🟥 حين تتحول زكاة الفطر والمولد إلى معركة كبرى!
نقد اختلال الأولويات في الخطاب المدخلي
هناك مشكلة حقيقية لا يمكن تجاهلها في الخطاب الإسلامي المعاصر، ولا سيما في بعض التيارات السلفية المدخلية، وهي اختلال ترتيب الأولويات.
والمشكلة ليست أن يتحدث المسلم عن زكاة الفطر، أو يبحث حكم الاحتفال بالمولد النبوي، أو يناقش مسائل الفقه والخلاف بين العلماء.
فهذه مسائل لها مكانها، والبحث العلمي فيها مشروع.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه المسائل هي مركز الهمّ الإسلامي، بينما تتحول القضايا الكبرى إلى هامش لا يكاد يُذكر.
وكأن الأمة لا ينقصها إلا أن تحسم معركة:
هل زكاة الفطر تُخرج طعامًا أم قيمة؟
وكأن مصير الإسلام والمسلمين متوقف على:
هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة أم جائز؟
وكأننا أمام معركة بدر الكبرى!
🟥 معركة على زكاة الفطر... وأين المعارك الكبرى؟
من المدهش أن ترى بعض الخطابات الإسلامية تستنفر طاقتها، وتستخدم أشد العبارات، وتفتح أبواب التبديع والتخطئة والتشنيع بسبب مسألة زكاة الفطر: طعامًا أم قيمة.
ثم تنظر إلى القضايا الكبرى التي تعصف بالأمة، فلا تجد الحماس نفسه.
أين الحديث عن العدل؟
أين الحديث عن الاستبداد؟
أين الحديث عن الفساد ونهب المال العام؟
أين الحديث عن كرامة الإنسان وحريته؟
أين الحديث عن الفقر والجهل والتخلف؟
أين الحديث عن التعليم والبحث العلمي وبناء المؤسسات؟
أين الحديث عن استقلال القرار السياسي ومصالح الأمة؟
أين الحديث عن أسباب تخلف المسلمين، وأسباب سقوط حضارتهم، وكيف يمكن أن يستعيدوا قدرتهم على صناعة المستقبل؟
هل كانت مشكلة الأمة الكبرى يومًا في أن بعض المسلمين أخرجوا زكاة الفطر نقودًا؟
🟥 والمولد النبوي... معركة لا تنتهي!
ثم تأتي قضية المولد النبوي.
فتجد بعض الخطابات تتعامل معها وكأنها أم القضايا الإسلامية، وكأن الاحتفال بذكرى مولد رسول الله ﷺ هو الخطر الأكبر الذي يهدد العقيدة، بينما هناك قضايا مصيرية تمر أمام أعيننا ولا تجد عشر هذا الاهتمام.
يُكتب المقال تلو المقال.
وتُسجّل الخطب والمحاضرات.
وتُشن الحملات.
ويُتهم المخالف بالبدعة.
وتُستخرج النصوص.
وتُستدعى أقوال العلماء.
ثم يصبح السؤال:
هل يجوز أن يفرح المسلم بمولد النبي ﷺ؟
حسنًا، ناقش المسألة علميًا.
لكن بعد أن تنتهي من هذه المسألة:
ماذا صنعت لقضية العدل؟
ماذا قدمت للعلم؟
ماذا قدمت للفقراء؟
ماذا قدمت لبناء الإنسان؟
ماذا قدمت لمقاومة الفساد؟
ماذا قدمت لإصلاح التعليم؟
ماذا قدمت لنهضة الأمة؟
هنا ينبغي أن نتوقف طويلًا.
🟥 المشكلة ليست في زكاة الفطر ولا في المولد
ولكي يكون الكلام منصفًا:
نحن لا نقول إن زكاة الفطر مسألة تافهة.
وليست قضية المولد قضية بلا قيمة.
ولا نقول إن المسلم لا ينبغي أن يتعلم أحكام عباداته.
بل نقول شيئًا أبسط وأعمق:
ليست كل مسألة مهمة بالدرجة نفسها، وليست كل معركة فقهية جديرة بأن تحتل المساحة نفسها من وعي الأمة.
يمكنك أن تبحث في حكم إخراج زكاة الفطر نقدًا.
ويمكنك أن تناقش حكم المولد.
لكن لا تجعل هذه القضايا ميزان الولاء والبراء، ومعيار السنة والبدعة، ومقياس صلاح الناس وفسادهم.
فهنا يبدأ الخلل.
🟥 حين يصبح المختلف في الفروع أخطر من الظالم
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
قد تجد شخصًا يبالغ في الإنكار على مسلم لأنه أخرج زكاة الفطر مالًا، أو لأنه احتفل بالمولد، بينما لا نجد منه الغضب نفسه تجاه الظلم والفساد والاستبداد.
يستطيع أن يكتب عشرات الصفحات في:
"زكاة الفطر طعام لا نقود!"
لكنه قد لا يكتب صفحة واحدة عن:
"أموال الأمة ليست ملكًا للحاكم."
ويستطيع أن يخوض معركة طويلة حول:
"المولد بدعة!"
لكن أين المعركة ضد:
الفساد؟
أين المعركة ضد:
الظلم؟
أين المعركة ضد:
إذلال الإنسان؟
أين المعركة من أجل:
الحرية والعدل والكرامة؟
هنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل اختلت البوصلة؟
🟥 المستبد يحب هذا النوع من المعارك!
وهذه من أخطر النقاط.
فالسلطة المستبدة لا تخاف كثيرًا من مجتمع منشغل بالخلافات الفقهية الصغيرة، ولا تقلق كثيرًا من عشرات المناظرات حول مسائل لا تمس بنيان الظلم.
بل قد يكون من مصلحتها أن يبقى الناس مشغولين ببعضهم:
هذا مبتدع!
وهذا مخالف للسنة!
وهذا قبوري!
وهذا حزبي!
وهذا يخرج زكاة الفطر نقودًا!
وهذا يحتفل بالمولد!
وهكذا تستمر المعركة...
والظلم في مكانه.
والفساد في مكانه.
والفقر في مكانه.
والجهل في مكانه.
والتخلف في مكانه.
وهنا ندرك أن المشكلة ليست في وجود الخلاف الفقهي، وإنما في أن يصبح الخلاف الفقهي ستارًا يحجب القضايا التي تحتاج الأمة إلى مواجهتها.
🟥 يا شباب الصحوة... لا تجعلوا الإسلام كله في "قالوا وقلنا"
يا شباب الصحوة الإسلامية...
إن الإسلام أكبر من أن تختزلوه في معركة لا تنتهي حول فرع فقهي.
وأكبر من أن يتحول إلى قائمة طويلة من:
هذا بدعة...
وهذا ضلال...
وهذا مخالف للسنة...
وهذا لا يجوز...
الإسلام عقيدة وعبادة وأخلاق وعدل ورحمة وعمران ومسؤولية.
والنبي ﷺ لم يأتِ ليجعل الأمة أمةً تتنازع إلى الأبد حول الجزئيات، وإنما جاء ليخرج الإنسان من الظلم إلى العدل، ومن الجهل إلى العلم، ومن الاستعباد إلى الكرامة، ومن الفوضى إلى العمران.
🟥 لا نريد صحوةً تحفظ الفروع وتنسى المقاصد
نحن بحاجة إلى صحوة تعرف مراتب الأحكام ومقاصد الشريعة وأولويات الأمة.
صحوة تعرف أن:
العقيدة مهمة، والعدل مهم.
العبادة مهمة، وحقوق الناس مهمة.
السنة مهمة، ورفع الظلم مهم.
الفقه مهم، والعلم مهم.
زكاة الفطر مهمة، لكن محاربة الفقر أهم في حياة الأمة من تحويل مقدار إخراجها إلى معركة تلتهم الخطاب كله.
والحديث عن المولد مشروع لمن أراد أن يبحث فيه، لكن لا يجوز أن يصبح المولد القضية التي تختزل فيها معركة الإسلام كلها.
🟥 لا تجعلوا من الخلاف الفقهي حربًا دينية
إن أئمة الإسلام اختلفوا في مسائل كثيرة، ومع ذلك بقي بعضهم يحترم بعضًا، ويعرف لكل مجتهد قدره.
أما أن يتحول الخلاف في مسألة اجتهادية إلى حرب على الأشخاص، وتصنيف للناس، وتبديع للمخالف، وإسقاط له، فهذه ليست قوة في المنهج.
هذه علامة على ضيق الأفق.
والأخطر من ذلك أن ينشأ جيل يعرف عشرات المسائل الخلافية، لكنه لا يعرف شيئًا عن:
فقه الأولويات.
ولا عن:
مقاصد الشريعة.
ولا عن:
سنن النهوض والسقوط.
ولا عن:
أسباب تخلف المسلمين.
ولا عن:
كيف تبنى الدولة العادلة؟
ولا عن:
كيف يصنع المسلمون العلم والاقتصاد والمؤسسات والحضارة؟
🟥 ليست المشكلة أن تتحدث عن التفاصيل... بل أن تنسى الأصل
فليخرج من شاء زكاة الفطر طعامًا.
وليخرجها من شاء مالًا وفق اجتهاد من يقلده.
وليناقش من شاء حكم المولد.
وليعارضه من شاء.
ولكن لا تجعلوا هذه القضايا أكبر من حجمها.
فالأمة التي تعرف كل تفاصيل الخلاف حول زكاة الفطر، ولا تعرف لماذا تأخرت عن الأمم في العلم والتقنية والاقتصاد، أمة تحتاج إلى مراجعة أولوياتها.
والأمة التي تستطيع أن تخوض معركة لا تنتهي حول المولد، ثم تعجز عن إنتاج مشروع حضاري، تحتاج إلى أن تسأل نفسها:
أين ذهبت طاقتنا؟
🟥 المعركة الحقيقية أكبر من ذلك بكثير
إن المعركة الحقيقية ليست أن ينتصر رأي فقهي على رأي فقهي.
وليست أن يهزم فريقٌ فريقًا في مناظرة حول المولد.
المعركة الحقيقية هي:
كيف نعيد للإنسان المسلم كرامته؟
كيف نقيم العدل؟
كيف نحارب الفساد؟
كيف نحرر العقل من الجهل والخرافة؟
كيف نبني تعليمًا قويًا؟
كيف نصنع اقتصادًا منتجًا؟
كيف نستعيد دور الأمة الحضاري؟
كيف نفهم أسباب سقوطنا بدل أن نبقى أسرى لتمجيد الماضي؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تحتل مركز الوعي.
🟥 كلمة أخيرة
نحن لا نطلب من أحد أن يترك الفقه.
ولا نطلب منه أن يتوقف عن دراسة السنة.
ولا نطلب منه أن يحتفل بالمولد أو أن يترك الاحتفال به.
نحن نطلب شيئًا واحدًا: أن يعرف حجم كل قضية.
فليس من الحكمة أن تجعل مسألة فقهية فرعية بحجم قضية العدل.
وليس من الفقه أن تجعل خلافًا اجتهاديًا حول المولد أكبر من قضية الظلم.
وليس من السنة أن تنشغل بمخالفك أكثر مما تنشغل بأمراض أمتك.
فإذا كان كل ما يشغل خطابك هو: زكاة الفطر طعامًا أم نقدًا، والمولد بدعة أم سنة، فأنت قد تكون ربحت معركة فقهية صغيرة... لكنك خسرت معركة الوعي الكبرى.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يُراجع الخطاب المدخلي نفسه:
هل نجح في ترتيب أولويات الأمة؟
أم أنه استنزف جزءًا كبيرًا من طاقة الصحوة في معارك جانبية، بينما بقيت القضايا الكبرى تنتظر من يضعها في مقدمة الاهتمام؟
إن الأمة لا تحتاج إلى من يزيد عدد المعارك بينها.
بل تحتاج إلى من يعرف أي المعارك تستحق أن تُخاض.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق