الجمعة، 4 سبتمبر 2026

رسالة إلى شباب الصحوة الإسلامية: أعيدوا ترتيب الأولويات

 

🟥 حين تضيع القضايا الكبرى وسط الخلافات الصغرى

رسالة إلى شباب الصحوة الإسلامية: أعيدوا ترتيب الأولويات

قلبي مع شباب الصحوة الإسلامية؛ أولئك الذين عملوا كثيرًا من أجل الإسلام، وما زال يُنتظر منهم أن يعملوا أكثر، وأن يحملوا الرسالة بوعيٍ أعمق، وفقهٍ أوسع، ونظرٍ أبعد.

لقد حملوا همَّ الأمة، ووقفوا في ميادين صعبة، وقدموا تضحيات كبيرة في مواجهة الاحتلال والظلم والعدوان، في أفغانستان والجزائر وفلسطين وغيرها.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا أمامنا دائمًا هو:

هل تحرير الأرض هو نهاية الطريق؟ أم أنه جزء من مشروع إسلامي وحضاري أكبر؟

إن تحرير الأرض من الاحتلال الأجنبي هدف عظيم، ولا يمكن الاستهانة به، لكنه ليس كل ما نعمل له.

فنحن لا نريد مجرد دولة تحمل اسم الإسلام، ولا مجرد انتصار سياسي عابر، ولا تبديل راية بأخرى.

نحن نريد مشروعًا يعيد للإنسان كرامته، وللعدل مكانه، وللحرية معناها، وللوحي حضوره في الحياة، وللحضارة صلتها بالله وهدايته.


🟥 ليست القضية أن ننتصر فقط... بل أن نعرف لماذا ننتصر

إن الإسلام لم يأتِ ليصنع قومية جديدة، ولا ليقيم مجدًا لشعب على حساب شعب، وإنما جاء برسالة تتجاوز حدود العرق واللغة والجغرافيا.

فالغاية ليست أن تكون الدولة عربية فحسب، ولا أن تكون إسلامية في الاسم والشعار، وإنما أن تكون عادلة في جوهرها، راشدة في نظامها، حافظة لكرامة الإنسان وحقوقه.

ولهذا كانت الرسالة التي عبّر عنها أحد المسلمين في صدر الإسلام أمام الفرس بالقول إنهم جاءوا لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد، تعبيرًا عن جوهر عظيم:

تحرير الإنسان قبل كل شيء.

تحريره من الاستبداد، ومن الاستعباد، ومن الظلم، ومن الخوف، ومن كل سلطة تجعل الإنسان تابعًا لإنسان مثله.


🟥 أخطر ما يهدد الصحوة: اختلال ترتيب الأولويات

إنني أنظر باهتمام شديد إلى الجو الفكري الذي يسود ميدان الصحوة الإسلامية، وأتابع مدَّه وجزره، وخيره وشره، وصوابه وخطئه.

وأعتقد أن الصحوة كلما اقتربت من الحق، واتسع أفقها، وأحسنت ترتيب أولوياتها، كانت أقرب إلى تحقيق رسالتها.

لكن المشكلة تظهر عندما تتراجع القضايا الكبرى في الوعي، وتتضخم القضايا الجزئية حتى تصبح هي معيار التدين كله.

عندها قد يتحول الدين في أذهان بعض الشباب من مشروع هداية وإصلاح وعدل وكرامة إلى مجموعة من المسائل المتفرقة التي يخاصم بعضهم بعضًا حولها.

هل لمس المرأة ينقض الوضوء؟

هل قراءة الإمام تكفي عن المأموم؟

هل البسملة جهرًا أم سرًا؟

هل هذه المسألة سنة أم واجبة؟

وكلها مسائل لها قيمتها العلمية، ولا يجوز السخرية منها أو إلغاؤها.

لكن السؤال الأهم: هل أخذت هذه المسائل حجمها الطبيعي، أم ابتلعت القضايا الكبرى؟


🟥 المستبد لا يخاف كثيرًا من خلافٍ لا يمسه

إن السلطات المستبدة، قديمًا وحديثًا، لا يزعجها كثيرًا أن ينشغل الناس بخلافات علمية لا تمس بنيان الاستبداد.

لا مشكلة عند المستبد أن تختلف الجماهير طويلًا حول مسألة فقهية جزئية.

لكن عندما يبدأ السؤال الحقيقي:

هل السلطة لخدمة الإنسان أم لإخضاعه؟

هل المال العام ملكٌ للأمة أم غنيمةٌ لفئة؟

هل الناس يولدون أحرارًا أم يُراد لهم أن يعيشوا تحت الخوف والقهر؟

أين العدل؟ وأين الشورى؟ وأين حرية الإنسان وكرامته؟

هنا تبدأ الأسئلة التي تغيّر الواقع فعلًا.

ولهذا فإن النهضة التي لا تعرف أسباب هزائمها السابقة قد تعيد إنتاج الهزيمة نفسها بأشكال جديدة.


🟥 لا يمكن أن نبني نهضة ونحن نجهل أسباب سقوطنا

لو كانت أنظمة الحكم أكثر عدلًا، وكانت الحرية أوسع، وكانت المؤسسات أكثر قوة، وكان الإنسان أكثر كرامة، لكان من الصعب أن تجد قوى الاستعمار الطريق ممهدًا إلى بلادنا.

إن الاستعمار لا يدخل أرضًا من فراغ؛ وإنما يجد في كثير من الأحيان أبوابًا داخلية فتحتها عوامل الضعف والاستبداد والتمزق والتخلف.

ولهذا فإن مشروع النهضة الإسلامية لا ينبغي أن يكتفي بمقاومة المحتل، بل عليه أن يسأل أيضًا:

لماذا أصبحنا قابلين للاحتلال أصلًا؟

وما الذي جعل أمتنا تفقد قوتها؟

وكيف نستعيد قدرتنا على إنتاج العلم، وبناء المؤسسات، وتحقيق العدل، وصيانة الحرية، وتربية الإنسان؟


🟥 وماذا عن الفن والثقافة؟

وهنا تظهر قضية أخرى.

لقد أدى بعض الخطاب المتشدد إلى تقديم الإسلام أحيانًا بصورة توحي بأن الدين في حرب مع كل فن، وكل جمال، وكل تعبير إنساني.

وهذا اختزال شديد.

المشكلة ليست في وجود الفن من حيث هو فن، وإنما في المضمون والقيمة والأثر.

يمكن للمجتمع أن يرفض الابتذال والانحلال، دون أن يجعل من الإسلام عدوًا للجمال والإبداع.

يمكن أن نقول:

نريد فنًا راقيًا، لا فنًا يفسد الإنسان.

نريد ثقافة تبني الوعي، لا ثقافة تهدم القيم.

نريد إبداعًا يخدم الإنسان، لا إبداعًا يحوله إلى سلعة.

وهكذا يصبح الخطاب الإسلامي أكثر قدرة على الإقناع، بدل أن يترك الساحة لخصومه ليقدموا الإسلام باعتباره خصمًا للفن والحياة والجمال.


🟥 أخطر من التعصب المذهبي: الاجتهاد الصبياني

أنا لا أدعو إلى التعصب المذهبي، ولا أرى التقليد المذهبي فضيلة في ذاته.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الاجتهاد المنضبط وبين أن يقرأ شاب بعض الأحاديث، ثم يتصور أنه أصبح قادرًا على إسقاط جهود أئمة كبار عاشوا عمرًا في الفقه والحديث والأصول.

لقد أنتج هذا الفهم أحيانًا مشكلات مؤلمة.

فيقال:

الإمام مالك أخطأ لأنه لم يفعل كذا!

وأبو حنيفة خالف السنة لأنه لم يأخذ بهذه المسألة!

والشافعي لم يبلغ الحديث الفلاني!

وأحمد خالف الدليل في المسألة الفلانية!

وكأن أئمة الإسلام كانوا عاجزين عن فهم النصوص، بينما جاء متأخر لم يدرس أصول الفقه دراسة كافية ليكتشف ما غاب عنهم!

وهذا ليس تجديدًا في الفقه؛ بل قد يكون أحيانًا جهلًا بفقه الاختلاف.

فالخلاف بين الأئمة لم يكن لأن أحدهم يحب السنة والآخر يكرهها، وإنما لأنهم اختلفوا في ثبوت الدليل، أو فهمه، أو دلالته، أو الجمع بين النصوص، أو قواعد الترجيح.

ومن هنا فإن التقليد المنضبط أقل خطرًا من اجتهادٍ غير مؤهل يتوهم صاحبه أنه يملك أدوات العلماء.


🟥 لا تحاربوا المذاهب... حاربوا الجمود والتعصب

إن المذاهب الفقهية ليست أديانًا متعددة، وإنما هي مدارس علمية داخل دائرة الإسلام.

وفيها اجتهادات عظيمة، ومناهج دقيقة، وتراث فقهي ضخم.

والمشكلة ليست في وجود المذهب، وإنما في أن يتحول إلى تعصب يمنع قبول الحق.

كما أن المشكلة ليست في ترك التقليد، وإنما في أن يتحول ترك التقليد إلى فوضى فقهية، يختار فيها كل شخص ما يعجبه من الأقوال، أو يستخرج حكمًا من حديث واحد دون معرفة بمجموع الأدلة وقواعد الاستنباط.

إن الأمة تحتاج إلى فقهٍ يجمع بين النص والعقل، وبين أصالة السلف وخبرة الخلف، وبين احترام التراث والقدرة على التعامل مع الواقع.


🟥 نحن بحاجة إلى إعادة بناء الوعي الإسلامي

لقد كان علماء المدارس الإسلامية الكبرى، وفي مقدمتها الأزهر في مراحل ازدهاره، أكثر قدرة على استيعاب تنوع العلوم الإسلامية؛ فكان العالم يدرس الفقه وأصوله، والتفسير والحديث، والعقيدة، ويعرف مذاهب العلماء وأوجه الخلاف بينهم.

أما عندما يتراجع العلم، ويتصدر غير المتخصصين، يصبح المجال مفتوحًا لكل من يقرأ كتابًا أو عدة كتب ثم يتصور أنه امتلك مفاتيح الإسلام كلها.

ومن هنا تنتشر أحيانًا:

سطحية في الفقه،
وتضييق في العقيدة،
وسوء فهم للخلاف،
وتشدد في الجزئيات،
وتقصير في القضايا الكبرى.

وهذا كله يحتاج إلى علاج علمي هادئ، لا إلى صراخ جديد يضيف خلافًا إلى الخلاف.


🟥 رسالة أخيرة إلى شباب الصحوة

يا شباب الصحوة الإسلامية...

لا تتخلوا عن حماسكم، بل زيدوه علمًا.

ولا تتخلوا عن غيرتكم على الإسلام، بل زيدوها فقهًا.

ولا تتركوا قضايا الأمة الكبرى من أجل أن تغرقوا في معارك صغيرة.

اعرفوا أصول دينكم، وافهموا مقاصده، واحترموا علماءه، وتعلموا فقه الاختلاف، ولا تجعلوا من المسائل الاجتهادية معارك إيمان وكفر وسنة وبدعة.

إن الأمة لا تحتاج إلى مزيد من التنازع حول الهوامش بقدر حاجتها إلى رجال يعرفون أين يقع مركز الدائرة.

نحتاج إلى من يدافع عن العدل كما يدافع عن العقيدة.

ويدافع عن الحرية والكرامة كما يدافع عن الأحكام.

ويهتم ببناء الإنسان كما يهتم ببناء الدولة.

ويقرأ التاريخ لا ليبكي على أمجاد الماضي، وإنما ليفهم كيف قامت الحضارة، ولماذا سقطت، وكيف يمكن أن تنهض من جديد.

إن الإسلام الذي نحمله ليس مجموعة مسائل متناثرة، وإنما منهاج حياة ورسالة للإنسان.

ولهذا فإنني مع القافلة الكبرى للإسلام؛ تلك القافلة التي تعاقب فيها العلماء والمصلحون، وتعلم فيها اللاحق من السابق، واجتهد فيها كل جيل بما يناسب زمانه، دون أن يقطع صلته بجذوره.

ولعل من أجمل ما يلخص هذا المعنى قول الله تعالى:

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ۚ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

فالنهضة لا تبدأ بكثرة الصراخ...
بل تبدأ بصحة الوعي.

ولا تبدأ بتكثير الخصوم...
بل بحسن ترتيب الأولويات.

ولا تبدأ بإلغاء تراث الأمة...
بل بفهمه، ونقده، والبناء عليه.

إن أكبر خدمة نقدمها للإسلام اليوم أن نعيد للقضايا الكبرى مكانتها في وعي المسلمين.


✦ الخلاصة

حين تصبح المسائل الصغيرة أكبر من قضايا العدل والحرية والكرامة، يختل ميزان الوعي.

وحين يعرف المسلم ما هو ثانوي وما هو أساسي، وما هو قطعي وما هو اجتهادي، وما هو خلاف تنوع وما هو خلاف تضاد، يبدأ الفقه الحقيقي.

تلك هي الصحوة التي نحتاجها:
صحوةٌ لا تطفئ الحماس، بل تهذبه.
ولا تلغي التراث، بل تفهمه.
ولا تهرب من النص، بل تحسن فهمه.
ولا تنشغل بالهوامش، وتنسى قضايا الأمة الكبرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق