الاثنين، 14 سبتمبر 2026

خدمة القرضاوي للحديث النبوي فهماً وتوضيحاً

 

خدمة القرضاوي للحديث النبوي فهماً وتوضيحاً

 

بحث مقدم إلى مؤتمر

"جهود د. يوسف القرضاوي في خدمة الإسلام ونصرة القضية الفلسطينية"

الذي تعقده وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

غزة - فلسطين

في الفترة: 4-5 ذو القعدة 1431 هـ / 13-12أكتوبر 2010م  

 

 

إعداد:

أ. يوسف فرحات

مدير الإدارة العامة للوعظ والإرشاد

وزارة الأوقاف والشئون الدينية

 

 

 

أكتوبر 2010م


المقدمة

إن الدارس لشخصية الشيخ القرضاوي وكتبه يَخرجُ بنتيجة مفادها: أن الرجل عبارة عن أمة في رجل ومجموعة شخصيات في شخص واحد، وهو عبارة عن كنوز من عدة ألوان. فإن غزارة الإنتاج  وتلون العطاء ووفرة الميادين التي أطل منها الشيخ تحتاج إلى مؤسسة علمية تدرس جوانبها، فهو عالم محقق كما وصفه الشيخ العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله  .

لقد بارك الله في وقت الشيخ حفظه الله حتى أخرجت له المطابع عشرات الكتب في الفقه وأصوله، وفي الاقتصاد الإسلامي، وفي علوم القرآن والسنة، وفي العقيدة، وفي تيسير فقه السلوك، وفي الدعوة والتربية، وفي ترشيد الصحوة الإسلامية، وفي الشعر والأدب.

والناظر في كتبه وبحوثه ومؤلفاته يستيقن من أنه كاتب مفكر أصيل لا يكرر نفسه، ولا يقلد غيره، ولا يطرق الموضوعات إلا ما يعتقد أنه يضيف فيه جديداً من تصحيح فهم، أو تأصيل فكر، أو توضيح غامض، أو تفصيل مجمل، أو رد شبهة، أو بيان حكمة أو نحو ذلك

هذا وقد برزت قدرات الشيخ، من خلال تعامله مع نصوص الوحيين القرآن والسنة، فإضافة لتأليفه كتابين: (كيف نتعامل مع القرآن الكريم) و(كيف نتعامل مع السنة النبوية) إلا أنه كان له لمسات واضحة في تصحيح فهم النصوص وتوضيح الغامض منها ولاسيما على صعيد التعامل مع نصوص السنة النبوية، لذا اعتبر الشيخُ: (حسن فهم السنة) من المبادئ الأساسية التي يجب أن تراعى في التعامل مع نصوص السنة، لذا يقول حفظه الله: " إن الآفة قد لا تكون من عدم ثبوت السنة، بل قد تكون السنة ثابتة صحيحة، ولكن الآفة قد تأتي من سوء فهمها 0 وسوء الفهم داء قديم عرض للسنة كما عرض للقرآن، ولذا حذَّر المحققون من علمائنا من سوء الفهم عن الله ورسوله " (1)

لذا كان هذا البحث (خدمة القرضاوي للحديث النبوي فهماً وتوضيحاً)

 

 خطة البحث:

ينقسم البحث إلى ثلاثة مباحث، وذلك على النحو التالي

المبحث الأول: مفهوم الفهم وأهميته وقواعده، وفيه ثلاثة مطالب

              المطلب الأول: معنى الفهم.

             المطلب الثاني: أهمية الفهم.

             المطلب الثالث: قواعد عامة في فهم نصوص السنة.

المبحث الثاني: منهج القرضاوي في فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

المبحث الثالث: نماذج تطبيقية.

هذا وقد حرص الباحث على إيراد الأحاديث وتخريجها بالإشارة إلى مظانها دون توسع، ولاسيما إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، مع الاستعانة بأحكام الشيخ الألباني. كما حرص الباحث على ذكر المواضع التي ساق فيها الشيخ القرضاوي تصحيحه لفهم بعض الأحاديث من كتبه كلها، مع العلم أن النماذج التطبيقية  التي ساق الباحث هي على سبيل المثال لا الحصر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول: مفهوم الفهم وأهميته وقواعده

المطلب الأول:  مفهوم الفهم

عَرَّف الزَّبيدي الفهم أنه: سُرعة انتقال النفس من الأمور الخارجية إلى غيرها. وقيل: الفهم تصور المعنى من اللفظ. وقيل: هيئة للنفس يتحقق بها ما يَحسنُ (2).

والفهم هـو الفقه المشار إليه في قوله تعالى: (مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ)[هود: من الآية91].

أي: لا نفهم، وقوله تعالى: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)[الاسراء: من الآية44] أي لا تفهمون. وتقول العرب: فَقهت كلامك أي فهمته وبهذا يكون الفهم مغايراً للعلم، إذ العلم مطلق الإدراك والفهم عبارة عن جودة الذهن، من جهة تهيئه لاقتناص كل ما يَرد عليه من المطالب، وإن لم يكن المتصف به عالماً، كالعامي الفطن(3) .

وعرَّفه ابن حجر العسقلاني بأنه: فطنة يَفهمُ بها صاحبها من الكلام ما يَقترنُ به من قول أو فعل(4) .

  وقد جعل النبي r  الفهم والمعرفة للأمور وحسن الإدراك والتبصر بالمقاصد والتقدير للعواقب، مناط خيرية الإنسان عند الله، فقال: (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)(5).

وكان من دعائه المأثور واللافت لعبد الله بن عباس رضي الله عنها:(اللَّهُمَّ فَقِّههُّ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)(6).

فكان ابن عباس ببركة هذا الدعاء، حبر الأمة وعالمها وأحد منارات فقه الصحابة العظيم.

" إن من المؤلـم والمحزن حقاً أن الدراسات الفقهية والشرعية بشكل عام تعاني، لأنها تُخَرِّج حفظة وحملة فقـه في الأعم الغالب ولا تُخرج فقهاء وتُخرج نقلة يُمارسون عملية الشحن والتفريغ والتلقين، ولا تخرج مفكرين ومجتهدين يربون العقل ويُنمون التفكير... تُخرج مـن لا يستطيعون تجاوز المثال الذي أتى به الأقدمون إلـى تنزيل القاعدة على واقع جديد، أو تَوليد حتى مثال معاصر غير القديم.. فالناظر إلى الكثير من رسائل وبحوث الماجستير والدكتوراه في الجامعات الشرعية الإسلامية بشكل عام يَجدُ أطناناً من الوَرق يَعْظُم  كَمها ويتضاءل كيفها، لم تُحرك ساكناً،ولم تحقق رؤية تغير من واقـع الأمة وإن كانت تَرتقي بالمواقع المادية وأحياناًً الاجتماعية لأصحابها الذين أصبحوا حملة الألقاب العلمية ! هذا إن لم تكن في بعض الأحيان وسيلة توبيخ مستمرة لحملتها..ويكفي استعراض الكثير من العناوين لهذه الرسائل التي قد تبلغ عشرات الألوف للدلالة على عقل الأمة  وحالها.... " (7)

إن الفهم السليم هو التعامل مع النصوص انطلاقاً وانسجاماً مع المنهجيات والقواعد والأصولية التي  وضعها العلماء والمتخصصون لهذا الغرض.  والتعامل الصحيح مع النص هو عبارة عن حراسة مدلولات النص وحماية فهمه وتجديده بحسب  الظروف والأحوال من البشر أنفسهم، بعيداً عن الـتأويل الفاسد، أو بعبارة أخرى الخروج بالمعنى  عما وُضع له اللفظ وما عُهد عند العرب من الخطاب. وقد يكون هذا من بعض مدلولات قول رسول الله r  ودعوته لليقظة لهذا الأمر الخطير واضحة، حيث يقول r: (يحملُ هذا العلمَ من كلِ خَلَفٍ عُدُوله يَنفونَ عنه تحريفَ الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين)(8). لذلك يبقى المطلوب دائماً حراسة مدلولات النص والتنبه إلى محاولة تحريفه كحماية ألفاظه ومنهج نقله إن لم يكن أكثر وأهم.

المطلب الثاني: أهمية الفهم

قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: " صحة الفهم وحُسن القصد من أعظم نعمة الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطى عبدٌ عطاءً  بعد الإسلام أفضل ولا أجل منها، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليها، وبها يأمنُ العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فَسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حَسُنَت أفهامهم ومقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أُمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة. وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد والحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد، ويَمُده حسن القصد وتحرى الحق وتقوى الرب في السر والعلانية ويقطع مادته اتباع الهوى وإيثار الدنيا وطلب مَحْمَدة الخلق وترك التقوى "(9).

ولأهمية الفهم وفضله ترجم الإمام البخاري في صحيحه للباب الرابع عشر من كتاب العلم بعنوان  (الفهم في العلم).                                     

وتبرز أهمية الفهم من كون الناس في وسيلة الإدراك صنفان: صاحب (تحصيل) وصاحب

(بصيرة) الأول: صاحب عقل  (مكتسب) والثاني صاحب عقل (موهوب) ذو بصيرة وفقه.

والعقل المكتسب عن طريق التَجارب، أو القراءة والحفظ لا ينفع صاحبه ولا يأخذ بيده إلى مقاطع الحق،  إذا لم يكن له ذلك العقل الموهوب وغير مُجدٍ معرفة النصوص، وحفظها وتحديدها بالصفحات والأرقام من غير تلك (البصيرة) ولو حَملت تلك (الذاكرة) خزائن كتب أهل الأرض، إن البصيرة هبة لَدُنيه من صفات العقل المطبوع، ولا بد منها لصحة النظر وسلامة الفهم وهي (المميز) الذي يُرجِّح إنساناً على آخر، بما تحقق من أصالة الرأي وسلامة الحكم. وقد جعل الإمام الغزالي هذه (البصيرة) من سمات علماء الآخرة الذين اعتمادهم في علومهم على بصيرتهم، وإدراكها بصفاء قلوبهم لا على الصحف والكتب.

والقراءة والحفظ من غير بصيرة فقه لا يسمى صاحبها عالماً، إنما هــو وعاء، لا يسمى (عالماً) إذا لم  يَطّلع ببصيرة فقهية على الحِكَم والأسرار والمقاصد.

والناس كذلك تختلف مداركهم للشريعة، فمنهم من منهجه البحث عن (النص) ومنهم من منهجه البحث عن (مقصد النص). وأصحاب المنهج النصي أقـرب إلى أصحاب العقل المكتسب وأصحاب منهج القصد أقرب إلى أصحاب العقل الموهوب، لذلك كان تفاوت المنزلة بين أصحاب التحصيل وأصحاب البصيرة.

إن صاحب (النص) يقف عند اللفظ ومدلوله اللُغوي والثاني يتخطى (ظاهر اللفظ) إلى (مقصوده) من غير عدوان على اللغة، الأول كثيراُ ما يَجْبَهُكَ - في تحــدٍ- ما دليلك ؟ ولا يعني (الدليل) عنده إلا (النص)، أما الثاني، صاحب المقاصد فمفهوم (الدليل) عنده أوسع مدى: إنه يجمع النص إلى النص ويبحث عن اللازم، وعن المضمون وعن المناسبات وعن العلل، عن الكلي الذي يندرج تحته كثير من الجزئيات، ويبحث عن (روح  الشريعة)، وروح الشريعة هو المعني الكلي المُتولد في نفس الجامع للنصوص، الفاهم للمقاصد. وصاحب هذا المنهج هو القادر على الاجتهاد في وقائع الدهور المتجدد، إذ لا قول لصاحب النص إلا أن يقول: لم يَرد !  

إن أصحاب منهج المقاصد، الذين هم المستحقون (لمرتبة الاجتهاد) هم فقهاء الإسلام ومن دارت عليهم الفُتيا في أقوالهم، الذين خُصوا (باستنباط الأحكام) وعُنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فَهُم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء.

فرق بين علماء النص وعلماء المقاصد، علماء المقاصد هم أصـحاب التدقيق الذي به يتمكن من إبراز خصائص الشريعة فيواجهون بها (الرأي الفاسد) الذي يرى أصحابه أنهم أولى بالتشريع. فرق بين النص وفقه النص، وأصحاب هذا الفقه هم العلماء حقاً(10).

المطلب الثالث:  مبادئ وضوابط فهم السنة النبوية    

 ينبغي لمن يتعامل مع السنة النبوية، لكي ينفي عنها انتحال المبطلين وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، أن يراعىَ مبادئ أساسية في هذا المجال:

أولاً: أن يستوثق من ثبوت السنة وصحتها، وذلك وفقاً للموازين العلمية الدقيقة التي وضعها الأئمة الأثبات 

ثانياً: أن يُحسن فهم النص النبوي، وفق دلالات اللغة وفي ضوء سياق الحديث- سبب الورود – وفي ظلال النصوص القرآنية والنبوية الأخرى، وفي ضوء المقاصد الكلية للإسلام.

ثالثاً: أن يتأكد من سلامة النص من معارض أقوى منه من القرآن أو أحاديث أخرى أوفر عدداً أو  أصح ثبوتاً(11). 

وبعد أن ذكرت هذه المبادئ العامة في فهم السنة لابد من التنبيه إلى جملة من المعالم والضوابط لحسن فهمها وذلك كما ذكرها الشيخ القرضاوي (12)  وتتخلص هذه الضوابط في الآتي:

أولاً:  فهم السنة في ضوء القرآن الكريم:

من الواجب لكي نفهم السنة النبوية فهماً صحيحاً بعيداً عن التحريف والانتحال، وسوء التأويل، أن نفهمها في ضوء القرآن الكريم، لأنه روح الوجود الإسلامي، وأساس بنيانه، والسنة شارحة له، وهى البيان النظري، والتطبيق العملي للقرآن، وما كان للبيان أن يناقض المبيَّن، ولا الفرع أن يعارض الأصل.

ولهذا لا توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكمات القرآن، وإذا ظن بعض الناس وجود ذلك، فلا بد أن تكون السنة غير صحيحة أو  يكون فهمنا لها غير صحيح، أو يكون التعارض وهمياً لا حقيقياً.

يقول القرضاوي حفظه الله: " ومن حق المسلم أن يتوقف في أي حديث يرى معارضته لمحكم القرآن إذا لم يجد له تأويلاً مستساغاً. وقد توقفت في حديث رواه أبو داود وغيره:(الوائدة والموءودة في النار)(13).  وهنا تساءلت كما تساءل الصحابة من قبل حين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم، كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: " هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه ") ففسر لهم وجه استحقاقه للنار، بنية خروجه لمقاتلة صحابه.

وهنا أقول: هذه الوائدة في النار، فما بال الموءودة ؟ والحكم عليها بالنار يعارض قوله تعالى: ﴿َإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ * أَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ  [التكوير: 8،9].

وقد رجعت إلى الشُرَّاح لأرى ماذا قالوا في توجيه الحديث، فلم أجد شيئاً ينقع الغُله – يعني يشفي الغليل - " (14).

 

 ثانياً: جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد:

من اللازم لفهم السنة فهماً صحيحاً: أن تُجمع الأحاديث الصحيحة في الموضع الواحد، بحيث يُردُ المتشابه إلى المُحكم، ويُحمل المطلق على المُقيد ويُفسر العام بالخاص، وبذلك يتضح المعنى المراد منها ولا يضرب بعضها ببعض.

مثال ذلك: حديث (ما أسفلَ الكَعْبين من الإِزَار ففي  النار)(15). لكن الذي يقرأ جملة الأحاديث الواردة في هذا الموضوع يتبين أن هذا محمول على من جره خُيلاء، ومن ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله r  قال: (لا يَنظرُ اللهُ إلى من جَرَّ إزاره بَطَراً)(16).

ثالثاً: الجمع أو الترجيح  بين مختلف الحديث:

 فهذا من الأمور المهمة لحسن فهم السنة: التوفيق بين الأحاديث الصحيحة التي تتعارض في ظاهر الأمر، لا في الحقيقة، والجمع بين بعضها وبعض بإزالة التعارض والتوفيق بين النصين، بحيث تأتلف، ولا تختلف، وتتكامل ولا تتعارض، والجمع هنا مقدم على الترجيح، لأن فيه إعمالاً للنصين، وهذا أولى من إهمال أحدهما.

مثال: أحاديث زيارة القبور للنساء، فقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم -:(لعن الله زوَّارات القبور) (17). وفي مقابل الأحاديث التي تنهى هناك أحاديث يفهم منها الإذن للنساء والرجال، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) (18)

ومع أن الأحاديث الدالة على الإذن أصح وأكثر من الأحاديث الدالة على المنع، فإن الجمع والتوفيق بينهما ممكن، وذلك يحمل (اللعن) المذكور في الحديث كما قال القرطبي: على المكثرات لما تقتضيه صيغة (زوارات) من المبالغة، قال: ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج، والتبرج، وما ينشأ من الصياح (العويل) ونحو ذلك، وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء. أهـ

قال الإمام الشوكاني: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين الأحاديث المتعارضة في الظاهرة (19).

رابعاً: فهم الحديث في ضوء سبب وروده ومقاصده:

 إذا كانت أسباب نزول القرآن لابد منها لمن يريد فهمه، فإن أسباب ورود الحديث، أشد طلباً، وذلك أن القرآن بطبيعته عام وخالد وليس من شأنه أن يَعرض للجزئيات والتفصيلات بخلاف الحديث الشريف، لذا كان لابد لفهمه فهماً سليماً دقيقاً من معرفة الملابسات التي سيق فيها النص، وجاء بياناً لها وعلاجاً  لظروفها، حتى يَتحدّد المراد من الحديث بدقة، فهناك بعض الأحاديث بُنَي على أسباب خاصة أو ارتبط بعلة معينة، منصوص عليها في الحديث أو مستنبطة منه أو مفهومه من الواقع الذي سبق فيه الحديث، وهذا يحتاج إلى فقه عميق ونظر دقيق ودراسة مستوعبة للنصوص وإدراك بصير لمقاصد الشريعة.

ومثال ذلك حديث " الأئمة من قريش " (20). فقد فسره ابن خلدون بأنه r  راعى ما كان لقريش في عصره من القوة العصبية التي يرى ابن خلدون أن عليها تقوم الخلافة أو الملك، قال: " فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلبة علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية، فرددناه إليها، وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية،وهي وجود العصبية، فاشتراطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولى عصبية قوية على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية...." (21).

خامساً: التمييز بين الوسيلة المتغيرة والهدف الثابت للحديث: 

لابد لفهم السنة النبوية من عدم الخلط بين الأهداف والمقاصد الثابتة التي تسعى السنة إلى تحقيقها، وبين الوسائل الآنية والبيئية، التي وضعت من أجل الوصول إلى الهدف المنشود وقد تتغير من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى أخرى، بل هي لابد متغيرة، فإذا نص الحديث على شيء منها، فإنما ذلك لبيان الواقع، لا ليقيدنا بها ويجمدنا عندها ، بل لو نص القرآن نفسه على وسيلة مناسبة لمكان معين وزمان معين، فلا يعني ذلك أن نَجْمُد عليها، ولا نفكر بغيرها، ألم يقل تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ..) [الأنفال: من الآية 60]. ومع هذا لم يفهم أحدٌ أن المرابطة في وجه الأعداء لا تكون إلا بالخيل، لأن خيل العصر هي الدبابات والمدرعات ونحوها من أسلحة العصر.

كذلك تعيين السواك لتطهير الأسنان من هذا الباب، فالهدف هو طهارة الفم، حتى يرضى الرب كما في الحديث (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)(22). فالسواك ليس مقصوداً لذاته إنما كان هو الوسيلة المتيسرة في جزيرة العرب.

قال الباحث: لذلك مما يُؤخذ على حزب التحرير الإسلامي حصرهم وسيلة إقامة الدولة (بالنصرة) واعتبروها هي الوسيلة الشرعية الوحيدة وما سواها وسائل غير شرعية.

سادساً: التفريق بين الحقيقة والمجاز:

وإغفال التفريق بين الحقيقة والمجاز يوقع في كثير من الخطأ، كما رأينا ذلك بجلاء عند الذين يسارعون إلى الفتوى في عصرنا، فيحرِّمون ويوجبون ويبدِّعون ويُفسّقون، وربما يُكفّرون بنصوص إن سُلِّم بصحتها، لم يُسلَّم بصراحة دلالتها.

مثال ذلك: حديث:(لأَنْ يُطَعَنْ أَحَدُكم بِمخيَط من حديدٍ خيرٌ له أن يَمسَ امرأةً لا تَحلُ له) (23) 

 

وإذا سلمنا بصحة الحديث أو تحسينه، إلا أن الحديث ليس نصاً في تحريم المصافحة، لأن المس في لغة القرآن والسنة لا يعني مجرد اتصال البَشرة بالبَشرة، إنما معنى المس هنا ما دل عليه قول ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المس واللمس والملامسة في القرآن كناية عن الجماع، فإن الله حيي كريم يُكنِّي عما شاء بما شاء.  

 

 

 

 

المبحث الثاني: منهج القرضاوي في فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم

من خلال استقراء الباحث لكثير من الأحاديث التي وقف عليها الشيخ القرضاوي في كتبه شرحاً وفهماً وتحليلاً، استطاع أن يقف على منهجه في فهمه لهذه الأحاديث والتي منها:

أولاً: الترجيح بين أقول العلماء

مثال: حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة  في فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) (24).  

فقد علق الشيخ على الحديث في كتاب(فقه الجهاد) حيث ذكر أقوال العلماء في معنى الحديث وساق كلام ابن حجر العسقلاني والشيخ محمد الغزالي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الصنعاني، وخلاصة هذه الأقوال:

1-   المقصود بالناس في الحديث مشركي العرب، بدليل رواية النسائي (أمرت أن أقاتل المشركين) (25). فيكون من العام الذي أريد به الخاص، وهذا رجحه الشيخ الغزالي

2-   أن يكون المراد بالقتال: هو أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها.

3-   أن الإسلام يقاتل من يعلن الحرب عليه ويهدد حدوده، فهؤلاء يخيرهم بين الحرب أو الخضوع للإسلام إيماناً به أو طاعة لدولته، ولم يجعل الإيمان بالإسلام حتماً على أعدائه المُصرين على العداء، بل جعله خياراً بين أمرين، وهذا ما ذهب إليه العقاد 0

4-   أني لم أُؤمر بالقتال إلا إلى هذه الغاية.  ليس المراد: أني أُمرت أن أقاتل كل أحد إلى هذه الغاية، فإن هذا خلاف النص والإجماع. فإنه لم يفعل هذا قط، بل كانت سيرته: أن من سالمه لم يقاتله، فليس في الحديث دلالة على أنه مأمور بقتال كل الناس حتى يُسلموا، بل هو مأمور بقتال الذين يُقَاتلون إلى هذه الغاية، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية،

5-   أن الحديث ذكر أحد غايات القتال وموجبات تركه، وهو الإتيان بكلمة التوحيد، وترك الغاية الأخرى وهي: إعطاء الجزية، للعلم بها في القرآن ,

وقيل: المراد بالحديث: المحاربون، ولفظ الناس من العموم الذي يراد به الخصوص 0 وهذا كلام الإمام  الصنعاني

 ترجيح الشيخ القرضاوي:

وبعد أن ذكر الشيخ حفظه الله كلام العلماء السابقين مفصلاً رجح القول الأخير بقوله:

"وهذا التأويل الذي ذكره الأخير، هو الذي يترجح عندي، فلفظ (الناس) يقصد به (المحاربون) الذين ذكرتهم سورة براءة في أوائلها، وأعلنت البراءة منهم، وهم الذين ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ [ التوبة: 10] " (26)

ثانياً: مناقشة العلماء والرد عليهم

فعندما سئل الشيخ عن حديث: (أكثر أهل الجنة البُله) ذكر أن الشيخ أبا حامد الغزالي ذكره في الإحياء، ثم ذكر أن الحديث ضعيف من جهة النقل والعقل. ثم رد على الشيخ أبا حامد في تأويله للحديث بأن معناه: " الذين لا يعنيهم أمر الدنيا، ولا يجعلونها أكبر همهم ولا مبلغ علمهم، فهم في أمر الدنيا بلهاء، وفي أمر الآخرة أذكياء" (27).

وقال الشيخ القرضاوي في معرض مناقشة الغزالي والرد عليه: " على أن البلاهة في أمر الدنيا التي ذكرها الإمام الغزالي وغيره، مرفوضة في نظرة المنهج الإسلامي، الذي يقوم على التوازن بين الدنيا والدين، والمزج بين الروح والمادة، والتوافق بين العقل والقلب، وهذه هي الوسطية التي جاء بها الإسلام الصحيح، وهذا ما كان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان في خير القرون، فقد كانوا أهل دين لا ينعزل عن الدنيا وأهل دنيا لا تنفصل عن الدين " (28).

 

 

ثالثاً: فهم الحديث على ضوء النظريات العلمية الحديثة:

فعندما سئل الشيخ عن حديث (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء).  علق الشيخ على الحديث من أربعة جوانب:

الأول: من جهة الصحة: قال الشيخ: " إن الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، لكنه لا يعد من " المتفق عليه " في اصطلاح علماء الحديث. ولا أعلم أحداً من العلماء السابقين أثار إشكالاً حول هذا الحديث أو تحدث عن علة قادحة في سنده ومتنه  ".

الثاني: إن الحديث لا يتعلق بأصول الدين أو فرائضه أو الحلال والحرام أو بتشريع من التشريعات ولا ببيان خُلق من أخلاق الإسلام، لذلك الجهل بما جاء في الحديث لا يخدش إيمان المرء.

الثالث: إن الحديث من أحاديث الآحاد ومنكرها لا يكفر.

الرابع: تأييده لما جاء في مضمون الحديث بما وصل إليه الطب الحديث، حيث نقل دفاع الدكتور أمين رضا أستاذ جراحة العظام في جامعة الإسكندرية عن مضمون الحديث وذلك من مقال له نشرته مجلة (التوحيد) المصرية وخلاصة المقال:

إن جميع الجراحين في العصر الحديث الذين عاشوا في السنوات التي سبقت اكتشاف (مُركبات السلفا)، رأوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة بالذباب. وكان الذباب يُربى لذلك خصيصاً. وكان هذا العلاج مبنياً على اكتشاف فيروس(البكتريوفاج) القاتل للجراثيم. على أساس أن الذباب يحمل في آن واحد الجراثيم التي تسبب المرض وكذلك (البكتريوفاج) الذي يهاجم هذه الجراثيم. وكلمة (بكتريوفاج) هذه معناها (آكلة الجراثيم).  وإن توقف الأبحاث عن علاج القرحات بالذباب لم يكن سببه فشل هذه الطريقة العلاجية. وإنما كان ذلك بسبب اكتشاف مركبات السلفا التي جذبت أنظار العلماء جذباً شديداً (29).

 

 

رابعاً: فهم النصوص من خلال الجمع بين الروايات:

فعند تعليقه على حديث: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) (30)

 قال في معنى كلمة (غرباء): " فالمتبادر أنها من " الغربة" بدليل آخر في الحديث " فطوبى  للغرباء" فالغرباء جمع "غريب" والمراد به المتصف بالغربة لا الغرابة،  وإنما كانت غربتهم من  غربة الإسلام الذي يؤمنون به ويدعون إليه، وهذا هو المعنى المفهوم من كلمة " غريب " في أكثر من حديث مثل ( كن في الدنيا غريب) (31).

كما جاءت جملة أحاديث وروايات فيها زيادات في هذا الحديث في وصف " الغرباء" مما يؤكد أن المقصود هو الغربة لا الغرابة.

وفي فهمه للحديث بأنه لا يدعو للاستسلام كما ظن البعض احتج ببعض الروايات التي وصفت الغرباء بأنهم الذين يصلحون ما أفسد الناس. و سيأتي مزيد تفصيل للحديث في النماذج التطبيقية

خامساً: فهم الحديث على ضوء القرآن الكريم:

فعند استعراضه لأحاديث المبشرات بنصر الإسلام، ذكر حديث  أَبي قَبِيلٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي وَسُئِلَ أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بِصُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ قَالَ فَأَخْرَجَ مِنْهُ كِتَابًا قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا) يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ (32)

فقد اعتبر الشيخ أن فتح روميه سيكون فتحاً سلمياً، فقال: " وظني أن هذا الفتح سيكون بالقلم واللسان، لا بالسيف والسنان وأن العالم سيفتح ذراعيه وصدره للإسلام، بعد أن تشقيه الفلسفات المادية الوضعية، ويتطلع إلى مدد من السماء وهدى من الله، فلا يجد إلا الإسلام طوقاً للنجاة 0 و(الفتح السلمي) له أصل في الإسلام، فقد سمى الله تعالى صلح الحديبية فتحاً، بل " فتحاً مبيناً " وأنزل في ذلك سورة (الفتح) وفيها يقول تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً [ الفتح: 1] وسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفتح هو يا رسول الله ؟ فقال: نعم هو فتح "(33).

سادساً: الاعتماد على فهم العلماء الراسخين:

والأمثلة على ذلك كثيرة، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب الشيخ من النقولات من كتب العلماء، وخاصة المتقدمين، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والإمام الشاطبي وغيرهم.

سابعاً: توثيق النص قبل البحث في معناه 

يقول الشيخ في كتاب (الرسول والعلم): " ولهذا كان عملنا في هذا البحث مزدوجاً، وهو تمحيص ما يستشهد به من الأحاديث وبيان درجتها بإيجاز واختصار، ثم يأتي استنباط الحكم أو المعنى المراد منها، فالواجب أولاً إثبات النص وتوثيقه، ثم استخراج الدلالة منه "(34)


المبحث الثالث: نماذج تطبيقية

إن الذي يقرأ كتب الشيخ القرضاوي سيجد عشرات الأحاديث التي تكلم فيها الشيخ فهماً وتوضيحاً لمعناها ولاسيما الأحاديث التي أساء البعض فهمها، حيث تصدى لها الشيخ مجلياً معناها مزيلاً لما أُشكل منها

وهذه بعض الأمثلة التي تكشف عن جهد الشيخ في هذا الباب:

النموذج الأول: الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن الزبير بن عدي قال أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج فقال اصبروا فإنه: " لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم "(35).

يقول الشيخ:: " فقد فهم البعض من الحديث أننا في انحدار دائم، وتدهور مطرد، وأننا نتقل من حسن إلى سئ، ومن سئ إلى أسوأ ومن أسوأ إلى ما هو أشد منه سوءاً حتى تقوم الساعة. فالحديث في ظن البعض يدعو إلى السلبية واليأس في مواجهة الطغاة من الحكام المنحرفين، ويدعو للقعود عن العمل. وآخرون توقفوا في قبول الحديث , وربما تعجل بعضهم فرده , لأنه في ظنه يدعو: أولا: إلى اليأس والقنوط. ثانياً: إلى السلبية في مواجهة الطغاة من الحكام المنحرفين

وثالثاً: يعارض فكرة (التطور) الذي قام عليها نظام الكون والحياة. ورابعاً: ينافي الواقع التاريخي للمسلمين. وخامساً: يعارض الأحاديث التي جاءت في ظهور خليفة يملأ الأرض عدلاً (وهو الذي عرف باسم المهدي) وفى نزول عيسى ابن مريم , وإقامته لدولة الإسلام , وإعلاء كلمته في الأرض كلها.

ومن الحق علينا أن نقول: إن السابقين من علمائنا قد وقفوا عند هذا الحديث مستشكلين   

(الإطلاق) فيه. يعنون بالإطلاق ما فهم من الحديث: أن كل زمن شر من الذي قبله , مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز , وهو بعد زمن الحجاج _ التي عمت الشكوى منه _ بيسير , وقد أشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز , بل لو قيل: أن الشر اضمحل في زمانه , لما كان بعيداً , فضلاً عن أن يكون شراً من الذي قبله.

وقد أجابوا عن هذا بعدة أجوبة:

‌أ.      فالإمام الحسن البصري حمل الحديث على الأكثر الأغلب , فقد سئل عن عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج , فقال: لا بد للناس من تنفيس !

‌ب.  وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه من قوله: (لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر ما كان قبله , أما إني لا أعنى أميراً خيراً من أمير , ولا عاماً خيراً من عام , ولكن علماؤهم وفقهاؤكم يذهبون , ثم لا تجدون منهم خلفاً , ويجئ قوم يفتون برأيهم) وفى لفظ عنه:

(فيثلمون الإسلام ويهدمونه) ورجح الحافظ في (الفتح) تفسير ابن مسعود لمعنى الخيرية والشرية  هنا , قائلاً: وهو أولى بالإتباع.

ولكنه بالواقع لا ينفى الاستشكال من أساسه , فالنصوص تدل على أن في الغيب أدواراً للإسلام ترتفع فيها رايته وتعلوا كلمته , ولو لم يكن إلا زمن المهدي والمسيح في آخر الزمان لكفى. والتاريخ يثبت أنه قد جاء فترات ركود وجمود في العالم أعقبتها أزمنة حركة وتجديد , ويكفى أن نذكر مثلاً ما ظهر في القرن الثامن من العلماء والمجددين _ بعد سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد , وتدهور الأوضاع في القرن السابع , مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم , وسائر تلاميذه في الشام , والشاطبي في الأندلس , وابن خلدون في المغرب , وغيرهم ممن ترجم لهم ابن حجر في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة).

وفى العصور التي تلت ذلك نجد مثل ابن حجر , والسيوطي في مصر , وابن الوزير في اليمن , والدهلوي في الهند , والشوكاني والصنعاني في اليمن , وابن عبد الوهاب في نجد , وغيرهم من العلماء الأجلاء المجتهدين والأئمة المجددين.

وهذا ما جعل الإمام ابن حبان في صحيحه يرى أن حديث أنس ليس على عمومه , مستدلاً بالأحاديث الواردة في المهدي , وأنه يملأ الأرض عدلاً , بعد أن ملئت جوراً.

‌ج.   ولهذا أرى أن أرجح التفسيرات لهذا الحديث ما ذكره الحافظ في (الفتح) بقوله:

(ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة , بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك , فيختص بهم , فأما من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور , لكن الصحابي فهم التعميم _ فلذلك أجاب من شكا إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر, وهم – أو جلهم – من التابعين.

وعلى هذا التفسير يحمل كلام ابن مسعود أيضاً: فهو خاص بأزمنة من كان يخاطبهم من الصحابة والتابعين , وقد توفى في زمن عثمان رضي الله عنهما.

وأما زعم من زعم أن الحديث يتضمن دعوة إلى السكوت على الظلم والصبر والتسلط والجبروت , والرضا بالمنكر والفساد , ويؤيد السلبية في مواجهة الطغاة المتجبرين في الأرض فالرد على ذلك من عدة أوجه:

أولاً: إن القائل (اصبروا) هو أنس رضي الله عنه , فليس هو من الحديث المرفوع , وإنما استنبطه  منه , وكل واحد يؤخذ من كلامه ويترك ما عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: إن أنس لم يأمرهم بــ (الرضا) بالظلم والفساد , وإنما أمرهم بـ (الصبر) وفرق كبير بين الأمرين , فإن الرضي بالكفر كفر , وبالمنكر منكر , أما الصبر فقلما يستغنى عنه أحد , وقد يصبر المرء على الشئ , وهو كاره له, ساع في تغييره.

ثالثاً: إن من لم يملك القدرة على مقاومة الظلم والجبروت , ليس له إلا أن يعتصم بالصبر والأناة , مجتهداً أن يعد العدة , ويتخذ الأسباب , معتضداً بكل من يحمل فكرته , منتهزاً الفرصة المواتية , ليواجه قوة الباطل بقوة الحق , وأنصار الظلم بأنصار العدل , وضد الطاغوت بجند الله ,

وقد صبر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً في مكة على الأصنام وعبادها, فيصلى بالمسجد الحرام , ويطوف بالكعبة وفيها وحولها ثلاثمائة  وستون صنماً , بل طاف في السنة السابعة من الهجرة مع أصحابه في عمرة القضاء , وهو يراها ولا يمسها , حتى أتى الوقت المناسب يوم الفتح فحطمها.

ولهذا قرر علماؤنا: أن إزالة المنكر إذا ترتب عليه منكر أكبر منه وجب السكوت عنه حتى تتغير الأحوال.

وعلى هذا لا ينبغي أن يفهم من الوصية بالصبر الاستسلام للظلم والطغيان بل الانتظار والترقب حتى يحكم الله , وهو خير الحاكمين.

رابعاً: إن الصبر لا يمنع من قول كلمة الحق , والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أمام الطغاة المتألهين , وإن لم تكن واجبة على من يخاف على نفسه أو أهله ومن حوله , فقد جاء فى الحديث: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر", "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب , ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"(36).

النموذج الثاني: (حديث بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) (37) فالشيخ بعد أن رجح أن كلمة (غرباء) في الحديث من " الغربة"  بدليل آَخِر الحديث " فطوبى للغرباء" فالغرباء جمع "غريب" والمراد به المتصف بالغربة لا الغرابة.  وإنما كانت غربتهم من غربة الإسلام الذي يؤمنون به ويدعون إليه ".

ثم يزيل الشيخ حفظه ما علق في أفهام بعض الناس من أن الحديث يوحي باليأس من كل عمل للإصلاح والتغيير. ثم يتساءل فيقول: " ولكن هل هذه الغربة عامة شاملة ودائمة، أو هي غربة جزئية ومؤقته ؟ فقد تكون في بلد دون آخر، وفي زمن دون آخر  وبين قوم دون غيرهم، كما ذكر ذلك المحقق ابن القيم رضي الله عنه.  والذي أراه: أن الحديث يتحدث عن دورات أو (موجات) تأتي وتذهب، وأن الإسلام يعرض له ما يعرض لكل الدعوات والرسالات من القوة والضعف، والامتداد والانكماش، والازدهار والذبول، وفق سنن الله التي لا تتبدل، فهو كغيره خاضع لهذه السنن الإلهية التي لا تعامل الناس بوجهين، ولا تكيل بمكيالين، فما يجري على الأديان يجري على الإسلام، وما يجري على سائر الأمم يجري على أمة الإسلام. فالحديث ينبئ عن ضعف الإسلام في فترة من الفترات، ودورة من الدورات، ولكنه سرعان ما ينهض من عثرته، ويقوم من كبوته، ويخرج من غربته كما فعل حين بدأ.

فقد بدأ غريباً ولكنه لم يستمر غريباً، لقد كان ضعيفاً ثم قوي مستخفياً ثم ظهر محدوداً ثم انتشر، مضطهداً ثم انتصر.

وسيعود غريباً كما بدأ، ضعيفاً ليقوى، ثم يقوى، مطارداً ليظهر، ثم يظهر على الدين كله، ملاحقاً مضهداً لينتشر وينتشر ثم ينتصر وينتصر.

فلا دلالة في الحديث على اليأس من المستقبل إن أحسنا فهمه، ومما يدل على أن الحديث لا يعنى الاستسلام أو اليأس ولا يدعو إليه بحال: ما جاء في بعض الروايات من وصف لهؤلاء (الغرباء) من أنهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من السنة، ويحيون ما أماته الناس منها (38). فهؤلاء قوم إيجابيون بناؤون  مصلحون، وليسوا من السلبيين أو الانعزاليين أو الاتكاليين، الذين يدعون الأقدار تجري في أعنتها ولا يحركون ساكنا، أو ينبهون غافلاً"(39)

النموذج الثالث: حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر)

فبعد أن نقل الشيخ إجماع أئمة الحديث على عدم صحته ، ذكر أن الحديث ليس فيه حجة على من أراد أن يهون أمر الجهاد ، وأن الجهاد بمعنى القتال في سبيل الله لا يخلو من جهاد النفس وأن النفس عادة تجنح إلي السلامة وتحب الحياة وترغب عن الموت فلا بد للمؤمن الذي يختار أن يقاوم نزعات نفسه ولاسيما مع تثبيطات المثبِّطين من حوله وشيوع الوهن في طريق الجهاد الأمة وهو حب الدنيا وكراهية الموت.

ثم استدل الشيخ على ثقل الجهاد على النفس بحديث:  سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ قَالَ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ قَالَ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ قَالَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ لَهُ هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقَسَّمُ الْمَالُ قَالَ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَمَاتَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ قُتِلَ)(40)

 وحدثنا القرآن عن الملأ من بني إسرائيل كيف تولوا عن القتال عندما كتب عليهم مع أنه قتال دفع لا قتال طلب قال تعالي :﴿ ألَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة:246 ].

هذا ما جاء عن بني إسرائيل أما عن هذه الأمة فقد جاء قوله تعالي ﴿  َلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً  [ النساء: 77 ].

وفرق ما بين هذه الأمة وبني إسرائيل: أنهم لمَّا كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً  منهم أما هذه الأمة فلن يتولوا ولم يرفضوا ولكن (فريقاً) منهم هو الذي أصبح يماحك ويجادل في أمر القتال وسرعان ما استجابوا لنداء الإيمان وحجج القرآن.

وقال تعالي:  ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: 216 ]  هذا خطاب عام للمسلمين عامة وللصحابة خاصة ومع هذا قال: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ .

وهؤلاء من المؤمنين - لا من المنافقين - خرجوا إلي بدر وهم كارهون لأنهم لم يكونوا متهيئين للقتال 0 وكل هذا يدلنا بوضوح على أن الجهاد ليس بالأمر الهين بل يحتاج إلى  مجاهدة نفسية حتى ينشرح صدر المؤمن للقتال ويقول: ﴿ُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ   وإنما هي إحدى الحسيين: النصر أو الجنة !.

ثم يقول حفظه الله: " أننا لو سلمنا بصحة هذا الحديث جدلاً لكان علينا بمنطق الحديث نفسه أن نبدأ بالجهاد الأصغر متدرجين إلي الجهاد الأكبر كما هي سنة الله في الأشياء والأمور كلها: البداية بالصغير انتهاء إلي الكبير. وما دام القتال في سبيل الله وفق منطق الحديث هو الأصغر فليكن البدء به. ولا يجوز تأخيره ومنطوق الحديث المزعوم أنه عليه الصلاة والسلام قاله , وهو راجع من الغزو والقتال ".

ثم ساق حفظه الله  جملة من الأحاديث تبين: أن القتال في سبيل الله هو أعلي مراتب الجهاد.

وبهذا يكون أعلى مرتبة من جهاد النفس(41).

النموذج الرابع: أحاديث الطب والتداوي:

كحديث (خير ما تداويتم به الحجامة)(42). وحديث (خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري)(43) 0 وحديث: (عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية)(44) وحديث: (اكْتَحِلُوا بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ)(45)، وحديث: (في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام)(46).

يقول الدكتور القرضاوي حفظه الله في فهمه لهذه الأحاديث:

"ورأيي أن هذه الوصفات وما شابهها ليست هي روح الطب النبوي بل روحه المحافظة على صحة الإنسان وحياته وسلامة جسمه وقوته وحقه في الراحة إذا تعب وفي الشبع إذا جاع وفي التداوي إذا مرض وأن التداوي لا ينافي الإيمان بالقدر ولا التوكل على الله تعالي وأن لكل داء دواء وإقرار سنة الله في العدوى وشرعية الحجر الصحي والعناية بنظافة الإنسان والبيت والطريق ومن تلويث المياه والأرض والاهتمام بالوقاية قبل العلاج وتحريم كل ما يضر تناوله بالإنسان من مسكر أو مفتر أو أي غذاء ضار أو مشرب ملوث وتحريم إرهاق الجسم الإنساني ولو في عبادة الله تعالى، وتشريع الرخص حفظاً للأبدان، والمحافظة على الصحة النفسية بجوار الصحة الجسدية إلي غير ذلك من التوجيهات التي تمثل حقيقة الطب النبوي الصالح لكل زمان ومكان.

إن الوسائل قد تتغير من عصر إلي عصر ومن بيئة إلى أخرى بل هي لا بد متغيرة فإذا نص الحديث على شئ منها فإنما ذلك لبيان الواقع لا ليقيدنا بها ويجمدنا عندها.

ألم يقل القرآن الكريم:  ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [الأنفال: 60]  ومع هذا لم يفهم أحد أن المرابطة في وجه الأعداء لا تكون إلا بالخيل التي نص القرآن عليها بل فهم كل من له عقل يعرف اللغة والشرع: أن خيل العصر هي الدبابات والمدرعات ونحوها من أسلحة العصر "(47).

النموذج الخامس: أحاديث لعق الأصابع بعد الأكل:

كحديث  (إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح أصابعه حتى يَلعَقَها أو يُلعقها)(48) وحديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال (رأيت رسول الله يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها)(49)

وحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: (إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)(50). وحديث أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث، وقال: (إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها، وليمط  عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان)  وأمرنا أن نَسلت القصعة قال: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) (51).

قال الشيخ حفظه الله في فهمه لهذه الأحاديث:

"إن الذي ينظر إلي لفظ هذه الأحاديث فقط لا يفهم منها إلا أن الأكل بالأصابع الثلاث ولعقها بعد الأكل ولعق القصة أو سلتها ومسحها سنة نبوية وربما نظر إلى من يأكل بالملعقة نظرة اشمئزاز وإنكار لأنه في رأيه مخالف للسنة متشبه بالكفار !

والحق أن روح السنة الذي يؤخذ من هذه الأحاديث هو تواضعه وتقديره لنعمة الله تعالي في الطعام والحرص على ألا يضيع منه شئ هدراً بغير منفعة كبقايا الطعام التي تترك في القصعة أو اللقم التي تسقط من بعض الناس فيستكبر عن التقاطها إظهاراً للغنى والسعة وبعداً عن مشابهة أهل الفقر والعوز الذين يحرصون على الشئ الصغير ولو كان لقمة من خبز.

ولكن الرسول الكريم يَعتبر اللقمة إذا تركت إنما تترك للشيطان.

إنها تربية نفسية وأخلاقية واقتصادية في الوقت نفسه لو عمل بها المسلمون ما رأينا الفضلات التي تلقى كل يوم بل كل وجبة في سلة المهملات وأوعية القمامة ولو حسبت على مستوى الأمة المسلمة لقدرت قيمتها الاقتصادية كل يوم بالملايين أو بعشرات الملايين فكيف بها في شهر أو في سنة كاملة ؟  

هذه هي الروح الكامنة وراء هذه الأحاديث ورب امرئ  يجلس على الأرض ويأكل بأصابعه ويلعقها اتباعا للفظ السنة ولكنه بعيد عن خُلق التواضع وخُلق الشكر وخلق الاقتصاد في استخدام النعمة التي هي الغاية المرتجاة من وراء هذه الآداب " (52).

النموذج السادس:  (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين)

[رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، رقم (4126) وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم (1261)،وفي السلسلة الصحيحة، رقم (308) إلا أنه تراجع عن التصحيح في إرواء الغليل وحكم بتحسينه 3/363رقم، طبعة المكتب الإسلامي]

قال الشيخ حفظه الله في فهمه لهذا الحديث:

"ففهم البعض من المسكنة الفقر من المال , والحاجة إلى الناس , وهذا ينافي استعاذة النبي صلي الله عليه وسلم من فتنة الفقر وسؤاله من الله تعالي العفاف والغني وقوله لسعد: (إن الله يحب العبد الغني التقي الخفي) وقوله لعمرو بن العاص: (نعم المال الصالح للمرء الصالح)

ومن أجل ذلك ردوا الحديث المذكور والحق أن المسكنة هنا لا يُراد بها الفقر كيف وقد استعاذ بالله منه وقَرَنه بالكفر:(اللهم إني أعوز بك من الكفر والفقر) ؟ وقد  امتن ربه عليه بالغنى فقال:﴿ َوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [ الضحى:8]

إنما المراد بها التواضع وخفض الجناح قال العلامة ابن الأثير:  أراد به التواضع والإخبات وألا يكون من الجبارين المتكبرين.

وهكذا عاش صلي الله عليه وسلم بعيداً عن حياة المستكبرين حتى الشكل والصورة يجلس كما يجلس العبيد والفقراء ويأكل كما يأكلون ويأتي الغريب فلا يميزه من أصحابه فهو معهم كواحد منهم وهو في بيته يخصف نعله بيده ويرقع ثوبه ويحلب شاته ويطحن بالرحا مع الجارية والغلام.

ولما دخل عليه رجل هابه فارتعد فقال له: هون عليك فلست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة " [ كيف نتعامل مع السنة ص55] .

المثال السابع: حديث تجديد الدين كل مائة سنة:

فعن أبي هريرة مرفوعاً: (إن اللهَ يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِ سنةٍ منْ يجددُ لها دينها) [ أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم، رقم (4270)، وذكره الألباني في صحيح الجامع، رقم (1874) ]

قال الشيخ حفظه الله معلقاً على الحديث:

"ففهم البعض من التجديد أنه تطوير الدين وتغييره  ليلائم الزمن فقال: الدين لا يجدد الدين ثابت لا يتغير ليست مهمة الدين أن يُلائم التطور إنما مهمة التطور أن يلائم الدين.

إن زعم تجديد الدين يعني أننا في كل عصر نخرج طبعة جديدة منقحة لمبادئه وتعاليمه , تساير حاجات الناس وتواكب التطور وهذا قلب للحقائق فَلْيُرفضَ الحديثُ الذي يقول هذا.

وما يقوله هذا القائل صحيح لو كان المراد بالتجديد ما فسره به.

إن التجديد المراد كما شرحته في بحث لي هو تجديد الفهم له والإيمان والعمل به فالتجديد لشيء ما هو محاولة العودة به إلي ما كان عليه يوم نشأ وظهر بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد وذلك بتقوية ما وهيَ منه وترميم ما بلي ورتق ما أنفتق , حتى يعود أقرب ما يكون إلي صورت الأولي.

فالتجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم أو الاستعاضة عنه بشيء آخر مستحدث مبتكر فهذا ليس من التجديد في شيء. 

ولنأخذ بذلك مثلا في الحسيات إذا أردنا تجديد مبنى أثري عريق فمعنى تجديده: الإبقاء على جوهره وطابعه ومعالمه وكل ما يبقى على خصائصه وترميم كل ما أصابه من عوامل التعرية , وتحسين مداخله وتسهيل الطريق إليه والتعريف به.. الخ وليس من التجديد في شيء أن نهدمه ونقيم عمارة ضخمة على أحدث طراز مكانه.

وكذلك الدين لا يعني تجديده  إظهار طبعة جديدة منه بل يعني العودة به إلى حيث كان في عهد الرسول وصحابته ومن تبعهم بإحسان.

فتجديد الدين يعني: إحياء الاجتهاد فيه , والرجوع إلي منابعه الأصلية والتحرر من الجمود والتقليد والنظر في التراث نظرة ناقدة للاستفادة من إيجابياته وتفادي مواضع الخلل فيه وبجوار هذا التجديد الفكري تجديد آخر ,هو تجديد الإيمان بالدين والتمسك بقيمه وأصوله وتجديد الدعوة إليه وفق حاجات العصر وظروفه كما جاء في الحديث: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله تعالي: أن يجدد الإيمان في قلوبكم) [ رواه الطبراني والحاكم عن ابن عمر، كما في صحيح الجامع الصغير، رقم (1590) ] " [ كيف نتعامل مع السنة، ص 55].

المثال الثامن: حديث افتراق الأمة

والحديث رواه أبو هريرة، قال: قال صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) [ أخرجه أبو داود في كتاب السنة، رقم (4596) والترمذي، في كتاب الإيمان، وقال: حسن صحيح، رقم (2642) وابن ماجه في الفتن، رقم (3991)، وذكره الألباني في صحيح الجامع، رقم (1082)]

وبعد أن علق الشيخ حفظه الله على الحديث محاولاً الطعن في سنده ومتنه قال:

"على أن الحديث وإن حسنه بعض العلماء كالحافظ ابن حجر أو صححه بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد طرقه لا يدل على أن هذا الافتراق بهذه الصورة وهذا العدد أمر مؤبد ودائم إلي أن تقوم الساعة ويكفي لصدق الحديث أن يوجد هذا في وقت من الأوقات. فقد توجد بعض هذه الفرق ثم يغلب الحق باطلها فتنقرض ولا تعود أبداً.

وهذا ما حدث بالفعل لكثير من الفرق المنحرفة فقد هلك بعضها ولم يعد لها وجود.

ثم إن الحديث يدل على هذه الفرق كلها جزء من أمته صلي الله عليه وسلم أعني أمة الإجابة  المنسوبة إليه بدليل قول:" تفترق أمتي " ومعنى هذا أنها- برغم بدعتها - لم تخرج عن الملة ولم تفصل من جسم الأمة المسلمة.

وكونها في النار لا يعني الخلود فيها كما يُخلد الكفار بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين.

وقد يشفع لهم شفيع مطاع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين وقد يكون لهم من الحسنات الماحية أو المحن والمصائب المكفرة ما يدرأ عنهم العذاب.

وقد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه ولا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق ولكنهم لم يوفقوا وأخطئوا الطريق وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " [ الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المحمود والتفرق المذموم ص 37-38، طبعة دار الرسالة، وفتاوى معاصرة 3/ 87 ، الطبعة الأولى، دار القلم ]

 

المثال التاسع: حديث (اللهم أعط منفقاً خلفاً)

ونص الحديث عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) [ أخرجه البخاري، رقم (1442) ومسلم، رقم (2382) ]

وقد سئل الشيخ القرضاوي حفظه الله  عن الحديث من بعض الناس حيث يقولون:

"ولكننا نرى عكس الحديث في الحياة ! نرى أناساً ينفقون ويتصدقون ويفعلون الخير. وهم في ضيق من العيش , ونرى غيرهم ممسكين بخلاء لا ينفقون مليماً واحداً لوجه الله , وحالتهم المالية في ازدياد فهل هذا الحديث صحيح أم مكذوب ؟ وإذا كان صحيحاً فأين خلف المنفقين , وتلف الممسكين ؟".

قال الشيخ بعد أن ذكر مخرج الحديث مصححاً اللبس الذي وقع فيه هؤلاء في فهمهم للحديث:

"والذي أثار اللبس عند السائل إنما هو حصره للخلف والتلف في دائرة المال. والأمر أعمق من هذا وأوسع , فالخلف هو العوض الذي يكافئ به الله الغني الكريم عباده المنفقين , وهو أكرم من أن يجعله مقصوراً على المال فقط , بل قد يكون صلاحاً في الأهل , أو نجابة في الأولاد , أو عافية في البدن أو بركة في القليل , وقد يكون أمراً معنوياً خالصاً , كهداية إلى الحق , وتوفيق إلى الخير , وانشراح في الصدر , وسكينة في القلب , ومحبة في نفوس الخلق , وشعور بحلاوة الإيمان ورضوان الله تعالى , فضلاً عما أعده الله في الآخرة لعباده الصالحين مما لا عين رأت , ولا أذن سمعت , ولا خطر على قلب بشر ﴿ َلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة:17]

إن مكافأة الله المنفقين في سبيله لأعظم من أن تقتصر على الحياة الدنيا﴿ والْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [ الأعلى: 17]  وأرفع من أن تقصر على  الرزق المادي وحده , والعارفون يعلمون أن الأرزاق الروحية أنفس وأخلد من كل ما ترنو إليه الأبصار من متاع الدنيا وموازين الله ورسوله في تقدير الأشياء ليست كموازين أهل الدنيا.

وإذا اتضح لنا معني دعاء الملك: (اللهم أعط منفقاً خلفاً) بان لنا معني دعاء الآخر: (اللهم أعط ممسكاً خلفاً).

فالتلف هو العقوبة التي يُجازي بها الله المسكين , وهو لا ينحصر في خسارة المال أيضاً , ولكنه قد يتناول البدن , أو الأهل أو الولد أو العلاقة بالناس... الخ.

وقد يكون قلق النفس , وشك القلب , وضيق الصدر مما يُفسد على المرء حياته , ويحرمه الاستمتاع بماله الوفير , ويحييه في عذاب مقيم. فضلاً عما ادخر الله لمثله في الآخرة ... " [ انظر: فتاوى معاصرة، ص84 ]

المثال العاشر: حديث (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم)

ونص الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ تَسْبِقُ أَيْمَانُهُمْ شَهَادَاتِهِمْ أَوْ شَهَادَاتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ) [ أخرجه البخاري، رقم (6429) ومسلم، رقم (6635) والترمذي، رقم (3859) ]

قال الشيخ حفظه الله معلقاً على بعض الباحثين المعاصرين، الذين فهموا من الحديث : أن الإنسانية التي يحتضنها الإسلام تتقدم نحو ما هو أسوأ , لا نحو ما هو أفضل , وأن هذا التقدم إلي الأسوأ حتمي لا راد له , وفقاً لهذا الحديث وأمثاله. لهذا ذهب هؤلاء إلى أن الحديث موضوع

قال الشيخ: " والحق أن الحديث صحيح متفق علي صحته بين علماء الإسلام , ولم يطعن عالم سني ولا معتزلي فيما أعلم في سنده أو متنه , بل ذكر ابن حجر والسيوطي وغيرهما من أئمة النقل أنه من المتواتر 0 فاعتبار هذا الحديث موضوعاً: اتهام للأمة كلها بالجهل والغباء وترويج الباطل , واجتماعها على الضلالة طوال تلك العصور , وهذا مدخل لنسف الدين كله.

أما ما فهم الباحث الفاضل من الحديث , وما رتبه عليه من نتائج , فهو غير مُسلَّم له.

فالحديث إنما دل على فضل الجيل الذي تلقي عن رسول الله صلى عليه وسلم , وتربي في حضانة النبوة , وشاهد ما لم يشاهده غيره من آيات الله , ومن هدي رسول الله , وحمَّله القَدرُ من المُهمات ما لم يحمله غيره , فهو الجيل الذي نقل القرآن للأمة. وروى لها السنن , وفتح الله علي يديه البلاد , وهدى به العباد. ثم الجيل الذي تتلمذ علي هؤلاء الأصحاب , واقتبس من مشكاتهم , واقتفي آثارهم , والجيل الثالث الذي سار على دربهم واتبعهم بإحسان , فرضي الله عنهم , ورضوا عنه.

ولا يشكُ دارس منصف أن (الإشعاع الروحي) لهذه الأجيال القريبة من عهد النبوة الخاتمة , كان من القوة والعمق والسعة , بحيث لا يلحقه جيل آخر , وهذا في الجملة لا في التفصيل , وفي أمر الدين والتقوى لا في أمر الحياة والعلم والعمران , فهذه قد تتفوق فيها الأجيال اللاحقة علي الأجيال الأولى المفضلة في الالتزام الديني.....علي أن هناك أحاديث أخري تبين فضل الأجيال اللاحقة , وتُنوه بصبرها وثباتها في عصور الفتن والأزمات التي يُمتحن فيها أهل الإيمان , وحملة رسالة الإسلام ويغدو القابض على دينه فيها كالقابض علي الجمر. حتى ذكر الحديث أن للعامل فيها أجر خمسين ! قيل: منا أو منهم يا رسول الله ؟ قال: (بل منكم) [ رواه أبو داود، كتاب الملاحم، رقم (4341)، والترمذي في التفسير، رقم (3060) وقال: حسن غريب، وابن ماجه في الفتن (4014) كلهم عن أبي ثعلبة الخشني ]

 كما صحت أحاديث كثيرة تبشر بغد مشرق , ومستقبل زاهر لدعوة الإسلام, وملك واسع لدولته.

وصح الحديث كذلك أن الله يبعث في كل مائة سنة من يجدد للأمة دينها , وبذلك يتجدد أملها , ويقوى رجاؤها , في صلاح الحال إذا فسد , وقوة الدين إذا ضعف , واستقامة الأمر إذا اعوج.

وإيمان المسلم بفضل القرون الأولى لا يعني أن باب الله قد أغلق أمام سائر القرون إلي يوم القيامة , وأن الأجيال القادمة محرومة من استباق الخيرات فقد حازتها تلك القرون , ولم يعد أمامها إلا الفتات إن بقي الفتات.

بل الحق الذي لا ريب فيه أن باب الله تعالى مفتوح للجميع إلي أن تقوم الساعة: واستباق الخيرات مأمور به لجميع الأمة في كل العصور , ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً [ البقرة: 148]. وكم ترك الأول للأخر , وكم في الإمكان أبدع مما كان. وفي الحديث الشريف

(مثل أمتي كالمطر , لا يدري أوله خير أم أخره) [ أخرجه الترمذي، عن أنس  في أبواب الأمثال، وقال: حسن غريب، رقم (2873)]

يقرر الشُراح هنا: أنه كما لا يحكم بوجود النفع في بعض الأمطار دون بعض , فكذلك لا يُحكم بوجود الخيرية في بعض أجيال الأمة أو أفرادها دون بعض من جميع الوجوه , وفي هذا إيماء إلى أن باب الله مفتوح , وطلب الفيض من جنابه مفسوح. فكل طبقة من طبقات الأمة لها خاصية وفضيلة , توجب خيريتها , كما أن كل نوبة من نوبات المطر لها فائدتها في النشوء والنماء لا يمكن إنكارها. فإن الأولين آمنوا بما شاهدوا من المعجزات , وتلقوا دعوة الرسول بالإجابة والإيمان , والآخرين آمنوا بالغيب , لما تواتر عندهم من الآيات, واتبعوا من قبلهم بالإحسان. وكما أن المتقدمين اجتهدوا في التأسيس والتمهيد, فالمتأخرون بذلوا وسعهم في التقرير والتأكيد , فكل ذنبهم مغفور, وسعيهم مشكور , وأجرهم موفور"  [ المبشرات بانتصار الإسلام ص132].


الخاتمة والتوصيات

بعد الانتهاء من هذا البحث بحمد لله سبحانه وتعالى توصل الباحث لجملة من النتائج والتوصيات.

أولاً: نتائج البحث:

1.    جهود القرضاوي في خدمة الإسلام لم تكن قاصرة على الفقه، بل جاوز ذلك لخدمة السنة النبوية

2.    خدمة القرضاوي للسنة متنوعة وفي شتى المجالات، فكما أنه خدمها من جهة السند وذلك من خلال نقد لبعض الأحاديث، كذلك كانت له بصمة واضحة من حيث الحديث في بعض متون السنة نقداً وشرحاً وتوضيحاً.

3.    اهتمام الدكتور القرضاوي  في وضع قواعد لفهم السنة النبوية .

4.    تُعد الكتب التي صنفها القرضاوي في خدمة السنة لأكبر دليل على مدى خدمة الشيخ للسنة النبوية، وهذه الكتب هي:

‌أ.      نحوَ موسوعةٍ للحديثِ الصحيحِ: مشروعُ منهجٍ مقترح

‌ب.  المنتقى من الترغيب والترهيب

‌ج.   كيف نتعامل مع السنة النبوية

‌د.     السنة مصدراً للمعرفة والحضارة

‌ه.   السنة والبدعة

‌و.    المدخل لدراسة السنة النبوية

‌ز.    القرآن والسنة المرجعية العليا لأمة


ثانياً: توصيات البحث:

·   دعوة طلاب العلمي لاستخراج جهود الدكتور القرضاوي في خدمة السنة النبوية.

·    وجوب الدفاع عن الشيخ القرضاوي في مواجهة ما يشاع عنه من قبل خصومه، مثل ما قيل بأن الشيخ ضعف أحاديث في البخاري ومسلم بصفة خاصة وبعض كتب السنة الأخرى بصفة عامة. 

·    تنفيذ وصية الشيخ في بعض المشاريع العلمية لخدمة السنة النبوية  ومنها:

أ) إكمال مشروع نحوَ موسوعةٍ للحديثِ الصحيحِ: مشروعُ منهجٍ مقترح

ب) تحقيق كتاب حجة الله البالغة

ج) جمع ودراسة تقريرات النبي صلى الله عليه وسلم

د‌)  شرح صحيحي البخاري ومسلم شرحاً عصرياً، مع استبعاد بعض المباحث الغير مناسبة لزماننا .

·   إدراج بعض كتب  الشيخ القرضاوي في مناهج طلبة الكليات الشرعية في الجامعات والمعاهد الفلسطينية، ولاسيما كتاب كيف نتعامل مع السنة .

·   الدعوة للاستفادة من كتب الشيخ في البرامج التربوية في المساجد والحلقات العلمية.

 


فهارس البحث

1-    كيف نتعامل مع السنة، القرضاوي، ص45، دار الشروق، الطبعة الرابعة.

2-    محب الدين أبي فيض السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس ج27/ص  546، دار الفكر، دراسة وتحقيق علي شبري.

3-    أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1/ ص7  دار الحديث . وانظر: أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، الكليات  ص 697، مؤسسة

    الرسالة، الطبعة الثانية1413 هـ - 1993م.  

4-    أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 1/ ص 219، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 1418هـ -  1997م .

5-    أخرجه البخاري، في كتاب العلم، رقم (69) ومسلم، كتاب الزكاة، رقم (1719).

6-    أخرجه البخاري، كتاب العلم، رقم (73) ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، رقم 1274.

7-    انظر: د. عمر عبيد حسنة في تقديمه لكتاب الأمة العدد (72)  تكوين الملكة الفقهية. أ. د محمد عثمان شبير ص 39-40.

8-    الحديث ذكره الإمام ابن القيم في " مفتاح دار السعادة " وقواه لتعدد طرقه (1/163) ط. دار الكتب العلمية ببيروت. وكذلك العلامة ابن الوزير الذي استظهر صحته أو حسنه، لكثرة طرقه مع ما نقل من تصحيح الإمام أحمد له، والحافظ ابن عبد البر، وترجيح العقيلي لإسناده، مع سعة اطلاعهم وأمانتهم، فهذا يقتضي التمسك به. انظر: الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم (1/21-23) ط. دار المعرفة بيروت.

9-    إعلام الموقعين عن رب العالمين 1/86 ، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، الطبعة الأولى .

10-     انظر: عبد الحميد صبح، العقيدة وصفات الله  ص 18-27 ، دار الكلمة، الطبعة الأولى. وابن  قيم الجوزية، الوابل الصيب من الكلام الطيب ص 64- 65، المكتبة التوفيقية، حققه وخرج أحاديثه عماد البارودي. وإعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم 1/196، تحقيق  وتعليق عصام الدين الصبابطي، دار الحديث ، الطبعة الأولى]

11-     انظر: القرضاوي، المدخل لدراسة السنة النبوية ص 94-100  ، مكتبة وهبة، الطبعة الخامسة 1425 هـ -2004م ، وكيف نتعامل مع السنة، القرضاوي، ص 43-45 ، والعقل والفقه في فهم الحديث النبوي، مصطفى أحمد الزرقا، ص 8، دار القلم دمشق، والدار الشاميه، بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ - 1996م.

12-  انظر: كيف نتعامل مع السنة، ص111-201، المدخل لدراسة السنة النبوية، ص117-211، والمرجعية في الإسلام للقرآن والسنة، ص155-274 مؤسسة دار الرسالة

13-     رواه أبو داود رقم (4717) وذكره الألباني في صحيح الجامع رقم (7142) عن ابن مسعود.

14-     كيف نتعامل مع السنة ص116- 117، والمدخل لدراسة السنة النبوية ص1200.

15-     رواه البخاري في كتاب اللباس، باب: ما أسفل من الكعبين فهو النار، حديث رقم 5787.

16-     أخرجه البخاري، في كتاب اللباس رقم (5788) والبطر: التكبر والطغيان.

17-     رواه الترمذي، في الجنائز، رقم (1056) وقال: حسن صحيح رواه أبو يعلى في مسنده، رقم (5908) وقال محققه سليم أسد: حديث حسن . وفي رواية: (زائرات القبور) رواه ابن حبان في صحيحه، وقال محققه شعيب الأرنؤوط: حسن، رقم (3178)

18-     رواه أحمد، رقم (23102) وقال شعيب: صحيح، وكذا صححه الألباني في صحيح الجامع، رقم (4584).

19-     نيل الأوطار 4/166.

20-     [رواه أحمد عن أنس ورجاله ثقات كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/192) قال المنذري في " الترغيب والترهيب ": إسناده جيد، انظر: المنتقى من كتاب الترغيب والترهيب، للقرضاوي 2/131رقم1281]

21-     انظر: مقدمة ابن خلدون (2/695-696) ط. لجنة البيان العربي الثانية بتحقيق، د. علي عبد الواحد وافي.

22-     رواه ابن خزيمة في كتاب الوضوء، برقم (135) وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم (3695)

23-     رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 4/326وقال: رواه الطبراني عن معقل بن يسار ورجاله رجال الصحيح ، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 2/900رقم 5045 ].

24-     أخرجه البخاري، كتاب الإيمان 1/75من الفتح، ومسلم، كتاب الإيمان 1/53.

25-     رواه أبو داود، في الجهاد رقم (2642)، والنسائي في تحريم الدم، رقم (3966) .

26-     انظر:  فقه الجهاد، ص327-337، مكتبة وهبه، الطبعة الأولى.

27-     الحديث أخرجه الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار، تحقيق شعيب الأرنؤوط 7/ 431 رقم (1303) وقال إسناده منكر.  قال الطحاوي: معناه معنى صحيح. والبله المرادون فيه هم البله عن محارم الله عز وجل لا من سواهم ممن به نقص العقل بالبله. وذكره علي القاري في كتابه: المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص57رقم (34)، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. قال الشيخ القاري معلقاً على الحديث: والبُلْلهُ جمع أبله، وهو الغافل عن الشر، المطبوع على الخير.

         وفسَّره سهل التُستري بأنهم الذين وَلَهت قلوبهم وشُغِلت بالله 0 وقيل الأبله في نياه، الفقيه في دينه.

28-     فتاوى معاصرة، 2/ 77 .

29-     انظر: فتاوى معاصرة 1/ 104-109.

30-     أخرجه مسلم، كتب الإيمان، باب: بيان أن الإسلام بدأ غريباً، رقم (389).

31-     رواه البخاري، رقم (6416)، والترمذي (2334) عن ابن عمر وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)

32-     رواه أحمد في مسنده، رقم (6645) وذكره الألباني في سلسلته الصحيحة، رقم (4).

33-     المبشرات بنصر الإسلام ص30-31 مطبعة وهبه، 1996م.

34-     الرسول والعلم، ص9 مطبعة وهبة، الطبعة السابعة .

35-     رواه البخاري، رقم (7068).

36-     المبشرات بنصر الإسلام ص124، وفتاوى معاصرة ص78

37-     أخرجه مسلم، كتب الإيمان، باب: بيان أن الإسلام بدأ غريباً، رقم (389).

38-     الحديث رواه الترمذي، رقم (2630) وقال حسن صحيح  عن عَمْرِو بْنِ عَوْفِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي).

39-     المبشرات بانتصار الإسلام ص109-110، وفتاوى معاصرة 2/55 .

40-     أخرجه أحمد في المسند 15985 الجزء 25/ ص315 رقم (15985) وقال شعيب إسناده قوي.

41-     انظر: فقه الجهاد، القرضاوي 1/ 515- 520، وفتاوى معاصرة 3/88، الطبعة الأولى، دار القلم.

42-      أخرجه أحمد في المسند، رقم (12064) عن أنس وقال شعيب الأرنؤوط إسناده صحيح) .

43-      أخرجه البغوي في شرح السنة عن أنس 12/ 155، والقسط البحري نوع من البخور.

44-      أخرجه البخاري، 7/ 124رقم (5692)، طبعة محمد زهير بن ناصر

45-     رواه الترمذي عن ابن عباس وقال: حسن غريب 3/361رقم (1747)، تحقيق بشار معروف .

46-     متفق عليه، كما في اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، رقم 1430.

47-     كيف نتعامل مع السنة ص159-161، والمدخل لدراسة السنة النبوية ص1650

48-     رواه الشيخان عن ابن عباس، كما في اللؤلؤ والمرجان، رقم 1320

49-     أخرجه مسلم 6/ 114رقم (5418) طبعة دار الجيل.

50-     أخرجه مسلم 6/ 114رقم (5420) طبعة دار الجيل.

51-        كيف نتعامل مع السنة ص162.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق