سيد قطب وخلق القرآن !
وهذه
تهمة أخرى ، أو بالأحرى رمحٌ آخر يصوّب نحو الشهيد سيّد قطب رحمه الله لإسقاط
مقامه وتشويه سمعته عند المسلمين !
حيث
يقول المُتّهِمون له بأنه رحمه الله يقول بخلق القرآن .
وقضية
خلق القرآن قد قالت به فرقة من فِرَق المبتدعة في غابر القرون قبل قرابة ألف سنة !
ولم
يبقَ من أصحابها حتى ربّما رفاتهم !
محنة
خلق القرآن
[ خلق القرآن وعرفها البعض بـمحنة خلق القرآن وهو فكر انتشر
في عهد الخليفة العباسي المأمون من قبل فرقة المعتزلة
والتي تعدّ أن القرآن مخلوق وكلام الله مخلوق وهو ما ابتدع
القول به الجهم بن صفوان ،
واقتنع بهذا الرأي الخليفة المأمون وطالب بنشر هذا الفكر
وعزل كلِّ قاضٍ لا يؤمن بهِ .
وهو ما لقي معارضة واستهجان كثير من الائمة مثل الإمام أحمد بن حنبل والذي تحمل من أجل ذلك الكثير
من التعذيب حتى قام الخليفة المتوكل بإنهاء هذه المحنة وأفرج عنه .
وأصل هذهِ المسألة شبهة قديمة أراد أن يثيرها يوحنا الدمشقي
الذي قال إذا كان القرآن غير مخلوق فهو أزلى
وبالمثل فإن النبي عيسى أزلي لأنهُ كلمة الله وإن كان مخلوق
فهو منفصل عن قدسية الله مثل باقى المخلوقات .
والرد أن القرآن علم من علوم الله غير مخلوق أزلي علمه وحادث
نزوله وخلق عيسى وسائر المخلوقات أزلي علم الله بهم وحادث خلقهم ] ([1]) .
فأساس هذه القضية كان مكيدة من القسيس يوحنّا الدمشقي
النصراني الذي لم يسلم بعد الفتح الإسلامي وبقي على ضلاله .
ولم يكتفِ بذلـك بل وجّه بعض الشباب النصارى لمجادلة المسلمين ولسؤالهم : هل كلام الله
أزليّ أم حادث ؟
وذلك لأن الله تعالى
يقول عن عيسى عليه السلام :
( يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي
دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى
مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا
ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ
أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى
بِاللَّهِ وَكِيلًا ) ([2]) .
فأراد يوحنا أن يقول أن ( كَلِمَتُهُ ) تعني أن عيسى عليه السلام هو كلام الله
تعالى !
ولم يفهم أنّ عيسى – عليه السلام – خلقه الله تعالى
بكلامه وأمره كما يقول الله سـبحانه : ( إِنَّ مَثَـلَ عِيسَـى عِنْـدَ اللَّهِ
كَمَثَـلِ آدَمَ خَلَقَــهُ مِـنْ تُرَابٍ ثُـمَّ قَـالَ لَـهُ كُـنْ فَيَكُون
) ([3])
. أو فهم ولكنّه أراد أن يلقي شبهة تشغل المسلمين بها .
فوجّه يوحنا أتباعه أن يسألوا المسلمين عن عيسى – عليه
السلام – كيف ذُكِر في القرآن ؟
فإذا قالوا : إنه ذُكِر في القرآن : هو كلمة الله ،
فاسألوهم : هل كلام الله مخلوق أم غير مخلوق ؟
فإن قالوا : هو غير مخلوق فيعني ذلك أن عيسى أيضاً غير
مخلوق ! ([4])
.
ويبدو
أن الخدعة قد انطلت على المعتزلة فقالوا : كلام الله مخلوق هرباً من أن يُقال بأن
عيسى هو غير مخلوق !
ولكن أهل السنة قالوا : إن عيسى – عليه السلام – ليس هو
كلام الله تعالى تجسّد فصار من ذلك الجسد عيسى عليه السلام ! ! بل خلقه الله تعالى
– كما ذكرنا – بكلامه وأمره ؛ كن فكان !
هذه حقيقة المسألة بصورة سهلة بعيدة عن التعقيد والتقعر
.
فجاء الشيخ ربيع المدخلي بعد أكثر من عشرة قرون يتهم
سيّداً بالقول بخلق القرآن ! !
ولِنَر الآن أدلته على ذلك :
[ قول سيّد بخلق القرآن وأن كلام الله عبارة عن
الإرادة
مسألة إنكار كلام الله والقول بأن القرآن مخلوق من
البدع الكبرى التي كفر بها السلف ،
وهي مشهورة جداً بين فرق المسلمين ، ومن يجهل من طلبة
العلم ما جرى للإمام أحمد وأهل السنة على أيدي الجهمية والمعتزلة في خلافة المأمون
والمعتصم والواثق ؟ وسيّد قطب لا يجهل هذا الحدث الكبير .
يقول في " الظلال " في تفسير قوله تعالى
( وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ ) .
" هنا نصل إلى فكرة الإسلام التجريدية الكاملة عن اللّه
سبحانه ، وعن نوع العلاقة بين الخالق وخلقه ، وعن طريقة صدور الخلق عن الخالق ،
وهي أرفع وأوضح تصور عن هذه الحقائق جميعا .. لقد صدر الكون
عن خالقه ، عن طريق توجه الإرادة المطلقة القادرة : ( كُنْ ) ، ..
فتوجه الإرادة إلى خلق كائن ما
كفيل وحده بوجود هذا الكائن ، على الصورة المقدرة له ، بدون وسيط من قوة أو مادة
..
أما كيف تتصل هذه الإرادة التي لا نعرف كنهها ، بذلك الكائن
المراد صدوره عنها ، فذلك هو السر الذي لم يكشف للإدراك البشري عنه ، لأن الطاقة البشرية
غير مهيأة لإدراكه " ] .
ملاحظة
قبل إكمال نقل كلام الشيخ ، هناك ملاحظة نود أن نطرحها وهي :
قول
الشيخ : [ مسألة
إنكار كلام الله والقول بأن القرآن مخلوق من البدع الكبرى التي كفر بها السلف ] .
فقد
قال الحافظ ابن تيمية رحمه الله :
[ ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد دَعَا
لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ . مِمَّنْ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ
وحللهم مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِنْ الظُّلْمِ وَالدُّعَاءِ إلَى الْقَوْلِ الَّذِي
هُوَ كُفْرٌ
وَلَوْ
كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ ؛
فَإِنَّ
الِاسْتِغْفَارَ لِلْكَفَّارِ لَا يَجُوزُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
وَالْإِجْمَاعِ
وَهَذِهِ
الْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ
صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يُكَفِّرُوا الْمُعَيَّنِينَ مِنْ
الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ : الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ
اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ
وَقَدْ
نُقِلَ عَنْ أَحْمَد مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَفَّرَ بِهِ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ
فَأَمَّا أَنْ يُذْكَرَ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فَفِيهِ نَظَرٌ
أَوْ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى التَّفْصِيلِ .
فَيُقَالُ:
مَنْ كَفَّرَهُ بِعَيْنِهِ ؛ فَلِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَتْ فِيهِ
شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ
وَمَنْ
لَمْ يُكَفِّرْهُ بِعَيْنِهِ ؛ فَلِانْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ هَذِهِ مَعَ
إطْلَاقِ قَوْلِهِ بِالتَّكْفِيرِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُوم ] ([5]) .
فالشيخ
ربيع المدخلي لم يقبل من سيّد قطب أن يصف المجتمعات والأنظمة التي تستمدّ أفكارها
وتصوراتهـا وقِيَمها وأخلاقها من غير شريعة الله تعالى ومن غير الكتاب والسنة ، لم
يرضى أن يصفهم بالجاهلية ، واعتبر ذلك بأنه تكفير للمسلمين ، وهذا لا يجوز !
بينما
هو يقرر – هنا – أنّ مَن قال : إنّ القرآن مخلوق فهو كافر ، وهذا حكم السلف !
وكأنه يريد أن يقول : إنّ سيّد قطب كافر أو قوله كفر باتفاق السلف ! وهذا مما أوحى
به كلامه ذاك وليس من صريح عبارته ! وكأنه أيضاً كفّر المسلمين القائلين بخلق
القرآن !
في
حين أنّ صاحب القضية والذي عُذِّبَ بسبب هذه المسألة ( الإمام أحمد ) ، وعذّبوه
حتى يقول بأنّ القرآن مخلوق ، وهم جميعهم كانوا يؤمنون بذلك .
ومع
هذا [ إنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد دَعَا
لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ . مِمَّنْ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ
وحللهم مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِنْ الظُّلْمِ وَالدُّعَاءِ إلَى الْقَوْلِ الَّذِي
هُوَ كُفْرٌ
وَلَوْ
كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ ؛
فَإِنَّ
الِاسْتِغْفَارَ لِلْكَفَّارِ لَا يَجُوزُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
وَالْإِجْمَاعِ ] كما قال الحافظ ابن
تيمية رحمه الله .
ونحن لا
نقول أن القرآن مخلوق ، ولكن أردنا توضيح المسألة فقط .
ثم لا
ندري هل هناك أروع وأرقى وأصدق من كلام الشهيد سيّد قطب رحمه الله :
[ فتوجه الإرادة إلى خلق كائن ما كفيل وحده بوجود هذا الكائن
، على الصورة المقدرة له ، بدون وسيط من قوة أو مادة .. ] ؟ !
ما الذي ساء الشيخ ربيع المدخلي من هذا الكلام ؟ !
هل الشيخ المدخلي لا يؤمن بما قاله الشهيد ؟ !
وهـل إذا أراد الله تعالـى شـيئاً لا يكـون ذلـك الشـيء
بـدون وسـيط مـن قوة أو مادة ؟ ! !
إذا كان إيمان الشيخ المدخلي كذلك فليراجع إيمانه !
ثم قال الشيخ :
[ ويقول في كتابه " السلام العالمي والإسلام "
:
" عن إرادة هذا الإله الواحد يصدر الكون بطريق واحد
، ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون ) ؛ فلا واسطة بين الإرادة الموجدة والكون
المخلوق ، ولا تعدد في الطريقة التي يصدر بها هذا الكون كله عن الخالق الواحد ،
إنها مجرد الإرادة التـي يعبر عنهــا القرآن بكلمـة ( كن ) ، وتوجـه الإرادة
كـافٍ وحـده لصدور الكون عنهـا " ] :
وهنا نقل الشيخ عن الشهيد سيّد رحمه الله أنه قال :
[ فلا واسطة بين الإرادة الموجدة والكون
المخلوق ] .
بينما الشهيد يقول : [
فلا وساطة بين الإرادة الموحدة والكون المخلوق ] ([6]) :
ولا نرى أروع
مـن كلام الشهيد سيّد قطب رحمـه الله الذي انتقده الشيخ ؟
وهل يرى الشيخ أنّ الله إذا توجه إرادته لشيء وأراد أن
يخلق شيئاً أو أمراً ما ، فلا يتحقـق ذلـك إلّا بعـد أن يقـول : كُـنْ ؟ فبـدون (
كُنْ ) لا يحدث شيء ولو أراد ذلك سبحانه ؟ ! لأنّ خلاف كلام الشهيد رحمه الله
يؤدّي إلى ذلك ! !
فقد قال الشهيد – كما نقله الشيخ عنه وانتقده - :
[ وتوجـه الإرادة كـافٍ وحـده لصدور الكون عنهـا
]
فهل عند الشيخ المدخلي لا يكفي توجه الإرادة وحده لصدور
الكون عنها ؟
فإذا كان هكذا إيمانه فليلحق نفسه - بكل جدية - قبل فوات
الأوان !
وإذا كان كلام الشهيد صحيحاً لا غبار عليه ، فما هو وجه
الإنتقاد ؟
ثم قال :
[ ويقول في الظلال :
" فقوله تعالى إرادة ، وتوجه الإرادة ينشيء الخلق
المراد " ] .
ولقد
بحثتُ في الظلال فلم أجد هذا الكلام المنسوب إلى الشهيد !
علماً
أن الشيخ كتب في الهامش – مشيراً إلى مصدر كلام الشهيد هذا – : ( 14 / 22 ) .
والطبعات
المعروفة للظلال إما ( 6 ) مجلدات ؛ وهي ما نقل عنها وإما ( 8 ) مجلدات .
فماذا
يعني بـ ( 14 / 22 ) ؟
وعلى
صحة هذا التنسيب جدلاً ، هل في عقيدة الشيخ : أن الله تعالى إذا توجه إرادته لأمرٍ
ما لا يتحقق هذا الأمر إلّا إذا قال له تعالى : كلمة ( كُنْ ) ؟ !
ثم
قال :
[ ويقول عن القرآن في كتابه " الظلال " :
" والشأن في
هذا الإعجاز هو الشأن في خلق اللّه جميعا .
وهو مثل صنع اللّه في كل شيء وصنع الناس . . إن هذه التربة
الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات .
فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو
آجرة . أو آنية أو أسطوانة ، أو هيكل أو جهاز . كائنا في دقته ما يكون . .
ولكن اللّه المبدع يجعل من تلك الذرات حياة . حياة نابضة
خافقة . تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز . . سر الحياة . .
ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر ، ولا يعرف سره بشر "
] .
هنا قطع النقل ، ولم يكمل كلام الشهيد ، وأنا سأكمله .
قال الشهيد سيّد قطب رحمه الله ، بعد ذلك الكلام الذي
وقف عليه الشيخ :
[ وهكذا القرآن
. . حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا ، ويجعل منها اللّه قرآنا وفرقانا ،
والفرق بين صنع البشر وصنع اللّه من هذه الحروف والكلمات
، هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض .. هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة
الحياة ! ] ([7])
.
ثم قال الشيخ :
[ ويقول بعد أن تكلم عن الحروف المقطعة :
" ولكنهم لا يملكون أن يؤلفوا منها مثل هذا الكتاب
؛ لأنه من صنع الله ، لا من صنع الإنسان " ] .
في هذا
النقل بتر الشيخ الكلام بعضه عن بعضه ليعطي معنى ما يريد إثباته !
ونحن
ننقل الكلام كلّه – كما قاله الشهيد سيّد قطب رحمه الله – حتى يظهر جمال ودقّة
وصحة ما قاله ، بدون بتر وقطع بعضه عن بعض :
قال
الشهيد رحمه الله :
[ « ألف . لام
. ميم » . .
الحروف المقطعة التي اخترنا في تفسيرها أنها للتنبيه إلى
أنها مادة الكتاب الذي أنزله اللّه على رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - مؤلفا من مثل
هذه الحروف ، المألوفة للقوم ، الميسرة لهم ليؤلفوا منها ما يشاؤون من القول
ولكنهم لا يملكون أن يؤلفوا منها مثل هذا الكتاب . لأنه من
صنع اللّه لا من صنع إنسان ] ([8]) .
ثم
قال الشيخ :
[ ويقول في تقرير أن القرآن مصنوع ( أي : مخلوق ) :
" وكما أن الروح من الأسرار التي اختص اللّه بها فالقرآن
من صنع اللّه الذي لا يملك الخلق محاكاته ، ولا يملك الإنس والجن - وهما يمثلان الخلق
الظاهر والخفي - أن يأتوا بمثله ، ولو تظاهروا وتعاونوا في هذه المحاولة :
«قُلْ : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ
يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ ظَهِيراً» ..
فهذا القرآن ليس ألفاظا وعبارات يحاول الإنس والجن أن يحاكوها
.
إنما هو كسائر ما يبدعه اللّه يعجزالمخلوقون أن يصفوه . هو
كالروح من أمر اللّه لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل ، وإن أدركوا بعض أوصافه وخصائصه
وآثاره " ] .
وهنـا
نقـل الشيخ عن الشهيد سيّد قطب رحمه الله أنه قال : [ يعجزالمخلوقون
أن يصفوه ] .
بينما
يقول الشهيد : [ يعجزالمخلوقون أن يصنعوه ] ([9]) .
فجعل
( يصنعوه ) ، إلى ( يصفوه ) .
فهل
هناك فرق بين الكلمتين أم لا ؟ !
ثم
قال :
[ ويقول في تفسير سورة ( ص ) :
" هذا الحرف ... «صاد» ... يقسم به اللّه سبحانه كما
يقسم بالقرآن ذي الذكر. وهذا الحرف من صنعة اللّه تعالى .
فهو موجده صوتا في حناجر البشر وموجده حرفا من حروف الهجاء
التي يتألف من جنسها التعبير القرآني .
وهي في متناول البشر ولكن القرآن ليس في متناولهم لأنه من
عند اللّه .
وهو متضمن صنعة اللّه التي لا يملك البشر الإتيان بمثلها
لا في القرآن ولا في غير القرآن .
وهذا الصوت ... «صاد» ... الذي تخرجه حنجرة الإنسان ، إنما يخرج
هكذا من هذه الحنجرة بقدرة الخالق المبدع ، الذي صنع الحنجرة وما تخرجه من أصوات .
وما يملك البشر أن يصنعوا مثل هذه الحنجرة الحية التي تخرج
هذه الأصوات ! وإنها لمعجزة خارقة لو كان الناس يتدبرون الخوارق المعجزة في كل جزئية
من جزئيات كيانهم القريب "
فصرح بأن هذا الحرف من صنعة الله ، فالله موجده صوتاً
موجده حرفاً ، مع أن التحدي ليس بخلق الحروف ولا بصناعتها ، وصرح بأن القرآن صنعة
الله المعجزة ، وشبهه بالمخلوقـات كلهـا ، إذ هـي تشـارك القرآن فـي كونه وإيـاها
جميعـاً خوارق معجزة ! ! ] .
قال الشيخ : [
مع أن التحدي ليس بخلق الحروف ولا بصناعتها ] .
يتحدّى الله تعالى أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، وهو مؤلف
من نفس الحروف والكلمات التي ينطقونها !
فإذا كان التحدّي ليس بخلق الحروف ولا بصناعتها فبماذا
كان إذن ؟ !
ثم لا
ينتهي العجب من قوله : [ وصرح
بأن القرآن صنعة الله المعجزة ، وشبهه بالمخلوقـات كلهـا ، إذ هـي تشـارك القرآن فـي
كونه وإيـاها جميعـاً خوارق معجزة ] ! !
أليست
مخلوقات الله تعالى من المعجزات الخوارق ؟ !
هل
يستطيع أحد غير الله تعالى أن يخلق حنجرة تخرج الأصوات ! !
ثم قال :
[ ويؤكد ما سبق إنكاره أن الله يتكلم ،
حيث قال في تفسير قول الله تعالى :
( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
) .
" نودي بهذا البناء للمجهول . فما يمكن تحديد مصدر النداء
، ولا اتجاهه ، ولا تعيين صورته ، ولا كيفيته ، ولا كيف سمعه موسى أو تلقاه ؛ نودي
بطريقة ما ، فتلقى بطريقة ما ، فذلك من أمر اللّه ، نؤمن بوقوعه
، ولا نسأل عن كيفيته ؛ لأن كيفيته وراء مدارك البشر "
هكذا يقول : " بالبناء للمجهول ، فما يمكن تحديد
مصدر النداء " ! !
وهذا قول من لا يؤمن ولا يتصور أن الله كلم موسى تكليماً
، لأنه لا يؤمن بأن هذا النداء من الله ]
.
نقل
هنا عن الشهيد سيّد قطب رحمه الله أنه قال : [
فذلك من أمر اللّه ، نؤمن بوقوعه ] .
علماً
أن الشهيد يقول : [ فذلك
من أمر اللّه الذي نؤمن بوقوعه ] ([10])
.
فحذف
الشيخ كلمة ( الذي ) ، ربما سهواً وهو كان – عند نقله لعبارة سيّد – غير منتبهاً ،
لأن المعنى يتغيّر بدون كلمة : ( الذي ) حيث تجعل الإيمان بذلك من المفروغ منه ،
ولكن بدون كلمة ( الذي ) فلربما وضعت المسألة من الإحتمالات وتجعل الجملة : ( قد نؤمن بوقوعه ) !
ولم
ينقل الشيخ الكلام بتمامه ، الذي يُظهر جمال وقوة كلام الشهيد رحمه الله بل نقل
فقط ما يريد به إثبات خطأ الشهيد سيّد رحمه الله !
ونحن
سننقل الكلام كلّه ، حتى لا يكون المقام كـ ( فويلٌ للمصلّين ) ! :
[ فَلَمَّا أَتاها
نُودِيَ : يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ . إِنَّكَ بِالْوادِ
الْمُقَدَّسِ طُوىً . وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى . إِنَّنِي أَنَا
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ، فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . إِنَّ
السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى . فَلا يَصُدَّنَّكَ
عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى » . .
إن القلب ليجف ، وإن الكيان ليرتجف . وهو يتصور - مجرد تصور
- ذلك المشهد . .
موسى فريد في تلك الفلاة . والليل دامس ، والظلام شامل ،
والصمت مخيم . وهو ذاهب يلتمس النار التي آنسها من جانب الطور .
ثم إذا الوجود كله من حوله يتجاوب بذلك النداء : « إِنِّي
أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ . إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا
اخْتَرْتُكَ . . . » .
إن تلك الذرة الصغيرة الضعيفة المحدودة تواجه الجلال الذي
لا تدركه الأبصار ، الجلال الذي تتضاءل في ظله الأرض والسماوات . ويتلقى . يتلقى ذلك
النداء العلوي بالكيان البشري . . فكيف ؟ كيف لولا لطف الله ؟
إنها لحظة ترتفع فيها البشرية كلها وتكبر ممثلة في موسى
– عليه السلام – فبحسب الكيان البشري أن يطيق التلقي من ذلك الفيض لحظة .
وبحسب البشرية أن يكون فيهـا الاسـتعداد لمثل هذا الاتصال
على نحو من الأنحاء . .
كيف ؟ لا ندري كيف ؟ فالعقل البشري ليس هنا ليدرك ويحكم ،
إنما قصاراه أن يقف مبهوتاً يشهد ويؤمن !
(( فلما أتاها نودي يا موسى : إني أنا
ربك . . )) نودي بهذا البناء للمجهول . فما
يمكن تحديد مصدر النداء ولا اتجاهه . ولا تعيين صورته
ولا كيفيته .
ولا كيف سمعه موسى أو تلقاه . . نودي بطريقة ما فتلقى بطريقة
ما . فذلك من أمر اللّه الذي نؤمن بوقوعه ، ولا نسأل عن كيفيته ، لأن كيفيته وراء مدارك
البشر وتصورات الإنسان ] ([11])
.
الشهيد
يقول : فما يمكن ( تحديد ) مصدر النداء ولا اتجاهه .
والشيخ
يقول : لا يؤمن بأن هذا النداء من الله !
وقال أيضاً :
[ ويقول إنكاراً
لتكليم الله موسى عليه السلام ، وإنكاراً لسماع موسى لكلام الله حقيقة :
" ولا ندري نحن كيف . . . ولا ندري كيف
كان كلام الله سبحانه لعبده موسى . . . ولا ندري بأي حاسة أو جارحة أو أداة
تلقى موسى كلمات الله . . . فتصوير هذا على وجه الحقيقة متعذر علينا
نحن البشر " .
وهذا تشكك وتشكيك بالغ النهاية ، وفيه تأييد
لمذاهب أهل الضلال من الجهمية والمعتزلة والخوارج ، وخذلان لمذهب أهل الحق ، أهل
السنة والجماعة .
ثم ما فائدة تمويهه بقوله : " فذلك من أمر الله
نؤمن بوقوعه " ، وهو لا يؤمن بأن مصدره هو الله ، ولا يؤمن بسماع موسى لكلام
الله . . .
وهكذا أوقع نفسه ومن يتأثر بكلامه في هوة البدعة
والجحود لكلام الله تعالى .
وعلى كل حال ؛ فالرجل مغرق في إنكار أن الله يتكلم
، مغرق في القول بخلق القرآن .
وهل قالت الجهمية والمعتزلة أكثر من هذا ؟ ! ] ([12]) .
هل هناك أرقى من هذا المستوى الرفيع ، والإيمان المتين ،
الذي كتبه الشهيد سيّد قطب رحمه الله والذي لم يُعجب الشيخ ؟ !
ثم إن نقد ذلك الكلام الرائع يعني : أن الجهة التي كلّم
الله تعالى منه محدّداً ، ويُعرف كيفيته !
صفات
الله
1 - من المعلوم عند العلماء والأئمة أنّ هناك صفات لله
تعالى تسمى : ( صفات الذات ) ، وهي التي لا تنفك عن ذات الله تعالى ، أي : لا يكون
الله تعالى بدون هذه الصفات ولا يتصور ذلك !
وتسمى أيضاً ( صفات المعاني ) .
ومعنى كونها صفات معانٍ : أن كل صفة منها معنى قائم بذات الله تعالى .
وذلك مثل :
القدرة ، والإدارة ، والسمع ، والبصر ، والعلم ، والكلام ، والحياة .
فهذه
الصفات السبعة هي الصفات الذاتية لله تعالى ؛ فلا يكون الله سبحانه بدون قدرة ،
ولا يكون بلا إرادة ، ولا بدون سمع ، ولا بدون بصر ، ولا بدون علم ، ولا يكون
بُكمٌ سبحانه ، ولا يكون بلا حياة .
فلا
يكون الله تعالى بدون هذه الصفات ولا طرفة عين بل أقل من ذلك إطلاقاً !
وهي
صفات واجبة لله تعالى .
وهناك
صفات لله سبحانه تسمى : ( صفات الفعل ) .
وهي
ليست من الصفات الواجبة لله تعالى بل هي صفات ما يجوز في حقه تعالى
حيث
يجوز في حقه تعالى فعل كل ممكن أو تركه كالخلق ، والرحمة ، والعذاب والإماتة ، والإحياء . . .
فلا يجب عليه شيء فهو الفاعل ،
المُخْتَار ، المتصرف في ملكه كيف يشاء ، لا يشاركه في التصرف ، ولا يحول دون
تصرفه أحد .
وأفعاله جَميعاً جارية وفقَ الحكمة ،
والعَدل ، والصواب ، سواء علمت تلك الحكمة ، أو جهلت ( ([13])
) .
فليس هناك أي إشكال في أن يُتصور أن الله سبحانه موجودٌ بدون خلق ، أو بدون أن يرحم
؛ يعني أن الله تعالى موجود حتى لو لم يرحم أحداً ، أو يخلق أحداً ، أو يغضب أو يعذب ، أو يُميت ، أو يُحيي ، أو . . .
فهذه الصفات ليست مثل صفات الذات ؛ التي
لا تنفك عن ذات الله تعالى ، أو صفات
المعاني القائم بذات الله تعالى .
2 – يقول الله تعالى :
( مَا يَأْتِيهِمْ مِـنْ ذِكْرٍ مِـنْ رَبِّهِـمْ
مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُـوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون ) ([14])
.
[ { مَا
يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ } قرآن { مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ } جديد في سماعه ،
وفي نطقه ، وفي كتابته ، وفي حفظه .
أما
القرآن - بصفته كلام الرحمن - فهو صفة قائمة بذات منزله وقائله تعالى ، قال
البوصيري رحمه الله تعالى في بردته :
آيات
حق من الرحمن محدثة
قديمة
صفة الموصوف بالقدم ] ([15])
.
[ وقوله تعالى :
مُحْدَثٍ
يراد به الصوت المسموع فهو حادث بلا شك ،
وأما
أصل القرآن الذي هو كلام الله فهو قديم بقدم الله تعالى ] ([16])
.
فالشهيد سيّد قطب رحمه الله تعالى يتحدّث – هنا –
عن روعة صفات الفعل لله تعالى ، وليس عن صفات الذات لله سبحانه !
فالشهيد – في روعة كلامه –
يتحدّث عن المعجزات ، وقدرة الله تعالى ، والتي لا يستطيع أحد من العالمين أن
يحاكيها .
فالناس – مثلاً – يصنعون من
الطين : لبنة أو آجرة . أو آنية أو أسطوانة ، أو هيكل أو جهاز . كائناً في دقته ما
يكون .
ولكنّ الله تعالى يصنع من
الطين ذاته ، حياة نابضة خافقة !
[ وهو مثل صنع اللّه في كل شيء وصنع الناس . . إن هذه التربة
الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات .
فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو
آجرة . أو آنية أو أسطوانة ، أو هيكل أو جهاز . كائنا في دقته ما يكون . .
ولكن اللّه المبدع يجعل من تلك الذرات حياة . حياة نابضة
خافقة . تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز . . سر الحياة . .
ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر ، ولا يعرف سره بشر ] ([17])
.
وكذلك نحن
نتحدّث فيما بيننا ونتفاهم عن طريق حروف وكلمات ، هي نفس الحروف التي صنع الله
تعالى منها معجزة ؛ لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثلها ، ولو كان بعضهم لبعضٍ
ظهيرا ، وهي القرآن ! !
[ وهكذا القرآن . . حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا
، ويجعل منها اللّه قرآنا وفرقانا ،
والفرق بين صنع البشر وصنع اللّه من هذه الحروف والكلمات
، هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض . . هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة
الحياة ! ] ([18]
فهل للشيخ المدخلي اعتقاد آخر ، يغاير ما قاله الشهيد
سيّد قطب رحمه الله ونحن لا ندري ؟ !
ملخص
الكلام
1 – الشهيد سيّد قطب أرفع من أن يشغل نفسه بمشاكل حدثت
قبل قرابة ألف سنة وأكل عليها الدّهر وشرب
، وذهبت مع أدراج الرياح !
فهو رحمه الله أذكى وأعقل وأعلى من ذلك الظنّ السيء ،
الذي يجعله يترك المشاكل التي غرق الناس فيها في عصره ، ويذهب يحارب الخيال في غابر
القرون ! !
2 – إنّه يتحدّث عن قدرة الله تعالى وعظمته في معجزة
القرآن والذي هو مؤلّف من نفس الحروف التي نستخدمها – نحن – ونتكلم بها ، فهي في
متناول أيدينا ، ومع هذا لا يسـتطيع الإنـس والجـنّ أن يـأتـوا بمثله إلى يوم
القيامة ، ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرا ! !
وكذلك يتحدّث عن قدرة الله تعالى في خلق المخلوقات ،
وأنه ليس هناك شيء ولا أمر يعصي أو يعرقل أو يوقف أو يعاكس إرادته !
فهو يدور في فلك صفات الأفعال .
والشيخ يخلط ذلك مع صفات الذات ! !
[ « ألف . لام
. ميم » . .
الحروف المقطعة التي اخترنا في تفسيرها أنها للتنبيه إلى
أنها مادة الكتاب الذي أنزله اللّه على رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - مؤلفا من مثل
هذه الحروف ، المألوفة للقوم ، الميسرة لهم ليؤلفوا منها ما يشاؤون من القول
ولكنهم لا يملكون أن يؤلفوا منها مثل هذا الكتاب . لأنه من
صنع اللّه لا من صنع إنسان ] ([19])
.
[ وتوجـه الإرادة كـافٍ وحـده لصدور الكون عنهـا ]
القرآن
ظاهرة كونية
وكذلك شغبوا على الشهيد سيّد قطب رحمه الله تعالى في
تفسيره للآية الكريمة من سورة طه : ( تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ
وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى ) ([20])
.
حيث قالوا : إنه يقول بأن القرآن مخلوق مثل السموات
والأرض .
فكما أن السموات والأرض مخلوقة ، فكذلك القرآن مخلوق !
قال الشهيد سيّد قطب رحمه الله :
[ { تنزيلاً ممن
خلق الأرض والسماوات العلى . الرحمن على العرش استوى . له ما في السماوات وما في الأرض
وما بينهما وما تحت الثرى } . .
فالذي نزل هذا القرآن هو الذي
خلق الأرض والسماوات . . السماوات العلى . . فالقرآن ظاهرة كونية كالأرض
والسماوات . تنزلت من الملأ الأعلى .
ويربط السياق بين النواميس التي تحكم الكون والتي ينزل
بها القرآن ؛
كما ينسق ظل السماوات العلى مع الأرض ، وظل القرآن الذي ينزل
من الملأ الأعلى إلى الأرض . . ] ([21]) .
كلام واضح ، وقمة في الروعة !
فالشهيد يقول : كما أن السموات والأرض ظاهرة للعيان ، هل
يستطيع أحد أن ينكر ذلك ، والمشركون يعترفون بقدرة الله تعالى في خلقها كما يقول
تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه ) ([22]) .
فلمـاذا – أيهـا المشـركون – تؤمنون بقـدرة الله تعالـى
في خلق الأرض والسموات ولا تؤمنون بقدرة الله تعالى في إنزاله القرآن ؟ والقرآن
كالأرض والسموات في الظهور ؟ !
فهـل إذا شبّه الشهيد سيّد قطب القرآن الكريم – فـي
الظهور – بالأرض والسموات يعني ذلك أن القرآن الكريم يشبه الأرض والسموات في كلّ
شيء ؟ فالأرض والسموات مخلوقة فيعني ذلك أن القرآن أيضاً مخلوق ؟ !
أيّ منطق هذا ؟ !
يعني إذا قلنا : زيدٌ كالأسد . يعني ذلك : أن زيداً
حيوان مفترس ، يمشي على أربع ، ويأكل اللحم نيّئاً ، و . . . ؟ !
أم نقصد أنه يشبهه في صفة واحدة وهي : الشجاعة ؟ !
ولماذا ربط الله تعالى خلق الأرض والسموات بنزول القرآن
أصلاً فقال : ( تنزيلاً
) (ممّن خلق . . . ) ؟
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره :
[ أَيْ : هذا
القرآن الذي جاءك يا محمد هُوَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّكَ رَبِّ كُلِّ
شَيْءٍ وَمَلِيكِهِ، الْقَادِرِ عَلَى مَا يَشَاءُ ،
الَّذِي
خَلَقَ الأرض بانخفاضها وكثافتها ، وخلق السموات العلى فِي ارْتِفَاعِهَا
وَلَطَافَتِهَا ] ([23]) .
وقال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله :
[ يقول تعالى
ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : هذا القرآن تنزيل من الربّ الذي خلق
الأرض والسموات العلى ] ([24]) .
نفس المعنى ، ولكن أسلوب الشهيد أعلى وأرقى ، وبيّن وجه
الربط والعلاقة بين ( تنزيلاً ) و ( خلق ) مفصلاً .
[ ويربط السياق بين النواميس
التي تحكم الكون والتي ينزل بها القرآن ؛
كما ينسق ظل السماوات العلى مع الأرض ، وظل القرآن الذي ينزل
من الملأ الأعلى إلى الأرض . . ] ([25]) ! !
ولذلك أحزننا ما قاله الشيخ الألباني رحمه الله ، أو
بالأحرى ما استنطقوه ! ! :
[ السؤال الأول - وكلا السؤالين واردة من كتاب ( في ظلال
القرآن) - ذكر صاحب كتاب ( في ظلال القرآن ) ، في أول سورة ( طه ) ، بأن القرآن ظاهرة
كونية كظاهرة السماوات والأرض . . فما رأيكم في هذا الكلام ، مع
أنه صادر بكاف التشبيه يا شيخ ؟ ؟
فأجاب الشيخ : محمد
ناصر الدين الألباني - رحمه الله - : نحن - يا أخي - قلنا أكثر من مرّة أن سيد
قطب - رحمه الله - ليس عالماً ، وإنما هو رجل أديب ، كاتب ، وهو لا يُحسن التعبير عن
العقائد الشرعية الإسلامية ، وبخاصة منها العقائد السلفية ، ولذلك فلا ينبغي أن ندندن
حول كلماته كثيراً ، لأنه لم يكن عالماً ، بالمعنى الذي نحن نريده ؛ عالماً بالكتاب
والسنة ، وعلى منهج السلف الصالح .
فهو في كثير من تعابيره ، يعني تعابير إنشائية ، بلاغية ،
وليست تعابير علمية ، وبخاصة تعابير سلفية ، ليست من هذا الباب .
فنحن لا نتردد باستنكار مثل هذا التعبير ، وهذا التشبيه
[26] ، أقل ما يُقال فيه
: أنه لا يعني أنه كلام الله حقيقة - كما هو عقيدة أهل السنة والجماعة
، أو أنه كلام الله مجازاً - كما هو عقيدة المعتزلة - .
كلام خطابي شعري . . لكن أنا لا أرى أن نقف كثيراً عند مثل
هذا الكلام ، إلا أن نُبيِّن أنه كلام غير سائغ شرعاً ، وغير معبِّر
عن عقيدة الكاتب للقرآن الكريم ، هل هو كلام الله حقيقة أم لا
؟ هذا الذي أعتقده ] [27] .
الفصل
السادس
الألوهية
والربوبية
([4]) أنظر : العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم ومناهج
المتكلمين - الدكتور محمد عياش الكبيسي .
ص 17 – 18 .
[26] ذنب الشهيد سيّد قطب رحمه الله وجريمته هي أنه
فسّر تعبير القرآن وتشبيهه وبيّن ما أراده القرآن فقط ، ولكن ماذا نفعل مع صاحب
الضبّ ؟ ! وهذا النقد هو - في الحقيقة - موجّه إلى القرآن الكريم ! فلا يرتقي إلى
مستوى فهم القرآن كل الناس ! كيف وقد أخطأ في فهم قوله تعالى : ( الخيط الأبيض من
الخيط الأسود ) عدي بن حاتم العربي الأصيل ؟ !
[27] كلمة حق وإنصاف في سيد قطب – طريق الإسلام ! !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق