اتهام سيّد قطب بالسخرية من مقام النبوة وموسى عليه السلام… فرية لا تصمد أمام نصوصه
حين تُنتزع العبارات من سياقها… ويُترك الكتاب كله!
من التهم التي تتكرر بين حين وآخر في سياق الهجوم على الشهيد سيّد قطب رحمه الله، اتهامه بالسخرية من مقام النبوة، أو الانتقاص من موسى عليه السلام، أو الإساءة إلى بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وهذه التهمة ليست جديدة، كما أنها ليست الوحيدة التي وُجّهت إليه؛ فقد تتابعت حول الرجل اتهامات متعددة، كثير منها يقوم على اقتطاع عبارة من سياقها، أو تحميل لفظٍ ما معنى لا يحتمله السياق الذي ورد فيه، ثم بناء حكم واسع على ذلك.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال المنهجي واضحًا:
هل نقرأ كلام سيّد قطب في سياقه الكامل، أم نكتفي بجملة مقتطعة ثم نبني عليها حكمًا على الرجل كله؟
أولًا: الخلاف مع سيّد قطب لا يبرر تشويه عباراته
يمكن لأي باحث أن يختلف مع سيّد قطب في تفسيره لبعض الآيات، أو في بعض اجتهاداته الفكرية، أو في بعض تعبيراته وأحكامه.
وهذا أمر طبيعي في مجال الفكر والتفسير.
لكن شيئًا آخر تمامًا أن تُنسب إليه عقيدة أو إساءة إلى مقام النبوة، ثم يُستدل على ذلك بعبارة مبتورة أو نصٍّ لم يُقرأ في سياقه.
فالعدل في الحكم على الأشخاص يقتضي أن تُجمع نصوصهم في الباب الواحد، وأن تُقرأ في سياقها، وأن يُفرَّق بين:
الخطأ في التعبير، والخطأ في الاجتهاد، وبين قصد الإساءة إلى نبي من أنبياء الله.
وهذه فروق لا يجوز تجاوزها.
ثانيًا: كيف كان سيّد قطب ينظر إلى موسى عليه السلام؟
من يقرأ في ظلال القرآن يجد حضورًا واضحًا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويجد سيّد قطب يستعرض قصصهم باعتبارها دروسًا في الإيمان والصبر ومواجهة الطغيان وإقامة الحق.
وقصة موسى عليه السلام على وجه الخصوص تحتل مساحة واسعة في تفسيره؛ لأنها – في نظره – تمثل مواجهة نبيٍّ من أنبياء الله لطاغية متجبر هو فرعون.
فكيف يستقيم بعد ذلك أن يُختزل موقفه من موسى عليه السلام في عبارة تُفهم بمعنى السخرية أو الانتقاص، مع أن سياق تفسيره كله قائم على إبراز مكانة موسى ورسالته وصراعه مع الطغيان؟
إن النقد العلمي لا يكتفي بعبارة منفردة، وإنما ينظر إلى السياق العام، والمصطلحات المستعملة، والموضوع الذي يتحدث فيه الكاتب، ومجموع نصوصه في المسألة نفسها.
ثالثًا: سيّد قطب كان يرى في قصص الأنبياء سننًا تتكرر في التاريخ
من الأفكار المركزية في في ظلال القرآن أن قصص الأنبياء ليست مجرد حكايات تاريخية، وإنما تحمل سننًا ودروسًا تتكرر في حياة الأمم.
ولهذا كان سيّد قطب يقارن بين موقف فرعون من موسى عليه السلام، ومواقف الطغاة من دعوات الإصلاح في مختلف العصور.
فعندما يفسر قول فرعون وملئه:
﴿إِنْ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾
كان يركز على إدراك السلطة الفرعونية لخطر الدعوة على سلطانها؛ لأن دعوة الأنبياء – في تصوره – لا تتعلق بالعبادة الفردية وحدها، بل تحمل رسالة تحرر الإنسان من الخضوع للطغيان.
ومن هنا جاء حديثه المتكرر عن فرعون، والطغيان، والحاكمية، وتحرير الإنسان من عبودية البشر.
وهذا هو سياق الكلام الذي ينبغي أن يُقرأ فيه النص، بدل تحويله إلى اتهام عقدي بمجرد اقتطاع عبارة من سياقها.
رابعًا: من الخطأ تحويل كل تعبير شديد إلى تهمة في العقيدة
سيّد قطب كاتب ذو أسلوب أدبي قوي، وتفسيره مليء بالتعبيرات البلاغية والصور الأدبية والمقارنات الحادة.
وقد يُناقش الباحث بعض هذه التعبيرات، وقد يرى أن بعضها كان يمكن أن يكون أدق وأهدأ.
لكن هذا شيء، والقول بأنه كان يسخر من الأنبياء شيء آخر.
فليس كل تعبير أدبي شديد سخريةً، وليس كل استعارة انتقاصًا، وليس كل نقد لموقفٍ تاريخي طعنًا في صاحبه.
وهنا تظهر أهمية القراءة المتأنية للنصوص.
خامسًا: حتى الخلاف مع سيّد قطب يجب أن يكون منصفًا
لسنا بحاجة إلى القول إن سيّد قطب معصوم من الخطأ؛ فهو بشر يجتهد ويصيب ويخطئ.
ولسنا بحاجة كذلك إلى رفض كل نقد موجّه إليه.
بل يمكن أن نقول بوضوح:
هناك عبارات في كتبه يمكن مناقشتها، وهناك اجتهادات يمكن نقدها، وهناك مواضع تحتاج إلى تحرير ومراجعة.
لكن النقد شيء، واختلاق التهم شيء آخر.
وإذا كانت هناك عبارة يُستدل بها على أنه أساء إلى نبي من الأنبياء، فالمطلوب ببساطة:
إيراد النص كاملًا، وبيان سياقه، وشرح وجه الدلالة عليه، ثم مقارنة ذلك بسائر كلامه في الموضوع.
أما الاقتصار على جملة مبتورة، ثم بناء حكم عقدي خطير عليها، فليس هو الطريق الصحيح للبحث العلمي.
سادسًا: لماذا تتكرر هذه الاتهامات؟
عندما يصبح شخص ما رمزًا فكريًا مختلفًا عليه، تتحول بعض عباراته إلى مادة دائمة للجدل.
وقد يُعاد نشر مقطع صغير من كتاب ضخم، ثم يُبنى عليه تصور كامل عن صاحبه.
وهذا لا يخص سيّد قطب وحده؛ فكم من عالم أو مفكر أُخذت له عبارة من سياقها، ثم أصبحت هذه العبارة مفتاحًا للحكم على كتبه كلها!
ولهذا فإن المنهج الصحيح لا يقوم على:
«قال كذا، إذن هو كذا».
بل يقوم على:
ماذا قال؟
وفي أي سياق قاله؟
وماذا قصد به؟
وكيف استخدم المصطلح في بقية كتبه؟
وهل توجد نصوص أخرى تفسر مراده؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح.
سابعًا: النصوص الكاملة أقوى من الاتهامات المرسلة
من يقرأ في ظلال القرآن يجد أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حاضرون في الكتاب بوصفهم حملة رسالة، ودعاة توحيد، ورموزًا للصبر والثبات في مواجهة الباطل.
ويجد أن الحديث عن موسى عليه السلام يأتي في إطار قصة نبي كريم أرسله الله إلى فرعون، وأن الصراع الذي يعرضه سيّد قطب هو صراع الرسالة مع الطغيان، لا صراعًا مع مقام النبوة.
ومن هنا فإن اتهامه بالسخرية من موسى عليه السلام يحتاج إلى أكثر من مجرد نقل جملة مجتزأة.
يحتاج إلى دليل واضح، وسياق كامل، وقراءة منصفة لمجموع كلامه.
الخلاصة
ليس المطلوب أن نُقدّس سيّد قطب، ولا أن نمنحه حصانة من النقد.
بل المطلوب فقط أن نكون عادلين في النقد.
فإذا أخطأ، نبيّن خطأه بالدليل.
وإذا كانت له عبارة غير موفقة، نناقشها بموضوعية.
وإذا كان له اجتهاد يخالفنا، نرد عليه بالحجة.
أما أن تُقتطع عبارة من سياقها، ثم تُبنى عليها تهمة خطيرة من قبيل السخرية من مقام النبوة أو الانتقاص من موسى عليه السلام، فهذا يحتاج إلى برهان لا إلى مجرد تكرار الاتهام.
فالعبارة لا تُفهم وحدها، والكتاب لا يُحاكم بجملة، والكاتب لا يُحكم عليه من مقطع مبتور.
ومن أراد أن يحاكم سيّد قطب رحمه الله، فليقرأ نصوصه كاملة، وليضع كل عبارة في سياقها، ثم ليصدر حكمه بعد ذلك.
أما أن يتحول الاجتزاء إلى دليل، والتكرار إلى حقيقة، والاتهام إلى مسلَّمة، فذلك ليس من الإنصاف الذي ينبغي أن يتحلى به الباحث عن الحق.
رحم الله سيّد قطب، وغفر له، وجعلنا وإياه ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
المراجع
سيّد قطب، في ظلال القرآن، المواضع المشار إليها في المقال الأصلي.
سورة الأعراف، الآيات المتعلقة بقصة موسى عليه السلام وفرعون.
تنبيه توثيقي: الأفضل عند نشر المقال إرفاق صورة الصفحة الأصلية من في ظلال القرآن مع كل موضع يُستدل به؛ لأن ذلك أقوى في الرد على دعوى الاقتطاع، ويتيح للقارئ مراجعة السياق بنفسه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق