الجمعة، 11 سبتمبر 2026

🌿 لا ضرر ولا ضرار قاعدة فقهية ترسم طريق الإسلام في حماية البيئة

 


🌿 لا ضرر ولا ضرار

قاعدة فقهية ترسم طريق الإسلام في حماية البيئة

بقلم: الدكتور سلمان عبود يحيى الجبوري


🌍 البيئة في الإسلام ليست قضية هامشية

حين نتحدث عن حماية البيئة اليوم، فإننا نتحدث عن الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والأرض التي نعيش عليها، والغذاء الذي نأكله، والنبات والحيوان اللذين يشكلان جزءًا من منظومة الحياة.

ومن هنا فإن حماية البيئة في التصور الإسلامي ليست مجرد ترف حضاري، ولا قضية مستوردة من الخطاب المعاصر، وإنما تتصل بجملة من المبادئ الشرعية الكبرى التي تحفظ حياة الإنسان ومصالحه، وفي مقدمتها قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة:

«لا ضرر ولا ضرار»

فهذه القاعدة لا تتعلق بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان فحسب، بل يمتد معناها إلى كل ما يترتب على فعل الإنسان من إضرار بالناس أو بالمرافق والمصالح العامة، بل وبمكونات البيئة التي تقوم عليها الحياة.

والإنسان نفسه جزء من هذه البيئة، وقد سخّر الله تعالى له ما في السماوات والأرض لينتفع به، لا ليعبث به أو يفسده أو يستنزفه بغير حق.


أولًا: ما المقصود بالبيئة؟

جاء لفظ البيئة في اللغة من الفعل «بوّأ»، ومن معانيه النزول والإقامة والتهيئة للمكان.

أما في الاصطلاح، فقد تعددت تعريفات البيئة، فمنها أنها الإطار الذي يعيش فيه الإنسان بما يشتمل عليه من ظواهر طبيعية وبشرية، ومنها أنها المكان الذي يتخذه الإنسان موطنًا ومعاشًا، ومنها أنها كل ما يحيط بالإنسان.

ويمكن جمع هذه المعاني في تعريف موجز:

البيئة هي الوسط أو المجال المكاني الذي يعيش فيه الإنسان، بما يضم من ظواهر طبيعية وبشرية، يتأثر بها ويؤثر فيها.

ولهذا كان النهي القرآني عن الإفساد في الأرض ذا دلالة عميقة:

﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾

فالأرض هي محيط الإنسان، وبها قوام حياته، وإفسادها ليس مجرد إساءة إلى مكان، بل اعتداء على مقومات الحياة نفسها.


🌱 مكونات البيئة في القرآن الكريم

عندما يتأمل المسلم آيات القرآن الكريم يجد أن الحديث عن البيئة ومكوناتها حاضر في سياق الحديث عن نعم الله وآيات قدرته وتسخيره لما في السماوات والأرض.

قال تعالى:

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾

ومن أبرز مكونات البيئة التي تناولها البحث:

☁️ السماء

السماء جزء من النظام الذي أودعه الله في هذا الكون، وقد وصفها القرآن بأنها سقف محفوظ، وجعل فيها من أسباب الحياة والجمال ما يدل على عظمة الخالق.

ومن ثم فإن الاعتداء على هذا النظام أو إفساده هو في حقيقته اعتداء على البيئة التي تقوم عليها حياة الإنسان.

🌍 الأرض

الأرض هي البيئة الطبيعية للإنسان والحيوان والنبات، وهي موضع الزراعة والمياه والمعادن ومختلف الموارد.

وقد أشار القرآن إلى اختلاف خصوبة الأرض ونفعها، فقال تعالى:

﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾

وهذا يلفت النظر إلى أهمية سلامة الأرض وصيانتها من أسباب الفساد والتلوث.

💧 الماء

الماء أصل الحياة، قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾

ومن هنا جاءت أهمية المحافظة عليه وعدم إفساده أو تلويثه.

وقد أشار البحث إلى الحديث:

«الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار»

فإفساد الماء لا يقتصر أثره على شخص واحد، بل قد يؤدي إلى حرمان الآخرين من حقهم في الانتفاع به.

🌬️ الهواء

الهواء ضرورة للحياة، وهو من النعم المشتركة التي لا يستغني عنها الإنسان والحيوان.

ومن أخطر صور الاعتداء عليه اليوم: الدخان والغازات السامة وعوادم المركبات والانبعاثات الصناعية.

ولهذا فإن تلويث الهواء بصورة تلحق ضررًا فاحشًا بالناس يدخل بوضوح في معنى الضرر المنهي عنه.

🌳 النبات

النبات مصدر أساسي للغذاء، ويسهم في حماية التربة، ويوفر المأوى لكثير من الكائنات، وله دور مهم في حفظ التوازن البيئي.

ولهذا لا يصح أن تتحول إباحة الانتفاع بالنبات إلى إتلاف جائر له أو استنزاف لموارده.

🐦 الحيوان

تناول القرآن الكريم أنواعًا كثيرة من الحيوانات، وبيّن وجوه الانتفاع بها، لكن الانتفاع لا يعني الإبادة والاستنزاف.

فالصيد المباح لا ينبغي أن يؤدي إلى القضاء على نوع من الحيوانات أو الإخلال بالتوازن البيئي أو حرمان الأجيال القادمة من الانتفاع بهذه الموارد.


⚖️ ثانيًا: «لا ضرر ولا ضرار»... قاعدة تحمي الإنسان والبيئة

أصل هذه القاعدة حديث النبي ﷺ:

«لا ضرر ولا ضرار»

ومعناها في الجملة: أنه لا يجوز لأحد أن يلحق بغيره ضررًا بغير حق.

وقد اختلف العلماء في التفريق بين «الضرر» و«الضرار»، لكنهم متفقون في الجملة على أن الضرر الممنوع هو الضرر الذي يقع بغير حق ولا يأذن به الشرع.

وهنا تظهر عظمة القاعدة واتساعها؛ فهي لا تنظر فقط إلى نية الشخص، وإنما تنظر كذلك إلى الأثر الذي يترتب على فعله.

فقد يتصرف الإنسان في ملكه، ويكون له غرض مشروع في ذلك، لكنه إذا تجاوز الحد المعتاد وأصبح تصرفه سببًا في إلحاق ضرر فاحش بالآخرين، لم يعد الأمر مجرد «حرية شخصية».

وهذه فكرة فقهية بالغة الأهمية في عصرنا:

الملكية الخاصة لا تعني الحق في الإضرار بالآخرين.

فمن حق الإنسان أن ينتفع بملكه، لكن ليس من حقه أن يجعل انتفاعه سببًا في إفساد الهواء أو الماء أو إزعاج الجيران أو إتلاف أموالهم.

وهذا هو المعنى الذي يجعل قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» ذات أثر مباشر في حماية البيئة.


🏭 تلوث الهواء... مثال فقهي قديم لمشكلة معاصرة

قد يبدو تلوث الهواء مشكلة حديثة مرتبطة بالمصانع والسيارات، لكن الفقهاء قديمًا ناقشوا صورًا قريبة جدًا من هذا المعنى.

فقد بحثوا في الدخان الذي يصل إلى الجيران، وفي الأفران والحمامات والمهن التي ينتج عنها دخان أو روائح تؤذي الناس، وقرروا منع الضرر الفاحش.

ونصت كتب الفقه على منع بعض صور التصرفات التي تؤذي الجيران بالدخان، كما تناولت مسألة الروائح الكريهة المؤذية.

فإذا كان الفقهاء قد تعاملوا مع دخان فرن أو حمام أو ورشة باعتباره ضررًا يستوجب المنع، فمن باب أولى أن تدخل في هذا المعنى صور التلوث الصناعي المعاصر عندما تصل إلى درجة الضرر الفاحش على الناس.

ومن هنا يمكن تطبيق القاعدة على:

دخان المصانع — عوادم المركبات — الغازات السامة — الروائح المؤذية — الانبعاثات الصناعية.

والضابط ليس مجرد وجود الدخان أو الرائحة، وإنما مقدار الضرر وآثاره.


💧 تلوث الماء... اعتداء يتجاوز صاحبه

تناول الفقهاء موضوع المياه بتفصيل واسع، وناقشوا أحكام المياه التي تتعرض للنجاسة والتغير والتلوث، وبيّنوا صور معالجتها وإعادتها إلى حالة الانتفاع.

كما أشار الفقه الإسلامي إلى ضرورة صيانة مصادر المياه عن أسباب التلوث، ومن ذلك ما ورد في بعض كتب الفقه من مراعاة المسافة بين الآبار ومصادر الصرف.

وهذا يكشف عن مبدأ مهم:

منع الضرر لا يبدأ بعد وقوع الكارثة، بل يبدأ بالوقاية منها قبل وقوعها.

وفي زماننا تدخل تحت هذا المعنى حماية الأنهار والآبار وشبكات المياه ومصادر الشرب من:

  • مخلفات المصانع.
  • الصرف الصحي.
  • المواد الكيميائية.
  • النفايات.
  • الملوثات الزراعية.
  • وكل ما يؤدي إلى إفساد الماء أو حرمان الناس من الانتفاع به.

🗑️ النفايات... ما يراه البعض صغيرًا قد يصبح ضررًا عامًا

من صور الإضرار بالبيئة التي تناولها الفقهاء: إلقاء القمامة والنجاسات وما يؤذي الناس في الطرقات.

وقد نص بعض الفقهاء على منع هذه التصرفات، بل جعل بعضهم إلقاء النجاسات والنفايات في الطرق العامة سببًا للتعزير.

وهنا تظهر مشكلة معاصرة شائعة:

النفاية الصغيرة التي يلقيها شخص واحد قد تبدو أمرًا بسيطًا، لكن ملايين التصرفات الصغيرة تتحول في مجموعها إلى مشكلة بيئية ضخمة.

ولهذا جاء التحذير من الاستهانة بصغائر الذنوب؛ لأن ما يستصغره الإنسان منفردًا قد يصبح خطرًا كبيرًا عندما يتحول إلى سلوك جماعي.


🍎 سلامة الغذاء... جزء من حفظ النفس

اهتمت الشريعة بصحة الإنسان، ومن ذلك ما يتعلق بالطعام والشراب، فوردت أحكام وآداب تتصل بحفظهما من أسباب الفساد والتلوث.

ومن المسائل التي ناقشها الفقهاء:

المزروعات التي تسقى بالمياه النجسة، والتعامل مع الأغذية الفاسدة، ومراقبة الأسواق، ومنع بيع ما يضر الناس.

ومن اللافت في التراث الإسلامي ما ذكره الشيزري في كتابه «نهاية الرتبة في طلب الحسبة» عن دور المحتسب في مراقبة الباعة والأطعمة، ومنع بيع الأغذية الفاسدة أو المخلوطة بما يضر المستهلك.

وهذا يؤكد أن حماية البيئة والصحة العامة ليست مسؤولية الفرد وحده، وإنما هي كذلك مسؤولية المجتمع والجهات الرقابية.


🔊 الضجيج... ضرر لا يُرى لكنه يؤذي

ليس الضرر دائمًا تلوثًا يُرى بالعين.

فالضوضاء والصخب قد تكون ضررًا حقيقيًا، خصوصًا عندما تتجاوز الحد المعتاد وتتحول إلى مصدر دائم لإزعاج الناس.

قال تعالى:

﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾

وقد تناول الفقهاء صورًا من الضجيج المؤذي للجيران، كأصوات بعض الصناعات والورش.

ويمكن في عصرنا أن يدخل في ذلك:

الضجيج الصناعي، ومولدات الكهرباء، ومحطات القطارات، وبعض الأنشطة الصناعية القريبة من الأحياء السكنية، والأصوات المزعجة المستمرة.

فالهدوء حق اجتماعي، وعدم إيذاء الآخرين بالأصوات المزعجة صورة من صور احترام الإنسان.


🛑 «الضرر يزال»... لا يكفي أن نمنع الضرر، بل علينا أن نعالجه

من القواعد المتفرعة عن «لا ضرر ولا ضرار»:

«الضرر يزال»

وهنا تنتقل الشريعة من مرحلة الوقاية إلى مرحلة المعالجة.

فإذا وقع الضرر، وجب العمل على إزالته، فإن تعذر ذلك وجب تخفيفه بقدر الإمكان.

ففي المصانع مثلًا يمكن استخدام الوسائل التي تمنع الملوثات أو تقلل منها قبل إطلاقها في الهواء، كما يمكن معالجة النفايات الكيميائية والطبية والمياه الصناعية الملوثة قبل طرحها.

وهذا يعني أن المسؤولية الشرعية لا تقف عند قولنا:

«لا تلوث».

بل تمتد إلى سؤال آخر:

ماذا نفعل إذا وقع التلوث؟

والجواب:
نزيل الضرر، أو نخففه، أو نمنع امتداده، ونعوض المتضرر عند تحقق موجبات التعويض.

وقد أشار البحث إلى صور الضرر البيئي التي قد تصيب الممتلكات أو الإنسان أو تسبب أضرارًا معنوية، وإلى إمكان المطالبة بالتعويض عن الخسائر الناتجة عن التلوث.


🕌 البيئة بين العبادة والمسؤولية الاجتماعية

المحافظة على البيئة في المنظور الإسلامي ليست مجرد مسألة جمالية.

إنها تتصل بحفظ النفس، وحفظ المال، وحفظ المصالح العامة، ومنع الاعتداء، وشكر نعم الله.

فالماء نعمة، والهواء نعمة، والأرض نعمة، والنبات والحيوان من نعم الله.

والتعامل مع هذه النعم بمنطق الاستنزاف والإفساد يناقض مقصد الشكر وحفظ النعمة.

ومن هنا يمكن أن يتحول الوعي البيئي إلى سلوك ديني وأخلاقي:

أن لا ترمي النفايات في الطريق.

أن لا تلوث الماء.

أن لا تحرق ما يؤذي الناس.

أن لا تجعل نشاطك التجاري أو الصناعي سببًا في مرض الآخرين.

أن لا تهدر الموارد بلا حاجة.

وأن تدرك أن حقك في الانتفاع لا يعطيك حق الإضرار.


🌳 من الفقه إلى الواقع... ماذا نحتاج اليوم؟

إذا أردنا أن تتحول هذه المبادئ إلى واقع، فإن حماية البيئة تحتاج إلى تعاون الفرد والمجتمع والجهات المسؤولة.

ومن أهم ما ينبغي الاهتمام به:

1️⃣ نشر الوعي البيئي

يجب أن يدرك المواطن أن المحافظة على البيئة ليست سلوكًا اختياريًا هامشيًا، بل مسؤولية دينية وأخلاقية واجتماعية.

2️⃣ مراقبة مصادر التلوث

وخاصة:

  • مواقع النفايات.
  • الأحياء الصناعية ومدى قربها من المناطق السكنية.
  • المصانع التي تطلق الغازات والأبخرة.
  • شبكات الصرف الصحي.
  • عوادم المركبات.
  • المولدات الكهربائية.
  • محطات القطارات ومصادر الضوضاء.
  • أماكن الذبح ومحلات بيع اللحوم.
  • الأسواق الغذائية.

3️⃣ حماية المساحات الخضراء

ينبغي الإكثار من المناطق الخضراء داخل المدن، والمحافظة على الحدائق والمناطق المفتوحة، وعدم تحويلها بصورة عشوائية إلى منشآت وأحياء سكنية.

4️⃣ حماية الثروة الحيوانية

مع تفعيل قوانين الصيد، ومنع الاستنزاف الذي يؤدي إلى اختلال التوازن البيئي وحرمان الأجيال القادمة من الموارد.

5️⃣ تفعيل الرقابة الميدانية

لا يكفي أن تبقى القوانين والمخاطبات حبرًا على ورق.

بل لا بد من متابعة ميدانية حقيقية للمتجاوزين على البيئة، ورصد مصادر الضرر ومعالجتها قبل أن تتفاقم.


🌿 الخلاصة

إن قاعدة:

«لا ضرر ولا ضرار»

ليست قاعدة فقهية محدودة المجال، وإنما هي مبدأ واسع قادر على استيعاب صور كثيرة من المشكلات التي يعيشها الإنسان في عصرنا.

فكل تلويث يضر بالإنسان، وكل استنزاف يهدد الموارد، وكل تصرف يتجاوز حدود الانتفاع المشروع إلى الإضرار بالآخرين، يمكن أن ينظر إليه في ضوء هذه القاعدة.

ثم تأتي قاعدة:

«الضرر يزال»

لتؤكد أن مسؤوليتنا لا تنتهي عند منع الضرر، بل تشمل إزالة آثاره ومعالجة أسبابه وتقليل مخاطره وتعويض من أصابه الضرر عند تحقق موجبات ذلك.

وهكذا يتضح أن الشريعة الإسلامية لم تنظر إلى الإنسان باعتباره سيدًا مطلقًا يتصرف في الكون بلا حدود، وإنما جعلته مستخلفًا ومسؤولًا عن النعم التي بين يديه.

فالبيئة أمانة، والماء أمانة، والهواء أمانة، والأرض أمانة، والحيوان والنبات من نعم الله التي لا يجوز أن تتحول أمانتها إلى باب من أبواب الإفساد.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن حماية البيئة ليست حربًا على التلوث فقط، وإنما هي قبل ذلك حماية للحياة نفسها.

🌱 إذا كان الإسلام قد نهى عن الضرر، فإن حماية البيئة هي واحدة من أوضح صور الامتثال لهذا النهي في عالمنا المعاصر.

والله هو الموفق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق