب من العامي أن يصبح مجتهدًا
وهنا ينبغي التنبيه إلى أمر مهم:
ليس المقصود بقولنا إن العامي «يتحرى» أن يتحول إلى فقيه مجتهد، أو أن يبدأ بمقارنة الأدلة الحديثية والأصولية كما يفعل العلماء.
فالعامي ليس مطالبًا بما لا يستطيع.
إنما المقصود أن يتحرى بقدر استطاعته:
من الأعلم؟
من الأوثق؟
من الأورع؟
من أعرف بواقع المسألة؟
هل المفتي أجاب عن المسألة بعد فهم تفاصيلها؟
هل هو معروف بالعلم والديانة والأمانة؟
وهل تطمئن النفس إلى فتواه أم أن هناك سببًا قويًا يدعو إلى عدم الثقة بها؟
فإذا ترجح له أحد المفتين بمرجح معتبر، أخذ بقوله.
سابعًا: العلم والورع أهم من الشهرة
قد يكون أحد المفتين أشهر من غيره، وأكثر ظهورًا في وسائل الإعلام، وأعلى عددًا في المتابعين، ومع ذلك يكون غيره أعلم بالمسألة وأدق في فهمها وأورع في الفتوى.
ولهذا فالشُهرة ليست معيارًا شرعيًا للترجيح.
وقد نبّه ابن القيم إلى خطورة أن يكون تصدر الناس للفتوى مبنيًا على المناصب والمظاهر بدل الأهلية.
وفي زماننا أصبحت هذه المسألة أكثر أهمية؛ لأن وسائل التواصل قد تجعل الشخص حاضرًا في آلاف البيوت خلال دقائق، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه أقدر الناس على الفتوى.
كثرة الظهور لا تساوي كثرة العلم.
ثامنًا: وماذا لو كان المفتيان متساويين؟
إذا سأل العامي عالمين موثوقين، ولم يستطع أن يميز أحدهما عن الآخر في العلم والورع، فالمسألة تصبح أوسع، وقد ذكر العلماء فيها أقوالًا متعددة.
لكن لا ينبغي أن يتحول ذلك إلى ذريعة للبحث عن الأسهل دائمًا.
فإذا لم يظهر للعامي مرجح، وسأل من يثق بعلمه ودينه، ثم عمل بفتواه، فلا ينبغي أن يبقى أسيرًا للوسوسة، ولا أن يبدأ بعد ذلك رحلة جديدة للبحث عن قول آخر لمجرد أنه أخف.
المقصود من سؤال العالم أن يخرج الإنسان من اتباع هواه إلى اتباع ما يظنه حقًا.
تاسعًا: لا تجعل الخلاف الفقهي لعبةً للأهواء
من أجمل ما قرره الإمام الشاطبي رحمه الله في هذه المسألة أن العامي عندما يسأل المفتي إنما يسأله في الحقيقة:
«أخرجني عن هواي، ودلني على اتباع الحق».
فكيف يصح بعد ذلك أن يقول له:
أعطني عدة أقوال، وسأختار منها ما يناسب رغبتي؟
إن تحول الخلاف الفقهي إلى قائمة خيارات شخصية، يصبح الإنسان هو الذي يحكم الشرع وفق هواه، بدل أن يحكم الشرع هواه.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
فليس المطلوب أن نبحث دائمًا عن الأشد، ولا أن نبحث دائمًا عن الأخف، وإنما المطلوب أن نبحث عن الحق بحسب الاستطاعة.
عاشرًا: الأيسر ليس دائمًا هو الشرعي، والأشد ليس دائمًا هو الأحوط
وهنا يقع خطأ شائع.
فبعض الناس يقول:
«خذ بالأحوط دائمًا».
وبعضهم يقول:
«خذ بالأيسر دائمًا».
وكلا الأمرين على إطلاقه غير صحيح.
فقد يكون القول الأشد غير راجح، وقد يكون القول الأيسر هو الراجح.
وقد يكون العكس.
والميزان ليس مجرد شدة الحكم أو سهولته، وإنما الدليل والترجيح وأهلية المفتي وحال النازلة.
ولهذا لا يصح أن نستدل بحديث اختيار النبي ﷺ للأيسر لنقول إن العامي يجب عليه دائمًا اختيار أخف الأقوال.
كما لا يصح أن نستدل بحديث الشبهات لنقول إنه يجب عليه دائمًا اختيار أشد الأقوال.
فهذه النصوص لها سياقاتها، ولا يصح تحميلها ما لا تدل عليه.
الخلاصة
إذا اختلف المفتون أمام العامي، فليس أمامه طريق واحد جامد في كل الأحوال، وإنما عليه أن يتقي الله ما استطاع، وأن يتحرى أهل العلم والأمانة، وألا يجعل الفتوى وسيلة لتحقيق رغباته.
فلا يتبع الأشد لمجرد أنه أشد، ولا يتبع الأخف لمجرد أنه أخف، ولا يتبع الجمهور لمجرد أنهم الأكثر، ولا ينتقل بين العلماء حتى يجد ما يوافق هواه.
بل ينظر –بحسب قدرته– في:
العلم، والورع، والأمانة، وفهم الواقع، وقوة الدليل، وظهور الترجيح.
فإن ترجح له قول أحد المفتين أخذ به.
وإن لم يستطع الترجيح، سأل من يثق بعلمه ودينه، وعمل بفتواه، دون أن يجعل نفسه أسيرًا للبحث المستمر عن الرخص.
فالغاية من سؤال العالم ليست أن نجد أيسر جواب، وإنما أن نجد أقرب جواب إلى الحق.
وهذا هو الفارق بين:
من يستفتي ليعرف حكم الله،
وبين:
من يستفتي ليجد من يوافق هواه.
والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق