السبت، 19 سبتمبر 2026

🎵 الموسيقى والغناء في الفقه الإسلامي.. بين الإباحة والتحريم: أين تبدأ الحدود وأين تنتهي؟



🎵 الموسيقى والغناء في الفقه الإسلامي..

بين الإباحة والتحريم: أين تبدأ الحدود وأين تنتهي؟

كثيرًا ما يُطرح سؤال الغناء والموسيقى بطريقة توحي بأن الجواب لا يمكن أن يكون إلا كلمة واحدة:

حلال… أو حرام!

لكن عند الرجوع إلى كتب الفقه وشروح العلماء، نجد أن المسألة أقدم وأوسع من هذه الثنائية المختصرة؛ فقد وقع فيها خلاف فقهي وحديثي معروف، وتباينت أنظار العلماء في بعض صور السماع والغناء والمعازف، وفي دلالة الأحاديث الواردة في الباب.

ومن الدراسات الحديثة التي ناقشت الجانب الحديثي لهذه القضية دراسة الدكتور محمد سعيد حوى، التي تناولت مرويات تحريم المعازف بالنقد الحديثي، مشيرة إلى وجود نقاش بين العلماء في تصحيح بعض الروايات وتضعيفها ودلالتها.

وفي المقابل، صحح عدد من المحدثين حديث أبي مالك الأشعري في صحيح البخاري، الذي ورد فيه ذكر «المعازف» ضمن أمور يستحلها أقوام من الأمة.

ولهذا فإن الإنصاف يقتضي ألا نختزل المسألة في شعار سريع، بل ننظر إلى اختلاف العلماء وأدلتهم والضوابط التي ذكروها.


🟢 أولًا: متى يكون السماع في دائرة المباح؟

من أشهر ما يظهر في كلام من توسع في إباحة بعض صور السماع أن الحكم لا ينفصل عن المحتوى والظروف والآثار.

1️⃣ مضمون الكلام

إذا كان الكلام المسموع خاليًا من الفحش والدعوة إلى المعصية، فلا يصح أن يُعامل تلقائيًا معاملة الكلام المحرم لمجرد كونه منظومًا أو ملحنًا.

أما إذا اشتمل على:

🔻 الفحش والبذاءة
🔻 تمجيد الخمر والمخدرات
🔻 الدعوة إلى الزنا والفجور
🔻 السخرية بالدين أو المقدسات
🔻 التحريض على المعصية

فالمشكلة هنا ليست في اللحن وحده، بل في المضمون المحرم نفسه.

وقد ذكر الغزالي ضمن عوارض التحريم أن يكون الكلام مشتملًا على الفحش والخنا أو ما يدعو إلى المحظور.


2️⃣ مناسبات الفرح المشروع

وردت نصوص صحيحة في إظهار الفرح في بعض المناسبات، ومنها استعمال الدف في الأعراس والأعياد، مع اختلاف الفقهاء في كيفية تنزيل هذه النصوص على بقية صور الغناء والمعازف.

وهنا ينبغي التفريق بين النصوص الخاصة بالدف ومناسبات معينة وبين تعميم الحكم على جميع الآلات والصور بلا تفصيل.


3️⃣ الترويح عن النفس

من الأفكار التي ناقشها الغزالي أن النفس قد تحتاج إلى قدر من الترويح حتى تستعيد نشاطها للجد والعمل، لكنه لم يجعل ذلك بابًا مفتوحًا بلا ضوابط، بل تحدث عن أثر السماع في القلب وعن الاعتدال في استعماله.

فالترويح شيء، وتحويل اللهو إلى أسلوب حياة يستولي على الوقت والقلب شيء آخر.


🔴 ثانيًا: متى يتحول السماع إلى محظور؟

حتى من قال بإباحة بعض صور الغناء والسماع لم يقل بإباحة كل صورة بلا قيد.

وهنا تظهر مجموعة من الحدود الواضحة:

1️⃣ إذا كان المحتوى محرّمًا

فالكلام الفاحش والدعوة إلى الرذيلة وتمجيد المحرمات لا يصبح مباحًا لمجرد وضعه في قالب موسيقي.

المضمون المحرم يبقى محرمًا.


2️⃣ إذا اقترن بمحرم آخر

إذا أصبح السماع جزءًا من مجلس خمر أو زنا أو قمار أو فجور أو غير ذلك من المحرمات، فإن التحريم هنا ثابت بسبب المحرمات المصاحبة، ولا يصح جعل الموسيقى وسيلة لتبرير تلك الممارسات.

وهذا التفصيل مهم عند قراءة حديث المعازف؛ فقد حمله بعض العلماء على ذم منظومة متكاملة من الفساد، بينما استدل به آخرون على تحريم المعازف نفسها. ولذلك بقيت دلالة الحديث محل نقاش فقهي.


3️⃣ إذا أدى إلى تضييع الفرائض

وهذه قاعدة لا خلاف في أصلها:

لا يجوز أن يتحول المباح إلى سبب لتضييع الواجب.

فإذا أدى الاستماع إلى:

🔻 ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها
🔻 تضييع حقوق الوالدين أو الأسرة
🔻 التفريط في العمل والواجبات
🔻 الإعراض المستمر عن الذكر والقرآن

فالمشكلة لم تعد مجرد سماع، وإنما أصبحت في الأثر المترتب عليه.


4️⃣ إذا اقترن بالفتنة وإثارة الشهوة

إذا كان الأداء أو المشهد أو طريقة العرض مشتملة على ما يثير الشهوة أو يوقع في الفتنة أو يقود مباشرة إلى محرم، فهذه علة مستقلة للمنع.

وقد ذكر الغزالي ضمن عوارض التحريم ما يتعلق بالمستمع والشهوة وخشية الفتنة.


5️⃣ إذا تحول الترويح إلى إسراف

حتى على القول بإباحة بعض صور السماع، فإن الإفراط فيه قد يخرجه عن مقصوده.

فالترويح وسيلة، وليس غاية.

وما كان في الأصل استراحة قصيرة لاستعادة النشاط، قد يتحول مع كثرة المداومة إلى شيء يستنزف الوقت ويستولي على القلب والفكر.


⚖️ إذن… أين يقع الخلاف الحقيقي؟

المسألة ليست بهذه البساطة:

«الموسيقى حلال مطلقًا»
أو
«الموسيقى حرام مطلقًا».

بل وراء هذين الحكمين تفاصيل كثيرة تتعلق بـ:

📌 نوع السماع
📌 نوع الآلة
📌 مضمون الكلام
📌 حال المستمع
📌 البيئة التي يُستمع فيها
📌 الآثار المترتبة عليه
📌 مدى الانشغال به والإفراط فيه

ولهذا نجد في التراث الفقهي اختلافًا واضحًا في هذه القضية؛ فالغزالي مثلًا أفرد في إحياء علوم الدين بابًا لعرض أقوال العلماء في إباحة السماع وتحريمه، ثم ناقش أدلة كل اتجاه، وذكر عوارض تجعل السماع محرمًا في بعض الأحوال.

وفي المقابل، فإن من العلماء من أخذ بأحاديث المعازف وصححها، ورأى فيها دليلًا على التحريم، ومنهم من ناقش أسانيدها أو دلالتها.


🧭 الخلاصة

الأدق في هذه المسألة أن نقول:

إن الغناء والموسيقى من مسائل الخلاف الفقهي التي لا يصح اختزالها في جملة واحدة دون بيان نوع السماع وصورته ومضمونه وآثاره.

ومن قال بالمنع فله أدلته التي يستند إليها، ومن خالف في بعض الصور فله أيضًا مستنده من كلام عدد من أهل العلم.

لكن هناك أمورًا لا ينبغي أن تكون محل نزاع بسبب الموسيقى أصلًا:

الفحش حرام، والزنا حرام، والخمر حرام، والقمار حرام، وتضييع الفرائض حرام، والوقوع في الفتنة والمعاصي حرام.

أما حكم المعازف من حيث هي آلات، فهو موضع البحث الفقهي والحديثي الذي اختلف فيه العلماء قديمًا وحديثًا.

ومن هنا يكون الإنصاف:

لا إفراط في التحليل، ولا تعجل في التحريم، بل رجوع إلى الدليل، وفهم لكلام العلماء، وتفريق بين الصور والأحوال.

فالفقه ليس دائمًا كلمة واحدة…

بل أحيانًا تكون الدقة في معرفة: أين يبدأ الحكم؟ ومتى يتغير؟ ولماذا؟


📚 مصادر وإشارات

  • إحياء علوم الدين، للإمام أبي حامد الغزالي، كتاب آداب السماع والوجد.

  • دراسة: «ما صحح من مرويات تحريم المعازف في ميزان النقد الحديثي»، د. محمد سعيد حوى، مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الإسلامية، 2018.

  • حديث أبي مالك الأشعري في صحيح البخاري، رقم (5590)، في ذكر المعازف.

#الموسيقى_في_الإسلام
#الغناء_والمعازف
#الفقه_الإسلامي
#الخلاف_الفقهي
#الوعي_الفقهي
#آداب_السماع

⚖️ الموسيقى حلال أم حرام؟.. الإجابة ليست كلمة واحدة، إليك خطوط الفقهاء الحمراء والخضراء!

 ⚖️ الموسيقى حلال أم حرام؟.. الإجابة ليست كلمة واحدة، إليك خطوط الفقهاء الحمراء والخضراء!



في عالم الفتاوى السريعة، يظن الكثيرون أن الإجابة على هذا السؤال يجب أن تكون بكلمة واحدة قاطعة. لكن عند التحقيق العلمي — كالدراسة النقدية الشاملة التي قدمها أستاذ علم الحديث الدكتور محمد سعيد حوّى — نكتشف أن القضية أعمق من ذلك بكثير، وأن أدلة التحريم المطلق هي أدلة "ظنية الثبوت والدلالة" وليست قطعية [160، 161].
بناءً على هذه الظنية، لم يقل الفقهاء المحققون (مثل الإمام الغزالي، وابن حزم، والقاضي ابن العربي) بالحل المطلق ولا بالتحريم المطلق، بل رسموا خارطة طريق دقيقة تتكون من خطوط خضراء تسمح بالترويح، وخطوط حمراء توجب المنع!
إليك تفصيل هذه الخارطة:

🟢 أولاً: الخطوط الخضراء (مساحات الإباحة والترويح المسموح بها)
وهي الضوابط التي إذا توافرت، بقي الأمر في دائرة "البراءة الأصلية" والترويح المباح عن النفس:
  • الأصل في الأصوات الحِل: يرى المحققون أن الصوت الحَسَن في أصله نغمة فطرية تميل إليها النفس وتستحسنها، تماماً كصوت الطيور وتسابيح الجبال مع داود عليه السلام.
  • سلامة المضمون (الكلام الطيب): الخط يكون أخضر تماماً إذا كانت الكلمات تدعو إلى الفضيلة، أو مكارم الأخلاق، أو وصف جمال الطبيعة، أو شحذ الهمم في البناء والعمل والدفاع عن الأوطان.
  • مناسبات الفرح المشروع: تتسع المساحة الخضراء في الأعياد، والأعراس، وحفلات العقيقة، وقد وردت نصوص صحيحة تبيح ضرب الدُف وإظهار السرور في هذه الأوقات ترويحاً عن النفوس [160، 161].
  • شحذ الطاقة والجد: أن يُستدعى السماع لفترة وجيزة بنية الاستجمام وتصفية الذهن، ليعود المرء بعد هذا الترويح إلى ميادين الجد والعمل بعزيمة ونشاط أكبر.

🔴 ثانياً: الخطوط الحمراء (الحدود التي إذا هُتِكت تحوّل السماع إلى حرام)
إذا تجاوز السماع أي خط من هذه الخطوط، فإنه يتحول مباشرة إلى دائرة الحظر والمنع بإجماع العلماء:
  • 1. خط الكلمات الساقطة (ماذا يُقال؟): يُحرم السماع فوراً إذا تضمن النص فُحشاً، أو كلاماً هابطاً، أو وصفاً للخمر والزنا، أو دعوة صريحة أو مبطنة لارتكاب الرذيلة.
  • 2. خط بيئة المجالس (جغرافيا المكان): إذا اقترن العزف بمجالس المسكرات، أو القمار، أو الاختلاط الماجن، فإنه يحرم بالإجماع. وكما بيّن الدكتور حوّى في بحثه، فإن عقوبات الوعيد الشديدة (كالخسف والمسخ) جاءت لمنظومة متكاملة اجتمع فيها: (استحلال الزنا، وشرب الخمر، واتخاذ القينات والمعازف معاً) وليس لآلة العزف منفردة.
  • 3. خط حراسة الفرائض (تضييع الواجبات): المباح لا يجوز أن يزاحم الفريضة؛ فإذا تسبب الاستماع في إلهاء المسلم عن ذكر الله، أو تأخير الصلوات عن مواقيتها، أو التقصير في واجب وظيفي أو عائلي، تحوّل فوراً إلى ذنب ومحرّم.
  • 4. خط بوصلة النفس (تحريك الغرائز): إذا كان أسلوب الأداء أو طبيعة التنغيم تُستعمل بنمط يهدف بشكل مباشر إلى إثارة الشهوات البدنية الكامنة، وإخراج المرء عن وقاره وعقله، فإنه يُمنع سداً للذريعة وحماية للقلوب.
  • 5. خط الإسراف والاعتياد المفرط: تحويل السماع إلى ديدن يومي وعادة مستمرة تستهلك جُلّ وقت الإنسان وتفكيره وتُلهيه عن عمق الحياة وتحدياتها، يخرجه من رخصة الترويح (فالترويح يُقاس بمقدار الحاجة كالملح في الطعام، والإسراف فيه يقتل الجدية).

⚖️ الخلاصة الفقهية
الآلات والأصوات لا تُحاكم لمجرد كونها صوتاً صادراً من جهاز أو وتر، بل يُحاكم المحتوى، والبيئة، والهدف، والأثر الناتجة عنها. فإذا التزمت بالخطوط الخضراء فهي رخصة وترويح، وإذا اصطدمت بالخطوط الحمراء فهي حظر وتأثيم.

#الموسيقا_في_الإسلام #الفقه_الإسلامي #الغناء_والمعازف #الإمام_الغزالي #ضوابط_شرعية #الوعي_الفقهي #الأحكام_الشرعية

اتهموا سيّد قطب بسبب وصفه للآيات بـ«الموسيقى»… لكنهم أخطأوا في فهم لغة الأدباء ومصطلحاتهم!

 



اتهموا سيّد قطب بسبب وصفه للآيات بـ«الموسيقى»… لكنهم أخطأوا في فهم لغة الأدباء ومصطلحاتهم!

كثيرًا ما تُقتطع كلمة من سياقها، ثم تُحمَّل معنى لم يقصده صاحبها، وبعد ذلك تُبنى عليها اتهامات وأحكام واسعة.

ومن أكثر الأمثلة التي تستحق التوقف عندها ما أُثير حول استعمال سيّد قطب لكلمات مثل: «الموسيقى»، و«الإيقاع»، و«الجرس»، و«النغمة»، و«التنغيم» في حديثه عن القرآن الكريم وآياته.

فهل كان سيّد قطب يتحدث عن الموسيقى بمعنى المعازف والغناء والطرب؟

أم كان يستعمل هذه الألفاظ في سياق النقد الأدبي والحديث عن جمال الصوت وإيقاع العبارة وتناسق الألفاظ والفواصل القرآنية؟

هنا تحديدًا يقع الخلط.


🔹 أولًا: لا تقرأ المصطلح الأدبي بعين المصطلح الفقهي

الألفاظ قد تتعدد دلالاتها بحسب المجال الذي تستعمل فيه.

فكلمة «الإيقاع» مثلًا قد تستعمل في الموسيقى، لكنها تستعمل كذلك في الأدب والشعر والبلاغة لوصف انتظام الأصوات وتتابع الكلمات والحركات والسكنات.

وكذلك «الجرس» لا يعني بالضرورة صوت آلة موسيقية، بل قد يراد به الأثر الصوتي للكلمات والحروف حين تتآلف داخل العبارة.

أما «الموسيقى» في النقد الأدبي، فقد يراد بها ما يسمى بـالموسيقى الداخلية للنص؛ أي التناسق الصوتي، والإيقاع، وتكرار بعض الأصوات، وانسجام الكلمات، وتأثير الفواصل في السمع والنفس.

ولهذا لا يصح أن تُنقل الكلمة من سياقها الأدبي إلى سياق فقهي آخر ثم يُحاكم الكاتب على معنى لم يكن هو محل حديثه.


🔹 ثانيًا: سيّد قطب كان يتحدث بلغة الناقد الأدبي

من المهم أن نتذكر أن سيّد قطب لم يكن يكتب عن القرآن من زاوية واحدة فقط، بل كانت له عناية واضحة بالجانب البياني والجمالي والتصويري في النص القرآني.

ولهذا نجد في كتاباته حديثًا عن:

الإيقاع، والجرس، والتنغيم، وتناسق الألفاظ، والفواصل، والحركة، والصورة، والموسيقى اللفظية.

وهذه كلها مصطلحات يمكن أن تدخل في دراسة جماليات اللغة.

فحين يصف الناقد الأدبي آية أو سورة بأنها ذات إيقاع معين، أو جرس خاص، أو موسيقى لفظية، فلا يلزم من ذلك أنه يتحدث عن آلة موسيقية أو غناء أو طرب.

إنما يصف الأثر الصوتي والجمالي الذي تحدثه اللغة في السمع والنفس.

وهذا فرق أساسي لا ينبغي تجاهله.


🔹 ثالثًا: للقرآن جمال صوتي لا يحتاج إلى معازف

القرآن الكريم كتاب عربي، وقد نزل بلسان عربي مبين، ومن خصائص العربية أن الصوت جزء مهم من بنية الكلمة والعبارة.

فالحروف لها مخارج وصفات، والكلمات تتجاور بنظام دقيق، والحركات والسكنات تؤثر في النطق، والفواصل تمنح الآيات خصائص صوتية ظاهرة.

ولهذا اهتم علماء العربية والتجويد والبلاغة منذ وقت مبكر بقضايا تتصل بـ:

مخارج الحروف، وصفاتها، والفواصل، والتناسب الصوتي، وحسن التأليف، وانسجام الألفاظ والمعاني.

فإذا تحدث ناقد أدبي عن الإيقاع الصوتي للآيات أو جرس الكلمات أو الموسيقى الداخلية للنص القرآني، فالمقصود في هذا السياق هو وصف جماليات الأداء والتركيب الصوتي، لا تحويل القرآن إلى شعر، ولا وصفه بأنه غناء.


🔹 رابعًا: «الموسيقى» هنا وصفٌ للأثر لا دعوةٌ إلى المعازف

وهذه نقطة جوهرية.

هناك فرق بين أن يقول الكاتب:

إن في النص جمالًا صوتيًا وإيقاعًا مؤثرًا.

وبين أن يقول:

إن استعمال المعازف والغناء هو الوسيلة التي ينبغي أن يُقرأ بها القرآن.

فالأول وصف أدبي لجمال النص، أما الثاني فهو حكم أو موقف فقهي مختلف تمامًا.

ومن الخطأ المنهجي أن يُنقل اللفظ الأول إلى المعنى الثاني دون دليل من السياق.

ولهذا فإن الحكم على عبارة أدبية ينبغي أن يبدأ بالسؤال:

ماذا كان الكاتب يقصد بهذا المصطلح في السياق الذي استخدمه فيه؟

لا بالسؤال:

ما المعنى الآخر للكلمة الذي يمكن أن يُحمل عليه؟


🔹 خامسًا: «الإيقاع» و«الجرس» و«النغمة» ليست ألفاظًا محرمة بذاتها

بعض الألفاظ قد تُستعمل في مجالات مختلفة، ولا يكون الحكم عليها بمجرد اللفظ.

فكلمة «النغمة» مثلًا يمكن أن تستعمل في وصف طريقة الكلام وارتفاع الصوت وانخفاضه.

وكلمة «الإيقاع» تستعمل في الشعر والنثر والخطابة واللغة.

وكلمة «الجرس» تستعمل لوصف الأثر الصوتي للحروف والكلمات.

بل إن الحديث عن حسن الصوت بالقرآن وتجويده وترتيله، وعن تحسين الأداء في التلاوة، يكشف أصلًا عن وجود جانب صوتي وجمالي في التلقي القرآني.

فليس كل حديث عن الصوت والإيقاع والجرس حديثًا عن الموسيقى بمعناها الاصطلاحي الفقهي.


🔹 سادسًا: المشكلة تبدأ عندما تُقتطع كلمة واحدة من سياق طويل

لو أخذنا كلمة «الموسيقى» وحدها، ثم تجاهلنا بقية المصطلحات التي يشرح بها الكاتب فكرته، فمن السهل أن نصل إلى قراءة مبتورة.

لكن إذا قرأنا السياق كاملًا، ووجدنا أن الحديث يدور حول:

الفواصل، والأصوات، والحروف، والإيقاع، وتناسق الألفاظ، والصور البيانية، وأثر الآيات في النفس

فإننا نكون أمام حديث أدبي عن جماليات النص.

وهنا يجب أن يُناقش الكلام من داخل مجاله، لا أن يُنقل مباشرة إلى مجال آخر.


🔹 سابعًا: النقد العلمي يبدأ من النص الكامل

ليس المطلوب أن نقول إن كل تعبير استعمله سيّد قطب لا يمكن مناقشته أو نقده.

فالنقد العلمي حق مشروع، ويمكن للباحث أن يناقش:

  • دقة المصطلح.

  • مدى ملاءمته للحديث عن القرآن.

  • مدى موافقته للمصطلحات التراثية.

  • ما إذا كان التعبير يمكن أن يوهم معنى آخر.

  • وما إذا كان الكاتب قد أحسن اختيار اللفظ أم لا.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين مناقشة المصطلح وبين اتهام صاحبه بناءً على معنى لم يرده السياق.

ولهذا فإن الإنصاف يقتضي أن نقرأ العبارة كاملة، وننظر في الكتاب والفصل والسياق، ثم نحكم.


🔹 ثامنًا: لا تجعل الخلاف الاصطلاحي معركة عقدية

قد يختلف الباحثون حول استخدام كلمة «الموسيقى» في وصف القرآن.

وهذا خلاف يمكن مناقشته بهدوء:

هل الأفضل استعمال «الإيقاع»؟

هل الأفضل استعمال «الجرس»؟

هل لفظ «الموسيقى» مناسب أصلًا في هذا المقام؟

هذه أسئلة اصطلاحية ونقدية يمكن أن تكون محل نقاش علمي.

لكن تحويل كل استعمال أدبي للكلمة إلى اتهام عقدي أو فقهي يحتاج إلى أكثر من مجرد وجود اللفظ.

فالعبارات تُفهم بسياقها، ومجالها، ومقصود صاحبها.


🔥 الخلاصة

إن استعمال سيّد قطب لألفاظ مثل:

«الموسيقى» و«الإيقاع» و«الجرس» و«النغمة»

في حديثه عن القرآن ينبغي أن يُقرأ أولًا في ضوء لغته الأدبية والنقدية، لا أن يُحمل مباشرة على معنى المعازف والغناء.

وقد يكون من حق الباحث أن يناقش اختيار المصطلح، وأن يرى أن لفظًا معينًا كان يمكن استبداله بلفظ أدق أو أوضح.

لكن شيء آخر تمامًا أن تُقتطع كلمة من سياقها، ثم يُبنى عليها اتهام لا يثبت بمجرد اللفظ.

فالكلمة لا تُحاكم منفردة… وإنما تُفهم في سياقها.

ومن أراد أن ينقد سيّد قطب نقدًا علميًا، فليقرأ عبارته كاملة، وليفهم لغة الأديب ومصطلحاته، ثم يناقشه فيما قاله فعلًا، لا فيما يمكن أن توحي به كلمة إذا اقتُطعت من سياقها.

فهمُ المصطلح أولًا… ثم يأتي النقد بعد ذلك.

🎼 حين قال سيّد قطب «الموسيقى»… هل كان يتحدث عن آلات الطرب؟!

 



🎼 حين قال سيّد قطب «الموسيقى»… هل كان يتحدث عن آلات الطرب؟!

أم كان يتحدث عن إيقاع اللغة وجَرْس القرآن؟

من أكثر الأمور التي تكشف مشكلة قراءة النصوص خارج سياقها أن تُؤخذ كلمة من كتاب أدبي، ثم تُحمَّل على معنى فقهي أو اصطلاحي لم يقصده صاحبها أصلًا.

وهذا ما وقع – في نظرنا – في التعامل مع استعمال سيّد قطب رحمه الله تعالى لكلمات مثل:

«الموسيقى» – «الإيقاع» – «الجرس» – «النغمة» – «التنغيم» – «الموجات»

فما إن يسمع بعض المنتقدين كلمة «الموسيقى» حتى ينصرف ذهنهم مباشرة إلى الغناء وآلات الطرب والرقص والمجون!

وهنا تبدأ المشكلة.

لأن الكلمة الواحدة قد يكون لها معنى اصطلاحي مختلف باختلاف المجال العلمي الذي تستعمل فيه.


🔹 أولًا: «الموسيقى» في لغة الأدب ليست بالضرورة آلات الطرب

عندما يتحدث الأديب والناقد عن:

موسيقى الكلمة، وجَرْس الحرف، وإيقاع العبارة، والتناغم الصوتي، والموسيقى الداخلية للنص

فهو لا يتحدث بالضرورة عن آلة موسيقية يعزف عليها الإنسان.

إنه يتحدث عن الجانب الصوتي والجمالي في اللغة:

كيف تتجاور الحروف؟

كيف تتعاقب الحركات والسكنات؟

كيف تتكرر الأصوات؟

كيف تتناسق الكلمات؟

كيف تنتهي الفواصل؟

وكيف يترك هذا كله أثرًا معينًا في أذن المتلقي ونفسه؟

وهذه مباحث معروفة في الدراسات الأدبية والصوتية، وقد تناولت دراسات أكاديمية حديثة استعمال سيد قطب لمفهوم الإيقاع والموسيقى الداخلية في تحليل النص القرآني.

فليس من الدقة أن تُفهم كلمة «الموسيقى» في كل سياق بالمعنى نفسه.


🔹 ثانيًا: للغة جَرْسٌ وإيقاع

الحروف العربية ليست أصواتًا متطابقة.

فللحروف مخارج وصفات، ولها خصائص صوتية مختلفة؛ منها:

الجهر والهمس،
الشدة والرخاوة،
الاستعلاء والاستفال،
الإطباق والانفتاح،
الصفير،
القلقلة،
التفشي،
الاستطالة…

وهذه الخصائص تدخل في تكوين الصورة الصوتية للكلمة والعبارة.

ثم تأتي الحركات والسكنات، وطريقة انتظام الكلمات في الجملة، وتكرار بعض الأصوات، وتقارب الفواصل، فتتكون للعبارة نغمة صوتية وإيقاع خاص.

ولهذا يتحدث علماء اللغة والبلاغة عن حُسن الجرس وعذوبة اللفظ وائتلاف الحروف وتناسب الأصوات.

فهل يعني وصف الكلام بأنه «موسيقي» أن المتحدث يتحدث عن آلة موسيقية؟

بالطبع لا.

إنه استعمال أدبي وصوتي للمصطلح.


🔹 ثالثًا: القرآن نفسه له جمال صوتي لا يمكن إنكاره

ومن هنا نصل إلى النقطة الأهم.

فالقرآن الكريم يمتاز بخصوصية عجيبة في نظم ألفاظه وفواصله وتناسق حروفه وإيقاع عباراته.

وليس المقصود أن القرآن شعر؛ فالقرآن ليس شعرًا ولا يخضع لأوزان الشعر وقوافيه.

لكن هذا لا يمنع من ملاحظة جماله الصوتي والإيقاعي.

ولهذا تحدث علماء البلاغة والإعجاز عن:

النظم، والفواصل، والتناسب، وائتلاف الحروف، وحسن التأليف، وجرس الألفاظ.

وهذه المعاني ليست اختراعًا حديثًا.

بل إن علماء البلاغة والبيان منذ قرون طويلة كانوا يدرسون أثر اختيار الحروف والكلمات وترتيبها في جمال الكلام وقوته وتأثيره.


🔹 رابعًا: وهنا تظهر أهمية قراءة سيّد قطب

سيّد قطب كان أديبًا وناقدًا أدبيًا قبل أن يكتب «في ظلال القرآن»، ولذلك كانت له عناية خاصة بالتصوير الفني، والإيقاع، والفواصل، والجرس، وحركة الألفاظ.

وقد تناول في كتاباته القرآنية العلاقة بين الصورة والمعنى والإيقاع، ولاحظ كيف يتغير النسق الصوتي في السورة تبعًا للمعنى والمشهد والحالة الشعورية.

وتؤكد الدراسات التي تناولت منهجه أن الإيقاع عنده ليس مجرد زخرفة لفظية، بل عنصر مرتبط بالدلالة والتصوير والتأثير في المتلقي.

وهذا بالضبط هو السياق الذي ينبغي أن تُقرأ فيه عباراته.


🔹 خامسًا: «الإيقاع» عند سيّد قطب ليس دعوة إلى الغناء

خذ مثلًا حديثه عن بعض السور القصيرة.

إنه يلاحظ سرعة الفواصل، وقصر الآيات، وتتابع الأصوات، وتكرار بعض البنى، وانتقال السياق من مشهد إلى مشهد.

ويصف ذلك أحيانًا بـ:

الإيقاع، والموسيقى، والنغم، والجرس.

وهذه مصطلحات يستخدمها الناقد الأدبي لوصف البنية الصوتية للنص.

وقد نقلت دراسات في الأسلوبية عن سيد قطب حديثه عن «الإيقاع الموسيقي» في بعض السور، وربطه بتساوي الفواصل وتآلف الحروف وتناسق الكلمات والجمل.

فإذا قال ناقد أدبي:

«الإيقاع الموسيقي في العبارة»

فليس من المنهج أن نقفز مباشرة إلى:

«إذن هو يتحدث عن آلات الطرب!»

لأن هذا انتقال من اصطلاح أدبي إلى معنى فقهي مختلف دون دليل.


🔹 سادسًا: المشكلة ليست في الكلمة… بل في إسقاط المعنى عليها

وهنا أصل المسألة:

هل كل من قال:

«جرس الكلمة»

يقصد أجراسًا حقيقية؟

وهل كل من قال:

«نغمة العبارة»

يقصد الغناء؟

وهل كل من قال:

«إيقاع النص»

يقصد الموسيقى الآلية؟

وهل وصف الكلام بأنه «موسيقي» يعني أنه صار أغنية؟

لا.

إنها مصطلحات نقدية تصف التكوين الصوتي والجمالي للكلام.

ولهذا فإن الحكم على العبارة لا يكون بمجرد التقاط كلمة منها، وإنما بالنظر إلى:

السياق، والكتاب، والموضوع، والمصطلح، وما قبل العبارة وما بعدها.


🔹 سابعًا: وماذا عن عبارة «تموجات موسيقية»؟

هنا ينبغي أن نكون أكثر دقة.

وردت في بعض النقاشات حول سيد قطب نسبة عبارة إليه تتعلق بـ «تموجات موسيقية» في وصف القرآن، وهي عبارة استُعملت في أسئلة وفتاوى تتناول كلامه. كما أن موقع الشيخ الألباني نفسه يفهرس تسجيلًا بعنوان يتعلق بالسؤال عن قول: «القرآن تموجات موسيقية».

لكن وجود هذه العبارة في سؤال أو في نقل نقدي لا يكفي وحده للحكم على مراد سيد قطب.

فالمنهج الصحيح هو:

هات النص الأصلي من كتابه،
ثم اقرأ الفقرة كاملة،
ثم انظر في الباب الذي وردت فيه،
ثم افهم المصطلح ضمن سياق المؤلف.

وهذه قاعدة عامة في قراءة كتب الأدباء والمفسرين والمفكرين.


🔹 ثامنًا: لا يصح تحويل الخلاف الاصطلاحي إلى حكم عقدي أو فقهي

إذا كان الكاتب يتحدث عن الموسيقى الداخلية للنص، ثم جاء الناقد ففهم كلمة «الموسيقى» بمعنى المعازف والغناء، فقد وقع الخلاف في أصل فهم العبارة قبل أن يبدأ الخلاف في الحكم عليها.

وهنا ينبغي أن نسأل أولًا:

ماذا أراد الكاتب؟

لا:

ماذا يمكن أن نحمّل كلامه؟

فالفرق كبير بين الاثنين.


🔹 تاسعًا: الألباني وغيره ناقشوا سيد قطب من زاوية أخرى

من الإنصاف أيضًا ألا ننسب إلى العلماء ما لم يقولوه.

فالشيخ الألباني رحمه الله كان له نقد معروف لبعض عبارات سيد قطب، وكان يرى أن سيد قطب أديب وكاتب وليس عالمًا متخصصًا في العلوم الشرعية، ولذلك كان يتعامل مع بعض عباراته على هذا الأساس. وهذا الموقف موثق في تسجيلات منشورة على موقع الألباني نفسه.

لكن حتى هذا النقد ينبغي أن يُفهم في سياقه.

فكون سيد قطب أديبًا لا يعني أن كل مصطلح أدبي يستعمله يصبح مصطلحًا شرعيًا.

بل العكس:

إذا كان الرجل يكتب في ميدان الأدب والنقد، فمن الطبيعي أن يستخدم مصطلحات الأدباء والنقاد.

والحكم على المصطلح يكون من خلال معناه في سياقه.


🔹 عاشرًا: وهنا تظهر قيمة «الاختصاص»

من المهم أن نفرق بين العلوم:

الفقيه يتحدث عن الحكم الشرعي ودليله.

المحدث يبحث في الحديث وصحته وطرقه.

المفسر يبحث في دلالات القرآن وعلومه.

اللغوي يبحث في اللغة وأصواتها وتراكيبها.

الناقد الأدبي يبحث في جمال النص وتصويره وإيقاعه.

وقد يلتقي أكثر من اختصاص في شخصية واحدة، لكن لا يصح أن نخلط مصطلحات علم بمصطلحات علم آخر دون بيان.

فحين يقول الناقد:

«في العبارة موسيقى»

فالسؤال الأول ينبغي أن يكون:

ماذا يعني بالموسيقى في اصطلاح النقد الأدبي؟

لا أن نقفز مباشرة إلى الحكم على الموسيقى بمعناها الفقهي.


🔹 وأخيرًا: سيّد قطب يُقرأ باعتباره أديبًا صاحب منهج في التفسير

قد يختلف الباحث مع سيد قطب في بعض آرائه أو تعبيراته أو استنباطاته، وهذا أمر طبيعي في عالم الفكر والتفسير.

لكن الاختلاف العلمي شيء، وتحميل النص ما لا يحتمل شيء آخر.

ومن أراد نقد سيد قطب نقدًا علميًا، فليأتِ بالنص:

كاملًا،
واضحًا،
موثقًا،
وفي سياقه.

ثم يناقش عبارته من حيث اللغة والتفسير والعقيدة والفقه.

أما أن تُنتزع كلمة:

«موسيقى»

من سياق أدبي، ثم تُفهم فورًا بمعنى:

الغناء والرقص وآلات الطرب

فهذا ليس نقدًا للمصطلح، بل نقل للكلمة من حقلها الاصطلاحي إلى حقل آخر.


✦ الخلاصة

سيّد قطب عندما تحدث في كتاباته عن:

الموسيقى، والإيقاع، والجرس، والنغم، والتنغيم

كان يتحرك – في جانب مهم من استعماله – داخل اللغة الأدبية والنقدية التي تصف جماليات الصوت والنظم في الكلام.

وهذا الاستعمال له أصل في الدراسات الأدبية والبلاغية، وقد تناول باحثون معاصرون بالفعل تحليلاته للإيقاع والموسيقى الداخلية في القرآن.

لذلك لا يصح أن نجعل مجرد ورود كلمة «الموسيقى» دليلًا على أن المقصود هو المعازف والغناء.

فاللغة لا تُفهم بالكلمات منفردة…

بل بالسياق والاصطلاح والمقام.

ومن أراد أن ينقد سيّد قطب، فليقرأه كما كتب هو، لا كما يريد المنتقد أن يكون قد كتب.

فالإنصاف في النقد يبدأ من فهم النص قبل الحكم عليه.

🚨 المعركة الخفية.. لماذا كان فكر سيّد قطب يمثّل خطراً على مخططات تفكيك الأمة؟

 

🚨 المعركة الخفية.. لماذا كان فكر سيّد قطب يمثّل خطراً على مخططات تفكيك الأمة؟
كثيراً ما يتساءل البعض: لماذا نال سيّد قطب رحمه الله وإخوانه كل هذا التنكيل والعداء الشديد من القوى الدولية وأدواتها؟ ولماذا لا يُراد لهذا الفكر أن ينعم بالقبول والسمعة الطيبة؟
💡 الجواب يكمن في عمق التحليل الاستراتيجي الذي سطّره الكاتب في مصنفاته مثل في ظلال القرآن وفي مذكراته؛ حيث نجح في تفكيك "حرب الأشباح" الخفية التي تُدار لامتصاص قوة المسلمين دون مواجهة عسكرية مباشرة.
إليكم خلاصة هذه الرؤية العميقة التي تفسر الكثير مما نعيشه اليوم:

📌 1. اليأس من الإلحاد الجهر والتحول إلى "التخدير بالدين"
يرى سيّد قطب أن الصهيونية العالمية والقوى الصليبية قد يئستا تماماً من إخراج المسلمين من دينهم جهرة، سواء عبر الشيوعية والمذاهب المادية أو عبر التبشير؛ لأن الفطرة الإسلامية تلفظ الإلحاد وتأبى التخلي عن عقيدتها.
لذلك، عدلوا إلى خطة أخبث وأمكر: "التخدير بوجود الدين".
حيث يتم تحويل الإسلام إلى مجرد "مشاعر وشعائر" معزولة تماماً عن واقع الحياة وأنظمتها، وإيهام الناس بأنهم يمكن أن يظلوا مؤمنين بالله بينما التشريع والتوجيه والقوانين مستمدة من مناهج مادية غريبة تماماً عن هذا الدين!

📌 2. إقامة أنظمة تتزيا بزي الإسلام وتنفذ مخططات الأعداء
تتمثل الحبائل الماكرة في إقامة أوضاع وأنظمة في المنطقة تتسمح بالعقيدة ولا تنكر الدين جملة، بل وتعلن احترامها له، ولكنها تحت هذا الستار الخادع:
  • تُقصي شريعة الله عن واقع الحياة وتحل ما حرم الله.
  • تُسخّر أجهزة الإعلام والتوجيه لتدمير القيم الأخلاقية وسحق التصورات الدينية.
  • تنفذ المخططات الرهيبة التي عجزت مؤتمرات التبشير والبروتوكولات الصهيونية عن تنفيذها طوال قرون، مثل إخراج المرأة باسم "التطور" لجعلها فتنة للمجتمع وتيسير وسائل الانحلال والدفع بالشباب نحوها دفعاً.
وفي غمرة هذا التضليل، يعيش الناس وهم أنهم في مجتمع مسلم لأنهم يصلّون ويصومون، بينما حياتهم تُقاد بشرائع وقيم مادية بحتة.

📌 3. صناعة الحروب الوهمية لإبعاد الشبهة عن العملاء
ولإمعان التخفي والتمويه، تعمد هذه القوى العالمية إلى إثارة حروب وعداوات مصطنعة (ساخنة أو باردة) بينها وبين تلك الأنظمة والأوضاع الخادمة لمشاريعها!
الهدف من هذه المعارك الوهمية هو:
  • إبعاد الشبهات عن الأدوات التي تنفذ تلك الأجندات بكفاءة.
  • إضفاء شرعية وشعبية زائفة عليها أمام الشعوب المخدوعة.

📌 4. سحق البقية الواعية وعزل المعركة
إذا ظهرت في الأمة بقية واعية لم تنطلِ عليها هذه الخدعة، ولم تستسلم للتخدير باسم "الدين المزيف" أو "المؤسسات الدينية المسخرة لشرعنة الانحلال ووصف الكفر بأنه تقدم وتطور"، يُشن عليها حرب ساحقة ماحقة وتُصب عليها التهم الكاذبة، وسط صمت مطبق وعمى تام من وكالات الأنباء والإعلام العالمي.
الأنكى من ذلك، أن المسلمين الطيبين السذج يحسبون تلك المعارك "شخصية أو طائفية"، ويروحون ينشغلون بسذاجة بلهاء بالتنبيه على منكرات صغيرة، ظانين أنهم أدوا واجبهم، بينما أصل الدين يُسحق، وسلطان الله ومقتضى حاكميته يُغتصبا جملة وتفصيلاً.

⚠️ الخلاصة: الرجال هم من يحركون السلاح
المسألة ليست مجرد تطور سياسي أو صراع على سلطة، بل هي محاولات ممنهجة لتدمير المقاومة الأساسية للعناصر البشرية في المنطقة.
"إن المجتمعات حين تنهار عقيدياً وخُلقياً، تصبح الملايين فيها غثاءً لا يقف في وجه التيار.. فالرجال هم الذين يحركون الأسلحة، وليس الأسلحة هي التي تحرك الرجال."
ورغم مكر الأعداء لتجريد المسلمين من مصدر قوتهم الأول، يبقى الأمل في الله أكبر، والثقة في هذا الدين أعمق، وهم يمكرون والله خير الماكرين:
{وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}.
رحم الله سيّد قطب وإخوانه، ورزق أمتنا الوعي والإنصاف البصير.

#سيّد_قطب #الفكر_الإسلامي #الغزو_الفكري #الوعي_الاستراتيجي #في_ظلال_القرآن

لماذا كل هذا العداء لسيد قطب رحمه .. اسمع الاجابة !

 



بسبب تنبيه وتحذير سيّد قطب والإخوان لمؤامرات الأعداء

وكيف يتركون سيّد قطب وإخوانه - رحمهم الله - ينعمون بالسمعة الطيّبة وهو يقول :

[  والحقيقة أن هناك شكا كثيرا فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم !

 فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة ثم استغلها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية ، كي لا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم - كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون - ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم ، بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقية الذي توفره العقيدة !

واليهود - مهما بلغ من كيدهم ومكرهم - لا يملكون أن يغلبوا الفطرة البشرية ، التي تجد في قرارتها الإيمان بوجود إله - وإن كانت تضل فقط في معرفة الإله الحق بصفاته الحقة كما أنها تنحرف بعدم توحيد سلطانه في حياتها ، فتوصم بالشرك والكفر على هذا الأساس –

ولكن بعض النفوس تفسد فطرتها ، وتتعطل فيها أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية .

وهذه النفوس وحدها هي التي يمكن أن يفلح معها كيد اليهود الذي يستهدف نفي وجود اللّه فيها . ولكن هذه النفوس المعطلة الفطرة ستظل قليلة وشاذة في مجموع البشر في كل زمان . .

والملحدون الحقيقيون على ظهر الأرض اليوم لا يتجاوزون بضعة ملايين في روسيا والصين من بين مئات الملايين الذين يحكمهم الملحدون بالحديد والنار على الرغم  من الجهد الناصب خلال أربعين عاما في نزع الإيمان بكل وسائل التعليم والإعلام !

إنما يفلح اليهود في حقل آخر . وهو تحويل الدين إلى مجرد مشاعر وشعائر . وطرده من واقع الحياة .

وإيهام المعتقدين به أنهم يمكن أن يظلوا مؤمنين باللّه مع أن هناك أربابا أخرى هي التي تشرع لحياتهم من دون اللّه ! ويصلون بذلك إلى تدمير البشرية فعلا ، حتى مع وهمها أنها لا تزال تؤمن باللّه .

وهم يستهدفون الإسلام - قبل كل دين آخر - لأنهم يعرفون من تاريخهم كله ، أنهم  لم يغلبهم إلا هذا الدين يوم كان يحكم الحياة .

وأنهم غالبو أهله طالما أهله لا يحكمونه في حياتهم مع توهمهم أنهم ما يزالون مسلمين مؤمنين باللّه !

فهذا التخدير بوجود الدين - وهو غير موجود في حياة الناس - ضروري لتنجح المؤامرة . .

أو يأذن اللّه فيصحو الناس !

وأحسب - واللّه أعلم - أن اليهود الصهيونيين ، والنصارى الصليبيين ، كليهما ، قد يئسوا من هذا الدين في هذه المنطقة الإسلامية الواسعة في إفريقية وآسيا وأوربا كذلك . . يئسوا من أن يحولوا الناس فيها إلى الإلحاد - عن طريق المذاهب المادية - كما يئسوا كذلك من تحويلهم إلى ديانات أخرى عن طريق التبشير أو الاستعمار . .

ذلك أن الفطرة البشرية بذاتها تنفر من الإلحاد وترفضه حتى بين الوثنيين - فضلا  على المسلمين - وأن الديانات الأخرى لا تجرؤ على اقتحام قلب عرف الإسلام ، أو حتى ورث الإسلام !

وأحسب - واللّه أعلم - أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود  والصهيونيون والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة عن طريق الشيوعية أو عن طريق التبشير فعدلوا إلى طرائق أخبث ، وإلى حبائل أمكر . .

لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيا بزي الإسلام وتتمسح في العقيدة ولا تنكر الدين جملة . . ثم هي تحت هذا الستار الخادع ، تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون ، ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل !

إن هذه الأنظمة والأوضاع ترفع راية الإسلام - أو على الأقل تعلن احترامها للدين - بينما هي تحكم بغير ما أنزل اللّه وتقصي شريعة اللّه عن الحياة وتحل ما حرم اللّه وتنشر تصورات وقيما مادية عن الحياة والأخلاق تدمر التصورات والقيم الإسلامية وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام لتدمير القيم الأخلاقية الإسلامية ، وسحق التصورات والاتجاهات الدينية

وتنفذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونيين ، من ضرورة إخراج المرأة المسلمة إلى الشارع ، وجعلها فتنة للمجتمع ، باسم التطور والتحضر ومصلحة العمل والإنتاج بينما ملايين الأيدي العاملة في هذه البلاد متعطلة لا تجد الكفاف !

وتيسر وسائل الانحلال وتدفع الجنسين إليها دفعا بالعمل والتوجيه . . كل ذلك وهي تزعم أنها مسلمة وأنها تحترم العقيدة !

والناس يتوهمون أنهم يعيشون في مجتمع مسلم ، وأنهم هم كذلك مسلمون ! أليس الطيبون منهم يصلون ويصومون ؟

أما أن تكون الحاكمية للّه وحده أو تكون للأرباب المتفرقة ، فهذا ما قد خدعتهم  عنه الصليبية والصهيونية والتبشير والاستعمار والاستشراق وأجهزة الإعلام الموجهة وأفهمتهم أنه لا علاقة له بالدين .

وأن المسلمين يمكن أن يكونوا مسلمين وفي دين اللّه بينما حياتهم كلها تقوم على تصورات وقيم وشرائع وقوانين ليست من هذا الدين !

وإمعانا في الخداع والتضليل وإمعانا من الصهيونية العالمية والصليبية العالمية في التخفي ، فإنها تثير حروبا مصطنعة - باردة أو ساخنة - وعداوات مصطنعة في شتى الصور ، بينها وبين هذه الأنظمة والأوضاع التي أقامتها والتي تكفلها بالمساعدات المادية والأدبية ، وتحرسها بالقوى الظاهرة والخفية ، وتجعل أقلام مخابراتها في خدمتها وحراستها المباشرة !

تثير هذه الحروب المصطنعة والعداوات المصطنعة ، لتزيد من عمق الخدعة ولتبعد الشبهة عن العملاء ، الذين يقومون لها بما عجزت هي عن إتمامه في خلال ثلاثة قرون أو تزيد من تدمير القيم والأخلاق وسحق العقائد والتصورات وتجريد المسلمين في هذه الرقعة العريضة من مصدر قوتهم الأول . . وهو قيام حياتهم على أساس دينهم وشريعتهم . .

وتنفيذ المخططات الرهيبة التي تضمنتها بروتوكولات الصهيونيين ومؤتمرات المبشرين في غفلة من الرقباء والعيون !

فإذا بقيت بقية في هذه الرقعة لم تجز عليها الخدعة ولم تستسلم للتخدير باسم الدين المزيف وباسم الأجهزة الدينية المسخرة لتحريف الكلم عن مواضعه ولوصف الكفر بأنه الإسلام والفسق والفجور والانحلال ، بأنه تطور وتقدم وتجدد ..

إذا بقيت بقية كهذه سلطت عليها الحرب الساحقة الماحقة وصبت عليها التهم  الكاذبة الفاجرة وسحقت سحقا ، بينما وكالات الأنباء العالمية وأجهزة الإعلام العالمية خرساء صماء عمياء ! ! !

ذلك بينمـا الطيبون السـذج مـن المسلمين يحسبون أنها معركة شخصية ، أو طائفية ، لا علاقة لها بالمعركة المشبوبة مع هذا الدين ويروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء - من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق - بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة ، وإلى منكرات صغيرة ، ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملا بهذه الصيحات الخافتة . .

بينما الدين كله يسحق سحقا ، ويدمر من أساسه وبينما سلطان اللّه يغتصبه  المغتصبون ، وبينما الطاغوت - الذي أمروا أن يكفروا به - هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلا !

إن اليهود الصهيونيين والنصارى الصليبيين يفركون أيديهم فرحا بنجاح الخطة وجواز الخدعة بعد ما يئسوا من هذا الدين أن يقضوا عليه مواجهة باسم الإلحاد ، أو يحولوا الناس عنه باسم التبشير ، فترة طويلة من الزمان . .

إلا أن الأمل في اللّه أكبر والثقة في هذا الدين أعمق ، وهم يمكرون واللّه خير المـاكريـن . وهو الذي يقـول : « وَقَـدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كـانَ مَكْرُهُـمْ لِتَزُولَ مِنْـهُ الْجِبـالُ . فَلا تَحْسَـبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْـدِهِ رُسُـلَهُ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقـامٍ » . . ] ([1]) .  

وكيف يتركونه وقد قال رحمه الله تعالى :

[ غير أن هذا كله كان يزيد نفسي شعوراً من ناحية أخرى بأن السياسة المخططة من جانب الصهيونية والصليبية لتدمير حركة الإخوان المسلمين في المنطقة تحقيقاً لمصالح ومخططات تلك الجهات قد تحققت بنجاح . .

وأنه فـي الوقت ذاته لابد من محاولة الرد على تلك المخططات بإعادة حياة ونشاط الحركة الإسلامية حتى ولو كانت الدولة لسبب أو أكثر لا تريد . فالدولة تخطيء وتصيب !

كما أنها كانت تملأ نفسي شعوراً بالظلم الذي أصاب آلاف الأفراد وآلاف الأسر والبيوت . بناء على حادث واضح جداً تدبيره – حتى ولو لم يعلم بالضبط في ذلك الوقت من دبره – وبناء على الرغبة من حماية النظام القائم من خطر ضخمته أجهزة غريبة الأهداف واضحة كذلك من كتبهم وجرائدهم وتقريراتهم وفي مقدمتها تقرير جونسون عن نهر الأردن .

ثم تضخم هذا الشعور وأنا أرى النتائج الواقعية في حياة المجتمع المصري من انتشار هائل للأفكار الإلحادية وللانحلال الأخلاقي نتيجة لتدمير حركة الإخوان المسلمين ووقف نشاطها التربوي .

وكأنما كان وجود هذه الجماعة سداً قد انهار وانطلق بعده التيار .

وكنت أسمع عن ذلك كله في السجن ، ولما خرجت وجدت أن كل ما سمعت كان دون الحقيقة بكثير لقد تحول المجتمع إلى مستنقع كبير !

إن المسألة أكبر بكثير ممـا يبسطهـا الذين ينظرون لمـا حدث على أنه مجرد تطور ،

أنها تتعلق بالمخططات الصهيونية والصليبية الاستعمارية في تدمير المقاومة الأساسية للعناصر البشرية في المنطقة بحيث تصبح هذه الملايين حطاماً منهاراً لا يملك المقاومة حتى لو وضعت في يده أقوى الأسلحة .

فالرجال هم الذين يحركون الأسلحة وليس الأسلحة هي التي تحرك الرجال .

والمجتمعات حين تنهار عقيدياً وخُلقياً تصبح الملايين فيها غثاء لا يقف في وجه التيار .

ويستطيع الإنسان أن يلحظ بسهولة علاقة هذا الإنحدار بتدمير حركة الإخوان المسلمين ومنع نشاطها ،

كما يستطيع أن يربط بين هذا التدمير وبين الخطط الصهيونية والصليبية الإستعمارية بخصوص هذه الجماعة وبخصوص المنطقة بجملتها .

هذه هي رؤيتي للموقف التي انطلق منها التصميم على ضرورة العمل لحركة إسلامية امتداداً لحركة الإخوان المسلمين المصادرة الموقوفة . مع الانتفاع بالتجربة وبالتجارب التي سبقتها .

وفيمـا بيـن عـام 1955 وعـام 1962 كـان التفكيـر فـي منهـج وطريقـة البدء بهـا . .   ] ([2]) .

أذيال موسكو يتآمرون

[  وكان عبد الناصر قد أفرج فى منتصف عام 1964 عن مجموعة من رجال الإخوان المسلمين الذين حاكمهم فى عام 1954 ولم تصدر ضدهم أحكام بالإعدام كغيرهم من الشهداء . . . وكان من بين الذين أفرج عنهم المرحوم الشهيد سيد قطب أحد أئمة الفكر الإسلامى فى مصر . . .

وكان خروج الإخوان المسلمين من السجون يسبب ذعراً للشيوعيين فى مصر .  فهم دائما الصخرة التى تحطم فوقها كل محاولاتهم فى التأثير بالمبادىء الشيوعية على عقول الفلاحين والعمال والشباب . . .

كانوا يرون الإخوان المسلمين دائما يقفون فى مواجهتهم ويتصدون لمحاولاتهم فى القرية أو المصنع أو الجامعة . .

وبدأ التخطيط للتخلص من جماعة الإخوان المسلمين . . . تخطيط وضع فى موسكو وبدأ تنفيذه فى القاهرة . . . وكان التخطيط على خطوات . .

وبدأت الخطوة الأولى . . .

وكانت بعد انتخاب عبد الناصر رئيسا للجمهورية فى مارس 1965 بنسبة 99,9% وهى النسبة التى كان لا يرضى بأقل منها . . .

وأصبح عبد الناصر رئيسا . . . وعلي صبري رئيسا للوزراء . . . واتجهت البلاد تسير نحو إرضاء السوفيت بكل الإمكانيات . . . والمجال أمامهم مفتوح . .

وحتى الذين كانوا يخشون معارضتهم أو الوقوف ضدهم أصبحوا بعيدين عن السلطة مثل كمال الدين حسين وعبد اللطيف البغدادى . .

أما الباقون أمثال زكريا محيى الدين وحسين الشافعي وحسن إبراهيم فقد أصبحوا نوابا لرئيس الجمهورية بلا سلطات . . .

وفى يوم 25 أبريل عام 1965 نشرت جميع الصحف المصرية بيانا كان مفاجأة لكل المصريين . . . البيان من الحزب الشيوعي المصري ويتضمن أنه ينهي وجوده المستقل وأنه أصدر قرارا بإنهاء الشكل المستقل له . . .

وجاء فى البيان تقييما مفصلا للتحولات الاجتماعية التى جرت فى مصر تحت قيادة عبد الناصر . . . وانتهى إلى أنه بالتطلع للإتحاد الإشتراكي فإنه يرى أن الأهداف واحدة ولذلك قرر أن ينصهر داخل هذا التنظيم . . .

كان البيان مفاجأة للمواطنين ، إذ علموا لأول مرة أن فى مصر حزبا شيوعيا تعلم عنه الدولة رسميا وهي التي حلت جميع الأحزاب منذ عام 1953 . .

وأن الشيوعيين قد انخرطوا داخل الاتحاد الإشتراكي .

وبطبيعة الحال توجس المتمسكون بالدين الريبة من هذا الإعلان . . . أن معنى ذلك أنهم سيعملون على الإطاحة بأي جماعة مسلمة تحاول أن تنشر تعاليم الدين الإسلامي والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية . . .

وفعلا . . تحقق ما كان يتوقعه أفراد جماعة الإخوان المسلمين . فقد بدأ ـ المؤامرات الشيوعية ضدهم تشير إلى وجود تنظيم منشورات داخل نقابة الصحفيين تهاجم نظام الحكم عليها إتجاه الإخوان المسلمين للإساءة إليهم . .

وتأكد الإخوان المسلمون أن الشيوعيين وراء تلك المنشورات ورفعت المباحث العامة تقريرا إلى المسئولين تؤكد أن المنشورات ليست من صنع الإخوان المسلمين وتلاحقت مؤامرات الشيوعيين والدس للإخوان لدى أجهزة الأمن . .

أشاعوا أن الإخوان المسلمين أعادوا تنظيم أنفسهم وأنهم يحاولون انتخاب رئيس جديد وأنهم يرشحون للرئاسة ثلاثة: هم منير الدلة وسيد قطب وشخص وهمي اسمه مصطفى الملا وهو غير موجود طبعا .

كما قاموا بدفع الناس فى أسيوط إلى إرسال شكاوى وتلغرافات إلى رئاسة الجمهورية والمباحث العامة بأن الإخوان المسلمين مسيطرون على مؤسسة هناك اسمها المؤسسة الإسلامية يتبعها مستوصف خيري وتقوم بنشاط إسلامي إجتماعي .

وكانت أخطر المؤامرات ما وصل إلى علم الإخوان المسلمين من أن الشيوعيين فى مصر وعلى رأسهم كمال رفعت يحرضون الحكومة على الإخوان .

وأنهم وضعوا فى طريق الرئيس مع شواين لاي أثناء عودته من الإسكندرية مواد ناسفة ثم أبلغوا الجهات المسئولة عنها قبل أن تأتى سيارة الرئيس وضيفه ونسبوها إلى الإخوان

وكان شواين لاي قد حضر لزيارة القاهرة فى يوم 28 يونيو سنة 1965 وعقد اجتماع قمة ضم الريس السابق عبد الناصر وشواين لاي وأيوب خان رئيس باكستان سابقا وأحمد سوكارنو رئيس اندونيسيا سابقا .

وفعلا أتت كل تلك المؤامرات ثمرتها . . واستشعر عبد الناصر الخطر من الإخوان المسلمين وأعطى الضوء الأخضر لرجال المباحث الجنائية العسكرية للقبض عليهم وكشف تآمرهم عليه . . .

وكان السبب القوي لذلك ما قدمه له معاونوه من تفسيرات لكتاب " معالم في الطريق " لسيد قطب وكانت الحكومة قد أباحت طبعه وتوزيعه ولكن بعد التفسيرات التى قدموها له أمر بجمع الكتاب . . .

وكانت التفسيرات التي قدموها إليه للإستناد إلى أن الإخوان المسلمين يتآمرون عليه كثيرة . .

معالم في الطريق

إن الذى يؤكد للمباحث أن تفسيرات كتاب " معالم في الطريق" التى قدمها معاونو عبد الناصر إليه للإطاحة بالإخوان المسلمين . . . وكان أغلبهم من عملاء السوفييت وعلى رأسهم علي صبري وسامي شرف . . .   ] ([3]) .

 

يدٌ واحدة على الإسلام !

ولا يظننّ أحد أن الإتحاد السوفيتي كان عدواً للصهيونية والصليبية ، فإنهم هكذا يظهرون أنفسهم أمام مَن لا يعرف بخططهم ومؤامراتهم !

أما في الحقيقة فهُم جميعاً يدٌ واحدة على الإسلام .

خطب [   غروميكو وزير خارجية الإتحاد السوفييتي ([4]) أمام الأمم المتحدة وهو يتحدث عن « الحقوق المشروعة للشعب اليهودي في فلسطين »

 

 

 

وعن تأييد بلاده لقرار التقسيم ، وعن حق اليهود المشروع في إقامة دولتهم الصهيونية على أرض فلسطين العربية بحجة « تأمين المأوى والوطن لمئات الآلاف من اليهود المشردين الذين يعيشون في المعسكرات والملاجئ الأوروبية » ] ([5]) .

 

[  ومما يثير الدهشة . . . هو « هذا التعاون الفريد من نوعه بين السوفييت والاميركيين في المجالات العسكرية المتعلقة بتدريب الكوادر الصهيونية المقاتلة وتوفير طائرات الشحن الأميركية التي كان يقودها طيارون أميركيون محترفون لنقل السلاح وتهريب المتطوعين من الكتلة السوفييتية إلى داخل فلسطين »  ] ([6]) .

 

 

 

 

 

 

 

[ والعجيب أيضاً أن دول الكتلة السوفييتية بادرت إلى الإعتراف بدولة إسرائيل بمجرد قيامها عام 1948م .

 

 

 

 

 

 

[ تعتبر روسيا من أولى الدول التي دعمت إنشاء دولة لليهود ، إذ اعترف الإتحاد السوفيتي بـ « دولة إسرائيل » ثلاثة أيام فقط بعد الإعلان عن قيامها .

 

 

 

 

بعد ذلك قامت تشيكوسلوفاكيا بتدعيم إسرائيل بالسلاح من أجل مساعدتها في خوضها للحرب الإسرائيلية العربية الأولى عام 1948 ،

 

 

 

 

كما تم تعيين غولدا مائير مبعوثة لدى الاتحاد السوفيتي يوم 2 سبتمبر من نفس السنة ] ([7]) .

 

 

 

 

[  وقد بدأت عمليات الإطاحة بالإخوان المسلمين فى أواخر شهر يوليو سنة 1965 وأعلن عنها عبد الناصر فى موسكو لأول مرة . . وموسكو بالذات . . يوم 29 أغسطس سنة 1965 . .

 

 

 

 

ونشرت عنها الصحف التحقيقات التى أملاها عليها رجال السلطة عن اعترافات منسوبة للمقبوض عليهم طوال شهر سبتمبر . . ] ([8]) .

 

 

 

 

[  ومن الغريب أن نفس يوم انتهاء المحاكمات كان هو نفس يوم مغادرة اليكسي كوسيجين رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى لمصر والتى بدأها يوم 9 مايو . .

ويا للمصادفة . . . فإن الإعلان عن القضية لأول مرة كان فى موسكو وأعلنه الرئيس السابق عبد الناصر يوم 29 أغسطس سنة 1965. . . وانتهاء محاكمة أعضاء التنظيم كان فى نفس يوم مغادرة كوسيجين من القاهرة... وكأنه غادرها بعد أن اطمأن أن المؤامرة السوفيتية على الإسلام قد نجحت ] ([9]) .

قضية مخابراتية !

فقضية الشهيد سيّد قطب ورفاقه رحمهم الله تعالى هي ليست قضية الإنحراف عن العقيدة والسنة ، كما تحرّكها وتُظهرها أجهزة المخابرات الدولية ، والتي وقع في مصيدتهـا بعض الشيوخ والمسلمين ، بل هي محاربة الإسلام بذاته ومحاولة تشويه صورته الناصعة ! 

وهذه المكيدة معروفة من قديم ، حيث إذا سقط أصحاب الفكر فسوف تسقط فكرتهم معهم !

جاء في بروتوكولات حكماء صهيون :

[  لقد عنينا عنـاية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين من الأمميين [ غير اليهود ] في أعين الناس ، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم التي كان يمكن أن تكون عقبة كئودًا في طريقنا .

إن نفوذ رجال الدين على الناس ليتضاءل يومًا فيومًا  ] ([10]) .

فالمسلم الذي يحارب الشهيد سيّد قطب قد يتخندق مع أعداء الله ورسوله وهو لا يعلم ! فمن كثَّر سواد قوم فهو منهم !

 

 



([1])  في ظلال القرآن ( 2 / 1032 – 1034 ) .

 

([2])  لماذا أعدموني ؟ ص 8 – 9 .

([3])  الموتى يتكلمون – سامي جوهر . ص 8 .

([4])  في وقته .

([5])  مقدمة كتاب « الاتحاد السوفييتي وتأسيس دولة إسرائيل » للدكتور امين عبدالله محمود.

([6])  المرجع السابق - المقدمة.

([7])  روسيا وإسرائيل: نظرة في العلاقات التاريخية وفي الامتزاج الثقافي والمجتمعي – هشام داوود

([8])  الموتى يتكلمون . ص 33 .

([9]) المصدر السابق .

([10])  الخطر اليهودي – بروتوكولات حكماء صهيون – محمد خليفة التونسي – البروتوكول السابع عشر .  ص : 187 .